رواية انت عمري الفصل السابع 7 بقلم إلين روز

  


رواية انت عمري الفصل السابع بقلم إلين روز


فضلت واقفة مكانها والدموع بتنزل من غير صوت، حاسة إن الشقة بتلف بيها. كلمة "مش هطلق" كانت بتتردد في دماغها زي الصدى الصوت 

​بصت للباب المقفول وقالت بصوت مكسور مليان حسرة:

_ مش بكيفك يا صهيب... مش بكيفك تعيشني في كذبة وتجبرني أكمل فيها.

​مشيِت بخطوات تقيلة ومهزوزة ناحية الأوضة، فتحت الدولاب وأخدت شنطة سفر صغيرة وبدأت تحط فيها الهدوم الأساسية بفرك وإيد بتترعش من القهر.

 مكنتش شايفه الهدوم كويس من كتر الدموع، بس كان عندها إصرار غريب إنها مش هتقعد دقيقة واحدة كمان تحت سقف واحد مع راجل استغفلها وحسسها إنها مجنونة عشان يغطي على سرّه.

​خرجت الشنطة وقفت بيها في نص الصالة، وبصت للباب الرئيسي. الأفكار كانت بتنهال على عقليتها زي الشوك: 

_ أروح فين؟ أروح لبابا وإبراهيم اللي بايعيني وقافلين الباب في وشي؟ ولا أروح فين في أنصاص الليالي؟

نزلت دموعها بكسرة وهي بتشد على مقبض الشنطة،​مسحت وشها بكم البلوزة، ومشيت بخطوات تقيلة ناحية باب الشقة، فتحته وخرجت. نزلت على السلم وهي حاسة بتقل في جسمها كله، وأول ما خرجت للشارع لقيت الجو هادي ورطوبة الليل بتضرب في وشها.

​مشيت ومش عارفة هي رايحة فين، الشنطة كانت تقيلة في إيدها، وكل خطوة بتخطيها كانت بتحس إنها بتبعد عن المكان اللي افتكرته أمانها.

​مسكت تليفونها بأيد بتترعش، تجاوزت اسم صهيب واسم باباها وإبراهيم بسرعة، وطلبت رقم ريهام. حطت التليفون على أذنها وهي بتسمع صوت الرنين بطول الثواني…

​ـ ألو؟

جالها صوت ريهام نعسان:

ـ مين معايا؟

​أول ما سمعت صوتها، مقدرتش تمسك نفسها، وانهارت في البكاء بصوت مكسور:

_ ريهام... أنا ليل. أنا في الشارع يا ريهام... مش قادرة أقف على رجلي، محتاجة أجيلك أرجوكي!

​صوت ريهام اتغير في ثانية والنعاس طار من عينها:

ـ إيه؟! ليل؟! أنتِ بتقولي إيه؟ صهيب عمل فيكي إيه بعد ما مشيت؟ أنتِ فين دلوقتي بالضبط؟!

​في اللحظة دي، أشارت لتاكسي كان معدي في الشارع، وقفت التاكسي وركبت ورا، وحطت الشنطة جنبها، وقالت بصوت مكتوم وهي بتبص للسيارة من جوة:

_ أنا ركبت تاكسي حالا وجايلك يا ريهام... مش قادرة أتكلم في التليفون دلوقتي، أول ما أقفل معاكي هشيل الشريحة خالص عشان محدش يعرف يوصللي ولا يحدد مكاني ،ابعتيلي عنوانك بالضبط في رسالة بسرعة.

​قفلت مع ريهام، وبمجرد ما وصلت الرسالة بالعنوان، فتحت ليل ظهر التليفون، وخلعت الشريحة ورمتها من شباك التاكسي. 

عملت كده وهي حاسة إنها بتنهي كل الخيوط اللي بتوصل صهيب بيها، ودلوقتي هي اختفت تماماً عن طريقه، 
​ضمت ركبتها لصدرها وهي تبص من شباك التاكسي على الشوارع المظلمة…

وصل التاكسي قدام عمارة ريهام. نزلت ليل وحاسّة برجلها تقيلة مش شايلاها، حاسبت السواق وأخدت الشنطة وطلعت السلم بخطوات مكسورة.

​أول ما رنّت الجرس، الباب اتفتح على طول... ريهام كانت واقفة مستنياها بلهفة وخوف، أول ما شافتها بالمنظر ده، من غير ولا كلمة أخدتها في حضنها وقفت الباب. ليل انهارت في حضنها وبكت بصوت واطي يوجع القلب، وكأن كل القهر اللي حبساه جواها خرج مرة واحدة.

​أخدتها ريهام وقعدتها على الكنبة، وجابت لها كوباية مية:

_ اشربي يا ليل واهدي... اهدى يا حبيبتي أنا معاكي ومفيش حد هيعرف طريقك هنا خالص.

​بلعت ليل ريقها وهي بتترعش، وقالت بصوت مبحوح:

_ أنا طلعت شريحة التليفون ورميتها يا ريهام... مش عاوزة أي خيط يوصله ليا، مش عاوزة أسمع صوته ولا أسمع حُججه المزيفة تاني. صهيب استغفلني وجرحني في أكتر حاجة بتوجع... خلاني أشك في عقلي ونفسي وأفتكر إن العيب فيا، وهو بيبني حياته التانية من ورايا!

