رواية طفلة وحيد الدباغ الفصل السابع
أما تحت، فتحت إنعام باب أوضة حورية بالراحة عشان تطمن عليها، واتفاجئت بـ وحيد نايم جنب حورية وواخدها في حضنه، والعيال نايمين جنبهم في جو دافي وهادي. ابتسمت إنعام بحنان، وطلعت بهدوء وقفلت الباب وراها.
قابلت حمدي في الصالون اللي سألها باستغراب:
حمدي: هي حورية فين؟ ما طلعتش تفطر ليه؟
إنعام (بابتسامة واسعة): لسه نايمة.. سيبها براحتها، دي طول الليل كانت سهرانة بتذاكر، خليها ترتاح النهاردة.
حمدي: طب أوعي تنسي تفطريها كويس.
إنعام (بضحكة خفيفة): هو أنا أقدر أنساها دي؟! دي قلب أمها!
حمدي ضحك وبص للعيال:
حمدي: يلا بينا ننزل.. أكيد وحيد زمانه قاعد تحت في الورشة من بدري.
أيمن: يلا يا حاج.
إنعام (وهي بتشد حمدي من دراعه): استنى يا حمدي.. عايزاك في كلمة!
قربت من ودنه وقالت بصوت واطي إن وحيد نايم جوه في أوضة حورية. حمدي اتفتح بوقه بصدمة وفتح عيونه بذهول:
أمين (باستغراب وهو باصص لهم): مالك يا حاج؟ في ايه؟
حمدي (وهو بيتلخبط في الكلام): مافيش.. مافيش يا ابني، اصل افتكرت إن وحيد قال لي إنه رايح المصنع النهاردة بدري.
أيمن: إزاي يعني؟! ده أنا اللي رايح المصنع!
حمدي (بارتباك): قصدي.. أنت روح عادي، وهو زمانه رايح مشوار تاني.
أيمن: مشوار ايه ده؟!
حمدي: يلا بس خلينا ننزل دلوقتي!
إنعام بصت للبنات وقالت: يلا يا بنات نخش المطبخ نشوف ورانا ايه.
ضحى: يلا يا ماما.
وفي جوة الأوضة، فتحت حورية عينيها ببطء ونعاس، وحست كأنها متكتفة ومش قادرة تتحرك براحتها. لفت وشها بالراحة، واتفاجئت بـ وحيد نايم قدامها . برقت عيونها بذهول وصدمة ومش مصدقة إنها نايمة جوه حضنه! ومن غير ما تحس، مدت إيدها ببطء شديد وحطت صوابعها على خدّه برقة.
في اللحظة دي، وحيد -رغم نومه- حس بحركة إيد خفيفة على وشه، ففتح عيونه فجأة لقاها قدامه مباشرة وبتحسس وشه. حورية اتخضت رعب وسحبت إيدها بسرعة البرق من وشّه وهي بتترعش.
وحيد (بصوت مبحوح ودافي): صباح الخير.. هي الساعة كام؟!
حورية (بكسوف وتوتر ومش قادرة ترفع عيونها فيه): ما.. مش عارفة!
وحيد مد إيده ورا راسه ومسك التليفون من على الكومودينو، واتفاجئ لما شاف الساعة ونط بصدمة:
وحيد: الساعـة اتنين ونص الظهر؟!
وكان لسه هيتكلم، وفجأة باب الأوضة اتفتح، ودخلت إنعام وهي شايلة صينية الفطار الكبيرة:
إنعام: يلا قوموا عشان تفطروا.. حورية قامت مفزوعة من مكانها وزقت إيد وحيد من عليها بسرعة برعب.
إنعام: صحّي العيال يا حورية خليهم يفطروا هما كمان.
وحيد وقف وهو بيظبط هدومه ببرود محرج:
وحيد: أنا ماليسش نفس.. وكان لسه هيخرج من الباب، إنعام مسكت إيده بقوة:
وحيد (باستغراب): رايح فين؟
إنعام: يعني ايه هتنزل على لحم بطنك؟! ما ينفعش الكلام ده.. اقعد افطر الأول، وبعد ما تخلص انزل لأبوك تحت، هو عايزك في موضوع.
وحيد سمع كلامها وقعد بهدوء. إنعام بصت لحورية بحنان:
إنعام: يلا يا قلب أمك صحي العيال يفطروا. وسابتهم وخرجت وهي بتبتسم في سرها.
حورية كانت مكسوفة لدرجة إن وشها بقى أحمر، وبدأت تصحّي آدم وأخوه عشان يفطروا. قعدوا كلهم في جو عائلي دافي، وحورية بتأكل العيال بهدوء وخجل، في الوقت اللي كانت فيه عيون وحيد متعلقة بيها وبتراقب كل حركة بتعملها بنظرات مليانة كلام كتير.
