رواية نقطة عمياء الفصل السابع بقلم منة احمد
رفعت نسمة عينيها لمعتز بصعوبة، وأنفاسها متقـ..طعة ووشها شاحب ونسمة، بصوت ضعيف بالكاد مسموع: الحـ...الحقني...
عينيها اتقفلت وجـ...سمها ارتخى، والد..م كان بينزل أكتر.
معتز، وهو بينزل لمستواها بسرعة: نسمة؟!
خبط معتز على خدها بخفة: إنتي... فوقي معايا.
معتز: إنتي سامعاني؟ افتحي عينك!
لكن عينيها اتقفلت، ورأسها مالت على جنب، وفقده وعيها.
معتز، بصوت مخنوق: فوقي يا نسمة... مش وقت الكلام ده!
لما ملقاش منها استجابة، قام بسرعة ولبس هدومه، وشالها للعربية وانطلق ناحية المستشفى، وكل شوية يبص عليها بخوف وقال وهو بيحاول يثبت صوته: استحملي... فاهمة؟ مش هينفع يحصل لك حاجة دلوقتي.
في المستشفى
العربية وقفت قدام الطوارئ بفرامل مفاجئة، ومعتز نزل بسرعة وفتح الباب الخلفي وبصوت عالي وهو بينادي: يا دكتور! حد ييجي هنا بسرعة!
اتجمع اتنين من الممرضين، وجابوا الترولي، ونقلوا نسمة عليه بسرعة وأحد الممرضين، وهو بيبص لحالتها: الحالة دي محتاجة تدخل فوري!
معتز، بحدة: ما أنا جايبها المستشفى عشان تتفرجوا عليها؟! اتحركوا!
دخلوا بيها الطوارئ، واختفت عن عينيه ورا أبواب غرفة الكشف ومعتز وقف قدام الباب، إيده لسه عليها آثار د..مها، وعينيه ثابتة على الباب المقفول ورفع إيده وبص لكفه، وبعدها مسحها في منديل بعصبية، كأن أثر الد..م نفسه مستفزه وكان بيتمتم بضيق: غباء... غباء مالوش آخر.
لكن صوته ماكانش ثابت زي العادة وقعد على الكرسي اللي قدام الغرفة، وسند ضهره، وفضل يحرك رجله بعصبية. كل ما الباب يتفتح ويخرج منه حد، كان بيرفع راسه بسرعة، وبعدين يرجع يبص قدامه كأنه مش مهتم.
معتز، وهو بيهمس لنفسه: أنا وصلت لإيه؟!
رفع عينيه للباب وبلع ريقه بصعوبة وبضيق :هي ملهاش ذنب... ملهاش أي ذنب.
لأول مرة، مكنش عنده مبرر جاهز يهرب وراه.
بعد ساعتين...
عدّى وقت طويل قبل ما يخرج الدكتور وجدي من الغرفة.
معتز قام من مكانه فورًا بلهفة حاول يداريها: عاملة إيه؟
الدكتور وجدي خلع جوانتي إيده، وبص له بجدية و بنبرة عملية: طيب، لازم تبقى عارف إن حالتها كانت حرجة لما وصلت. النز..يف كان شديد، واضطرينا نتدخل بسرعة عشان نسيطر عليه.
ملامح معتز اتغيرت، لكنه فضل ساكت و بصوت منخفض:يعني إيه حرجة؟ هي هتفوق إمتى؟
الدكتور وجدي: إحنا قدرنا نسيطر على النز..يف، لكن جسمها فقد كمية كبيرة من الد..م، ولسه محتاجة متابعة دقيقة. حالتها مستقرة حاليًا، بس لازم نراقبها كويس.
معتز بلع ريقه، وبص ناحية باب الغرفة: والنز..يف ده سببه إيه؟
الدكتور وجدي سكت لحظة قبل ما يرد، وملامحه بقت أكثر جدية : فيه إصابات ونز...يف شديد، وخلال الفحوصات اكتشفنا إنها كانت حامل.
معتز اتجمد مكانه وفضل باصص للدكتور كأنه مستني يكمل، لكن الكلمة اللي سمعها كانت كفاية إنها توقف كل حاجة جواه وبصدمه :حامل؟!
الدكتور وجدي، بهدوء: أيوه. لكن للأسف، الحمل ماكملش. النز..يف كان شديد، وحصل إجها..ض. اضطرينا نتدخل بسرعة عشان نسيطر على النز..يف ونحافظ على سلامتها.