​ريهام طبطبت على إيدها بأسى:

_ حقك عليا يا ليل... أنا اللي فتحت عينك على الحقيقة، بس والله مكنتش أقدر أشوفك مخدوعة وأسكت، المهم دلوقتي أنتِ في أمان، ارتاحي ونامي والصبح نفكر هنعمل إيه.

​في الوقت ده، كان صهيب راجع الشقة بعد ما هدّت ثورة غضبه، نزل على أمل إن الهوا يهديه ويعرف يفكر، بس لما رجع دخل ينادي على ليل بصوت محمل بالندم:

_ ليل... أنتِ صاحية؟ تعالي نتكلم بالعقل يا ليل.

​بس الرد كان هدوء مريب مالي أركان الشقة. دخل الأوضة، شاف باب الدولاب مفتوح والهدوم متلخبطة وفي مكان فاضي لشنطة السفر الصغيرة، قلبه أكلوا، وجري على الصالة، وبص على الباب الرئيسي لقاه مقفول بس مش متصلح بالمفتاح.

​طلع تليفونه بسرعة وطلب رقمها، ليجيله الرد الآلي الجاف:

_"عفواً، هذا الهاتف مغلق أو خارج نطاق الخدمة حالياً..."

​كرر الاتصال أكثر من مرة وفي كل مرة نفس الرد. بدأ يلف في الشقة زي المجنون، يفتح الأبواب ويصرخ باسمها، ودماغه بتودي وتجيب

_ : "راحت فين في نص الليل؟ ممكن تكون راحت لأهلها؟"

​مسك التليفون واتصل بإبراهيم أخوها وهو بيحاول يداري رُعبه:

_ إبراهيم... ليل عندكوا؟

رد إبراهيم باستغراب وجفاء:

_ هي مين اللي عندنا؟ أنت بتتصل بينا في نص الليل تسأل السؤال ده؟ هي مش في بيتك ولا إيه؟

​صهيب بلع ريقه وصوته اترعش:

_ خرجت من الشقة ... لو جتلكوا أو اتصلت بيكوا بلغوني فوراً!

​عدّت ليلتها بالعافية، ولما طلع الصبح كانت ليل مسحت وشها وقعدت مع ريهام تتكلم معاها بوضوح في خطوتها الجاية،

​بصت لريهام وقالت بصوت هادي بس مصمم:

_ أنا هشاركك في إيجار الشقة ومصاريفها بالنص يا ريهام ،وتاني حاجة، صهيب كان كاتبلي  المهر باسمي في البنك.. أنا هروح أسحب جزء منه وأشتري بيه شقة صغيرة وأأجرها، عشان يبقى يدخلي منها مبلغ ثابت كل شهر يضمنلي مصاريفي، وبجانب ده أنا هدوّر على شغل وهنزل أشتغل.

​هزت ريهام رأسها وقالتلها:

_ الفكرة كويسة جداً يا ليل وبتأمنك، والشقة هنا شقتك في أي وقت.

​وفعلاً، خلال أسبوعين نفذت ليل اللي خططت له. راحت البنك سحبت المبلغ، واشترت شقة صغيرة بمساعدة ريهام، وأجرتها لعيلة وبقى يجيلها منها إيجار منتظم. 

وفي نفس الوقت بدأت تدور على شغل لحد ما لقيت فرصة في مكتبة ودار نشر نزلت اشتغلت فيها.

في الوقت اللي كانت ليل بتحاول فيه تبدأ حياتها المستقلة، كانت بتحس بتعب غريب وجسمها همدان معظم الوقت. 

افتكرت في الأول إنه بسبب قلة النوم والتفكير والمجهود اللي بذلته في تدشين شقتها والشغل الجديد، بس الموضوع زاد عن حده.

​في يوم، وهي واقفة في المطبخ بتعمل لنفسها كوباية شاي، ريحة الشاي ضايقتها فجأة وحست بغثيان شديد، جرت على الحمام واستفرغت وركبتها مش شايلاها.

​ريهام سمعتها وجت جَري، وقفت جنبها وبصت لها بقلق وهي بتمسح على ظهرها وتقدم لها كوباية مية:

_ ليل... أنتِ كويسة؟ الموضع ده اتكرر معاكي كذا مرة الأسبوع ده، ومش طبيعي خالص!

​ليل بلعت ريقها بتعب وقعدت على الكنبة:

_ مش عارفة يا ريهام، جسمي مهدود علطول ودماغه بتلف، ورائحة الأكل بقت بتقلب بطني.. يمكن المجهود بتاع الفترة اللي فاتت والضغط النفسي أثروا عليا.

​ريهام بصت لها بتركيز وشك، وسكتت ثواني وهي بتحسب حاجة في دماغها، وبعدين قالت بصوت هادي وواضح:

_ ليل... أنتِ متأكدة إنه مجرد تعب ومجهود؟ مش ممكن تكون حاجة تانيه؟ 

​ليل اتثبتت مكانها، وعينيها اتوسعت بصدمة لما الفكرة خطرت في بالها، ريهام كملت كلامها بنبرة جادة:

_ الأعراض دي مش أعراض إرهاق يا ليل... دي أعراض حمل.