وبعد وقت، كان وحيد قاعد جوه الورشة قدام أبوه الحاج حمدي، وبص له باستغراب:
وحيد: خير يا حاج؟ أمي قالت لي إنك عايزني في موضوع؟
حمدي (بجدية وهو بيبصه بعين ثاقبة): بص يا وحيد.. أنا شايف إن العرسان اللي بيتقدموا لحورية دول كويسين ومناسبين، وعشان كده بقول لك: طلقها وسبها تشوف حالها!
وحيد (واتعدل في قعدته بحدة وصدمة): لأ طبعا يا حاج! طلاق ايه اللي بتقوله ده؟!
حمدي: يا ابني.. أمك عايزة إنك أنت اللي تتجوزها ونعمل لكم فرح، ها.. هتبقى موافق على الكلام ده، ولا البنت هتفضل طول عمرها عايشة معلقة كده من غير جواز ومن غير حياة؟!
وحيد اتسمر مكانه وكان مصدوم من جرأة كلام أبوه وتفكير أمه، وقال بتوتر:
وحيد: ما.. ماشي يا حاج، هي اختارت حد وانا قلت لها لا وما طلقتهاش انت شايف بعنيك هي مش موافقه ولا على اي عريس يبقى طلقها ليه!
حمدي (وهو بيطبطب على كتفه بحنان وأبوة): بص يا وحيد.. أنا عارف أنت شقيت قد ايه معايا لحد ما كبرنا شغلنا وبقى بالمنظر ده.. بس يا ابني، لو بتحب حورية بجد.. اتجوزها واقعد معاها وعيش حياتك، بدل العيشة اللي أنت عايشها دي، وأنا أول واحد هبقى مبسوط لك وفرحان بيك! لكن لو الموضوع كله مجرد شفقة عليها.. يبقى بلاش تظلمها، وهي هيجي لها ابن الحلال اللي يصونها.
وحيد سكت تماماً ومردش بكلمة واحدة، وعقله كان بيغلي من الكلام.
حمدي: فكر يا ابني كويس، ورد عليّا.. معاك لحد آخر الأسبوع.
وكان حمدي لسه بيتحرك عشان يقوم ويخرج، فجأة اتفاجئوا بعربية فخمة جداً واقفة قدام باب المعرض، ونزل منها شاب وراجل بملامح غريبة وجايين ناحيتهم بخطوات واثقة!
الشاب بص لـ وحيد باستهزاء وقال بنبرة متعالية:
الشاب: هو وحيد الدباغ موجود ولا لا؟! حمدي بص للشاب بضيق شديد من أسلوبه، ورد بحزم:
حمدي: أيوه يا ابني.. موجود. أنت مين؟! الشاب بص له بطرف عينه وباستهزاء:
الشاب: لما أشوفه هو، هعرفه بنفسي!
حمدي حس بغيظ من طريقته، ونادى على ابنه بصوت عالي:
حمدي: يا وحيد! تعالي يا ابني. قرب وحيد بوشه مكشر:
وحيد: نعم يا حاج؟ مين دول؟ الشاب قلع النظارة الشمسية من على عيونه ببطء وابتسم بخبث:
رامي: أنا رامي أبو اليسر.. وشاور بإيده على اللي جنبه وقفقف وقال: وده بابا، حكيم أبو اليسر.
أول ما حمدي سمع الاسم، اتصدّم تماماً وتغيرت ملامح وشه من التوتر والغضب المكتوم.
وحيد: أهلا وسهلا.. اقدر أساعدكم بايه؟
رامي: هو ينفع الكلام ده واحنا واقفين في الشارع كده؟!
وحيد (بجفاف): اتفضلوا جوه.
دخلوا مع بعض مكتب الورشة، وكانوا لا زالوا مش عارفين إن حورية (زمردة) موجودة معاهم في نفس البيت.
رامي: بصراحة كده يا وحيد.. أنا سمعت عنك كلام كويس جداً في السوق، وكنت حابب نعمل شغل وشراكة مع بعض. حمدي اتنهد براحة وهو بيراقبهم بحذر.
وحيد: بس أنا ما بدخلش شراكة مع حد.. أنا بشتغل أنا وأخواتي لوحدنا.
حكيم (بابتسامة): اسمع بس يا وحيد.. ده شغل هيفيدك أكتر بكتير، وهيكون ليه مصلحة كبيرة لينا وليك.
وحيد: اتفضلوا.. قولوا سامعكم.
وفي الوقت نفسه، جوه شقة إنعام، كانت حورية قعدت جنبهم ومسكت كتابها بتذاكر بهدوء.