معتز رجع خطوة لورا، واصطدم ضهره بالحائط و غمّض عينيه بقوة. نسمة كانت حامل، وهو مكنش يعرف. افتكرها وهي واقعة قدامه وبتطلب منه يلحقها وهو مغمض عينيه: من إمتى وأنا بقيت قاسي بالشكل ده؟
الدكتور وجدي سمعه، لكنه فضّل ما يتدخلش
معتز، بصوت واطي: أنا أذيت بنت ملهاش ذنب في أي حاجة... بنت كل اللي كانت محتاجاه إنها تعيش في أمان.
فتح عينيه وبص للدكتور : شكرا يا دكتور وجدي
الدكتور وجدي: علي ايه يا دكتور خير ان شاءالله عن اذنك
هز معتز راسه من غير كلام. وبعد ما الدكتور مشي، رجع قعد وحط إيديه على راسه وبصوت مكسور: أنا عملت فيها كده ليه؟!
كان طول عمره شايف نفسه الشخص اللي الدنيا ظلمته، وإن قسوته مجرد رد فعل على اللي عاشه. لكن دلوقتي فهم إن وجعه مش بيديله الحق يوجع غيره، وإن مفيش حاجة تبرر اللي عمله في بنت بريئه.
بعد يوم...
وصل معتز المستشفى بدري، وعرف إن نسمة لسه محتاجة راحة وإنها فاقت لفترة قصيرة، لكنه مقدرش يدخل يشوفها بسبب انشغاله ودخل مكتبه وحاول يراجع الملفات، لكن تركيزه كان معاها. لحد ما الباب خبط ودخلت ممرضة:
دكتور معتز، في حالة محتاجة تدخل جر..احي عاجل.
معتز قام ومعندهوش شغف: جهزوا كل حاجة، وأنا جاي حالًا.
قام ولبس البالطو واتجه لغرفة العمليات. وبعد فترة طويلة، خرج مرهقًا، لكنه سمع صريخ جاي من ناحية غرف المرضى صوت نسمة! وفتح باب غرفتها، فلقى الممرضة بتحاول تبعدها عن الشباك. وهي ماسكة إيديها:استهدي بالله يا حبيبتي، أرجوكي متعمليش في نفسك كده!
نسمة، بانهيار:سيبيني أمو..ت! سيبينييي! أنا خلاص تعبت، سيبوني أرتاح!
معتز دخل وملامحه اتشدت بضيق: رجعيها بعيد عن الشباك!
الممرضة قدرت تبعد نسمة عن الشباك، لكن أول ما شافت معتز، اتجمدت وافتكرت كل اللي عمله فيها: لأاااا! ابعد عني! مش عايزة أشوفك!
معتز وقف مكانه، وبعدها بص للممرضة و بصوت أجش:
خديها بعيد عن الشباك كويس، وبعدها اتفضلي برّه.
الممرضة بصتله بتردد: يا دكتور، هي حالتها النفسية مش مستقرة، والأفضل...
معتز، مقاطعًا بحدة:أنا عارف شغلي. اتفضلي برّه.
الممرضة اضطرت تخرج، لكن نسمة جريت وراها خطوتين ومدت إيدها ناحيتها برعب: لأ، متسبينيش! خُديني معاكي، أرجوكي! ده هيقـ..تلني! أنا مش عايزة أمو..ت على إيده!
الممرضة بصتلها بحزن، لكن معتز كرر أمره: اطلعي.
خرجت الممرضة وقفلت الباب. نسمة رجعت لورا بخوف، ومعتز قفل الشباك ولف ناحيتها وبجمود:اقعدي على السرير.
نسمة هزت راسها بعنف: لأ!
معتز بغيظ: متخلينيش أكرر كلامي.
نسمة، بصريخ: إنت مجر..م! إنت إنسان متوحش! سيبني أمشي!
معتز بص لها ببرود:ولو سيبتك تمشي، هتروحي فين؟ عندك مكان تروحيه؟
نسمة: آه! حتى لو هنام في الشارع، أهون عليّا من إني أفضل معاك!
معتز بل شفايفه وبصلها بنظرة جامدة: وفاكرة الشارع أمان؟ فاكرة إنك أول ما تخرجي من هنا هتلاقي الدنيا مستنياكي بالأحضان؟ هتلاقي نفسك بتلفي من مكان لمكان، ومحدش هيسأل فيكي. وساعتها هتندمي إنك خرجتي قبل ما تبقي قادرة تقفي على رجلك.
نسمة، بغيظ: ملكش دعوة! خليك في حالك وسيبني أمشي!
اتحرك معتز ناحيتها، ففضلت ترجع لورا لحد ما ضهرها خبط في الحيطة. مسك دراعيها وثبّتها قدامه و بعينين قاسيتين: إنتي لسه مش فاهمة إن الموضوع مش بإيدك؟ إنتي دلوقتي تحت مسؤوليتي، وهتفضلي هنا لحد ما أقرر إن خروجك مش هيعرّضك للخـ..طر.
نسمة، وهي بتضر..ب على صد..ره:سيبني بقى! سيبنييي! أنا مش عايزة منك حاجة!
معتز، ببرود:خلصتي؟
نسمة بقهر: هتفضل تعذ..ب فيّا لحد إمتى؟! إنت عملت فيّا اللي محدش عمله، ولسه عايز تتحكم فيّا؟!
معتز قرب بوشه منها، ونبرته بقت أخشن : قولتلك اقعدي، يعني هتقعدي. مش كل ما تعلي صوتك هتفرضي اللي إنتي عايزاه.
نسمة بصتله بكره والدموع بتنزل على خدودها: أنا بكرهك! بكرهك ومش عايزة أشوفك تاني!
معتز برود: براحتك.
فضل مثبتها على الحيطة، لحد ما عينيها وقعت على مشر..ط طبي جنب السرير. خطفته بسرعة ورفعته ناحية رقبـ..تها ومعتز ساب دراعيها فورًا ورجع خطوة و بقلق حاول يخفيه: نزّلي البتاع ده من ايدك.
نسمة، والدموع مغرقة وشها: إبعد عني!
معتز: ده مش لعبة في إيدك. نزّليه.
نسمة: مش هسمع كلامك! مش هتتحكم فيّا تاني!
إيديها كانت بتترعش والمشر..ط قريب من رقـ..بتها. معتز رفع إيديه ببطء ونبرته هديت.
معتز: طيب، مش هقرب. بس إبعديه عن رقبتك الأول.
نسمة، بضحكة مكسورة: دلوقتي بقيت خايف عليّا؟! بعد كل اللي عملته فيّا؟!
معتز سكت، لأنه ملقاش رد يقدر يقوله من غير ما يبقى كداب ونسمة أخدت نفسًا متقطعًا، وبدأت تحكي كل اللي جواها :أنا تعبت خلاص... أنا مليش حد. لا أب ولا أم. الناس اللي عشت عمري كله فاكرة إنهم أهلي مشيوا وسابوني، والست اللي كنت بقولها يا أمي طلعت مش أمي أصلًا!
معتز فضل ثابت مكانه، لكن ملامحه بدأت تتغير.
نسمة، وهي بتعيط بقهر:أنا طلعت مخطوفة منهم وأنا طفلة! طول السنين دي كنت فاكرة إن دول أهلي، وإن مهما حصل هيفضلوا ضهري... وفي الآخر اكتشفت إن حياتي كلها كانت كدبة!
بلعت ريقها بصعوبة:ولما قرروا يتخلصوا مني، جوزوني لواحد بيعذب فيّا. كنت كل يوم بصحى وأنا خايفة من اللي هيحصلي، وبنام وأنا بتمنى اليوم اللي بعده يكون أرحم. مكنتش عارفة أهرب فين، ولا أروح لمين، ولا مين ممكن يصدقني أصلًا!
صوتها اتكسر، لكنها كملت: ولما هربت، افتكرت إني أخيرًا نجيت... بس حتى النجاة مكنتش ليا. كل ما أهرب من وجع، ألاقي وجع تاني مستنيني. لحد ما جيت هنا، وافتكرت إني ممكن أرتاح شوية.
رفعت عينيها لمعتز، ونظرتها مليانة عتاب: أنا مكنتش عايزة منك حاجة! مكنتش عايزة فلوسك ولا بيتك ولا أي حاجة تخصك. كنت جعانة، وتعبانة، ومحتاجة أنام من غير ما أخاف. إنت حتى أبسط حاجة حرمتني منها!
معتز حس إن كلامها بيخبط في صد..ره.
نسمة، بصوت مرتعش: طب أنا عملتلك إيه؟! أنا أذيتك في إيه عشان تعمل فيّا كده؟! ليه كل الناس اللي المفروض تحميني بتبقى هي نفسها سبب وجعي؟!
سكتت لحظة، وبعدها انهارت في العياط:أنا تعبت من إني أكون لوحدي... تعبت من إني أفضل خايفة... أنا حتى مش عارفة أعيش فين ولا أروح لمين!
نزل معتز عينيه للأرض. كان فاهم لأول مرة إنه بيتعامل مع بنت مكسورة كأنها خصم لازم يكسره أكتر. نسمة مكنتش بتطلب منه غير إنه يسيبها في حالها، وهو ما سابهاش وبصوت متوتر: نسمة... بصيلي.
نسمة، وهي بتهز راسها: مش عايزة أبصلك!
معتز:مش هطلب منك تثقي فيّا، ولا هقولك إن اللي حصل هيتنسي. بس نزّلي اللي في ايدك.
نسمة: مش هيفرق! أنا خلاص مش عايزة أعيش!
بلع معتز ريقه ورفع إيديه أكتر عشان يوضح لها إنه مش هيهجم عليها:إنتي لسه صغيرة، ولسه قدامك فرصة تعيشي حياة أحسن من كل اللي فات. مش لازم كل اللي حصل يفضل هو اللي يحدد باقي عمرك.
نسمة، بمرارة: حياة أحسن؟ مع مين؟! أنا معنديش حد!
معتز بهدوء وجواه خوف: مش لازم يكون عندك حد دلوقتي عشان يكون ليكي مستقبل. ومش لازم تعرفي هتروحي فين بكرة وإنتي لسه مش قادرة تقفي النهارده.
بدأ يقرب منها خطوة ببطء: إنتي استحملتي كتير، أكتر مما كان المفروض حد يستحمله. وكونك تعبتي مش معناه إنك ضعيفة. بس القوة مش إنك تفضلي تحاربي لوحدك لحد ما تخلصي على نفسك.
نسمة بصتله وشفتها السفلى اترعشت: أنا خايفة منك...
وقف معتز مكانه وبصوت منخفض: عارف.
نسمة بدموع: إنتوا ليه بتستقو على الضعيف اللي زيي؟! أنا كل اللي كنت عايزاه أعيش في حالي!
معتز غمّض عينيه لحظة، وبعدها فتحهم وبصلها: إنتي مش ضعيفة يا نسمة... إنتي بس اتسابتي لوحدك وقت ما كنتي محتاجة حد يقف جنبك. وأنا زوّدت عليكي بدل ما أسيبك في حالك.
كانت دي أول مرة يعترف إنه غلط.وهو بيحاول يثبت صوته:أنا مش هقولك سامحيني، لأن مفيش كلمة هتصلح اللي عملته. بس دلوقتي، نزّلي المشر..ط. خدي وقتك، وعيطي، وازعلي، واكرهيني لو ده اللي إنتي حاساه... بس متأذيش نفسك.
نسمة لوت شفايفها ودموعها نزلت أكتر: إنت هتأذيني تاني...
معتز هز راسه: مش هقرب منك دلوقتي. أنا هسيبك تمشي لما تبقي قادرة، ومش هاجبرك تفضلي قدامي. حتى مش هتشوفي وشي لو ده اللي يريحك.
كانت كلماته هادية، لكنها مكنتش كفاية تمسح الخوف اللي زرعه فيها وفضلت نسمة بتراقبه بحذر، والمشرط لسه في إيدها. معتز قرب خطوة صغيرة:خلاص... اهدي. خدي نفس، وبصيلي.
لاحظت إنه بيقرب، فاندفعت فجأة وضر..بته بالمشر..ط في دراعه ومعتز شهق بالم مكتوم: مممم طيب ... ماشي اهدي
غمض عينيه من الألم، لكنه كتم صوته وما مدش إيده ناحيتها نسمة رجعت لورا، وبصت للد...م برعب: أنا... أنا مكنتش...
كانت بتبص للمشرط كأنها مش مصدقة اللي عملته ورمته على الأرض بخوف، وإيديها الاتنين بيترعشوا.
معتز، بصوت واطي وبالم: نسمة، استني...
لكنها مكنتش سامعة. اتحرك بسرعة وقبل ما تنهار، وضمها لصدر..ه عشان يمنعها تأذي نفسها ونسمة صرخت وحاولت تبعده وضر..بت صد..ره بإيديها:سيبني! ابعد عني! مش عايزة حد يلمسني!
معتز تجاهل الألم في دراعه، وحاول يثبتها من غير ما يضغط عليها أكتر من اللازم وبصوت منخفض ومليان وجع: ششش... اهدي. خلاص، خلاص... مش هأذيكي.
نسمة، وهي بتصرخ في صد..ره: سيبنييي! إبعد عني!
معتز خد نفس من الوجع: حاضر... بس اهدي الأول
فضلت تقاومه لحد ما صريخها ضعف وبقى شهقات متقطعة. ولما حس بجسمها بيرتعش، حضنها اكتر، وعينيه لمعت بالدموع و بصوت خافت: أنا مش طالب منك تسامحيني...أنا عايزك تهدي وتخدي نفسك
بدأت نسمة تهدى، وبعد لحظات أبعدت نفسها عنه. معتز سابها تبعد، ومسح دمعة من على خدها بإيده السليمة، لكنه سحب إيده بسرعةو بابتسامة صغيرة باهتة:خلاص... مش هعملك حاجة.
فضلت نسمة باصة له بحيرة. من شوية كان مثبتها في الحيطة وبيتعامل معاها ببرود، ودلوقتي صوته هادي وعينيه فيها خوف واضح بصوت ضعيف: إنت... مالك؟
معتز سكت لحظة وبص لدراعه المصاب: مفيش.
نسمة، وهي بتهز راسها بحيرة: لأ... إنت اتغيرت فجأة ليه؟
رفع عينيه ليها، ومكنش عارف يشرح لها ولا لنفسه وقال بهدوء: مش كل حاجة ليها إجابة أنا كنت بساعدك تهدي.
قبل ما ترد، الباب اتفتح ودخل آدم. وقف بصدمة لما شاف نسمة مع معتز ومعتز دراعه بينز..ف: معتز؟! إيه اللي حصل هنا؟ دراعك بينز..ف ليه؟!
معتز لف ناحيته ورجع لملامحه الجامدة : خدش بسيط. متكبرش الموضوع.
آدم قرب وبص للجرح بقلق :خدش إيه بس؟! ده محتاج يتعقم ويتربط بسرعه. إنت بتعمل إيه في نفسك؟
معتز، بنفاد صبر:آدم، أنا كويس.
آدم: واضح جدًا إنك كويس!
آدم هز راسه، وبعدها بص لنسمة اللي كانت عينيها حمرا وإيديها بتترعش. قرب منها بهدوء وقال بنبرة مطمئنة: نسمة، إنتي كويسة؟ حاسة بدوخة؟ في حاجة واجعاكي؟
نسمة بصتله وحاولت تتكلم، لكن صوتها مخرجش.
آدم: طيب، براحتك. مش لازم تتكلمي دلوقتي. المهم إنك تهدي شوية.
مد إيده ناحيتها واستنى، ولما ملقاش منها رفض، مسك إيديها برفق: بصيلي يا نسمة... إنتِ في المستشفى، والدكتور متابع حالتك، ومحدش هيطلب منك تعملي حاجة فوق طاقتك. لو حاسة إنك تعبانة، قوليلي وأنا هنادي الممرضة.
نسمة بصتله بامتنان ضعيف، والدموع رجعت تتجمع في عينيها: أنا تعبت يا آدم...
آدم، بحزن: عارف. ومش هقولك إن كل حاجة هتبقى كويسة بكرة، لأن محدش يقدر يوعدك بكده. بس مش لازم تواجهي كل حاجة مرة واحدة. خدي يومك بس، وخلينا نطمن على صحتك الأول..
بص لوشها الشاحب، ولما شافها مش بتبعد، مسح دمعة من على خدها وآدم فضل جنبها، ومعتز بيراقبهم من بعيد. كان شايف آدم بيتعامل معاها بالطريقة اللي كان المفروض هو يتعامل بيها من البداية لما جت عنده؛ من غير تهديد ولا أوامر ولا محاولة للسيطرة عليها و نسمة رفعت عينيها ناحية معتز أول ما عينيهم اتقابلوا، نزلت عينيها بسرعة وشدت إيديها ناحية صد..رها ومعتز حس بوخزة في صد..ره، لكنه خبّاها وفتح الباب وخرج ، وآدم رجع يبص لنسمة اللي فضلت متشتتة وباصة ناحية الباب :مالك؟ في حاجة مضايقاكي؟
نسمة هزت راسها بالنفي. آدم لاحظ إنها مش عايزة تتكلم، فقرر يسألها بهدوء: نسمة، أنا محتاج أسألك سؤال، ولو مش قادرة تردي دلوقتي عادي.
نسمة بصتله: خير؟
آدم بتوتر: الدكتور قالّي إنك كنتي حامل، وإن الحمل للأسف مكملش. أنا عارف إن ده موضوع صعب، بس... إنتي كنتي متجوزة؟
نسمة قفلت عينيها وأخدت نفسًا طويلًا قبل ما ترد: أيوه بس احسن أن الحمل نزل.
آدم سكت ومقدرش يتكلم بعد اللي سمعه، مستنيها تكمل من غير ما يستعجلها: الناس اللي كنت فاكرة إنهم أهلي هما اللي جوزوني لواحد كان بيعذب فيّا. وأنا طول الوقت كنت فاكرة إنهم مهما عملوا، هيفضلوا أهلي... بس في الآخر سابوني معاه ومشيوا.
صوتها بدأ يرتعش : بعدين عرفت إني مش بنتهم أصلًا، وإن الست اللي ربتني كانت خاطفاني وأنا صغيرة. يعني كل حاجة كنت مصدقاها طلعت كدبة.
آدم بص لها بصدمة وحزن:يا نسمة... أنا مش عارف أقولك إيه.
نسمة، بابتسامة موجوعة: متقولش حاجة. أنا سمعت كلام كتير قبل كده، ومبقتش مستنية من حد حاجة.
آدم: مش هقولك كلام وخلاص. بس عايزك تعرفي إن اللي حصل مش ذنبك، وإنك مش مسؤولة عن اختيارات الناس اللي أذوكي.
نسمة مسحت دموعها وبصتله بإرهاق: أنا عايزة أنام... مش قادرة أفكر ولا أتكلم أكتر من كده.
آدم: حاضر. تعالي، هساعدك ترجعي للسرير.
ساعدها تمشي، ومشي جنبها لحد ما وصلت للسرير. عدّل لها المخدة وساعدها تتمدد من غير ما يضغط على أي مكان مصاب: لو احتجتي أي حاجة، قولي للممرضه عايزه بشمهندس ادم وانا هجيلك.هكون قريب منك.
نسمة هزت راسها بتعب، وبعد دقائق غلبها النوم.
آدم فضل واقف جنب السرير شوية، بيتأكد إن نفسها هادي وإنها مرتاحة، وبعدها رجع خطوة لورا وبعد شوية، خرج معتز من المستشفى، لكن أول ما عدى من البوابة، حس بوجع حاد قبض على قلبه، ونَفَسه بدأ يضيق بشكل مخيف وحط إيده على صد..ره وضغط عليه بقوة، ووقف مكانه للحظات، عينيه بتتحرك في كل اتجاه، والدنيا حواليه بتلف، والأصوات بقت بعيدة عن ودانه كأنها جاية من آخر الدنيا وحاول ياخد نفس، لكنه حس إن الهوا مش واصل لرئته، ورجله مبقتش شايلة جسمه و بصوت مخنوق: مش وقته... مش وقته دلوقتي! وسند نفسه على العربية، وفضل واقف ثواني لحد ما قدر يفتح الباب، وبعدها ركب وانطلق بسرعة، كأنه بيهرب من حاجة بتطارده ولكن مهما زوّد السرعة، مكنش قادر يهرب من صوت نسمة، ولا من دموعها، ولا من نظراتها اللي فضلت تطارده في كل ثانية و
افتكر كلامها... خوفها... وجعها... وكل مرة كسرها فيها من غير ما يفكر هي حاسة بإيه.
قبض على الدريكسيون لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضّت، وفكه اتشنج بعـ..نف وقال لنفسه بمرارة: إيه اللي جرالي؟!
ضرب الدريكسيون بكفه، وعينيه احمرت من الغضب. كان طول عمره مقتنع إن وجعه ميدّيلوش الحق يظلم حد، لكنه دلوقتي بقى بيكرر نفس اللي كرهه في غيره و بصوت مبحوح: بقيت بكسر ناس ملهاش ذنب... عشان أنا موجوع؟!
ساق لحد ما وصل للديسكو، ودخل بخطوات تقيلة، واختار ترابيزة بعيدة، وبدأ يشرب بشراهة ويدخن سيجارة ورا التانية، وكل ما صورة نسمة تظهر قدامه، كان يرفع الكوباية ويشرب أكتر ورفع راسه بالصدفة، فشاف بنت واقفة بعيد بتبصله وبتضحك بدلال. فضل باصصلها ثواني، وبعدها خلّص آخر جرعة في الكوباية ورماها على الأرض بقوة، فصوت تحطم الز..جاج خلّى اللي حواليه يلفوا ناحيته.
معتز مفرقش معاه حد، واتجه للبنت، مسك إيدها وشدها وراه بعنف من غير حتى ما يسألها عن اسمها.
البنات اللي كانوا معاها بصوا لبعض بحقد، وواحدة منهم قالت بغيظ:يا بختك يا حرباية! ده معتز بنفسه، مش أي حد!
البنت ابتسمت بانتصار، وبصت وراها بتغيظ صحابها، وهي ماشية وراه بفخر، كأنها أخيرًا قدرت توصل للي كل البنات نفسها فيه ومعتز مكنش مهتم بفرحتها ولا بنظرات اللي حواليه. كل اللي كان عايزه إنه يخرج من المكان، ويقضي ليلة ينسيه فيها كل اللي حصل وصلوا للعربية، فتح لها الباب، وبعد ما ركبت، لف الناحية التانية وقعد ورا الدريكسيون وبصلها بطرف عينه، وكان واضح إنه شارب كتير، لكن نبرته فضلت حادة ومفيهاش ذرة ترحيب وقال بتعب، لكن بصوت حاسم: هروح بيتي، ومش عايز رغي ولا كلام ملوش لازمة. تخرسي خالص، فاهمة؟
البنت هزت راسها بسرعة، وابتسامتها زادت وهي بتبصله بإعجاب و بهدوء: فاهمة يا سي معتز.
معتز رجع بعينيه للطريق، وانطلق بالعربية لحد ما وصل البيت و نزل، وفتح لها الباب وشدها، وبعدها دخل الأوضة بخطوات تقيلة، والبنت وراه، بتبص حواليها بانبهار، وبعدها رجعت عينيها عليه بابتسامة خبيثة و بدلال: هو إنت دايمًا بتبقى ساكت كده، يا سي معتز، ولا أنا اللي مش عاجباك؟
معتز بص لها من فوق لتحت، وفك أول زرار في قميصه بعصبية وببرود: إنتي جاية هنا عشان تسألي كتير؟
البنت وهي بتضحك: لا طبعًا، بس كنت فاكرة إنك هتبقى أحن من كده شوية.
معتز قرب منها، وقبض على إيدها وسحبها ناحيته، وبعدها دفعها على السرير، فوقعت عليه وهي بتبصله بصدمة: إيه ده! بالراحة !
معتز وقف قدامها، وبدأ يفك أزرار قميصه، وملامحه جامدة، كأنه مش شايف قدامه غير وسيلة يهرب بيها من أفكاره زبصوت خشن: لسه هتتكلمي كتير؟
البنت ابتسمت بتوتر، وحاولت تخفف الجو: خلاص، سكتنا أهو.
خلع معتز قميصه ورماه بعيد، فشهقت البنت لما شافت الجر..وح والعلا..مات على جسمه و بقلق: إيه ده؟! إنت جسمك كله مجر..وح! إيه العلامات دي يا سي معتز؟
ملامحه اتبدلت في لحظة، وقرب منها بنظرة حادة: إنتي مال أهلك؟ هو أنا مش قولتلك طول ما إنتي معايا، مسمعش نفسك منك؟!
البنت بتوتر: أنا بس قلقت عليك!
معتز بحدة: وأنا طلبت منك تقلقي عليا؟!
البنت سكتت، وعيونها لمعت بالدموع من طريقته، لكنه مدّ إيده ورفع وشها ناحيته وبنبرة آمرة: بصيلي لما أكلمك.
بصتله وهي بتحاول تحبس دموعها: حاضر.
فضل معتز باصص لها للحظات، وبعدها قرب منها، وهي اترددت قبل ما تستجيب لقربه. وفي اللحظة دي، اختفت المسافة بينهم، واتقفل باب الأوضة على ليلة كان معتز داخلها هربان من وجعه، مش بيدوّر فيها على حب ولا حتى راحة ومع مرور الوقت، هدوء الأوضة اتقـ..طع بصوت البنت وهي بتعيط، بينما معتز كان غارق في غضبه، عاجز عن إنه يهرب من الصورة اللي كانت بتطارده حتى وهو بيحاول ينساها و بعد شوية، البنت مقدرتش تستحمل أكتر، فقامت من على السرير وهي بتعيط، لمّت هدومها بإيدين مرتعشين ولبستها بسرعة، وبعدها خطفت شنطتها واتجهت ناحية الباب ومعتز كان ممدد على السرير، مغمض عينيه، ونَفَسه تقيل من الإرهاق، ولا كأن وجودها أو خروجها فارق معاه وبصوت خشن وهو مغمض عينيه: اقفلي باب الشقة وراكي يا بت، ومتوجعيش دماغي بصوتك!
البنت وقفت مكانها، وبصتله بوجع وغضب، والدموع نازلة على خدودها و بصوت مخنوق: إنت إنسان مريض!
معتز فتح عين واحدة وبصلها بطرف عينه، وابتسامة ساخرة ظهرت على طرف شفايفه و ببرود مستفز: خلصتي؟ الباب قدامك، محدش ماسكك.
البنت بصتله بصدمة، كأنها كانت مستنية منه حتى كلمة واحدة تدل إنه حاسس باللي عمله، لكنها ملقتش غير البرود والاحتقار وقالت بدموع: ربنا ينتقم منك!
معتز بحدة: برااا!
اتخضت من صوته، وخرجت بسرعة وقفلت الباب وراها بعـ..نف ومعتز رجع غمض عينيه، وسحب نفس طويل، وبعدها د..فن وشه في المخدة، كأنه عايز يخرس كل الأصوات اللي بتطارده
بعد يومين...
معتز كان بيروح المستشفى كل يوم، لكنه بيتجنب يشوف نسمة، وبيكتفي إنه يسأل الدكتور وجدي عن حالتها.
معتز ببرود: طمني، حالتها عاملة إيه؟
الدكتور وجدي: الحمد لله، اتحسنت، والنز..يف وقف، وبقينا مطمنين عليها. بس لازم تهتم بنفسها وتلتزم بالتعليمات بعد الخروج.
معتز هز راسه، فالدكتور كمل: على فكرة، هي قررت تمشي النهارده، وأنا شايف إن حالتها تسمح بكده، طالما هتلتزم بالتعليمات وهتتابع معانا.
معتز: تمام.
الدكتور وجدي باستغراب: تمام إيه؟ مش هتسأل هتروح فين أو مين هياخدها؟
معتز ببرود: هي مش طفلة يا دكتور وجدي، ولا أنا ولي أمرها عشان أقرر هتروح فين. طالما بقت كويسة، يبقى من حقها تمشي.
معتز سابه وخرج من المكتب ودخل عيادته، خلع الجاكيت ورماه على الكرسي، وقعد يراجع الملفات وهو مستني أول حالة تيجي. كان بيقنع نفسه إن ابتعاده عن نسمة أحسن ليها، وإنها لو بعدت عنه هتقدر تبدأ من جديد، لكنه في الحقيقة كان بيهرب من مواجهتها ومن نفسه.
في أوضة نسمة...
كانت نسمة خلصت لبس، رغم إن جسمها لسه ضعيف وملامحها باهتة. خبط آدم على الباب: أخش؟
نسمة بصوت متعب: خش.
دخل آدم، ولما شافها واقفة جنب السرير، ابتسم: إيه يا ستي، جاهزة تمشي؟
نسمة هزت راسها، لكنه لاحظ ترددها، فسألها: طب قبل ما نمشي، عايز أسألك سؤال... مستعدة ترجعي عند معتز؟
نسمة اتجمدت، وضربات قلبها اتسارعت بخوف: لا... لا يا آدم، معتز أخوك، لا، أرجوك!
آدم قرب منها ومسك إيديها بهدوء: اهدي يا نسمة، بصيلي... إنتي خايفة كده ليه؟ ده هو اللي أنقذك وجابك المستشفى. هو عملك حاجة؟
نسمة نزلت عينيها، وخافت تحكيله الحقيقة عشان ميكرهش أخوه: لا، معملش حاجة... أنا بس مش مرتاحة هناك، وبعدين إنت مش كنت قولت إنك شوفتلي شقة؟
آدم فضل باصصلها، لكنه محبش يضغط عليها و بابتسامة هادية: أيوه، لاقيت شقة فعلًا، بس كنت عايز أعرف رأيك الأول. أنا مش هفرض عليكي مكان تعيشي فيه، ولا هخليكي ترجعي مكان إنتي مش مرتاحة فيه. طالما الشقة دي أحسن ليكي، نروح نشوفها ونخلص إجراءاتها.
نسمة بامتنان: شكرًا يا آدم.
آدم: متشكرينيش، أنا بعمل اللي المفروض يتعمل. يلا بينا؟
نسمة: يلا.
آدم ساعدها تجمع حاجتها، وبعدها خرجوا ناحية بوابة المستشفى. وقبل ما يوصلوا، وقف فجأة: استني هنا دقيقتين، أنا نسيت أخلص ورق الخروج وأراجع الحسابات مع الإدارة. هخلص بسرعة وأرجعلك.
نسمة: ماشي، هستناك.
آدم: متتحركيش من هنا، ولو تعبتي اقعدي على الكرسي ده، مفهوم؟
نسمة بابتسامة خفيفة: مفهوم .
آدم ابتسم واتحرك ناحية الإدارة، ونسمة فضلت واقفة جنب البوابة الاز..از، بتبص للشارع ومستنية رجوعه.
بعد دقائق، سمعت صوت رجولي مألوف، فالتفتت تلقائيًا. كان معتز واقف بعيد، بيتكلم مع ممرضة ونسمة فضلت باصة له، ولما لاحظت إنه مش واخد باله منها، أخدت نفس براحة، لأنها كانت آخر حاجة عايزاها إنها تواجهه.
معتز لمحها بطرف عينه، والتقت عينيهم للحظات، لكنه صرف نظره عنها ببرود ورجع يكمل كلامه مع الممرضة: خلاص، نفّذي اللي قولتلك عليه، وأي مشكلة ترجعيلي فيها مباشرة.
الممرضة: حاضر يا دكتور.
معتز مشي من غير ما يبصلها تاني، ونسمة أخدت نفس طويل، وحست إنها أخيرًا قدرت تتنفس براحة ولكن راحتها ملحقتش تكمل ولفت نظرها شخص جاي من بعيد ناحية البوابة. في البداية ملامحه مكنتش واضحة، لكن كل ما يقرب، قلبها بدأ يدق بعـ..نف وجسمها يرتعش وحاولت تقنع نفسها إنها غلطانة، لكن الراجل وصل للبوابة ووقف قدامها، وبعدها شال النظارة من على عينيه، وابتسم ابتسامة مرعبة ..خالد بسخرية: أهلًا بالهانم... اللي ضر..بت جوزها وهربت!
نسمة شهقت بقوة، واتسعت عينيها وهي بتتراجع خطوة لورا و برعب: خـ... خالد؟!!! وووووو
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
