رواية اسميتها ريحانة الفصل الخاتمة بقلم سلمي جاد


 رواية اسميتها ريحانة الفصل الخاتمة

**بعد أيام قليلة، جاء أخيرًا زفاف سليم وريحانة **

الذي أُقيم في حرم الأهرامات. كان المكان مزيجًا بين الأصالة والفخامة، حيث تتواجد الأماكن الأثرية في كل مكان، وقد نظمت الحفلة أفضل شركات تنظيم الأفراح في مصر.وتجهز العروسين بفندق قريب من المكان.

**في جناح العروسة**

كانت ريحانة تقف أمام المرآة، تتأمل هيئتها بعدما انتهت من ارتداء الفستان. كان فستانًا أسطوريًا ذا تصميم ملكي، ولما لا، فهو من اختيار سليم.

باللون الأبيض، مطرز بخرز اللؤلؤ الثمين من عند الصدر والخصر، بينما الأكمام بقماشة الدانتيل، وينزل باتساع إلى أسفل وينفرش خلفها، حيث انتهى الذيل خلفها على بُعد حوالي سبعة أمتار، مثل فستان الملكات. كان الفستان يحتضن جسدها ويلائمها بشدة، كأنه صُنع لها خصيصًا، وهذا ما حدث بالفعل، فقد تم تصميم الفستان ليكون ملكها فقط.

تركت خصلات شعرها حرة لتتعدى خصرها، بينما اكتفت بضفيرة بسيطة في مقدمة رأسها، يعلوها تاج معدني من الذهب الأبيض على هيئة ورود متراصة بجانب بعضها.

كان الفستان لا ينقصه إكسسوارات بسبب خرز اللؤلؤ الذي يتدلى منه، لذا اكتفت بعقد بسيط احتضن عنقها الناعم، وميكب بسيط أبرز جمالها الفاتن.

«بسم الله ما شاء الله».

استدارت ريحانة في اتجاه الصوت، لتجد والدها يقف عند باب الغرفة، ينظر لها بفرحة عارمة.
اقترب حتى وقف أمامها، وأردف ودموع الفرحة تلمع بعينيه:

«مش مصدق إن أميرتي الصغيرة كبرت وبقت عروسة».

ابتسمت ريحانة برقة:

«حبيبي يا بابا».

التفت أدهم فجأة إلى صوت بكاء، ليجدها جميلة التي تقف على بُعد خطوات منهم، تنظر لهم وهي تبكي بشدة. تنهد وذهب لها:

«مالك بس يا حبيبتي بتعيطي ليه؟»

جميلة ببكاء:

«مش مصدقة إن بنتي خلاص هتبعد عني»

احتضنها برفق وهو يربت على ظهرها، وهمس:

«إنتي مكنتيش كده يوم فرحها القديم».

«مش عارفة يا أدهم، بس قلبي المرة دي كأنه حاسس إنها هتبعد عني بجد».

قالت ريحانة وهي تقترب منهم ببطء بسبب ثقل الفستان:

«يا جماعة والنبي بقى كفاية، أنا فاضلي تكة وأعيط والميكب يبوظ، إنتوا حرين بقى».

جاء صوت فتون من خلفها وهي تصرخ:

«لا، والنبي بلاش، خلاص بقى يا طنط جميلة، كفاية عياط ».

أضافت آيات، التي كانت تتابع الموقف:

«النهارده فرحها يا طنط، لازم تكوني مبسوطة».

مسحت جميلة دموعها، ثم اقتربت من ريحانة وبدأت ترقيها بآيات قرآنية، والجميع يتابع ما تفعله، حتى انتهت وهي تحصن ابنتها بشدة، بينما عاد صوت البكاء من جديد.

ياسمين بملل:

«إحنا لو ادينا لجميلة الفرصة، هتعيط لحد بكرة. أدهم، خد مراتك يلا وانزلوا، أنا جايه معاكم».

جميلة باعتراض:

«بس...»

جذبها أدهم متجهًا إلى الباب:

«خلاص يا حبيبتي، إحنا هنشوفها تحت كمان شوية».

غادر كلٌّ من أدهم وجميلة وياسين، ليبقى في الغرفة ريحانة وفتون وآيات.

اقتربت فتون من ريحانة بخبث:

«إيه يا عم، محدث قدك»

قالت ريحانة بتوتر :

«سيبيني والنبي، أنا متوترة موت».

قالت آيات برقة:

«لا بلاش توتر خالص يا ريري، انبسطي باليوم».

قاطع حديثهن دقات على الباب. ذهبت فتون لتفتح، لتجد أمامها فتاة جميلة.

«هاي، أنا ندى. مش ده جناح العروسة؟»

جاء صوت ريحانة من الخلف:

«مش معقول، ندى!»

دخلت ندى من الباب واقتربت لتحتضن ريحانة بحب:

«أجمل عروسة في الدنيا، وحشتيني أوي».

«إنتي كمان وحشتيني، مبسوطة أوي إنك جيتي».

«أنا كمان مبسوطة يا قلبي، بس إيه الجمال ده؟ إنتي ناوية تجنني سليم النهارده ولا إيه؟ ده هو ملهوف لوحده. إنتي ما تعرفيش حالته عاملة إزاي، أنا لسه جاية من عنده».

ابتسمت ريحانة بخجل.لتستدير ندى وهي تنظر إلى فتون وآيات:

«مين بقى فيكم آيات مرات ياسين؟»

قالت آيات برقة:

«أنا آيات».

«بسم الله ما شاء الله، إنتي أحلى كمان من الصور اللي ياسين بعتهالي».

قالت فتون:

«وأنا فتون، بنت عمة ريحانة، ومرات أخوها».

نظرت ندى لهما:

«يا لهووووي! هو إنتوا عيلتكم كلها قمرات كده؟ أنا مش عارفة أطلع فيكم غلطة»

ضحكت الفتيات.ليدق الباب للمرة الثانية، فانتفضن جميعًا.

قالت فتون:

«ده أكيد العريس،يزن عمال يرن عليَّا، وشكلهم واقفين على الباب».

ركضت ريحانة بصعوبة وهي تحمل الفستان، ووقفت في ركن الغرفة.ذهبت فتون لتفتح الباب، لتجد سليم ومعه يزن وياسين.

قال يزن:

«إيه كل ده؟ يلا، الفرح بدأ والمصور بيستعجلنا عشان الفوتوسيشن».

دخل سليم الغرفة، يرتدي بدلة سوداء أنيقة زادت من وسامته أضعافًا ،وصفف خصلات شعره الكثيفة بلونها الفحمي للخلف. لم يُعر اهتمامًا لأي أحد بالغرفة، فكان كل تركيزه على الملاك الذي يقف في ركن الغرفة، يعطيه ظهره.اقترب ببطء حتى وقف خلفها مباشرة، وقال بهمس خافت:

«ريحانة».

همهمت ريحانة بخفوت.

«لفي، عايز أشوفك».

قالت فتون:

«لا، لازم تتعب شوية عشان تشوفها.. إنت فاكر إنك هتشوف العروسة بسهولة كده؟»

سليم بحيرة:

«يعني إيه؟»

«يعني أولًا، لازم تدي لكل واحدة فينا فلوس عشان تسيبك تشوفها. ده النظام».

قال ياسين بمزاح:

«الله!  إيه المشروع الجامد ده؟ طب ينفع يدي الرجالة كمان؟»

ضحك كل من في الغرفة، ليتنهد سليم بتعب، ويضع يده في جيبه ويُخرج رزمة أموال، لتأخذها فتون بحماس وتوزعها على ندى وآيات.

سليم بتعب:

«يلا بقى، أنا عملت اللي إنتوا عايزينه، خلوها تلف بقى».

كادت فتون أن تقول:

«لا، لسه فاضل...»

لكن سليم لم يعطها فرصة للكلام أكثرمن ذلك، وتحرك بخفة من الجهة الأخرى حتى يرى ريحانة.

ندى بغضب:

«يا نصااااااااب !»

أما سليم، فكان في عالم آخر وهو يتأمل ريحانة في فستان الزفاف، فكانت قطعة من القمر. اقترب منها، وقبّل جبينها برقة، وهمس بصوت خافت:

«إيه الجمال ده»

ابتسمت ريحانة بجد:

«شكلي حلو يا سليم؟»

تنهد الآخر بنفاد صبر:

«حلوة بس ، ده أنا عايز نلغي الفرح ونطلع على جناحنا عشان أقولك إنتي حلوة إزاي».

ريحانة بلهفة:

«لا والنبي يا سليم، النهارده الفرح هيتعمل لآخر دقيقة».

ثم قالت بخوف:

«ولا إنت ناوي تصدمني في حاجة تانية وتوقف الفرح؟ سليم، إنت فيه حاجة مخبيها وعايز تقولها؟ لو سمحت لو فيه، قول من دلوقتي».

ضحك سليم بدهشة:

«لا والله يا قلبي».

ثم تنهد:

«ربنا يقدرني وأعوضك، والنهارده تكون أسعد ليلة في حياتك، يا أجمل عروسة في الدنيا».

نفخ يزن بزهق وهو ينظر لهما بغيرة واضحة على أخته:

«ما يلا بقى يا عصافير الكناريا، عشان تلحقوا تتصوروا صورتين قبل الفرح».

وكزته فتون في جانبه:

«بس يا رخم»

«إنتي مش شايفة الاتنين بيتهامسوا إزاي؟ ومش عاملين حساب إننا واقفين»

همست فتون بخفوت:
«إحنا اللي المفروض نخرج ونسيبهم لوحدهم. انت ناسي يوم فرحنا لما شفتني بالفستان، كنت عامل إزاي؟»

تنهد يزن وهو يحيط كتفها بحب:

«كان أحلى يوم في حياتي».

ابتسمت فتون بخجل.

ليقول ياسين:

«يلا بقى يا سليم، عشان ما نتأخرش».

أومأ سليم برأسه:

«حاضر، يلا».

وقف بجانب ريحانة، ووضع يدها على ساعده، وخرجا من الجناح، وخلفهما يزن وفتون وآيات وياسين، بالإضافة إلى ندى وزوجها جون، الذي انضم إليهم.

وصلوا إلى المكان الذي يُقام فيه حفل الزفاف، لكنهم دخلوا من بوابة خلفية بعيدة عن مكان المعازيم. فقد كان محضر فقط للفوتوسيشن وبمجرد أن انفتحت البوابة، انبهر الجميع، عدا سليم الذي كان يعرف شكل المكان، فهو الذي أشرف على تحضيره.

نظر إلى ريحانة التي كانت تتأمل المكان بانبهار، حيث كانوا خلف الأهرامات مباشرة، في مكان واسع ومفتوح، وفوقهم السماء، والأضواء الذهبية موزعة على الأرضية، والستائر البيضاء معلقة خلفهم. كان المكان لا ينقصه أي ديكورات، فهو تحفة بذاته.

سليم بابتسامة خفيفة:
«المكان عجبك؟»

ريحانة بعدم تصديق:
«تحفة! إحنا هنتصور هنا؟»

أومأ سليم برأسه تأكيدًا، وأكمل:
«لسه لما تشوفي المكان اللي هنعمل فيه الفرح من جوا».

ريحانة بفرحة:
«أنا مبسوطة أوي يا سليم».

ابتسم سليم وهو يحتضن كف يدها:
«ده اللي أنا عايزه يا قلبي».

بدأ المصور في التقاط الصور وإرشادهم إلى الأوضاع التي يفعلونها. كان سليم يقف محتضنًا خصر ريحانة، ويسند جبينه على جبينها، بينما طرحة الفستان موضوعة على رأسيهما.

قال المصور:
«بص ياعريس عايزك تميل على خدها وتبوسها براحة، ونتي يا عروسة خليكي باصة للكاميرا».

صرخ يزن فجأة:
«بس دول لسه ما كتبوش الكتاب!»

قال المصور:
«أيوة يا أستاذ بس أنا لازم أصور بوضعيات رومانسية».

تنهد سليم:
«شايفة أخوكي؟ أنا قلت نكتب الكتاب قبل الفرح، إنتي اللي رفضتي».

ضحكت ريحانة بخفة:
«معلش يا حبيبي، غيران عليَّا. عشان خاطري، متضايقوش، عشان أنا عارفة إنك بتحب تغيظه».

نظر سليم إلى يزن وقال بابتسامة سمجة:
«عندك حق يا يزن، بس أول ما نكتب الكتاب، ما أسمعش صوتك».

انتهى الفوتوسيشن بالتقاط العديد من الصور للعروسين، بالإضافة إلى صور مع باقي الموجودين، لتخليد ذكرى هذا اليوم.

ليبدأ الزفاف أخيرًا...

خلف البوابة، كانت الأجواء كالتالي...موسيقى هادئة في الخلفية، والجميع يجلس بهدوء. المعازيم من أشهر رجال الأعمال وأكبر المستثمرين في البلد، يتوافدون إلى المكان. أصوات الألعاب النارية تعلو في السماء بالأعلى.أدهم وسعد وعلي يقفون بالخارج لاستقبال المعازيم.رجال الأمن منتشرة في المكان لحماية المكان الأثري، والمصورون والصحافة على أهبة الاستعداد لتسجيل هذا الحدث.