قربت منها إنعام وقعدت جنبها، وشدتها لحضنها بحنان:
إنعام: بقولك ايه يا قلب أمك.. عايزة منك طلب صغير قوي.
حورية (بابتسامة دافية): عيونيا يا نونو، أمريني!
إنعام: عايزة تنزلي تجيبي لي شوية حاجات ضرورية من عند العطار اللي تحت.
حورية (بتلقائية): طب ما تطلبي من بابا وهو جاي وهو يجيبها لك؟
إنعام (بارتباك وتوتر خفيف): ما أنا بتصل عليه وعلى وحيد والتليفونات مش بيردوا عليا .
حورية: خلاص، حاضر.. هنزل أجيبهم فوراً.
آدم (وهو بينط من مكانه): استني يا حورية.. أنا جاي معاكي! حورية ابتسمت بحب:
حورية: طيب يا سيدي، تعالى معايا. ودخلت الأوضة عشان تلبس إسدالها ونقابها وتنزل.
تحت في مكتب الورشة، كان رامي لسه بيضغط في الكلام:
رامي: إيه رأيك يا وحيد؟ الكلام واضح والشغل كويس جداً.
وحيد: وزي ما قلت لك، أنا ما بحبش الشراكة ولا بدخل فيها.
رامي: اسمعني بس يا وحيد.. الموضوع مش موضوع شراكة وبس، أنا عرفت كمان إنك ناوي تشتري مصنع أخشاب جديد، ومن الصعب عليك تلاقيه لوحدك بالساهل، وعشان كده بقول لك نخش فيه شراكة، أنت هتستفاد وأنا هتستفاد.
وحيد (بعين حادة): تمام.. بس أنت بتقول لي إن العقد مش هيتكتب فيه الفلوس الحقيقية اللي أنا هادفعها.. إزاي يعني؟!
حكيم (وهو بيقرب بضحكة صفراء): أنا هفهمك .. احنا عندنا محامي قديم في العيلة بيمسك العقود دي، وعلى أساسها بيقدمها للضرائب عشان نقلل النسب، وطبعاً لو كتبنا الفلوس الحقيقة الضرائب هتطلب فلوس كتيرة جداً! فعشان كده بنعمل عقد "أي كلام" قدام المحامي والضرائب، وبيننا وبين بعض بيكون فيه العقد الحقيقي.
وحيد ضيق عيونه وحس بقبضة في قلبه لإن الكلام مش مستريح له خالص.. وفي نفس الوقت كان حمدي قاعد جنبهم بيبتسم بسخرية ومرارة جواه، وهو فاهم كويس اللعبة دي، وعارف إن المصنع ده بتاع زمردة، وإن المحامي اللي بيتكلموا عنه هو اللي ماسك أملاكها وعايز يسرقها بطريقته!
وحيد: طب.. هقول لك إيه، سيبني أفكر في الموضوع ده كويس، وأبقى أرد عليك.
رامي (بابتسامة واسعة): تمام.. وعلى العموم، إيه رأيك أنت والعيلة الكريمة تشرفوني في حفلة عيد ميلاد أختي؟ وطلع كارت دعوة فخم وداه لإيده.
وحيد (ببرود): حاضر، إن شاء الله.
وقاموا عشان يخرجوا، ووحيد خرج معاهم لحد باب المعرض.
حكيم: هنستناك يا وحيد.. سلام. وحيد كان بيلف وشه عشان يدخل، وفجأة اتسمر مكانه لما شاف حورية نازلة من فوق وماسكة إيد آدم، ورايحة ناحية الشارع! وحيد بصوت عالي نسبياً عشان يلفت نظرهم:
وحيد: آدم! رايحين فين؟ حورية لفت وشها بسرعة على الصوت، وعيونها وقعت مباشرة على عمها "حكيم" ورامي! اتجم الدم في عروقها واتوترت بشكل مرعب ووقفت مكانها وهي بتترعش.
آدم: رايحين عند العطار يا بابا، أنا وحورية.
حمدي كان سامع اسم العطار وحورية، فخرج بسرعة من جوه المكتب وقرب بخطوات واسعة، وفتح دراعه لحورية:
حمدي: تعالي يا قلب أبوكي!
في اللحظة دي، حكيم ورامي تلفوا وبصوا في اتجاه الصوت والصبيّة.. رامي فتح عيونه بذهول وهو بيبص لحورية وهي لابسه النقاب وعينيها باينه اللي بتسحر، وقال بسرعة لأبوه بصوت واطي:
رامي: يلا يا بابا.. ادمي بسرعة! وركبوا عربيتهم وتحركوا. وحمدي شد حورية لحضنه ودخل بيها البيت بسرعة وطلع بيها على فوق وهو حاسس برعشتها وخوفها الشديد اللي مش مخليها قادرة تقف على رجليها.
أول ما دخلوا الشقة، حمدي نده على إنعام بصوت قلق:
حمدي: يا إنعام! تعالي بسرعة.
خرجت إنعام من جوه وهي مستغربة وشايفة حمدي ماسك حورية اللي كانت بتترعش، فقربت بسرعة وقلق:
إنعام: في ايه يا حمدي؟ مالها البنت؟!
حمدي: مافيش حاجة.. هاتي بس كوباية مية بسكر بسرعة.
دخل بيها على الأوضة وقعدها على السرير، ورفع النقاب برفق عن وشها وهو بيطبطب عليها:
حمدي: اهدي يا حبيبتي.. ما تخافيش خالص، أنا معاكِ.
حورية (بصوت متهدج وعيون مليانة رعب): عايزين يقتلوني صح؟! جايين ياخدوني عشان يخلصوا عليا!
حمدي: اهدي يا حبيبتي وافهمي.. محدش أصلاً يعرف أنك هنا، وهما ما يعرفوش شكلك ولا مكانك أساساً!
حورية (بانهيار): لأ.. هما أكيد عرفوا وجايين ورايا!
حمدي: يا بنتي اهدي خالص واسمعيني.. دول ما جوش عشانك، دول جايين أساساً عشان عايزين يشاركوا وحيد في الشغل!
وحكى لها القصة كلها باختصار عشان يطمنها إن وجودهم ملوش دعوة بيها خالص.
حورية عيونها دمعت وبصت له بخوف:
حورية: أنا خايفة قوي يا بابا.. واترمت في حضنه وهي بتترعش، وفضل حمدي يطبطب عليها بحنان أبوي لحد ما تنفست بعمق وهديت نسبياً.
في اللحظة دي، دخلت إنعام ومعاها كوباية المية بسكر:
إنعام: اشربي يا قلب أمك.. اهدي كدة. وقالت بقلق: فهموني في ايه، إيه اللي حصل؟!
حمدي: مافيش يا ستي.. هي كانت نازلة مع أدم، وأول ما ندهت عليها بصوت عالي و اتفاجات خافت و اتفتحت في العياط.
إنعام (وهي بتلوم نفسها بأسى): يا ريتني ما نزلتها! أنا الغلطانة إني طلبت منها تنزل! حورية مسحت دموعها بسرعة وقالت بصوت ضعيف:
حورية: أنا كويسة يا ماما.. والله مافيش حاجة.
حمدي (بص لإنعام بلوم خفيف): وانتِ ايه اللي خلاكِ تنزليها أصلاً في الوقت ده؟
إنعام: كنت محتاجة حاجات من عند العطار عشان أكمل الأكل.
حمدي: عن ما الأكل اتعمل! ما كانتش نزلت.. وقلت لك مية مرة اتصلي بيا لما تكوني عايزة حاجة من تحت.
إنعام: ما أنا اتصلت بيك كتير والله! بس تليفونك كان مش بيرد، وحتى وحيد تليفونه مقفول ! حمدي سكت وبص لحورية بنظرة كلها أمان واطمنان عشان يهدي روعها تماماً.
وفي نفس الوقت، جوه عربية عائلة أبو اليسر، كان رامي سايق وبيسأل أبوه بحذر وتفكير:
رامي: تفتكر يا بابا.. هيشاركونا بجد ويوافقوا على العرض؟
حكيم: على حسب.. الموضوع مش ساهل.
رامي: قصدك ايه يا بابا؟
حكيم: أنا حاسس إن وحيد ممكن يرفض في الآخر بسبب حكاية العقد المضروب والضرائب دي، الواد ده شكله دماغه صعبة ومش سهل يتضحك عليه بكلمتين.
رامي (بثقة واثقة في الشر): بالعكس! ده لازم يوافق غصب عنه، احنا كسبنا النقطة دي لصالحنا وهنقلل له نسبة الضرائب عنده وعندنا، والصفقة دي هتمشي يعني هتمشي!
حكيم (وهو بيبص لقدام بعيون مليانة طمع): أهو كله هيبان .. بكرة!
في شقة هدير، كان الجو جوه الأوضة مليان غل ونار مشتعلة.. كانت قاعدة قدام المراية وعينها بتبص بقهر على آثار الضرب والوجع اللي سايب علامات واضحة على وشها من القلم اللي خدته من وحيد.
لكن وسط الغل ده كله، شفايفها اتحركت عن ابتسامة خبيثة وشريرة وهي بتفتكر كلام أمها رضا، والاتفاق اللي دار بينهم والتخطيط اللي هيعملوه النهاردة عشان تنتقم وترجع كرامتها.
