رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الخاتمة الخامسة بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الخاتمة الخامسة 

ولأن بعض الحكايات لا تختتم بكلمة "النهاية"، بل تترك معلقة في القلب، أضع هنا آخر سطور

هذا القسم .....

لا وداغا، ولا إعلانا بانتهاء الحكاية، وإنما صمنا يليق بكل ما من وبكل ما تركته الأيام في الروحمن أثر.

وهنا، حيث انتهت الكلمات بقي الشعور وحده شاهذا على كل شيء على ما كان، وما انكسر وما ظل حيا رغم كل شيء.

ربما لا تملك الحكايات دائما نهاية تشبه ما تمنيناه، لكن بعضها يملك شيئا أعمق .... أثرا لا يزول.

وذكرى لا تخفت وحكاية كلما ظننا أننا تجاوزناها، أعادتنا إليها سطورها الأولى.

وهكذا... أترك حكايتي هنا، عند هذا الحد من الطريق.

وأترك للقلب أن يحتفظ بما عجزت الكلمات عن قوله.

فقد كانت وما زالت... وكأنها لي الحياة.

استمعت ميرال إلى كلمات يوسف، وظلت تحدق فيه الثوان طويلة، كأن عقلها توقف عن

استيعاب ما سمعته.

تجمد جسدها، وانحبس نفسها، حتى خيل إليها أنها ربما أخطأت السمع ... أو أن قلبها هو الذي

تمنى سماع تلك الكلمات، فترجمها إليها على هيئة حقيقة.

لكن يوسف أمسك كفيها بين راحتيه، وضغط عليهما برفق، يربت عليهما.

ابتسم، وارتجف صوته من شدة فرحته

ما ما ... هيبقى عندي بيبي.

توقف لحظة، ثم أضاف بابتسامة أوسع:

لا... مش واحد اثنين .. ضي حامل في توينز.

شهقت میرال واتسعت عيناها وارتجفت شفتاها قبل أن ترفع كفيها إلى وجهها، تحاول أن

تستوعب حجم النعمة التي هبطت على قلبها بغتة:

الله أكبر ... الله أكبر ... بسم الله ما شاء الله ... ما شاء الله ... اللهم لك الحمد.

ثم هزت رأسها سريعا، وكأنها لم تكتف بالسماع مرة واحدة

لا ... لا، قول تاني .... لا .

اقتربت منه، وأحاطت وجهه بكفيها، تنفخص عينيه تبحث فيهما عن تأكيد أخير:

إنت قولت ايه يا حبيبي قول تاني ... ولا إنت مقولتش ؟ أنا سمعتك صح؟ إنت قلت إن ضي.....

اختنق صوتها، ولم تستطع اكمال الجملة.

ابتسم یوسف و عيناه تلمعان بالدموع.

هز راسه ببطء، ثم قال بصوت خافت خرج من قلبه قبل أن يخرج من شفتيه:

ضي حامل يا ماما ... ابنك ربنا كرمه.

ارتعشت أنفاسه:

دعوتك استجابت... كل دعوة دعيتها عشاني، ربنا سمعها، أنا بكيت من كثر الفرحة يا

ماما ... بكيت، لأني حسيت أن ربنا جبر قلبي بعد سنين من الانتظار.

ثم ابتسم ابتسامة مرتعشة :

أنا ربنا جبرني ... وضي حامل.

لم تستطع ميرال أن تجيبه.

فقط أغمضت عينيها، وانهمرت دموعها بغزارة، ووضعت كفيها على وجهها، تبكي وتبكي، وكأنها لا تعرف كيف تشكر الله على نعمة أكبر من قدرتها على التعبير:

اللهم لك الحمد يارب... لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

يارب... أنا رضيت بكل اللي كتبته، رضينا بقضائك يارب.

ارتجف صوتها، وانهمرت دموعها أكثر، وأشارت بإصبعها وهي تبكي:

اثنين... اثنین یا یوسف ؟

اومأ لها بابتسامة.....

ابتسمت وسط بكائها، ثم أسرعت تقول :

الله أكبر.... الحمد لله الذي أقر عيني بابني الحمد لله الذي لم يخيب رجاء قلب علق أمنيته بك وحدك.

ثم التفتت إلى يوسف وقالت بصوت متهدج

وقع يا يوسف... وضع لي..

ابتعد يوسف عنها، وما إن اتسعت لها المساحة حتى انخفضت ميرال إلى الأرض، وسجدت لله شكرا.

وما إن لامس جبينها الأرض انفلتت دموعها، وارتفع صوت بكائها المكتوم بين كلمات الحمد والدعاء:

اللهم لك الحمد ... يارب لك الحمد.

سجدت طويلا، وكأن كل السنوات التي حملت فيها خوفها على قلب ابنها خرجت بتنهيدة حمد:

ربي دعوتك فاستجبت.... دعوتك وأنا لا أملك إلا يقيني بك، فأتيتني بما هو أعظم من سؤالي.

توقفت أنفاسها لحظة، ثم تابعت وسط شهقاتها:

يارب... لك الحمد على عطائك، ولك الحمد على منعك، ولك الحمد على كل يوم ظنناه تأخيرا،

وكان في علمك موعدا أجمل.

اللهم إني رضيت بقضائك، فلك الحمد على ما أخذت، ولك الحمد على ما أبقيت، ولك الحمد على

ما أعطيت... واليوم يا رب أتممت فضلك على ابني.

ازداد بكاءها وهي تضع جبينها على الأرض:

يارب أنت أعلم كم تملى هذا اليوم.... كم مرة أخفى وجعه عني، وكم مرة ابتسم وهو يحمل في قلبه أمنية الأبوة ولا يتكلم.

يارب... ما تحرموش فرحته.

تم خرجت منها الكلمات كأنها رجاء أم تخشى أن تستيقظ من أجمل أحلامها :

يارب تقم حملها على خير، واحفظ في من كل سوء، واحفظ ما في رحمها بعينك التي لا تنام.

اللهم اجعلهم ذرية صالحة، واجعل قدومهم جبرا لقلب أبيهم، ونورا في بيتهم، وسعادة لا تنقطع. اللهم قر عين يوسف بأطفاله، ولا تره فيهم بأنا يبكيه، ولا وجعا يكسره، ولا خوفا يقلق قلبه.

تم شهقت وهي تبكي:

اللهم إني استودعتك حمل زوجة ابني .... فاحفظ وديعتي يا الله، فأنت خير من استودع، وأرحم

من حفظت عنده الودائع.

استودعتك روحين لم نزهما بعد، لكن قلوبنا تعلقت بهما قبل أن تراهما أعيننا.

فيارب .... لا ترينا فيهما مكروها، وأتمم نعمك علينا، واجعل أول بكائنا عليهما بكاء فرح، وأول

احتضاننا لهما احتضان شكر وأول كلمة يسمعانها منا الحمد لله الذي وهبنا إياهما.

ظلت ساجدة، تبكي وترند:

الحمد لله ... الحمد لله ... الحمد لله.

أما يوسف، فظل واقفا أمامها، عاجزا عن منع دموعه.

كان ينظر إلى أمه وهي تسجد لله من أجله، فشعر أن الله لم يمنحه طفلين فقط.....

بل منحه قلب أمه الحنون بدعواتها التي تجعل أمله أكبر وأكبر.

جلس على الأرض وتمتد يضع رأسه على ساقيها.... تبسمت وهي تمتد على رأسه.

ثم انحنت تطبع قبلة فوق جبينه فهمس:

عايز أنام.

غرست أناملها في شعره

قوم روح المراتك حبيبي، خدها في حضنك ونام دلوقتي هي محتاجاك، تصدق أنا استغربت

إنها مجتش هي كمان، حتى غرام اتفاجأت إنكم رجعتوا راحت البيت لوحدها، قوم روح لها أو

تعالو هنا لحد ما تولد علشان أخد بالي منها، هي هتحتاج رعاية خاصة، حمل التوأم مرهق أوي.

اعتدل يستند على كفيه وهو ينظر إليها:

بابا عند تيتا راح يقولها، هو وعفو أرسلان.

أومات له بابتسامتها التي ما زالت تنير وجهها.

بالأسفل، داخل غرفة فريدة....

جلست على طرف فراشها بعدما نطق إلياس كلماته، وكأنها كانت تنتظرها منذ سنوات، لا منذ دقائق.

ضي حامل.

نظرت إليه فريدة ثم رددت الكلمات بهدوء، وفي عينيها شيء لم يستطع أحد تفسيره.

طالعها الياس بدهشة، ثم أوماً برأسه، بينما جلس أرسلان إلى جوارها.. واحتضن كفيها:

يوسف عدى علينا، ولسه عارفين.

اومات برأسها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مرتجفة:

ربنا يقر عينه بيه يارب .... ويكمل فرحتهم على خير.

اللهم آمين.

ظل أرسلان يطالعها للحظات، قبل أن يقول بنبرة مازحة تخفي فضوله:

بس مش غريبة يا فريدة هانم؟ على رأي الياس يعني.

التفتت إليه، ثم نظرت إلى أرسلان:

إيه الغريب يا حبيبي ؟

إنك مش متفاجئة.

تنهدت بهدوء، وربتت على ساق أرسلان بحنان

كنت حاسة .... بس محبتش أتكلم حاجات صغيرة ظهرت على ضي، بس مكنتش متأكدة

سكتت لحظة، وانخفض صوتها أكثر:

و مقولتش حاجة علشان مفرحش نفسي بحاجة لسه ربنا ما كتبهاش.