​الكلمة نزلت على ليل زي المظلة، إيدها بدأت تترعش وحست إن الروح بتتسحب منها:

_ حمل؟! لأ يا ريهام.. مستحيل! مش وقت ده خالص، أنا يلا أدوب باخد نفسي وبلم شتات حياتي!

​ريهام نزلت لمستواها ومسكت إيدها:

_ نزلت جبتلك اختبار حمل من الصيدلية وأنا راجعة من الشغل عشان كنت شاكة.. قومي جربيه دلوقتي عشان نقطع الشك باليقين ونعرف نتصرف.

​أخدت ليل الاختبار بإيد بتترعش ودخلت الحمام،  مرت الدقائق عليها زي السنين، وهي واقفة تبص للشريحة الصغيرة بذهول وضربات قلبها متسارعة.

​ولما ظهرت النتيجة... شرطتين حمر واضحين ،​خرجت ليل من الحمام ووشها أصفر زي الليمونة، وبصت لريهام اللي أول ما شافت ملامحها فهمت على طول.

قاعد في صالون الشقة ومحاوط رأسه بإيديه الاثنين، عينيه متثبتة في الأرض والغضب والندم بيغلوا في عروقه، أعصابه كانت على آخرها، وكل ما يفتكر ليل وخروجها في نص الليل يتجنن أكتر.

أمّه كانت قاعدة قصاده، وبصت لحاله المتبهدل ودقنه الطويلة وعينيه الحمرا من كثرة التفكير والسهر، وقالت بنبرة فيها عتاب وقلق:

_ وبعدين معاك يا صهيب؟ هتفضل لافف حولين نفسك وتهد في صحتك كدا؟ ارحم نفسك يا ابني، البنت سابت البيت ومشيت، وأنت عندك حياتك، ومراتك االلي هناك في بلدها حامل ومحتاج تطل عليها وتسأل عنها بدل العزلة دي!

صهيب شد على شعره بوجع، وقال بصوت مكتوم بيحاول يمسك فيه أعصابه بالعافية احتراماً ليها رغم النار اللي جواها:

_ أرجوكي يا أمي... أرجوكي سيبيني في اللي أنا فيه، أنا مش طايق نفسي ولا قادر أتكلم، وما حدش حاسس باللي جوايا. أنا اللي ضيعت ليل بإيدي  ومش هعرف أرتاح ولا أهدى إلا لما ألقاها وأطمن عليها.. 

أمّه اتنهدت بقلة حيلة وسكتت لما شافت نبرة العجز والكسرة في صوته.

وفجأة، تليفونه اللي كان مرمي على الترابيزة رن بصوت عالي كسر الهدوء.

بص للشاشة بقلة حيلة وهو لسه محاوط رأسه، لقاه رقم صاحبه المقرب اللي عايش هناك في بلد شغله . 

مد إيده ومسك التليفون وفتح الخط بصوت خافت ومجهد:

_ ألو…

جاله صوت صاحبه متوتر ونبرته مخنوقة ومرتبكة :

_ صهيب... عظم الله أجرك يا صاحبي... البقاء لله.

صهيب اتسمر مكانه، وإيديه اللي كانت على رأسه نزلوا ببطء وجسمه اتخشب من الصدمة:

_ البقاء لله في مين؟! أنت بتقول إيه يا طارق؟!

رد طارق بنبرة حزينة :

_ مريم عملت حادثة سير أليمة هي وأهلها على الطريق السريع... وللأسف ملحقوهاش يا صهيب. 

صهيب بلع ريقه بصعوبة وحس إن الشقة بتدور بيه، ولسانه اتعقد مش عارف ينطق، بس صاحبه كمل كلامه يطمنه على الطفل:

_ الأطباء لحقوا يعملوا عملية قيصرية سريعة قبل وفاتها وطلعوا الجنين... الحمد لله جسم المولود مكتمل، بس عشان اتولد بدري عن ميعاده وحجمه صغير، وضعوا الطفل حالياً في العناية المركزة وتحت أجهزة التنفس والملاحظة ، لازم تتصرف وتيجي فوراً يا صهيب عشان تخلص الإجراءات وتكون جنب ابنك.

الكلمات نزلت على صهيب زي الصاعقة؛  مراته ماتت وسابت له طفل بين الحياة والموت محتاج متابعة ورعاية، وفي نفس الوقت ليل اختفت وما يعرفش عنها ولا عن طريقها أي حاجة!

حس إن الدنيا كلها قفلت في وشه، والأيام بتعاقبه بكسرة ورا كسرة. قفل الخط وجسمه مهدود، وأمّه بصت له برعب لما شافت ملامحه اللي اتقطعت والتليفون بيقع من إيده، وقالت بلهفة وخوف:

_ فيه إيه يا صهيب؟! مالك يا ابني مين اللي مات؟!
_ مراتي… مراتي ماتت!


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات