رواية قدر لا يشبهنا الفصل السابع 7 بقلم ايه محمود


 رواية قدر لا يشبهنا الفصل السابع 

حين يطمئن القلب دون إذن

خرج أسلم من مركز الشرطة بخطوات هادية، لكن عقله كان في مكان تاني خالص.

كان ماشي جنب روفانا، والاتنين ساكتين، وكل واحد فيهم غرقان في أفكاره.

أسلم كان بيحاول يستوعب اللي حصل من شوية.

رصاصة كانت ممكن تنهي حياته في لحظة!

والأغرب من الرصاصة نفسها، إن فيه حد وصل لدرجة إنه يحاول يقتله لمجرد إنه وقف في طريقه.

خسر شغله في الشركة، وبعده شغله التاني، وفي نفس اليوم اتعرض لمحاولة اغتيال!

كل ده في وقت قصير جدًا، لدرجة إنه مبقاش عارف يبدأ يفكر منين ولا إزاي.

أما روفانا، فكانت ماشية جنبه وهي كل شوية تبص له من طرف عينيها، تتأكد إنه كويس، وبعدين ترجع تبص قدامها بسرعة لما تحس إنه ممكن ياخد باله.

كان منظر الرصاصة وهي بتعدي قريب منه لسه قدام عينيها.

ولولا إنها لمحت النقطة الحمرا على هدومه في اللحظة المناسبة، مكنتش عارفة إيه اللي كان ممكن يحصل.

الغريب إنها، رغم خوفها، مكنتش خايفة على نفسها قد ما كانت خايفة عليه هو!

والإحساس ده كان مقلقها أكتر من أي حاجة تانية.

روفانا: أسلم...

أسلم، اللي كان سرحان، بص لها.

أسلم: أيوه؟

روفانا: إنت كويس؟ يعني... متأكد إنك كويس؟ مش حاسة إنك مستوعب اللي حصل أصلًا.

ابتسم ابتسامة بسيطة، لكنها كانت باهتة.

أسلم: الحمد لله، كويس.

روفانا: إنت بتقول الحمد لله على طول حتى وإنت في مصيبة؟

بصلها باستغراب بسيط، وبعدين ابتسم.

أسلم: أقول إيه يعني؟ الحمد لله في كل الأحوال. مش معنى إن حصلت حاجة وحشة إن الواحد ينسى كل الحاجات الكويسة اللي ربنا أنعم عليه بيها.

سكت لحظة، وبعدين كمل:

أسلم: وبعدين، أنا لسه عايش وبكلمك أهو. دي لوحدها نعمة تستاهل الحمد.

روفانا فضلت باصة له كام ثانية، وكأن كلماته البسيطة خلتها تبص للموقف من زاوية مختلفة.

كانت متوقعة إنه يكون غاضب، أو خائف، أو حتى منهار من اللي حصل.

لكن هو كان هادي بشكل غريب.

مش لأنه مش خايف، ولا لأنه مش حاسس بالخطر، لكن لأنه عنده حاجة جواه بتخليه يواجه كل ده بتسليم ورضا.

روفانا: أنا مش عارفة إزاي إنت هادي بالشكل ده.

أسلم: هو أنا هادي فعلًا؟

روفانا بصت له.

أسلم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

أسلم: صدقيني، أنا جوايا أسئلة كتير أوي، ومش لاقي إجابة لأي سؤال فيهم. بس مش كل حاجة بنخاف منها لازم نفضل واقفين قدامها. ساعات لازم نكمل، لحد ما نفهم.

روفانا نزلت عينيها للأرض.

روفانا: طب لو اللي حصل ده مش مجرد تهديد؟ لو الشخص ده كان فعلًا عايز يقتلك؟

أسلم سكت.

السؤال اللي هي قالته كان هو نفس السؤال اللي بيدور في دماغه من وقت ما خرج من القسم.

أسلم: يبقى لازم أعرف هو مين، وليه عايز يعمل كده.

روفانا: وإنت عندك شك في حد معين؟

بصلها، واتردد شوية قبل ما يرد.

أسلم: عندي.

روفانا: دانيال؟

أسلم مرفعش عينه عنها، لكنه استغرب إنها قالت الاسم بنفس السرعة دي.

أسلم: إنتِ كمان فكرتي فيه؟

روفانا: من ساعة ما خرجنا من القسم وأنا بفكر فيه. مش قادرة أصدق إن كل ده حصل في يوم واحد. الصبح كنت راجعة لشغلي، ولقيتك واقف قدام الشركة بعد ما خسرت شغلك، وبعدها عرفت إنك خسرت شغلك التاني، ودلوقتي حد بيحاول يقتلك!

اتنهدت، وكملت بصوت أوطى:

روفانا: ودانيال كان هددك قبل كده. هو شخص مش سهل، وأنا عارفة إنه ممكن يعمل أي حاجة لو حس إن حد وقف قصاده.

أسلم شد فكه وهو بيفتكر تهديدات دانيال ونظراته قبل ما يمشي من المول.

أسلم: أنا كمان فكرت فيه. بس لحد دلوقتي مفيش دليل يثبت إنه هو اللي ورا اللي حصل.

روفانا: يعني إنت مستبعد إنه يكون هو؟

أسلم: لأ، مش مستبعد. بالعكس، هو من أكتر الناس اللي عندي شك فيهم. بس الشك لوحده مش كفاية إني أتهم حد بحاجة بالحجم ده.

روفانا هزت راسها ببطء.

روفانا: عندك حق.

سكتوا شوية، وبعدها قالت وهي بتبص قدامها:

روفانا: أنا خايفة.

أسلم لف ناحيتها.

مكنش متوقع يسمع منها الاعتراف ده بالشكل المباشر ده.

روفانا كانت دايمًا بتحاول تبان قوية، حتى في أصعب المواقف. كانت بتواجه دانيال، وبتواجه مشاكل شغلها، وبتحاول تثبت لنفسها قبل أي حد إنها قادرة تتحكم في حياتها.

لكن المرة دي صوتها كان مختلف.

أسلم: خايفة من إيه؟

روفانا ابتلعت ريقها، وحاولت ترتب أفكارها.

روفانا: خايفة يكون دانيال فعلًا هو اللي عمل كده. وخايفة لو كان هو، ميقفش عند كده. وخايفة...

سكتت فجأة.

أسلم: خايفة على إيه؟

بصت له، وبعدين قالت بصوت خافت:

روفانا: عليك.

الكلمة خرجت منها من غير تفكير.

وأول ما قالتها، حست إنها قالت أكتر مما كانت ناوية تقوله.

أسلم نفسه اتفاجئ.

فضل باصص لها للحظات، مش عارف يرد بإيه.

أما هي، فحاولت تداري ارتباكها بسرعة.

روفانا: أقصد... يعني، إنت اتعرضت للخطر بسببي قبل كده، ودلوقتي اللي بيحصل ده ممكن يكون ليه علاقة باللي حصل بينك وبين دانيال في المول. فطبيعي أقلق عليك.

هز أسلم راسه بهدوء، وكأنه متفهم كلامها، لكنه كان حاسس بحاجة مختلفة.

أسلم: وأنا كمان قلقان عليكِ.

المرة دي روفانا هي اللي سكتت.

أسلم كمل:

أسلم: دانيال مش هيأذيكي بسهولة طول ما إنتِ واخدة بالك منه، بس لازم تبقي حذرة. ومتستهونيش بأي تهديد يصدر منه، حتى لو حسيتي إنه مجرد كلام.

روفانا: يعني إنت شايف إنه ممكن يأذيني أنا كمان؟

أسلم: أنا شايف إن الشخص اللي يقدر يهدد حياة حد لمجرد إنه وقف قصاده، ممكن يعمل حاجات كتير. وعشان كده لازم ناخد بالنا.

بصت له روفانا، وبعد لحظة قالت:

روفانا: طب وإنت؟ هتاخد بالك من نفسك إزاي وإنت أصلًا مش عارف مين اللي بيحاول يأذيك؟

ابتسم أسلم ابتسامة خفيفة.

أسلم: ربنا يستر.

روفانا: أسلم، أنا بتكلم بجد!

أسلم: وأنا كمان بتكلم بجد. هحاول آخد بالي من نفسي، وهبقى حذر. بس مش هقدر أعيش طول عمري خايف من حاجة ممكن تحصل.

روفانا: بس...

أسلم قاطعها برفق:

أسلم: متقلقيش.

كانت جملة عادية جدًا.

جملة ممكن أي حد يقولها لأي حد.

لكن الغريب إن روفانا، اللي بقالها فترة طويلة مش بتسمح لنفسها تثق في كلام حد بسهولة، حست إنها عايزة تصدقه.

مش لأنها متأكدة إنه يقدر يحمي نفسه.

لكن لأنها حست إن كلامه طالع من شخص صادق، مش بيحاول يطمنها لمجرد إنها تسكت.

وفجأة، ومن غير مقدمات، أسلم قال:

أسلم: إيه رأيك نقعد شوية؟

روفانا بصت له باستغراب.

روفانا: نقعد فين؟

أسلم بص ناحية الطريق، وبعدها قال:

أسلم: مش عارف... ممكن نروح ناحية النيل. محتاج أهدى شوية وأرتب أفكاري.

روفانا وافقت على طول.

روفانا: ماشي.

وبعدها افتكرت إنها جاية بعربيتها، فقالت:

روفانا: عربيتي قريبة. نروح نركبها؟

أسلم اتردد لحظة.

أسلم: ممكن، بس لو مش هتتعبي نفسك.

روفانا: أنا اللي عرضت أصلًا!

ابتسم، ومشي معاها ناحية العربية.

وبعد وقت قصير، كانوا في طريقهم للنيل.

كانت الشمس بدأت تميل ناحية الغروب، والسماء واخدة لون برتقالي هادي، والهواء فيه برودة خفيفة بتخلي الواحد يحس إنه محتاج يقعد شوية بعيد عن دوشة الدنيا.

روفانا اختارت مكان هادي على النيل، بعيد نسبيًا عن الزحمة.

قعدت على أحد المقاعد، وأسلم قعد جنبها، مع ترك مسافة مناسبة بينهم.

قدامهم كان النيل ممتد بهدوء، والمراكب بتتحرك فوق الميه، وأصوات الناس من بعيد كانت بتوصل لهم خافتة، كأن المكان عامل بينهم وبين العالم حاجز صغير.

لأول مرة من وقت طويل، محدش فيهم كان مضطر يتكلم.

روفانا كانت بتبص للمياه، وأسلم كان مسند ضهره وبيبص قدامه.

كل واحد فيهم كان محتاج الهدوء ده.

وبعد شوية، روفانا قالت:

روفانا: تعرف؟ أنا بقالي فترة طويلة مش بقعد كده.

أسلم لف ناحيتها.

أسلم: كده إزاي؟

روفانا: من غير ما أفكر في الشغل، ومن غير ما يكون عندي اجتماع بعد نص ساعة، ومن غير ما حد يتصل بيا يسألني عن تصميم أو مشكلة في الشركة. حتى لما بخرج، ببقى حاسة إن دماغي مشغولة بألف حاجة.

ابتسم أسلم.

أسلم: الشغل الكتير متعب.

روفانا ضحكت ضحكة خفيفة.

روفانا: إنت بتقول كده؟ ده إنت كنت شغال شغلانتين!

أسلم ضحك هو كمان، لأول مرة من وقت ما خرجوا من القسم.

أسلم: أهو الواحد كان بيحاول يعيش.

روفانا: كنت بتشتغل من الصبح لحد نص الليل؟

أسلم: تقريبًا. على حسب ظروف الشغل.

روفانا بصت له بحزن بسيط.

روفانا: وكنت بتلحق ترتاح إمتى؟

أسلم: لما ربنا يكرم.

روفانا: إنت بتتكلم كأنك متعود على التعب.

أسلم سكت شوية، وبعدها قال:

أسلم: الواحد لما يتعود يشيل مسؤوليته لوحده، بيبطل يسأل هو تعبان ولا لأ. بيبقى كل اللي بيفكر فيه إنه لازم يكمل.

الكلام خرج منه ببساطة، لكنه كان شايل وراه سنين من الوحدة والتعب.

روفانا حسّت بده، فمضغطتش عليه بأسئلة أكتر.

فضلت تبص للمياه، وبعد لحظة قالت:

روفانا: يمكن أنا كمان محتاجة أتعلم إزاي أبطل أجري شوية.

أسلم: مش لازم تبطلي تجري، بس لازم تعرفي إمتى تقفي وتاخدي نفسك.

بصت له بابتسامة هادية.

روفانا: إنت دايمًا عندك إجابات جاهزة كده؟

أسلم: لأ طبعًا، ده أنا لو عندي إجابات لكل حاجة مكنتش قعدت أفكر في اللي حصل النهارده لحد دلوقتي!

ضحكت روفانا، فضحك هو كمان.

ولثوانٍ قليلة، نسوا إن فيه حد حاول يقتل أسلم.

نسوا دانيال وتهديداته.

ونسوا إن اليوم اللي بدأ بخسارة شغل وانتهى برصاصة، كان ممكن ياخد منهم أكتر بكتير.

في اللحظة دي، كانوا مجرد شخصين قاعدين قدام النيل، بيتكلموا عن التعب والحياة، وكأنهم يعرفوا بعض من سنين.

لكن الحقيقة إنهم لسه في بداية الطريق.

بداية طريق محدش فيهم كان يعرف نهايته.

مرت دقائق طويلة، وكل واحد فيهم بدأ يحكي عن حاجات بسيطة من حياته.

روفانا حكت له عن ضغط الشغل، وعن إحساسها إنها مضطرة دايمًا تثبت إنها تستحق المكان اللي وصلت له، وإن نجاحها ساعات بيخلي الناس تنسى إنها إنسانة ممكن تتعب وتضعف زي أي حد.

وأسلم حكى لها عن يومه المعتاد، وعن محاولاته إنه يوازن بين الشغل والراحة، محدش فيهم كان بيحاول يبهر التاني.

ولا حد كان بيحاول يظهر إنه أقوى من حقيقته.

يمكن دي كانت أول مرة من فترة طويلة كل واحد فيهم يتكلم من غير ما يحسب كل كلمة قبل ما يقولها.

وبين كلمة والتانية، بدأ شعور غريب يتسلل لقلوبهم.

شعور بالأمان.

روفانا كانت حاسة إنها مش مضطرة تبرر كل تصرف، ولا تخبي خوفها، ولا تتظاهر إنها مش بتتأثر.

وجود أسلم جنبها كان مريح بطريقة هي نفسها مش قادرة تفهمها.

مش لأنه وعدها إنه هيحميها، ولا لأنه قال كلام كبير.

لكن لأنها حست إنها تقدر تتكلم، وهو هيسمعها.

تقدر تخاف، ومش هيقلل من خوفها.

وتقدر تسكت، ومش هيجبرها تشرح اللي جواها.

أما أسلم، فكان مستغرب إحساسه هو كمان.

من يوم ما فقد أبوه وأمه، اتعود يعتمد على نفسه.

اتعود إنه لما يتعب، يستريح شوية ويكمل.

ولما يحزن، يصلي ويدعي ربنا ويكمل.

ولما يحتاج حد يسمعه، كان بيلاقي نفسه في الآخر بيكتم كلامه جواه، لأنه مش عايز يحمل حد همومه.

لكن مع روفانا، كان فيه إحساس مختلف.

كان حاسس إن وجودها مش عبء عليه.

وإنه مش مضطر يخبي تعبه عشان ميبانش ضعيف.

والأغرب إنه، رغم كل اللي حصل، كان مرتاح وهو قاعد معاها.

لدرجة إنه بدأ يفكر في حاجة عمره ما كان بيحب يفكر فيها.

إنه ممكن يخسرها.

الفكرة نفسها كانت غريبة، لأنه من الأساس لسه ميعرفهاش كويس.

إزاي يخاف على شخص بالشكل ده وهو لسه في بداية معرفته بيه؟

وإزاي مجرد التفكير إن دانيال ممكن يأذيها يخليه يحس بالغضب والخوف في نفس الوقت؟

بص للنيل تاني، محاولًا يبعد الأفكار دي عن دماغه.

لكن في اللحظة دي، روفانا نادت عليه.

روفانا: أسلم؟

أسلم: نعم؟

روفانا ابتسمت.

روفانا: إنت سرحت فين؟

أسلم: ولا في حتة.

روفانا: كداب.

بصلها باستغراب، فضحكت.

روفانا: واضح على وشك إنك بتفكر في حاجة.

أسلم ابتسم وهو بيبص قدامه.

أسلم: وإنتِ؟ مش بتفكري في حاجة؟

روفانا سكتت لحظة، وبعدين قالت:

روفانا: بفكر في إن اليوم ده كان ممكن ينتهي بطريقة تانية خالص.

أسلم رجع بصلها.

روفانا كملت، وصوتها بدأ يهدى:

روفانا: لو مكنتش شوفت النقطة الحمرا على هدومك... لو مكنتش لحقتها... أنا مش عارفة كان ممكن يحصل إيه.

أسلم حس بوخزة خفيفة في قلبه لما سمعها بتتكلم بالطريقة دي.

أسلم: الحمد لله إنك خدتي بالك.

روفانا: بس أنا مش عارفة لو كنت هقدر أستحمل لو حصلك حاجة.

قالتها وهي بتبص له.

وبمجرد ما خرجت الجملة من فمها، سكتت.

أما أسلم، ففضل باصص لها، وكأن الكلمات اللي سمعها وقفت كل الأفكار اللي كانت في دماغه.

روفانا نفسها مكنتش فاهمة هي ليه قالت كده.

هي فعلًا كانت خايفة عليه، لكن ليه الخوف وصل للدرجة دي؟

وليه مجرد تخيل إنه ممكن يتأذى كان بيوجعها بالشكل ده؟

حاولت تبص بعيد، لكن أسلم سبقها بالكلام.

أسلم: وأنا مش عايز يحصل لك أي أذى.

روفانا رفعت عينيها له ببطء.

أسلم كمل، المرة دي بصوت أكثر جدية:

أسلم: مش عارف ليه، ومش عارف إذا كان ليا حق أقول كده أصلًا، بس من ساعة ما عرفتك وأنا كل مرة ألاقي نفسي في موقف لازم أخد بالي منك فيه. ومش بتكلم عن اللي حصل في المول بس، ولا اللي حصل النهارده. أنا بتكلم عن إحساس جوايا بيقولي إنك متستاهليش كل الخوف ده، ولا تستاهلي حد يهددك أو يحاول يأذيكي.

روفانا فضلت ساكتة.

الكلام لمس جواها حاجة كانت بتحاول تتجاهلها.

كانت متعودة على الناس اللي بتقرب منها عشان اسمها، أو شغلها، أو الفلوس، أو حتى لمجرد إنها شخصية معروفة.

لكن أسلم مكنش عايز منها حاجة.

لا طلب مقابل مساعدته، ولا حاول يستغل خوفها عشان يقرب منها، ولا حتى سمح لها إنها تحس إنها مدينة له بحاجة.

كان ببساطة بيتمنى إنها تكون بخير.

وده لوحده كان جديد عليها.

روفانا: إنت عارف إنك غريب؟

أسلم رفع حاجبه.

أسلم: غريب إزاي يعني؟

روفانا: مش عارفة... بس إنت مختلف عن ناس كتير قابلتهم.

أسلم ابتسم.

أسلم: دي مجاملة ولا إهانة؟

روفانا ضحكت.

روفانا: لسه مقررتش!

ضحك هو كمان، ورجع الهدوء بينهم مرة تانية.

لكن المرة دي كان فيه شيء مختلف.

شيء خفي بدأ يتكون من غير ما ياخد إذن من أي واحد فيهم.

الوقت كان بيعدي، لكن لا أسلم كان حاسس بيه، ولا روفانا كانت عايزة تسأل عن الساعة.

الشمس بدأت تختفي تدريجيًا، والأنوار اللي على الضفة التانية انعكست على سطح النيل، فبقت المياه كأنها شايلة آلاف النقاط الصغيرة من النور.

روفانا كانت بتتكلم عن مكان نفسها تزوره من زمان، وأسلم كان بيسمعها باهتمام.

وبينما هي بتشرح له، لفتت وشها ناحيته فجأة.

وفي نفس اللحظة، كان هو باصص لها.

عيونهم اتقابلت.

لأول مرة من وقت ما اتعرفوا، مفيش حد فيهم صرف نظره بسرعة.

روفانا فضلت باصة في عينيه، وأسلم كمان.

كانت لحظة قصيرة جدًا في حساب الوقت، لكنها بالنسبة لهم كانت أطول بكتير.

روفانا حسّت إن قلبها دق دقة غريبة.

دقة مختلفة عن أي مرة قبل كده.

مش خوف من دانيال.

ولا توتر من الشغل.

ولا قلق من اللي حصل في اليوم ده.

كان إحساس تاني خالص.

إحساس دافي، هادي، وفيه راحة غريبة، كأنها لقت حاجة كانت بتدور عليها من غير ما تعرف إنها بتدور عليها أصلًا.

وفي نفس اللحظة، أسلم حس إن قلبه اتغير إيقاعه.

بص في عينيها، وحس إنه مش عايز اللحظة دي تخلص.

مش عايز يقوم.

مش عايز يسمع تليفونه يرن.

مش عايز أي حاجة تقطع الهدوء اللي بينهم.

كان عايز يفضل قاعد مكانه، يسمع صوتها وهي بتتكلم، ويشوف ابتسامتها اللي بدأت تظهر أكتر من مرة خلال القعدة.

ولأول مرة من سنين، أسلم حس إن الوقت ممكن يكون حاجة جميلة، مش مجرد ساعات لازم يعديها عشان يخلص شغله ويرتاح.

أما روفانا، فكانت بتسأل نفسها في صمت:

هو أنا مالي؟

ليه حاسة إني مطمنة وأنا قاعدة معاه؟

وليه مش عايزة أمشي؟

هو إيه الإحساس الغريب ده؟

أسلم كان بيسأل نفسه نفس الأسئلة تقريبًا.

أنا ليه حاسس إني أعرفها من زمان؟

وليه وجودها مريحني بالشكل ده؟

وليه فكرة إنها تتأذى بتخوفني أكتر من فكرة إن حد يحاول يأذيني أنا؟

نظرة واحدة كانت كفاية إنها تفتح جوا كل واحد فيهم أسئلة كتير.

أسئلة محدش فيهم كان عنده إجابة ليها.

لكن فجأة، كأن كل واحد فيهم فاق من حلم قصير، روفانا بصت بعيد بسرعة، وأسلم هو كمان لف وشه ناحية النيل.

ساد الصمت بينهم.

روفانا بدأت تلعب في خاتم كان في إيدها، محاولة تشغل نفسها بأي حاجة.

أما أسلم، فعدل قعدته وبص للمياه بتركيز مبالغ فيه، كأنه فجأة اكتشف إن النيل فيه حاجة مهمة جدًا تستحق كل الاهتمام ده!

روفانا أخدت نفسًا هاديًا، وبعدين قالت:

روفانا: الجو بدأ يبرد.

أسلم: أيوه، فعلًا.

وسكتوا.

ثواني...

وبعدين روفانا قالت:

روفانا: إحنا بقالنا كتير قاعدين هنا، صح؟

أسلم بص في ساعته، واتصدم من الوقت.

أسلم: فعلًا، الوقت عدى بسرعة.

روفانا ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها مخبيتش بيها إحساسها الحقيقي.

كانت عارفة إن الوقت عدى بسرعة، لكن الغريب إنها كانت تتمنى لو عدى أبطأ شوية.

وأسلم كان حاسس بنفس الشيء.

لكن محدش فيهم كان عنده الجرأة إنه يعترف حتى لنفسه بالسبب.

قام أسلم من مكانه، وروفانا قامت بعده.

أسلم: يلا، أوصلك.

روفانا: توصلني؟ ما أنا اللي معايا العربية!

أسلم ضحك.

أسلم: أقصد أمشي معاكي لحد العربية، يعني.

روفانا: آه، كده قول من الأول!

ضحكوا هما الاتنين، ومشوا جنب بعض في هدوء.

لكن في الوقت اللي كانوا فيه بيتكلموا عن حاجات عادية جدًا، كان كل واحد فيهم بيحاول يفهم سر الشعور اللي سابه قاعد النيل جواه.

شعور جديد.

غريب.

ومريح لدرجة تخوف.

وصلوا للعربية، وروفانا وقفت جنب باب السائق، وبعدها لفتت ناحيته.

روفانا: أسلم، ممكن أسألك سؤال؟

أسلم: اتفضلي.

روفانا: إنت متعلم؟

السؤال فاجأه شوية، لكنه رد عادي.

أسلم: أيوه طبعًا.

روفانا: يعني خريج إيه؟

أسلم: أنا خريج كلية الحاسبات والمعلومات.

روفانا فتحت عينيها بدهشة حقيقية.

روفانا: إيه؟!

أسلم ابتسم من رد فعلها.

أسلم: هو إيه اللي إيه؟!

روفانا: إنت خريج حاسبات ومعلومات؟!

أسلم: أيوه.

روفانا: طب إزاي؟!

أسلم عقد حاجبيه باستغراب.

أسلم: إزاي إيه؟

روفانا: إزاي خريج كلية زي دي، وبتشتغل حارس أمن في شركة، وبالليل في محل؟!

أسلم سكت لحظة، وابتسامته خفتت شوية.

كان السؤال بسيط، لكنه لمس حتة حساسة جواه.

بص ناحية الطريق، وبعدها رجع بصلها.

أسلم: لأن الشهادة لوحدها مش كفاية.

روفانا مكنتش عايزة تحرجه، فتكلمت بهدوء.

روفانا: يعني إنت حاولت تشتغل في مجالك؟

أسلم: كتير.

روفانا: ومقدرتش تلاقي شغل؟

أسلم هز راسه.

أسلم: قدمت في أماكن كتير، وعملت مقابلات، وفي أماكن كانت بتطلب خبرة، وأماكن تانية مكنش بيجي منها رد أصلًا. وفي الآخر، أنا كنت محتاج أصرف على نفسي، ومكنش ينفع أفضل مستني فرصة مش عارف هتيجي إمتى.

سكت شوية، وبعدين كمل:

أسلم: لما لقيت شغل الشركة، قبلت بيه. وبعدها اشتغلت في المحل عشان أقدر أوفر احتياجاتي وأحوش أي مبلغ للمستقبل.

روفانا كانت بتسمعه باهتمام، وكل ما كان بيكمل، كانت بتكتشف قد إيه هي مكنتش تعرف عنه أي حاجة.

كانت فاكرة إنه شخص بسيط بيشتغل شغلانتين لأنه معندوش مؤهلات أو فرص تانية.

لكن الحقيقة إنه شخص درس واجتهد، وكان عنده طموح، ومع ذلك اضطر يشتغل أي شغل يقدر يوفر له حياة كريمة.

روفانا: طب وإنت... محاولتش ترجع تقدم تاني؟

أسلم: بحاول على قد ما أقدر. بس الفترة الأخيرة كانت صعبة، ولما الواحد بيبقى مسؤول عن نفسه، مبيقدرش يستنى كتير.

روفانا نزلت عينيها للحظة.

افتكرت إنه خسر شغله في الشركة بسبب دانيال، وبعدها خسر شغله التاني في نفس اليوم.

وكل ده وهو لسه بيحاول يلاقي فرصة يعيش منها.

روفانا: أنا آسفة.

أسلم بص لها باستغراب.

أسلم: آسفة على إيه؟

روفانا: معرفش... يمكن عشان سألتك بطريقة حسستك إني بستغرب إنك بتشتغل الشغلانتين دول.

أسلم هز راسه.

أسلم: لا، متعتذريش. ده سؤال طبيعي، وإنتِ من حقك تعرفي.

روفانا: بس أنا فعلًا شايفة إنك تستحق فرصة أحسن من كده.

أسلم ابتسم ابتسامة بسيطة.

أسلم: كلنا بنستحق فرصة أحسن، بس مش كل الفرص بتجيلنا في الوقت اللي إحنا محتاجينها فيه.

الجملة فضلت ترن في دماغ روفانا حتى بعد ما سكت.

مش كل الفرص بتجيلنا في الوقت اللي إحنا محتاجينها فيه.

يمكن دي كانت المشكلة فعلًا.

ويمكن هي تقدر تساعده إن الفرصة دي توصله أخيرًا.

لكنها مكنتش عايزة تعرض عليه مساعدة تخليه يحس إنه محتاجها، أو إنها بتتعامل معاه بشفقة.

هي عايزة تساعده لأنه يستحق.

لأنها سمعت منه طريقة كلامه، وشافت اجتهاده، وعرفت إنه شخص مش بيستسهل، ولا بيستنى حد يشيل عنه مسؤولياته.

والأهم إنها كانت متأكدة إنه لو جات له فرصة حقيقية، هيحاول يثبت نفسه فيها.

روفانا رفعت عينيها له وقالت بابتسامة هادية:

روفانا: طب إنت لسه معاك شهادتك وكل أوراقك؟

أسلم: أيوه، طبعًا. ليه؟

روفانا: لا، بس بسأل.

أسلم ضيق عينيه بشك مصطنع.

أسلم: إنتِ بتخططي لحاجة؟

روفانا ضحكت بسرعة.

روفانا: أنا؟! أبدًا!

أسلم: مش مصدقك.

روفانا: براحتك، متصدقش!

ضحك أسلم، وبعدها ساد بينهم صمت قصير.

روفانا كانت عايزة تسأله عن تفاصيل أكتر، لكنها خافت إنه يحس إنها بتحقق معاه، فاكتفت بالسؤال اللي في بالها.

روفانا: طب ممكن رقم تليفونك؟

أسلم رفع حاجبه باستغراب.

أسلم: رقمي؟!

روفانا: أيوه يا أسلم، رقم تليفونك. هو سؤال صعب للدرجة دي؟!

أسلم: لا، بس إنتِ عايزة رقمي ليه؟

روفانا حاولت تحافظ على هدوئها.

روفانا: عادي، عشان لو احتجت أسألك عن حاجة، أو لو حصل أي جديد بخصوص اللي حصل النهارده. وبعدين لازم نفضل على تواصل لحد ما نعرف إذا كان فيه خطر حقيقي ولا لأ.

أسلم فكر للحظة.

كان في البداية رافض فكرة الصداقة اللي من غير حدود واضحة، لكنه مكنش شايف إن تبادل رقم التليفون في موقف زي ده فيه مشكلة، خصوصًا إن فيه تهديد حصل بالفعل، وإن التواصل ممكن يكون ضروري للاطمئنان ومتابعة أي تطورات.

فقال بهدوء:

أسلم: ماشي، هقولك رقمي.

روفانا طلعت موبايلها بسرعة، وفتحت صفحة الأرقام.

أسلم بدأ يملي عليها الرقم، وهي سجلته باسمه.

لكن أول ما خلص، فضلت باصة للاسم المكتوب على الشاشة لحظة صغيرة.

أسلم.

اسم بسيط جدًا، لكنه بقى مرتبط في ذهنها بيوم مختلف عن كل الأيام اللي عاشتها.

بيوم خسرت فيه إحساسها بالأمان للحظات، وبعدين لقت نفسها بتستعيده وهي قاعدة جنب شخص كانت لسه من كام يوم متعرفش عنه غير اسمه.

روفانا قفلت الموبايل، وبصت له.

روفانا: تمام، كده سجلتك.

أسلم: وأنا كمان هاخد رقمك، عشان لو حصل أي جديد أبلغك.

روفانا ابتسمت.

روفانا: اتفقنا.

وبعدها، ومن غير ما تبين له أي حاجة، أخدت قرارها.

هي هتساعده يلاقي شغل في مجاله.

لكن مش هتقوله دلوقتي.

مش عايزة تشوف نظرة الامتنان في عينيه قبل ما يعرف إذا كان هيقدر ينجح في الفرصة دي ولا لأ.

ولا عايزة تخليه يحس إن الفرصة جت له لمجرد إنه عرفها.

هي هتدور له على وظيفة مناسبة، وتخلي الموضوع يتم بطريقة تحفظ له كرامته، وتسيب له المساحة إنه يثبت نفسه بجهده.

بس يا ترى هتقدر تعمل ده من غير ما يعرف إنها السبب؟

روفانا كانت متأكدة إنها هتلاقي طريقة.

أما أسلم، فكان واقف قدامها، مش عارف إن المكالمة اللي هتوصله قريب ممكن تكون بداية تغيير كبير في حياته.

أسلم: طب يلا، متأخرناش أكتر من كده.

روفانا: ماشي.

فتح لها باب العربية، لكنها سبقته بخطوة وقالت بابتسامة:

روفانا: على فكرة، أنا اتبسطت النهارده... رغم كل اللي حصل.

أسلم بص لها، وابتسم بهدوء.

أسلم: وأنا كمان.

كانت إجابة بسيطة.

لكن الاتنين حسوا إن وراها كلام كتير لسه متقالش.

ركبت روفانا العربية، وقبل ما تقفل الباب، بصت له مرة أخيرة.

روفانا: خلي بالك من نفسك يا أسلم.

أسلم: وإنتِ كمان يا روفانا. وأي حاجة غريبة تحصل، متتردديش تبلغي الشرطة، ومتواجهيش دانيال لوحدك.

روفانا هزت راسها.

روفانا: حاضر.

قفلت الباب، وشغلت العربية، وبعدها اتحركت ببطء.

أسلم فضل واقف مكانه لحد ما العربية بعدت عن نظره.

وبعدين أخد نفسًا طويلًا، وحط إيده في جيبه، وبدأ يمشي في طريقه.

كان لسه عنده مشكلة كبيرة لازم يواجهها.

خسر شغله، ومش عارف مين اللي بيحاول يأذيه، ولسه مش عارف إذا كان دانيال هو المسؤول عن كل ده ولا فيه حد تاني مستخبي وراه.

ومع ذلك، كان فيه شيء جواه مختلف عن الصبح.

إحساس هادي، خفيف، لكنه موجود.

وكأن اليوم اللي أخد منه حاجات كتير، ساب له حاجة جديدة من غير ما يقصد.

أما روفانا، فكانت بتسوق وهي كل شوية تبص على شاشة موبايلها، عند الاسم اللي سجلته من دقائق.

أسلم.

ابتسمت من غير ما تحس.

وبعدين فاقت لنفسها بسرعة، ورجعت بصت للطريق.

روفانا: إيه يا روفانا؟! مالك بس؟!

هزت راسها كأنها بتحاول تطرد فكرة من دماغها، وقالت لنفسها إنها بس قلقة عليه بسبب اللي حصل.

لكنها كانت عارفة إن الموضوع مش مجرد قلق.

كانت عارفة إن فيه حاجة بدأت تتغير جواها، حاجة لسه مش قادرة تسميها.

وفي مكان تاني من المدينة، كان فيه شخص قاعد قدام شاشة موبايله، بيبص لصورة اتبعتت له من دقائق.

الصورة كانت لروفانا وأسلم وهما خارجين من مركز الشرطة.

كبر الصورة بإصبعيه، وركز على أسلم، وبعدها نقل عينيه ناحية روفانا.

فضل ساكت للحظات، وبعدين ابتسم ابتسامة باردة.

وقال بصوت منخفض:

«واضح إن الموضوع بدأ ياخد اتجاه مختلف عن اللي كنا متوقعينه.»

رفع الموبايل وحطه على ودنه، ولما الطرف التاني رد، قال:

«غيّروا الخطة... البنت بدأت تقرب منه أكتر من اللازم.»

سكت يسمع الرد، وبعدها أضاف بنبرة حاسمة:

«لأ، مش عايز حد يقرب منهم دلوقتي. عايز أعرف الأول هي ممكن تعمل إيه عشانه.»

أنهى المكالمة، ورجع بص للصورة مرة تانية.

ثم قال لنفسه:

«خلينا نشوف بقى... مين فيهم هيكون نقطة ضعف التاني.»

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

 أحيانًا تأتي الفرصة من حيث لا نتوقع

في نهاية اليوم...

بعد يوم طويل، مليان بأحداث محدش فيهم كان يتخيل إنها ممكن تحصل، وصل أسلم لبيته أخيرًا.

فتح الباب، ودخل بهدوء، وبعد ما قفله وراه، وقف للحظات في الصالة الصغيرة، وبص حواليه.

كل حاجة كانت زي ما سابها الصبح.

الكنبة القديمة اللي بيقعد عليها لما يرجع من الشغل، الترابيزة الصغيرة اللي بيحط عليها مفاتيحه، وكوباية الشاي اللي كان ناسيها من اليوم اللي قبله.

كل حاجة مكانها...

إلا هو.

كان حاسس إن اليوم ده غيّر فيه حاجات كتير.

اتحرك ناحية المطبخ، شرب كوباية مياه، وبعدها دخل أوضته وبدّل هدومه.

قعد على طرف السرير، وسند إيديه على ركبتيه، وفضل باصص للأرض.

أسلم: يا رب، أنا مش فاهم حاجة...

قالها بصوت خافت، وبعدها رفع عينيه للسقف.

أسلم: بس أنا واثق إنك مش هتسيبني. يا رب، لو فيه حد عايز يأذيني، اكفني شره، ولو فيه حاجة أنا مش شايفها، وضحهالي قبل ما يحصل اللي أنا مش قادر أتحمله.

سكت شوية، وبعدها افتكر كل اللي حصل من أول ما خرج من الشركة، وروفانا وهي بتدفعه بعيد عن مكان الخطر.

افتكر خوفها عليه، وكلامها، وقعدتهم على النيل.

وفجأة، لقى نفسه بيبتسم ابتسامة بسيطة.

أسلم: إيه يا أسلم؟! هو إنت هتفضل تفكر في كل حاجة حصلت لحد الصبح؟

هز راسه، وقام توضأ وصلى، وبعدها رجع سريره.

كان محتاج يرتاح، حتى لو المشاكل لسه مستنياه تاني يوم.

حط موبايله جنب السرير، وقبل ما يغمض عينيه، فتح جهات الاتصال.

ظهر قدامه اسم جديد سجله من ساعات.

روفانا.

فضل باصص للاسم لحظات، وبعدها قفل الموبايل وحطه مكانه.

أسلم، وهو بيغمض عينيه: يا رب، احفظها هي كمان.

وبعد دقائق، غلبه النوم.

لكن حتى وهو نايم، مكنش يعرف إن فيه باب جديد هيتفتح قدامه قريب جدًا، وإن المكالمة اللي مستنيها من غير ما يعرف إنها جاية، هتكون بداية مرحلة مختلفة تمامًا في حياته.

وفي الناحية التانية من القاهرة...

كانت روفانا وصلت بيتها، وبعد ما دخلت، سلمت على والدتها، وطلعت أوضتها بحجة إنها تعبانة ومحتاجة ترتاح.

الحقيقة إنها كانت محتاجة تقعد لوحدها.

قفلت باب الأوضة، وخلعت حذاءها، وبعدها قعدت على طرف السرير.

بصت لموبايلها، وفتحت المحادثة اللي لسه مفيهاش أي رسائل بينها وبين أسلم.

كانت عايزة تطمن عليه، تسأله إذا كان وصل بيته بخير، لكن اترددت.

هو أنا لو بعتله دلوقتي، هيكون ده طبيعي؟

ولا هيحس إني بتدخل في حياته؟

افتكرت كلامه عن الحدود اللي بيحب يحافظ عليها في التعامل بين الرجل والمرأة، فقررت إنها متبعتش حاجة دلوقتي، خصوصًا إنها مفيش عندها معلومة مهمة لازم تقولهاله.

لكنها، في نفس الوقت، كانت عارفة إنها مش هتقدر تسيب موضوع الشغل يعدي كده.

أسلم محتاج فرصة.

فرصة حقيقية يشتغل فيها بشهادته، ويبدأ من جديد بعيد عن أي حد حاول يوقف طريقه.

والأهم، إنها كانت عايزة تساعده من غير ما تحسسه إنه مديون لها بحاجة.

روفانا قامت، وبدلت هدومها، وبعدها وقفت قدام المراية وهي بتفك شعرها.

روفانا: بكرة هتصرف في كل حاجة.

قالتها لنفسها بحسم.

وبعدين أطفأت النور، واستلقت على سريرها.

لكن قبل ما تنام، افتكرت نظرة أسلم ليها عند النيل.

والهدوء اللي كانت حاسة بيه وهي قاعدة جنبه.

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وبعدها غمضت عينيها بسرعة، كأنها بتحاول تهرب من أفكارها.

روفانا: نامي يا روفانا... عندك يوم طويل بكرة.

وبعد شوية، نامت هي كمان.

ومع إن الاتنين ناموا في مكانين مختلفين، وكل واحد فيهم كان عنده مشاكله وهمومه، إلا إن فيه حاجة واحدة كانت مشتركة بينهم.

كل واحد فيهم كان بيتمنى إن التاني يكون بخير.

### صباح اليوم التالي

بدأ صباح جديد، والشمس كانت لسه طالعة من وقت قريب.

أسلم صحي بدري كعادته، توضأ وصلى الفجر، وبعدها قعد شوية يدعي ربنا ويفكر في يومه.

كان عنده إحساس غريب إنه لازم يتحرك، حتى لو مش عارف يبدأ منين.

فتح موبايله، وبدأ يدور على فرص شغل مناسبة لتخصصه، وراجع بعض المواقع والإعلانات اللي كان متابعها من فترة.

قدم على وظيفتين، وبعت سيرته الذاتية لمكان تالت.

كان بيحاول يتمسك بالأمل، رغم إنه عارف إن الموضوع ممكن ياخد وقت.

بعدها حضر لنفسه فطار بسيط، وأكل، وقعد يراجع حساباته.

المبلغ اللي معاه مش هيكفيه فترة طويلة لو فضل من غير شغل.

وده كان أكتر شيء مقلقه.

أسلم: ربنا كريم... ربنا كريم.

كررها لنفسه، وبعدها قفل الموبايل، وبدأ يرتب البيت.

مكنش عنده رفاهية إنه يستسلم لليأس.

لو الأبواب اتقفلت، هيحاول يدور على باب تاني.

ولو الباب التاني اتقفل، هيحاول مرة تالتة.

هو اتعلم من زمان إن الحياة مش دايمًا بتديك اللي إنت عايزه، لكن ده مش معناه إنك تبطل تحاول.

وفي الوقت نفسه تقريبًا، كانت روفانا بتستعد ليوم مختلف تمامًا في شركتها.

### في شركة روفانا العبد

وصلت روفانا الشركة في معادها المعتاد، لكن ملامحها كانت مختلفة.

كانت هادية، مركزة، وعندها قرارات لازم تنفذها النهارده مهما حصل.

أول ما دخلت مكتبها، طلبت من السكرتيرة تأجل أي اجتماعات غير ضرورية، وبعدها فتحت جدول أعمالها.

كان فيه اسم واحد هي عارفة إنها لازم تواجهه النهارده.

دانيال.

مجرد ما الاسم ظهر قدامها على الشاشة، ملامحها اتغيرت.

افتكرت كل اللي حصل بينهم.

الخيانة، والكذب، ومحاولته إجبارها على الركوب معاه، وتهديداته لأسلم، وبعدها محاولة إطلاق النار عليه.

كانت عارفة إن الشك مش دليل، وإنها لسه معندهاش إثبات مباشر إن دانيال هو اللي وراء محاولة القتل.

لكنها كانت متأكدة من حاجة واحدة.

إن وجوده في حياتها بقى خطرًا عليها وعلى كل شخص بيحاول يساعدها.

وفي اللحظة دي، خبط الباب.

روفانا: ادخل.

دخلت ياسمين، صاحبتها المقربة، وهي شايلة كوبين قهوة.

ياسمين: صباح الخير يا ست البنات.

روفانا ابتسمت ابتسامة خفيفة.

روفانا: صباح النور.

ياسمين حطت القهوة على المكتب، وبصت لوشها كويس.

ياسمين: إيه ده؟! إنتِ مالك؟ شكلك منمتِش كويس.

روفانا: نمت، بس عندي كلام كتير عايزة أحكيهولك.

ياسمين سحبت الكرسي وقعدت قدامها.

ياسمين: خير يا روفانا؟ حصل إيه؟

روفانا أخدت نفسًا طويلًا، وبعدها بدأت تحكيلها كل حاجة.

حكتلها عن شكوكهم في دانيال، وعن خوفها من إنه يكون وراء اللي حصل، وعن قرارها إنها مش هتروح تواجهه باتهام مباشر.

ياسمين كانت بتسمعها بتركيز، وكل ما روفانا كانت بتحكي تفاصيل أكتر، ملامح ياسمين كانت بتزداد جدية.

ياسمين: استني بس... يعني إنتِ شاكة إن دانيال هو اللي حاول يقتــــــ ــــل أسلم؟

روفانا: أنا مش بس شاكة يا ياسمين، أنا شايفة إن كل اللي حصل بيشاور عليه. هو هدده قدامنا، وبعدها أسلم خسر شغله في الشركة، وخسر شغله التاني في المحل في نفس اليوم، وفجأة حد يطلع له بســـ ــلاح ويحاول يقـــــ ــتله!

ياسمين: فعلًا، الموضوع مش مريح خالص.

روفانا: والأكتر من كده إن دانيال عارف إن أسلم وقف قصاده عشان يحميني. يعني لو هو اللي ورا اللي حصل، يبقى أسلم اتعرض للخطر بسببي.

ياسمين هزت راسها بحزن.

ياسمين: يا روفانا، إنتِ مش مسؤولة عن تصرفات دانيال. هو اللي اختار يعمل كده، ولو فعلًا حاول يأذي أسلم، فدي مسؤوليته هو، مش مسؤوليتك إنتِ.

روفانا: أنا عارفة، بس ده مش معناه إني هسيبه يأذي حد تاني بسببي.

سكتت لحظة، وبعدها قالت بحسم:

روفانا: عشان كده أنا مش هروح أواجهه وأسأله إذا كان هو اللي عمل كده ولا لأ.

ياسمين استغربت.

ياسمين: ليه؟ ما يمكن لما تواجهيه يتلخبط أو يقول حاجة تكشفه.

روفانا هزت راسها.

روفانا: دانيال مش غبي. لو واجهته من غير دليل، هينكر، وهيتصرف كأنه مظلوم، ومش هقدر أثبت عليه أي حاجة. والأسوأ إنه هيعرف إني بدأت أشك فيه بسبب اللي حصل لأسلم.

ياسمين: وده ممكن يخليه يتمادى أكتر.

روفانا: بالظبط.

بصت روفانا من الشباك، وبعدها رجعت بصت لصاحبتها.

روفانا: أنا مش عايزة أديه سبب جديد يحطه في دماغ أسلم. كفاية اللي حصل لحد دلوقتي. لو أنا اتكلمت معاه عن محاولة القتل، ممكن يعتبر ده تحدي جديد ليه، ويقرر إنه يثبت إنه يقدر يوصل لأسلم في أي وقت.

ياسمين اتنهدت.

ياسمين: عندك حق. يبقى لازم تتحركي بحذر.

روفانا: وده اللي هعمله.

ياسمين: طب هتعملي إيه؟

روفانا سحبت ملفًا من الدرج، وحطته قدامها.

روفانا: هوقف كل شغل بيني وبينه.

ياسمين بصت لها باستغراب.

ياسمين: تقصدي إيه؟

روفانا: أقصد إني هنهي الشراكة اللي بينا، وأوقف أي تعاقدات جديدة تخصه أو تخص الشركات اللي بيمثلها. مش هفضل مرتبطة بشخص أنا فقدت الثقة فيه بالشكل ده.

ياسمين: بس إنتِ عارفة إن القرار ده ممكن يعمل مشاكل كبيرة في الشغل، خصوصًا لو فيه عقود لسه شغالة.

روفانا: عارفة، وعشان كده هراجع كل العقود مع الإدارة القانونية قبل ما أنفذ أي إجراء. أنا مش هخالف اتفاقات موقعة، ومش هدي له فرصة يمسكني في غلطة. لكن أي تعاون جديد، وأي شراكة نقدر ننهيها وفقًا لبنودها، هتنتهي.

ياسمين ابتسمت بإعجاب.

ياسمين: كده أنا أعرف روفانا اللي اتعودت عليها.

روفانا: أنا مش هسمح لدانيال إنه يتحكم في حياتي أكتر من كده.

ياسمين مدت إيدها ومسكِت إيد صاحبتها.

ياسمين: وأنا معاكي، بس خلي بالك من نفسك. لو شكوكك صح، يبقى إحنا بنتعامل مع شخص ممكن يكون أخطر مما كنا فاكرين.

روفانا ضغطت على إيدها بخفة.

روفانا: عارفة.

ياسمين: وطمنيني على أسلم لما تكلميه.

روفانا بصت لها بسرعة.

روفانا: أكلمه؟!

ياسمين رفعت حاجبها وهي بتحاول تمنع ضحكتها.

ياسمين: أيوه يا ستي، تكلميه. إيه المشكلة؟ الراجل اتعرض لمحاولة قتل، وإنتِ كنتِ موجودة، ومن الطبيعي تطمني عليه.

روفانا: أنا مقلتش إني مش هطمن عليه!

ياسمين: أمال وشك اتغير ليه لما قلت لك تكلميه؟

روفانا: يا ياسمين، بطلي رغي بقى!

ياسمين ضحكت.

ياسمين: حاضر يا ستي، هبطل رغي. بس عندي إحساس إن الحكاية دي لسه في أولها.

روفانا بصت لها، ومردتش.

لأنها، في الحقيقة، كانت حاسة بنفس الشيء.

بعد ما ياسمين خرجت من المكتب، روفانا فضلت شوية تراجع الملفات والعقود المتعلقة بدانيال.

طلبت من الإدارة القانونية تجهيز مراجعة كاملة لكل الالتزامات القائمة بين الطرفين، والتأكد من الإجراءات اللي تقدر تتخذها من غير ما تضر شركتها أو تخالف أي اتفاق.

وبعد ما اتأكدت إن قرارها ممكن يتنفذ وفقًا لبنود التعاقدات، رفعت سماعة التليفون واتصلت بدانيال.

روفانا: صباح الخير يا دانيال.

دانيال، بصوت هادي: صباح النور يا حبيبتي. أخيرًا افتكرتيني؟ كنت مستني مكالمتك من امبارح.

روفانا اتضايقت من طريقته، لكنها حافظت على هدوئها.

روفانا: محتاجة أشوفك في الشركة النهارده.

دانيال: طبعًا، قوليلي الساعة كام وأنا أكون عندك.

روفانا: دلوقتي لو مناسب ليك.

دانيال: على عيني. نص ساعة وأكون عندك.

أنهت المكالمة، وبعدها سندت ضهرها للكرسي.

كانت عارفة إن المقابلة دي مش هتكون سهلة.

دانيال مش من النوع اللي بيتقبل الرفض بسهولة، خصوصًا لما يكون الرفض معناه إنه بيفقد جزءًا من نفوذه.

لكنها كانت حاسمة في قرارها.

مش هتسمح لماضيها معاه إنه يتحكم في حاضرها، ولا هتفضل مرتبطة بيه لمجرد إن فيه مصالح مشتركة.

وبعد حوالي نصف ساعة، دخل دانيال الشركة.

كان لابس بدلة أنيقة، وعلى وشه ابتسامته المعتادة، وكأنه داخل يقابل خطيبته مش شريكة سابقة بتستعد تنهي علاقتها المهنية بيه.

دخل مكتبها من غير ما يخبط تقريبًا، وابتسم.

دانيال: صباح الخير يا أجمل واحدة في الدنيا.

روفانا مرفعتش عينيها من الملف اللي قدامها.

روفانا: صباح النور. اتفضل اقعد.

دانيال قعد قدامها، وفضل باصص لها باستغراب.

دانيال: مالك؟ إيه الرسمية دي كلها؟ هو أنا بقيت غريب عنك للدرجة دي؟

روفانا قفلت الملف، ورفعته وحطته على جنب.

روفانا: إحنا هنا في الشغل يا دانيال، وعندي كلام مهم لازم نتكلم فيه.

ابتسامته بدأت تختفي تدريجيًا.

دانيال: خير؟

روفانا بصت له مباشرة.

روفانا: أنا قررت أنهي الشراكة اللي بينا.

ساد الصمت.

دانيال فضل باصص لها لثوانٍ، وكأنه مش مستوعب الجملة اللي سمعها.

دانيال: إنتِ بتقولي إيه؟

روفانا: زي ما سمعت. أنا مش هكمل أي شراكة جديدة بين شركتي وبينك، وهراجع كل التعاقدات القائمة عشان ننهي اللي ينفع إنهاؤه وفقًا لبنوده، من غير ما نضر الشركة أو نخالف التزاماتنا.

دانيال ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن عينيه اتغيرت.

دانيال: هو ده قرار نهائي، ولا إنتِ بتقولي كده عشان لسه زعلانة من اللي حصل بينا؟

روفانا: ده قرار شغل، وملوش علاقة بأي محاولة منك إنك ترجع تتكلم عن علاقتنا الشخصية.

دانيال مال بجسمه لقدام.

دانيال: روفانا، إحنا بينا مصالح كبيرة، وإنتِ عارفة إن إنهاء الشراكة مش قرار بسيط.

روفانا: وعشان كده أنا مش هاخد أي خطوة مخالفة للعقود. لكن مفيش حاجة بتجبرني إني أبدأ شراكات جديدة مع شخص مبقتش عندي ثقة فيه.

دانيال ضيق عينيه.

دانيال: الثقة؟! هو أنا عملت إيه لكل ده؟

روفانا: مش لازم نعيد الكلام اللي اتقال قبل كده. أنا خدت قراري.

دانيال: يعني إنتِ فعلًا هتضيعي كل اللي بنيناه عشان خلاف شخصي؟

روفانا: أنا مش بضيّع حاجة. أنا بحمي شركتي، وبختار الناس اللي هتعامل معاهم.

دانيال فضل ساكت للحظات، وبعدها رجع ضهره للكرسي.

دانيال: واضح إن فيه حد بيأثر على قراراتك.

روفانا حسّت إنه بيحاول يستدرجها للكلام، لكنها مغيرتش تعبير وشها.

روفانا: قراراتي مسؤوليتي أنا، ومش محتاجة حد ياخدها مكاني.

دانيال: طب خليني أسألك سؤال واحد.

روفانا: اتفضل.

دانيال: القرار ده له علاقة باللي حصل في المول؟

روفانا بصت له بهدوء.

روفانا: قراري له علاقة بكل اللي حصل بينا، وبالطريقة اللي بقيت أشوفك بيها. وده كفاية.

دانيال ثبت عينيه عليها، كأنه بيحاول يكتشف إذا كانت عارفة حاجة هو مش عايزها تعرفها.

دانيال: إنتِ اتغيرتي أوي يا روفانا.

روفانا: لأ، أنا بس بقيت أشوف الأمور بوضوح أكتر.

دانيال ضحك ضحكة قصيرة، مفيهاش أي مرح.

دانيال: تمام. طالما ده قرارك، أنا مش هضغط عليكي.

قام من مكانه، وعدل ياقة بدلته، وبعدها بص لها مرة أخيرة.

دانيال: بس أتمنى متندميش على القرار ده.

روفانا: وأنا أتمنى تحترمه.

دانيال اتحرك ناحية الباب، لكنه وقف قبل ما يخرج.

دانيال: على فكرة، مهما حصل بينا، أنا عمري ما كنت أتمنى لكِ الأذى.

للحظة، روفانا حست إنها عايزة تواجهه بكل اللي في دماغها.

عايزة تسأله عن أسلم، وعن الشغل اللي خسره، وعن الرصاصة اللي كانت ممكن تنهي حياته.

لكنها افتكرت إن مفيش دليل معاها.

وافتكرت إن أي كلمة زيادة ممكن تخليه يشك إنها بدأت تربط الأحداث ببعض.

فاكتفت إنها تبص له من غير ما ترد.

دانيال استنى لحظة، ولما ملقاش منها أي رد، خرج من المكتب.

أول ما الباب اتقفل، روفانا أخدت نفسًا طويلًا.

كانت إيديها متوترة، لكنها متمسكة بقرارها.

روفانا، لنفسها: خلصت يا دانيال... على الأقل في الشغل.

لكنها مكنتش عارفة إن دانيال، بمجرد ما خرج من الشركة، كان بيفكر في طريقة مختلفة تمامًا للرد على قرارها.

لأنه بالنسبة له، خسارة الشراكة مكنتش مجرد خسارة صفقة.

كانت تحديًا لغروره.

وكان لازم يثبت لنفسه إنه لسه قادر يأثر في حياتها.

٪٪٪٪٪٪٪٪» ٪

بعد مرور حوالي ساعة، كانت روفانا رجعت لمكتبها، وبدأت تراجع بعض التصميمات الجديدة.

لكنها مكنتش مركزة بالكامل.

كل شوية كانت تفتكر أسلم، ووضعه بعد ما خسر شغله.

فتحت درج المكتب، وطلعت ورقة صغيرة كتبت عليها بعض الملاحظات، وبعدها رفعت موبايلها واتصلت بأخوها كريلس.

رد عليها بعد الرنة التانية.

كريلس: صباح الخير يا روحي.

روفانا ابتسمت.

روفانا: صباح النور يا كريلس. عامل إيه؟

كريلس: كويس. إنتِ عاملة إيه؟ صوتك فيه حاجة غريبة.

روفانا: لا، أنا كويسة. بس كنت عايزة أطلب منك طلب.

كريلس: طلب إيه؟ قولي.

روفانا اترددت لحظة، وبعدها بدأت تتكلم بالطريقة اللي رتبتها في دماغها.

روفانا: بص، قريب واحدة صاحبتي، خريج حاسبات ومعلومات، ومحتاج شغل ضروري في مجال المحاسبة.

كريلس استغرب.

كريلس: خريج حاسبات ومعلومات ومحتاج شغل محاسبة؟

روفانا: أيوه، هو دارس المجال ومؤهله مناسب لوظائف الحسابات اللي بتطلب حديثي التخرج، وعنده استعداد يشتغل ويتعلم. المشكلة إنه بقاله فترة بيدور على فرصة ومش لاقي، واضطر يشتغل شغلانتين بعيد عن تخصصه.

كريلس: طب ما تشغليه عندك في الشركة.

روفانا تنهدت.

روفانا: والله لو فيه مكان مناسب كنت عملت كده، بس حاليًا مفيش شاغر عندنا يناسبه، ومش عايزة أعمل وظيفة مخصوص عشانه. أنا عايزاه ياخد فرصة حقيقية زي أي حد تاني.

كريلس سكت شوية، وبعدها قال:

كريلس: فهمتك. طب هو اسمه إيه؟

روفانا: أسلم.

كريلس: تمام. ابعتيلي رقمه والسيرة الذاتية بتاعته لو معاكي، وأنا هكلم كام حد أعرفهم. عندي أصحاب في شركات مختلفة، وممكن واحد منهم يكون محتاج محاسبين.

روفانا ارتاحت أول ما سمعت رده.

روفانا: بجد يا كريلس؟!

كريلس ضحك.

كريلس: أيوه يا ستي، هو أنا هرفض لك طلب؟ بس أنا بوعدك إني هدور وأسأل، مش هقدر أضمن إن فيه وظيفة مناسبة من دلوقتي.

روفانا: وأنا مش طالبة أكتر من كده. أنا عايزة بس حد يشوف مؤهلاته ويديله فرصة لو مناسب.

كريلس: خلاص، ابعتيلي الرقم وأنا هتصرف.

روفانا: شكرًا يا كريلس، بجد.

كريلس: متشكرنيش، انا أخوكي. وبعدين أنا عايزك تبطلي تشيلي كل حاجة لوحدك. أي حاجة محتاجاها، كلميني.

روفانا ابتسمت بحنان.

روفانا: يخليك ليا.

كريلس: ويخليكي ليا يا روحي. يلا ابعتي الرقم، وأنا هكلم صاحبي.

أنهت المكالمة، وبعدها فتحت جهات الاتصال عندها.

وقفت عند اسم أسلم.

فضلت باصة له لحظات، وبعدها نسخت الرقم وبعته لكريلس.

كانت عارفة إنها لسه في بداية محاولة بسيطة لمساعدته، وإن مفيش ضمانات إن كل حاجة هتمشي زي ما هي عايزة.

لكنها على الأقل بدأت تتحرك.

وبالنسبة لها، ده كان أهم شيء.

### 

بعد ما وصل رقم أسلم لكريلس، بدأ يدور في جهات الاتصال عنده على اسم صديق مقرب ليه، اسمه مينا ، صاحب شركة متخصصة في الخدمات الإدارية والمالية.

كان مينا من الناس اللي كريلس بيثق في رأيهم، وعارف إنه بيدي فرص لحديثي التخرج لو شاف إن عندهم استعداد يتعلموا ويشتغلوا بجد.

اتصل بيه.

مينا: يا أهلاً يا كريلس! إيه الأخبار؟

كريلس: كله تمام يا مينا، إنت عامل إيه؟

مينا: انا تمام. طمني عليك.

كريلس: بص يا سيدي، أنا بكلمك في موضوع شغل. عندي شاب خريج حاسبات ومعلومات، ومحتاج فرصة في مجال الحسابات. هو عنده استعداد يشتغل ويتعلم، وأنا حبيت أسألك إذا كان عندك مكان مناسب ليه.

مينا: هو عنده خبرة؟

كريلس: على حد علمي، اشتغل في وظائف بعيدة عن تخصصه، لكن أنا لسه مشفتش السيرة الذاتية بتاعته. اللي أعرفه إنه خريج وبيحاول يلاقي فرصة مناسبة.

مينا: طب ابعتلي رقمه، وأنا هكلمه. إحنا فعلًا بنراجع احتياجات قسم الحسابات، وممكن نكون محتاجين ناس جديدة.

كريلس: تمام، هبعتهولك دلوقتي.

مينا: ابعته، وأنا هتصرف.

بعد ما قفل معاه، بعت كريلس رقم أسلم لمينا، ومعاه الاسم، من غير ما يدخل في تفاصيل شخصية عنه.

أما مينا، فكان فعلًا عنده احتياج لمحاسبين مساعدين، وقرر يتواصل مع أسلم بنفسه قبل ما يحدد أي مقابلة.

فتح الرقم، واتصل.

في نفس الوقت، كان أسلم قاعد في بيته، قدامه اللابتوب، وبيراجع إعلان وظيفة كان لسه مقدم عليها.

كان مركز جدًا، لدرجة إنه مخدش باله من رنة الموبايل غير لما رن للمرة التانية.

بص للشاشة.

رقم غير مسجل.

رد بسرعة.

أسلم: ألو،  مساء الخير. 

مينا:. صباح النور ، معايا أستاذ أسلم؟

أسلم: أيوه، مع حضرتك.

مينا: معاك مينا فؤاد. أنا بتصل بيك بخصوص فرصة شغل في مجال الحسابات.

أسلم اعتدل في قعدته.

أسلم: فرصة شغل؟!

مينا: أيوه. إحنا عندنا شركة خدمات مالية وإدارية، وبنراجع احتياجات قسم الحسابات عندنا. وصلنا إن حضرتك كنت مقدم على وظائف قبل كده، وإن فيه جهة كانت محتفظة بالسيرة الذاتية بتاعتك، فحبينا نتواصل معاك ونعرف إذا كنت لسه بتدور على شغل.

أسلم حس إن قلبه بدأ يدق بسرعة.

أسلم: أيوه يا فندم، أنا فعلًا بدور على شغل في تخصصي من فترة، ولسه بدور.

مينا: طيب، ممتاز. ممكن أعرف حضرتك خريج سنة كام؟

أسلم جاوبه، وبعدها بدأ مينا يسأله عن دراسته، والمهارات اللي عنده، ومدى استعداده للعمل في قسم الحسابات والتعامل مع البرامج المستخدمة في الشركة.

أسلم جاوب على كل الأسئلة بوضوح، ومن غير ما يبالغ في خبرته أو يدعي إنه بيعرف حاجات هو لسه محتاج يتعلمها.

وفي نهاية المكالمة، مينا قال:

مينا: بص يا أستاذ أسلم، أنا مش هقدر أوعدك بالوظيفة قبل ما نشوف أوراقك ونعمل مقابلة، لكن مؤهلاتك ممكن تكون مناسبة لفرصة عندنا. لو مناسب ليك، أحب أحدد معاك مقابلة في الشركة خلال اليومين الجايين.

أسلم حس إن صدره اتفتح من الفرحة.

أسلم: طبعًا يا فندم، مناسب جدًا. أنا تحت أمر حضرتك في أي وقت.

مينا: تمام. هبعتلك رسالة فيها عنوان الشركة والمعاد والتفاصيل المطلوبة، وهنتواصل لو احتجنا أي مستندات إضافية.

أسلم: شكرًا جدًا لحضرتك. متشكر لحضرتك إنك اتصلت بيا.

مينا: العفو يا أستاذ أسلم. بالتوفيق.

أنهى مينا المكالمة، وبعدها بدأ يجهز رسالة التفاصيل.

أما أسلم، ففضل ماسك الموبايل في إيده لثوانٍ، مش مصدق اللي حصل.

من كام ساعة بس، كان قاعد بيفكر هيعمل إيه بعد ما خسر مصدر دخله الوحيد تقريبًا.

وكان خايف من الأيام اللي جاية، ومن الفلوس اللي لازم يوفرها عشان يقدر يعيش.

وفجأة، جت له مكالمة بخصوص فرصة في مجاله!

لسه مفيش وظيفة مضمونة، ولسه محتاج يعدي المقابلة، ويثبت إنه مناسب للشغل.

لكنها كانت أول فرصة حقيقية تظهر قدامه من فترة طويلة.

أسلم قام من مكانه، ومشي خطوتين في الصالة، وبعدها رجع قعد تاني وهو بيبتسم.

أسلم: الحمد لله يا رب... الحمد لله.

رفع إيده، ودعا من قلبه.

أسلم: يا رب، لو الشغل ده خير ليا، يسرهولي واكتبلي فيه الخير. يا رب، أنا تعبت من إني أفضل أحاول ومش عارف هروح على فين، بس الحمد لله على كل حال.

نزل إيده، ومسح على وشه، وبعدها فتح الموبايل لما وصلته رسالة مينا.

قرأ تفاصيل المقابلة مرة، وبعدها رجع قرأها تاني، واتأكد من العنوان والمعاد.

ثم فتح اللابتوب، وبدأ يراجع سيرته الذاتية، ويجمع الأوراق اللي ممكن يحتاجها.

كان لازم يكون مستعد.

الفرصة دي مش هيفرط فيها بسهولة.

وبعد ما خلص، قعد على الكنبة، وافتكر إنه لسه مكنش بلغ روفانا بأي جديد.

تردد لحظة، وبعدها فتح جهات الاتصال.

ظهر اسمها قدامه.

فكر إنه ممكن يبعت لها رسالة يقول لها إنه بدأ يدور على شغل، لكنه قرر يستنى لحد ما يعرف نتيجة المقابلة.

هو مش عايز يقلقها أكتر، ولا عايز يخليها تحس إنها مسؤولة عن مشاكله.

قام من مكانه، وحط الموبايل على الترابيزة، وراح حضر لنفسه كوب شاي.

كان لسه عنده أسئلة كتير عن اللي حصل، ولسه مش عارف مين اللي حاول يقتله.

لكن للمرة الأولى من يومين، حس إن فيه حاجة يقدر يفكر فيها بعيدًا عن الخوف.

مستقبله.

أما روفانا، فكانت قاعدة في مكتبها، بتراجع بعض الأوراق، ولما وصلها رد من كريلس إنه تواصل مع صديقه وبعت له رقم أسلم، ابتسمت براحة.

روفانا، لنفسها: يا رب تفرح قلبه.

قفلت الموبايل، ورجعت لشغلها، وهي مقررة إنها مش هتسأله عن الوظيفة ولا هتقول له إنها حاولت تساعده.

هتسيبه يعرف بنفسه.

ولو اتقبل، يبقى ده بفضل مجهوده ومؤهلاته، وهي هتكون سعيدة من بعيد.

لكنها مكنتش تعرف إن المكالمة اللي فرحت أسلم بالشكل ده، كانت أول خطوة في طريق ممكن يجمعهم تاني في ظروف مختلفة تمامًا.

وفي مكان آخر، كان دانيال بيتابع أخبار إنهاء الشراكة، وبيحاول يفهم إذا كانت روفانا بتبعد عنه نهائيًا، ولا فيه سبب تاني وراء قرارها.

أما الشخص اللي كان بيراقب تحركات أسلم وروفانا، فكان عنده اهتمام جديد بدأ يكبر.

لأن روفانا، بدل ما تبتعد عن أسلم خوفًا عليه، بدأت تتحرك عشان تساعده.

وده كان تغييرًا لم يكن في الحسبان.

ولسه محدش فيهم يعرف إن الفرصة الجديدة اللي ظهرت قدام أسلم، ممكن تكون بداية طريق يقربه من الحقيقة... أو يدخله في دائرة خطر أوسع.

بارت كبير جداً أهو تعويضاً عن التأخير ده 


تعليقات