والحمد لله .... ربنا جبر قلوبهم.

ابتسمت لكن عينيها لم تخل من ذلك الوجع القديم:

بعد أكثر من تمن سنين انتظار... الواحد لما يسمع خبر زي ده ميفرحش بس ... بيحمد ربنا على

كل يوم فات، حتى الأيام اللي كانت صعبة.

ابتلع إلياس غضة في حلقه، بينما قال بلهجة حانية:

حضرتك مش مبسوطة يا ماما، إنت تعبانة ؟

أنزلت فريدة عينيها إلى يديها، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.

لا حبيبي مش تعبانة، بالعكس .... أنا أسعد واحدة.

صمتت قليلا:

بس افتكرت أبوك....

توقفت، وارتجف صوتها قليلا:

كان نفسي يكون معانا .. لسة دعواته ليوسف بوداني، كان دايما يقول إن ربنا هيكرمه في الوقت

اللي هو عايزه... يمكن إحنا اللي استعجلنا الوقت.

مسحت بطرف أصابعها دمعة استقرت عند طرف عينها، ثم تمتمت:

ربنا كان رايد.... بس الوقت لسه ما كانش أذن.

احتوى إلياس كفيها بين يديه، وطبع قبلة حانية عليهما :

ربنا يخليكي لينا يا ست الكل.

نظرت إليه فريدة، وضحكت وسط دمعتها:

ياااه ... أول مرة تقول يا ست الكل يا إلياس.

ابتسم وقال وهو ينظر إليهما:

ما خلاص بقى هو كل حاجة هتعلقي عليها؟

بغير على فكرة يا فريدة هاتم.

تمتم بها أرسلان الذي تناول كوب العصير.

تبادلت فريدة معهما نظرة دافئة، ثم ابتسمت وهي ترى مشاكستهما، ثم

أنزلت بصرها، ووضعت كلها فوق قلبها:

الحمد لله ...

قالتها مرة أخرى، هذه المرة والدمعة تنساب بهدوء على خدها.

لم تكن دمعة حزن....

ولا كانت فرحة خالصة.

كانت دمعة أم تذكرت كم انتظرت، وكم دعت وكم مرة قالت «يارب»

فهمست من بين ابتسامتها:

الحمد لله على جبر ربنا ... حتى لو اتأخر، بييجي أجمل مما تمنينا.

تابعها الياس بعينيه، بينما من أرسلان كوب العصير إليها:

حبيبتي اشربي دا علشان تاخدي علاجك.

سحبت الكوب وارتشفت بعضه، ثم وضعته على الكومودينو.

اتجهت ببصرها إلى إلياس وتجمعت الدموع بعينيها:

النهاردة يمكن أكثر دعوة انتظرتها من ربنا والحمد لله، ادعوني أستجب لكم، قولت لك كثير.

يوسف وضي ربنا هيراضيهم، بس لسة ما أردش.

التفتت إلى أرسلان، ورفعت كفيها على وجهه

فرحتي كملت النهاردة .... ربنا كريم أوي يا ولاد.

قالتها فريدة بصوت هادئ، لكنه كان محقلا بسنوات طويلة من الدعاء والانتظار:

أو إننا أقل من غيرنا.

دايما حطوا كرم ربنا في قلوبكم.... ومش معنى إن ربنا حرمنا من حاجة، يبقى فينا حاجة غلط

رفعت كف كل منهما، وضقت يديهما فوق بعضهما، ثم نظرت إليهما بحنان:

طول ما فيه ضمير، وخوف من ربنا ... ربنا بيعوض، وأوقات بيعوضنا أكثر بكثير من اللي كنا

فاكرين إننا نستحقه.

ساد الصمت للحظات، قبل أن ينزع أرسلان حذائه، ويصعد إلى جوارها فوق الفراش.

نظر إليها بابتسامة خجولة، ثم قال:

لو قلت لك نفسي أرجع طفل تاني، وأنام في حضنك.... هتضحكي عليا ؟

توقفت أنفاسها لحظة.

ترقرقت الدموع في عينيها، فقد أعاد إليها صوته طفلا صغيرا كان يوما يختبئ بين ذراعيها، قبل أن تأخذه الحياة بعيدا عنها..

مدت ذراعيها نحوه، وضفت رأسه إلى صدرها، وأخذت تمسح على خصلاته التي اختلط بها الشيب

ومين قالك إني مش شايفاك طفل يا أرسلان؟

زي ما إنت شايف بلال وضي عيال صغيرة مهما كبروا ... إنت عندي لسه ابني اللي محتاج حضن الله

ثم رفعت عينيها إلى إلياس، الذي ظل صامتا يراقبهما، فابتسمت وأشارت إلى كتفها:

وإنت مش عايز تصغر إنت كمان، ولا خلاص كبرت على أمك زي ما بتعمل دايما ؟

ابتسم الياس رغم تأثره، لكنه لم يجب.