وفجأة، توقفت الموسيقى، وأعلن الدي جي وصول العروسين. توجهت أنظار الجميع نحو البوابة الكبيرة في مقدمة القاعة، وهي تنفتح ببطء، ويظهر خلفها العروسان، وتشتغل موسيقى ملكية فور ظهورهما، تشبه التي تشغل عند ستقبال الأمراء والملوك. كانت ريحانة تمسك بيد سليم، ويسيران ببطء في ممر طويل، وأضواء الكاميرات مسلطة عليهما.

همست ريحانة:
«أنا متوترة أوي،  الناس كلها بتبص علينا. 

ابتسم سليم بخفة:
«متتوتريش، أنا معاكي».

وصلا أخيرًا إلى نهاية الممر، والذي وُضعت عنده طاولة كبيرة لعقد القران.جلس جميع المعازيم لمشاهدة عقد القران، الذي يُنقل على الشاشات الكبيرة صوتًا وصورة.

كان المأذون يجلس في المنتصف، وعلى يمينه أدهم، الذي يضع كف يده في يد سليم للمرة الثانية، لكن شتان بين المرتين؛ فهذه المرة كانت عينا سليم تلمعان من الفرحة بصدق.

بدأ المأذون في إلقاء خطبة عن الزواج والمودة والرحمة بين الزوجين في أجواء مرحة، ثم بعدها وجّه كلامه لأدهم:

«قول ورايا يا والد العروسة: زوجتك ابنتي البكر الرشيد...»

بدأ أدهم يردد خلف المأذون، والتأثر واضح في عينيه.

التفت المأذون لسليم:
«وإنت يا عريس، قول ورايا: قبلت زواج موكلتك».

ردد سليم خلف المأذون بحماس واضح، والابتسامة على شفتيه، وهو ينظر لريحانة التي تجلس بجانب والدها من الجهة الأخرى، وتتابع حديثه بفرحة ممزوجة بالخجل من الموقف.

سحب المأذون المنديل الأبيض، وهو يقول جملته الشهيرة:
«بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير».

تعالت أصوات الزغاريد والتصفيق من الجميع، بينما نهض سليم وسلم على أدهم، الذي ربت على كتفه وهمس:
«خلي بالك منها يا سليم، دي بنتي الوحيدة».

أومأ سليم بابتسامة:
«حاضر يا عمي».

ابتسم أدهم فور سماعه لتلك الكلمة من سليم، ليربت على يده ويذهب إلى جميلة التي كانت تبكي.

كان سليم يقف وهو يحتضن ياسين، الذي يبارك له، بينما عيناه عليها، وهي تحتضن فتون وآيات وتضحك.

أبعد ياسين عنه بعنف، وهو يقول بتذمر:
«بس بقى، ابعد عنييييييب»

ياسين بصدمة:
«يا ندل! أنا غلطان إني بباركلك».

أما سليم، فركض بسرعة إلى الجهة الأخرى من الطاولة، حيث تقف ريحانة. أبعد الجميع عنها، وهو يقول:
«الله يباركلكم والله يا جماعة، بس أستأذنكم، عايز مراتي في كلمتين».

ضحك الجميع عليه، بينما وقف أمامها مباشرة، ينظر لها بفرحة، وقلبه ينبض بجنون.
وفجأة، وضع يده على خصرها وجذبها إلى حضنه، وسط أصوات تصفيق الجميع، وهم يشاهدون سليم يحمل ريحانة ويدور بها والكاميرات تلتقط هذه اللحظة الفريده من نوعها.

كان العروسان يرقصان سلو على المنصة في أجواء رومانسية تحبس الأنفاس من جمالها. سليم يسند جبينه على جبين عروسته، وينظر لها بعشق دفين، والفرحة لا تسعه.

سليم بعشق:
«ريحانة، أنا حاسس إن قلبي هيقف من الفرحة. مش مصدق إننا وصلنا للحظة دي».

ابتسمت ريحانة بخفة:
«وأنا كمان يا سليم، مش مصدقة».

نظرت إلى المكان حولها:
«أنا تخيلت كتير إنت هتعمل فرحنا إزاي. إنت مكنتش موافق تخليني أعرف أي تفاصيل عن الفرح، وعملتهالي مفاجأة، بس عمري ما خطر في بالي إنه يطلع بالشكل ده».

ابتسم سليم ومال ليقبلها على وجنتها بحب:
«أنا أعمل أي حاجة عشان أشوفك مبسوطة».

ثم أكمل وهو ينظر لها بعمق:
«وبدعي ربنا إنه يقدرني وأعوضك عن كل وجع شفتيه بسببي».

ابتسمت ريحانة ودفنت وجهها في عنقه، ليستمرّا في الرقص لدقائق، قبل أن يبتعد سليم فجأة ويقول لها بحماس:

«مستعدة؟»

عقدت حاجبها باستغراب:
«مستعدة لإيه؟»

غمز سليم بمكر:
«مفاجأة».

تغيرت ملامح ريحانة بقلق:
«يا خوفي»

قرص خدها بخفة:
«هتنبَهري، ثواني وراجعلك يا حبيبتي».

وفجأة، توقفت الموسيقى، وأشار سليم للدي جي ليقترب منه ويعطيه المايك. كل ذلك تحت أنظار ريحانة التي لا تفهم شيئًا.

وقف سليم أمام ريحانة التي تنظر له بحيرة، والجميع ينظرون لهما باستغراب. وفجأة، دوى صوت موسيقى عالية، ليرفع سليم المايك ويبدأ في الغناء تحت صدمة جميع الحضور... أغنية «عشان بحبك» لحمو المرشدي :

<<العيون الحلوة دي إزاي مبقاش جنبها؟
حد بالحلاوة دي إزاي أبعد عنها؟
مفيش حد في جمالك.. إنتي جمالك محتوى
إنتي أحلى من الحلاوة، إنتي النفس والهوا 

فتحت ريحانة فمها من الصدمة والذهول، لا تصدق ما تراه. سليم يرقص بحركات شبابية شقية ويشير إليها وهو يغني، ثم اقترب منها ووضع يده على وجهها بخفة وأكمل الغناء.

<<بقولك إيه يا سندريلا وشك ده ولا القمر؟
علقتي قلبي سِنة سِنة، وخدتي عقلي من البشر 
حبك زي سم أفعى، الحب في دمي انتشر 
وأنا ما اتلدعتش خالص لا بالعكس إنتي قمر

ازدادت الأجواء حماسًا بشكل جنوني، وجميع المعازيم التفوا حول العروسين يصفقون لهما. ياسين يقف برفقة زوجته، لا يستطيع تمالك نفسه من الضحك، وهو يرى صديق عمره في هذه الحالة الغريبة. ويزن يقف بجانب فتون ويصفق بفرحة، وأدهم يحيط خصر جميلة، وينظران إليهما بسعادة.

بينما سليم يمسك بيد ريحانة ويرقص معها، والفرحة واضحة على ملامح كليهما.
أكمل سليم :

<<طب ب بحبك
طب حد قالك إن أنا دايب في حبك؟
أنا وعدتك إني هفضل جنب منك
وأنتي الليلة دي معايا وجنب مني عشان بحبك ...عشان بحبك

أنهى سليم تلك اللحظات وهو يحتضن ريحانة بحب ويقبل جبينها بشدة، بينما هي تحتضن خصره، وهو يضحك بسعادة، فقد صدق سليم بأن فرحهما سيكون أسطوريًا.

_____________________________________________________________

انتهى الفرح أخيرًا، وصعد كلٌّ من سليم وريحانة إلى جناحهما الخاص.

دفع سليم باب الجناح بقدمه بينما كان يحمل ريحانة بين يديه.وصل إلى منتصف الجناح الذي كان مزين بشكل رومانسي، أنزلها برفق على الأرض. لتبتعد ريحانة وهي تضع خصلة شاردة خلف أذنها بتوتر. راقب سليم ارتباكها الواضح، ليناديها بصوته الحنون:

«ريحانة».

همهمت بخفوت، ليقول وعيناه تلمعان: «أنا أسعد راجل في الدنيا عشان اتجوزت أجمل أميرة في العالم».

ابتسمت بخجل وهي تنظر لأسفل، ولم ترد، ليتنهد سليم، فهو يعلم مقدار خوفها وقلقها في هذه اللحظة، ليحاول تخفيف حدة الموقف ويقول بابتسامة:

«إيه رأيك تغيّري هدومك ونتعشى سوا؟ أنا عارف إنك أكيد ما كلتيش كويس طول اليوم».
ثم نظر تجاه صينية الطعام الموضوعة على الطاولة، والموجود عليها أشهى أنواع الأكلات.

«طنط جميلة شكلها عمللنا وليمة تجنن.».

أومأت برأسها بابتسامة، وحملت فستانها وسارت نحو الدولاب. أخرجت منه ملابس لترتديها، تحت أنظار سليم الذي يتابع ما تفعله.

أغلقت الدولاب بتوتر، وذهبت في اتجاه الحمام، ليأتيها صوت سليم من خلفها:

«تحبي أساعدك؟»

نفت برأسها بسرعة، ومعالم الارتباك والتوتر واضحة على ملامحها، لتركض سريعًا إلى الحمام وتغلق الباب، تحت أنظار سليم الذي ابتسم بخفة على خوفها الواضح، ثم تحرك هو الآخر تجاه الدولاب، يخلع جاكيت بدلته ويختار ملابس يرتديها.

بعد مرور نصف ساعة، كان سليم يجلس على السرير وهو ينظر إلى باب الحمام بملل، فقد تأخرت ريحانة كثيرًا. ناداها بصوت عالٍ:

«ريحانة، إنتي اتأخرتي كده ليه؟ متأكدة مش محتاجة مساعدة؟»

أتاه صوتها المرتبك من خلف الباب:

«لا، أنا خلاص خارجة».

تنهد سليم بزهق، ومرّت خمس دقائق أخرى، ليقرر أن ينهض ليطمئن عليها. كاد أن ينهض، لكن فجأة رأى مقبض باب الحمام يتحرك. ثوانٍ وانفتح الباب، وظهرت من خلفه ريحانة.

بلع سليم ريقه بصعوبة وهو يتأمل جمالها الفاتن في قميص أبيض رقيق بقماشة الدانتيل يصل إلى ركبتها، يعلوه روب من نفس اللون تربطه بحزام عند الخصر، بينما وضعت خصلات شعرها الطويلة بلون الفحم على جانب كتفها.

كانت تقف تفرك يديها بتوتر، عندما لاحظت تأمله لها بهذه الطريقة المتفحصة، لتتوتر أكثر عندما وجدته ينهض ويقترب منها. تراجعت بضع خطوات إلى الخلف، وهي تضم الروب إلى جسدها بإحكام.

أما سليم، فوقف أمامها يمرر عينيه على جمالها الأخاذ، ونبضات قلبه تتسارع، لكنه لاحظ خوفها وهي تضم جسدها وتنظر إليه بارتباك.

ابتسم بخفة وقال بحنو:

«يلا ناكل؟»

أومأت برأسها.

«ماشي».

جلسا على طاولة الطعام، ليبدأ سليم في تقطيع الطعام، ثم مد يده ليطعمها. ابتسمت ريحانة بخجل وفتحت فمها لتتناول قطعة اللحم من يده.

مر الوقت وسليم يطعم ريحانة بيده ويأكل هو الآخر، لتقول ريحانة بشبع:

«كفاية يا سليم، أنا خلاص شبعت».

قال سليم بحب وهو يمد يده بملعقة أرز عليها شريحة لحم:

«عشان خاطري، آخر معلقة».

ابتسمت وأكلت الملعقة.

نهض سليم  فجأة وهو يقول:

«يلا بينا».

اتسعت عينا ريحانة بفزع.

«يلا إيه؟»

قال سليم باستغراب:

«نغسل إيدينا، مالك خوفتي كده ليه؟»

تنفست ريحانة الصعداء.

«لا، ولا حاجة».

داخل الحمام ..
غسل سليم يده أولًا، ثم قال لريحانة:

«أنا هخرج، اغسلي إيدك براحتك».

أومأت برأسها، فخرج سليم بسرعة من الحمام، تحت استغراب ريحانة، لكنها هزت رأسها بعدم اهتمام وبدأت بغسل يديها وفمها بعناية، ثم غسلت أسنانها بالمعجون. سحبت المنديل وجففت يديها، وخرجت من الحمام، لكنها توقفت فجأة عندما رأت المشهد الموجود أمامها...

الأضواء مغلقة، لكنها ترى بوضوح عن طريق الشموع الموزعة في أنحاء المكان، وسليم يقف في منتصف الجناح ينظر إليها بعشق.

لتقترب ريحانة منه وهي تنظر حولها بدهشة.

«إيه ده؟»

مد سليم يده بابتسامة دافئة، وأمسك يدها وضغط عليهما برفق.

«ريحانة، عايز أقولك حاجة».

«حاجة إيه؟»

سحب سليم نفسًا عميقًا قبل أن يبدأ حديثه:

«أنا بحبك.. عارف إني مش أول مرة أقولها بس عايزك تعرفي .. إني بحبك أوي ياريحانة. لو فيه كلمة أقدر أوصف بيها اللي جوايا ناحيتك أكتر من بحبك، هقولها».

وضع يده على وجنتها بحب، وأكمل وهو ينظر إليها بابتسامة:

«أوعدك يا ريحانة، عمري ما هزعلك في يوم. أنا عارف إن أكيد هيحصل بينا خلافات زي أي اتنين متجوزين، بس صدقيني، عمرك ما هتهوني عليَّا، ولا هنيمك في يوم زعلانة».

أكمل وهو ينظر إلى عينيها بعشق «أوعدك يا حبيبتي إني هفضل عايش عشان أسعد قلبك وأرسم الابتسامة على وشك».

تنهدت ريحانة وهي تشعر بنبضات قلبها تتسارع بجنون من فرط تأثرها بكلماته، لتقول بتلعثم:

«اعمل حسابك إني مش هقدر أرد على كلامك الحلو ده.. أنا والله جوايا كلام كتير، بس...»

نظرت داخل عينيه بتوهان.

«بمجرد ما ببص في عينك، كل الكلام اللي ببقى محضراه بيختفي. كل اللي بعمله إن قلبي بيدق بجنون، لدرجة إني بحس إنه هيقف من كتر دقاته».

أمسك سليم كف يدها ووضعه على صدره، وقال بهيام:

«طب ما أنا كمان بحس بكده، حتى شوفي».

ابتسمت ريحانة وهي تشعر فعلًا بسرعة ضربات قلبه، لكنها سمعت صوته وهو يقول:

«شكلك مش حاسة كويس، تعالي هنا».

لتتفاجأ به يضمها، واضعًا رأسها على صدره ناحية قلبه. أغمضت عينيها وهي تسمع ضربات قلبه التي تنبض بسرعة تحت أذنها، بينما حاوط خصرها بذراعه وهو يضمها بشدة إلى صدره.

ظلّا هكذا لدقائق، ليبتعد سليم برفق ويرفع رأس ريحانة عن صدره، وهو ينظر داخل عينيها بعشق دفين، وهمس بصوت خافت:

«بحبك يا ريحانة».

قالت ريحانة بأنفاس متلاحقة من فرط المشاعر:

«وأنا كمان».

أغمقت عيناه برغبة، وأنفاسه الدافئة تهبط على وجهها.

«إنتي كمان إيه؟»

ضمت شفتيها بخجل وهمست:

«بحبك يا سليم».

لم يستطع سليم تمالك نفسه، ليقترب منها ويترك العنان لمشاعره ، يترك لها مسؤولية إخبارها عن كل ما بداخله، لتتوقف الكلمات ويعم الصمت بالجناح، فلا يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتلاحقة من فرط اللهفة...

_____________________________________________________________
**بعد مرور سنة❤️**

مرّت على أبطالنا بحلوها... وحلوها فقط، فقد صدق سليم إنه سيجعل جميع أيامها مليئة بالفرحة والسعادة. أما ريحانة، فحُبها لسليم يزداد يومًا بعد يوم، ليكون حصاد هذا الحب طفلتها الحبيبة... حبيبة سليم الدالي.وقد اختار سليم هذا الاسم مخصوص، ليكون معناه أنها حبيبة قلب سليم الدالي 

اكتشفت ريحانة جانبًا جديدًا من سليم عندما أصبح أبًا. على الرغم من أنها ولدت منذ أيام قليلة، فإنها لا تنكر غيرتها الطفولية من معاملة سليم لابنته، فهو تقريبًا يحملها طوال الوقت، ويخاف عليها من نسمات الهواء العابرة. لكن مع ذلك، فهي سعيدة لأنها تملك حبيبًا وزوجًا وأبًا لطفلتها مثل سليم.

**في فيلا سليم وريحانة**

كانت الأجواء مليئة بالبهجة، والجميع في حالة من الفرحة والسعادة، فاليوم عقيقة ابنة سليم التي تملك من العمر بضعة أيام.

كان أدهم وسعد وعلي يجلسون جميعًا في الجنينة، ينتظرون قدوم الأضاحي، فقد أصر سليم على ذبح أكثر من عجل وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، تعبيرًا عن امتنانه لله لأنه رزقه بمولودة من زوجته الحبيبة.

**في جناح سليم وريحانة**

كانت ريحانة تقف أمام المرآة بعدما تجهزت للاحتفال بعقيقة طفلتها. كانت ترتدي عباءة باللون الأبيض ذات نقوش ذهبية رقيقة، وتربط على خصرها حزامًا، بينما سرّحت خصلات شعرها على هيئة ضفيرة وصلت إلى بداية فخذها، فقد ازداد شعرها طولًا، وأصبح يرهقها الاهتمام به، ففكرت في قصه، لكن سليم رفض وبقوة هذا الاقتراح، فهو يعشق شعرها الطويل.

انتهت من وضع مكياجًا خفيفًا أبرز جمالها الفاتن الذي ازداد بعد فترة الحمل. شعرت فجأة بيد تحيط بظهرها من الخلف وتضمها بقوة.

ابتسمت بحب عندما رأت سليم يدفن رأسه داخل شعرها ويمرّغ أنفه بين خصلاته ذات الرائحة الذكية التي تشبه الورود. لاحظت ملابسه، فكان يرتدي عباءة بيضاء أبرزت صدره العريض، والذي ازداد بسبب التزامه بالجيم بشكل مكثف مؤخرًا منذ أن علم بحملها، وحتى الآن لا تعلم السبب.

استدارت ونظرت له بابتسامة دافئة،اقترب سليم وقبّل جبينها بعشق يزداد بمرور الوقت، وهمس بصوته الرجولي:

«حبيبتي جهزت؟»

أومأت برأسها.

«آه، جهزت، ولبست حبيبة كمان».

أدار رأسه تجاه ركن بالجناح موضوع فيه سرير هزاز ترقد فيه الصغيرة، وتصدر أصواتًا طفولية وصلت إلى مسامع سليم وريحانة.

ضحك سليم وهو ينظر ناحية السرير.

«الأصوات اللي بتعملها دي بتضحكني أوي».

ابتسمت ريحانة.

«كل الأطفال بتعمل كده».

نظر لها سليم، ولاحظ جمالها، فابتعد خطوة للخلف يتأمل شكلها في العباءة، ثم أطلق صفيرًا بإعجاب واضح.

«إيه الحلويات دي؟»

ضحكت ريحانة بخجل.

«بجد طالعة حلوة؟ أصلي أول مرة ألبس عبايات».

«تجنني يا قلبي».

رفعت ريحانة يدها وهي تعدّل ياقة العباءة الخاصة به بحب، قائلة:

«هقولك أنا كمان حاجة، بس متتغرش في نفسك. أنت كمان طالع وسيم أوي في العباية...»

اقترب منها سليم وعيناه تلمعان من الحب.

«إحنا نطول نعجب الأميرة ريحانة، أكيد لازم أتغر».

لكن فجأة اتسعت عيناه بتذكّر.

«استني ثواني».

نظرت له ريحانة بحيرة.

«رايح فين؟»

«هجيب حاجة وجاي».

دخل سليم غرفة تغيير الملابس الموجودة بجناحهما، واختفى فيها لثوانٍ، قبل أن يعود وفي يده علبة صغيرة.اقترب حتى وقف أمامها، وقال بحب:

«أنا فكرت كتير أهديكي بإيه بعد الولادة ...ملقتش أحسن من دي».

ثم فتح العلبة ذات القماش المخملي الأزرق أمام عينيها اللتين تنظران بحماس. ثوانٍ، وشهقت بفرحة عندما رأت الموجود بالعلبة.

همست بعدم تصديق:

«مش معقول، أنت لسه فاكر!؟»

قال سليم بابتسامة دافئة:

«إزاي هنسى ..دي أول شاهد على قصة حبنا».

ثم أخرج من العلبة الهدية، والتي كانت عبارة عن إسورة ألماس، لكن ليست كأي إسورة، فكان محفورًا عليها حروف اسمها: ر ي ح ا ن ة.

أمسك سليم كف يدها بحب، وألبسها الإسورة برقة، ثم رفع يدها إلى فمه يقبلها بعشق.

أردف بعدها:

«عجبتك؟»

قالت ريحانة والدموع تترقرق في عينيها:

«أنت بتسألني؟ دي تجنن! أنت مش متخيل الإسورة دي هتكون غالية عليَّا قد إيه».

تحدث سليم بنبرة عاشقة:

«زمان لما اديتك الإسورة، كنت لسه عيل صغير، فجبتها قماش، وحفرت على خشبة حروف اسمك بنفسي. لكن دلوقتي لازم تكون أغلى وأثمن إسورة في الدنيا، عشان هتتحط في إيد الست الوحيدة اللي ملكت قلب سليم الدالي».

لم تستطع ريحانة الانتظار، لتندفع نحوه وتعانقه بقوة وهي تحيط عنقه بذراعيها، بينما حملها سليم من الأرض لتصبح في نفس مستوى طوله، يضمها بعشق يكاد يُدخلها بين أضلاعه من قوة العناق.

بعد دقائق، ابتعد سليم وهو ينظر إليها بحب.

«يلا ننزل، زمان الأضاحي وصلت عشان نبدأ العقيقة».

أومأت ريحانة بابتسامة، ليتحرك سليم ويحمل ابنته من السرير وهو يبتسم بفرحة ويقبلها برقة، ثم أمسك بيد ريحانة وخرجا من الجناح.لينزلا لاسفل حيث تقام العقيقة 
_____________________________________________________________

**في فيلا ياسين وآيات الجديدة**

في فيلا ياسين وآيات الجديدة، والتي اشتراها ياسين وانتقل فيها مع أسرته الجديدة، وكانت الفيلا قريبة من فيلا سليم.

كانت آيات تقف أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة بعدما تجهزت، فكانت ترتدي دريس ورديًّا رقيقًا يناسب شخصيتها الهادئة وحجابًا أبيض. وقفت لترتدي سلسلتها التي لا تخلعها من رقبتها أبدًا، فهي هدية من ياسين، فكانت من الذهب الخالص، يتدلى منها أسماء أفراد أسرتها الصغيرة. في البداية اسم ياسين، والذي كان متشابكًا مع اسم آيات كأنه كلمة واحدة في شكل رائع، ثم يتدلى منها اسمان آخران، وهما اسم إياد وبجانبه اسم آخر .. رقية، ابنتها التي أنجبتها منذ بضعة أشهر، لتكون ثمرة حبها لياسين.

شهقت بخفة عندما شعرت فجأة بياسين الذي وقف خلفها، وتولى هو مسؤولية إغلاق السلسلة. انتهى، ثم حاوط خصرها بذراعه وهو يسند رأسه على كتفها وينظر إليها في المرآة بعشق.

«خلصتي؟»

استدارت له بابتسامة على وجهها.

«أيوة يا حبيبي، هروح بس أشوف الولاد ونخرج كلنا على طول».

كادت أن تتحرك من أمام ياسين، لكنه أمسك ذراعها وجذبها تجاهه.

«تعالي هنا، رايحة فين؟»

قالت آيات بدهشة:

«ما أنا قلتلك، هروح أشوف إياد ورقية».

اقترب ياسين منها.

«طب والمعاكسة اللي في بالي أقولها لمين غيرك؟»

ابتسمت آيات بخجل.

«أممم، معاكسة إيه بقى؟»

اقترب ياسين من أذنها وهمس ببعض الكلمات، لتبتعد آيات وهي تضربه في صدره بخفة.

«يا سييييين!»

قال ياسين بهيام:

«يا قلبه».

ثم أكمل:

«يلا نتحرك على بيت سليم، زمانهم بدأوا الذبيح».

قالت آيات بابتسامة:

«يلا».

ذهبا إلى غرفة إياد، وكان ياسين أول من دخل الغرفة، ليتوقف فجأة وهو يتأمل المشهد أمامه، وخلفه آيات التي ابتسمت هي الأخرى.

كان إياد يجلس على السرير، وقدماه لا تصلان إلى الأرض من قصر قامته الطفولية، فهو في عامه الأول من المرحلة الابتدائية. كان يجلس ويحمل رقية الصغيرة بين يديه ويلاعبها.

ابتسم ياسين من المشهد، وحاوط آيات بحب.

«إياد متعلق برقية أوي».

أومأت آيات بتأكيد.

«فعلاً، ده أول ما بييجي من المدرسة، بيجري على الأوضة بتاعتها ويفضل شايلها ويلعب معاها لحد ما ينام».

نظر لها ياسين بتفكير.

«تفتكري هيعتبرها أخته فعلًا؟»

نظرت إليه آيات باستغراب.

«ليه بتقول كده؟»

«إياد لسه صغير، واهتمامه وتعلقه الكبير بيها ممكن يتغير بمرور الوقت لما يكبر».

نظرت آيات إلى إياد الذي يحمل رقية وينظر إليها بابتسامة دافئة.

«تفتكر؟»

قال ياسين بحيرة:

«مش عارف».

ثم أكمل:

«بس أيا كان، أنا هفضل أعتبر إياد ابني اللي مخلفتوش، وعمري ما هفرق بينهم».

وضعت آيات رأسها على كتف ياسين بحب.

«أنت أحن راجل في الدنيا، وأنا محظوظة إنك جوزي يا ياسين».

قبّل ياسين رأسها الموضوع على كتفه، وقال:

«وأنا أسعد راجل في الدنيا عشان ربنا رزقني بعيلة صغيرة بقت أغلى حاجة في حياتي».

_____________________________________________________________

**في فيلا يزن وفتون**

كانت فتون تقف أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة بعدما تجهزت، فكانت ترتدي دريس أصفر نصف كم زاهيًا مثل شخصيتها المحبة للفن والألوان.

فجأة، سمعت صوت تصفير عالٍ يأتي من خلفها. استدارت بخفة لتجده يزن يقف عند الباب، يعقد ذراعيه أمام صدره ويستند على الباب وهو ينظر لها بإعجاب.

اقترب حتى وقف أمامها، ورفع يده يرجع خصلة شاردة خلف أذنها، وهو ينظر لها بحب.

«إيه الجمال ده يا فوتي؟»

ابتسمت فتون.

«أنت اللي عيونك حلوة يا زينو».

نظر يزن إلى السرير.

«جميلة نايمة؟»
فقد أنجب هو وفتون طفلة وسماها جميلة على اسم جميلة، من شدة حبه لها.

«أيوة، نيمتها لحد ما أجهز عشان متتعبش. أنت عارفها زنانة».

ضحك يزن.

«أحلى زنانة في الدنيا، سواء هي ولا أمها».

شهقت فتون.

«أنا زنانة يا يزن؟»

قبّلها يزن من وجنتها وقال بحب:

«أحلى زنانة في الدنيا. إنتي بتعجبيني في كل حالاتك يا فوتي».

ابتسمت فتون لكلماته، لكن تغيرت ملامحها فجأة لتقول بسخرية:

«بس والله كويس إني لسه بعجب سيادة المقدم، على الرغم من الستات الحلوة اللي بيشوفها في المهمات».

هز يزن رأسه وهو يضحك.

«إنتي مش هتنسي بقى؟»

قالت فتون بغيرة:

«أنسى إيه؟ أنسى إن كان فيه زعيمة مافيا أمريكية بتحاول تلف عليك وتسرقك مني؟»

تنهد يزن بتعب.

«يا حبيبتي، قلتلك ده شغل، وأنا ساعتها كنت في مهمة، ولازم أوقعها في حبي عشان ترتاحلي وتثق فيا، وتحكيلي أسرار العصابة».

قالت فتون بعند:

«حتى لو.. أنت بتاعي لوحدي».

«يعني هو أنتي سكتي؟ ما أنتي سافرتي ورايا، وكنتي حامل وبطنك قدامك مترين، ومع ذلك جرجرتي أشهر زعيمة مافيا في أمريكا من شعرها، وكنتي هتودينا كلنا في داهية والعملية هتبوظ»

هزت كتفها بخفة.

«والحمد لله مباظتش، وخدت المعلومات اللي أنت عايزها، واترقيت وبقيت مقدم».

هز يزن رأسه بعدم تصديق، ثم جذبها وضَمَّها إلى أحضانه وقبّل جبينها.

«ساعات بتفاجئيني بشخصيتك المجنونة اللي بتطلع دي».

أردفت فتون بابتسامة وهي تنظر إليه:

«أنا بتجنن بس لما بغير عليك».

قرصها يزن بخفة من وجنتها.

«وأنا مش مضايق من غيرتك، بالعكس».

ثم أكمل:

«يلا بقى نتحرك على بيت سليم وريحانة. بابا عمال يتصل بيا ويستعجلني».

«ماشي يا حبيبي».

ذهب يزن إلى السرير، وكانت جميلة قد استيقظت وبدأت بالبكاء كعادتها.

نظر يزن إلى ابنته وقال:

«يا ريتني ما سميتك جميلة، طلعتي عيوطة زيها»

ضحكت فتون.

«عارف لو طنط جميلة سمعتك هتعمل فيك إيه؟»

قال يزن:

«جميلة طيبة ومش هتعملي حاجة. الخوف كله من أدهم لو عرف إني بتريق عليها».

«طيب يلا نمشي، طنط جميلة جت على السيرة وبتتصل تستعجلنا».

قال يزن بابتسامة وهو يضم جميلة لصدره، بينما يمسك بيده الثانية بيد فتون 

«يلا».

ليغادروا في اتجاه بيت سليم 

_____________________________________________________________

**عودة إلى فيلا سليم**

وصل الجميع بمرور الوقت ليتجمعوا كلهم في جنينة الفيلا، وبعد السلامات بدأ الجزار في الاستعداد للذبح. وقف الشباب بجانب بعضهم، وكلهم يرتدون عباءات بيضاء، بينما على بُعد منهم وقفت الفتيات وهن ينظرن بحماس لما سيحدث.

بدأ الجزار يعطي إرشادات لكل شاب بدوره، فكان كل واحد يفعل مهمة محددة. فمثلًا، سليم هو المسؤول عن ذبح الأضحية لأنه هو المضحي، لكن بالطبع بمساعدة الجزار، بينما يمسك كلٌّ من يزن وياسين الحبال ويثبتان الأضحية.

بدأ سليم يكبّر استعدادًا للذبح:

«بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك».

ثم قام بالذبح سريعًا بمساعدة الجزار، بينما كان يزن وياسين يمسكان الحبال بشدة.

وكذلك تم ذبح الأضاحي واحدة تلو الأخرى، وتعاون الشباب، سليم وياسين وإياد، في عملية التقطيع، بينما كانت الفتيات، ريحانة وآيات وفتون، مسؤولات عن عملية الوزن والتكييس.

بينما الكبار، وهم أدهم وجميلة، ومعهم علي وياسمين، بالإضافة إلى سميرة التي قررت الاستقرار في مصر وأصبحت صديقة ثالثة لجميلة وياسمين، كانوا يجلسون حول الطاولة يتسامرون، وكل شخص يحمل طفلًا.

كانت جميلة تحمل بين يديها حفيدتها حبيبة، ابنة سليم وريحانة، وبجانبها أدهم يتأملها بفرحة وهي تلاعب الصغيرة.

بينما كانت ياسمين تحمل حفيدتها جميلة، ابنة يزن وفتون، وعلي يجلس بجانبها وهو يترجاها أن تعطيه حفيدته، لكنها ترفض.

وأخيرًا، كانت سميرة تحمل رقية، ابنة ياسين وآيات، واعتبرتها حفيدتها، أو بالأحرى اعتبرت جميع أطفال العائلة أحفادها.

**عند الشباب**

كانوا يعملون في جو من المرح، وصوت ضحكهم يتعالى في المكان. وفجأة، تعالى صوت عالٍ، ليلتفت الجميع إلى مصدر الصوت ويجدوا ياسين يركض بسرعة وهو يرفع الجلباب، وخلفه سليم ويزن يركضان وراءه، وأيديهما مليئة بالد.م حتى يلطخا ملابسه بكفوفهما.

بينما كانت الفتيات يضحكن بشدة على المنظر، ليتوقف فجأة كلٌّ من سليم ويزن ومعهما ياسين.

قالت ريحانة بضحك:

«إيه وقفتوا ليه؟»

قالت آيات بابتسامة:

«كملوا جري ورا ياسين».

قالت فتون بضحك شديد:

«والنبي كملوا، عايزة أتفرج»

وفجأة، اقترب الشباب الثلاثة منهن بخطوات بطيئة، ونظراتهم لا تبشر بالخير أبدًا. وفجأة، بدأوا يركضون خلفهن، لتصرخ الفتيات الثلاث بفزع ويركضن في أنحاء الجنينة، بينما كان الكبار يجلسون يشاهدون منظرهم وأصوات ضحكهم تتعالى.

**عند ياسين وآيات**

أمسك ياسين بيد آيات وهو ينهج من كثرة الجري.

«تعالي هنا بقى، بتشجعيهم يمسحوا الد.م فيَّا!»

قالت آيات بخوف:

«ده أنا كنت بقولهم يبعدوا عنك، أنت اللي سمعت غلط،فتون اللي كانت بتقولهم يجروا وراك».

قال ياسين بسخرية:

«والله؟! بقى إنتي كنتي بتقوليلهم يبعدوا عني وأنا اللي طلعت ظالمك؟ طيب خدي دي»

ثم رفع كف يده، لتهز آيات رأسها برعب وهي ترى كف يده المليء بالد.ماء في اتجاه فستانها.

**عند يزن وفتون**

قالت فتون بخوف وهي تحاول الابتعاد بعدما أمسكها يزن:

« يزن وحياتي بلاش، أنا بقرف من ريحة الد.م»

ضحك يزن وهو يمنعها من الفرار.

«تعالي هنا بس »

« عشان خاطري يا يزن، أهون عليك؟»

نفى يزن برأسه والابتسامة تعلو وجهه.

«مستحيل يا قلبي، هطبع عليكي بالخمسة عشان الحسد»

صرخت فتون عندما وضع يزن كف يده بالكامل على وجنتها.

**عند سليم وريحانة**

قال سليم بصوت عالٍ:

«ريحانة، استني متجريش»

توقفت ريحانة فجأة وهي تضحك.

«إيه، خايف متعرفش تمسكني وتعمل اللي في دماغك؟»

قال سليم بضيق ،وهو قلق من أن يصيبها مكروه:

«ريحانة، إنتي ناسية إنك لسه قايمة من الولادة؟ حتى لو محصلش جراحة، بس لسه صحتك مش كويسة».

نظرت إليه ريحانة بدهشة.

«يعني أنت مش عايز تطبع عليَّا بالدم؟»

أشار سليم إلى نفسه بصدمة.

«أنا؟ مستحيل طبعًا! أنا عمال أقولك ما تجريش وخايف عليكي».

ابتسمت ريحانة بحب واقتربت منه، وهي تشعر بالأمان، وقالت:

«والله أنت حبيبي».

لكن سليم فاجأها عندما رفع كف يده على غفلة ووضعه على رقبتها، لتظهر آثار كفه وأصابعه على عنقها بالد.م، بينما صرخت ريحانة.

كانت الأجواء مليئة بالبهجة والفرح، يعم المكان، والجميع يضحك بمرح في جو عائلي جميل.
وفجأة، تعالى صوت سليم وهو ينادي الجميع:

«يلا يا جماعة، نتصور كلنا»

تجمع الكل في مكان واحد ووقفوا بجانب بعضهم، وكل ثنائي يحمل ابنته، بينما وقف الأجداد بجانبهم. ثبّت المصور الكاميرا وقال بصوت عالٍ:

«مستعدين؟»

أجاب الجميع بحماس:

«مستعدين»

بدأ المصور في العد:

«هلقط الصورة بعد تلاتة، يلا... واحد... اتنين... تلاتة»

التُقطت الصورة التي جمعت العائلة بأكملها. فيها يزن الذي يحمل ابنته جميلة ويحتضن زوجته فتون بحب، ويبتسمان للكاميرا، وبجانبه علي وياسمين اللذان يبتسمان بفرحة، وبجوارهما ابنتهما وزوجها وحفيدتهما.

ثم ياسين الذي يحمل رقية ويضمها إلى صدره، ويحمل إياد أيضًا على كتفه، بينما بيده الأخرى يحيط خصر زوجته آيات، ويبتسمان للكاميرا، وبجانبهما سميرة تبتسم ابتسامة بشوشة.

وأخيرًا وليس آخرًا ... سليم الذي يحمل ابنته حبيبة ويضمها إلى صدره، وبيده الأخرى يلفها حول خصر ريحانة، لكنه لم يكن ينظر إلى الكاميرا، بل ينظر إلى ريحانة بحب، وعيناه تلمعان بشغف، والابتسامة واسعة على وجهه، بينما كانت ريحانة تنظر إليه بحب. كلاهما في غاية السعادة بالأسرة الصغيرة التي بنياها بعد كل ما مرّا به.

وكان مسك الختام .. أدهم، الذي يقف في نهاية الصف ويحاوط جميلة من الخلف، محتضنًا إياها بحب. لكنه رفع رأسه فجأة وجال ببصره نحو يزن الذي يقف برفقة زوجته وابنته، ثم إلى ريحانة التي تقف برفقة زوجها وابنتها، وأخيرًا استقرت عيناه على جميلة.

ولأول مرة، لم يشعر أنه ما زال يبحث عن شيء ينقصه؛ فكل ما كان ينقصه، وكل ما كان يبحث عنه طوال حياته، تجمّع في هذه الصورة ..صورة جمعته بعائلته؛ صورة ستظل ذكراها خالدة في قلبه للأبد.

رفع نظره للمرة الأخيرة، وفي اللحظة نفسها التُقطت الصورة، بينما كان ينظر إلى الصف، متأملًا عائلته بعدما اكتملت أخيرًا، واكتملت الحكاية التي بدأت معه هو وجميلة وامتدت إلى أولادهما.

تمت بحمدالله

تعليقات