تابعت وهي تمسح دموع أرسلان:

النهارده ربنا هدانا أجمل هدية ... شوف إحساسك عامل إزاي، وشوف فرحة يوسف هتبقى

عاملة إزاي لما يبقى أب.

سكتت لحظة، ثم ابتسمت من بين دموعها:

أنا بقى كل ما واحد فيكم يقرب منى كده.... بحس إلى بعيش فرحة يوسف معاه.

طالعها الياس وقال بصوت مختنق

يااه يا ماما ... للدرجة دي كنت قاسي معاكي ؟

التفتت إليه، وما إن رأت انكسار عينيه حتى لم تعد تستطع أن تتمالك نفسها.

مدت ذراعيها نحوه

إنت لسه هتقول كلام ؟ أنا عايزة أخدك في حضني يا أخي ... عايزة أشبع منك.

انهمرت دموعه دون مقاومة، وشعر للحظة أنه لم يعد الرجل الذي يحمل فوق كتفيه هموم

الجميع ... بل مجرد ابن صغير عاد أخيرا إلى حضن أمه.

احتضنت وجهه بين كفيها، وأخذت تمسح دموعه:

أنا يهزر معاك... عارفة إنك بتحبني، وعارفة إنك مستعد تقديني بروحك.

ابتسمت بحنان ثم أضافت:

ويقول لنا إننا لسه محبوبين.

بس إحنا الكبار يا حبيبي ... ساعات بنبقى أطفال أكثر من العيال، بنحتاج حد يراضينا، ويطقنا.

اعتدل إلياس فوق الفراش، وجلس إلى جوارها، ثم تمدد ووضع رأسه فوق ساقيها، كأنه استسلم

أخيرا لاحتياج ظل يخفيه سنوات.

راحت أصابعها تمر بين خصلاته بحنان

فقال بصوت خافت:

أنا عارف إلى كنت قاسي ساعات....

سكت قليلا، ثم ابتلع غضته:

يمكن علشان وأنا طفل كنت بحن الحضنك، خفت لما كبرت أحتاجك بالشكل ده.... فحاولت أجمد قلبي.

توقفت يدها للحظة فوق شعره، ثم عادت تمشده برفق

مش زعلانة منك.

رفعت عينيها إليه، وابتسامتها تحمل أمومة لا تعرف العتاب

حتى لو عملت أكثر من كده .... أنا راضية عليك يا ابني.

رفع إلياس رأسه، فالتقت عيناه بعيني أرسلان، وكانت الدموع تلمع في عينيه هو الآخر.

ابتسم إلياس ابتسامة هادئة، ثم قال:

طيب... عايز أقولك إن الليلة دي أحسن ليلة في حياتي.

نظرت اليه فريدة تنتظر بقية حديثه.

ابتسم، لكن صوته اختنق فجأة:

عارفة ليه ؟

هزت رأسها .. بدموعها.

علشان النهاردة هرجع إلياس الطفل اللي كان نفسه ينام في حضن ألله.

تم همس:

سكت لحظة، وكانه يجمع شجاعته القول شيء لم يسمح لنفسه به منذ سنوات.

خديني في حضنك يا ماما.

تراجعت فريدة قليلا، وأسندت ظهرها إلى الوسادة، ولم تقل شيئا.

فقط.. فتحت ذراعيها.

كانت تلك الدعوة أبلغ من كل الكلمات.

اقترب أرسلان أولا، ثم الياس، واجتمع الاثنان حولها، ووضع كل واحد منهما رأسه على كتفها.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة ....

ضفتهم فريدة إلى صدرها، وأغمضت عينيها، وراحت يدها تمسح على رأس هذا، ثم رأس ذاك.

لم تر أمامها رجلين كبرا وتحمل كل منهما الحياة فوق كتفيه.

رأت ولديها... طفليها اللذين كبرا قبل أن تشبع منهما، وعادا إليها الليلة، لا يحتاجان منها شيئا

سوی حضن طال اشتياقهما إليه.

ابتسمت وسط دموعها، وتمتمت :

الحمد لله يارب... جبرت قلبي بيهم، وجبرت قلبهم بيا.

بمنزل يوسف....

ولج إلى الداخل يبحث عنها، فلم يجدها في الأسفل.

صعد الدرج بخطوات متعجلة، حتى وصل إلى الغرفة.

توقف لحظة أمام الباب، يسحب نفسا عميقا، يحاول أن يهدئ قلبه الذي سبقه إليها، ثم زفره

ببطء وفتح الباب.

استقبلته الغرفة بهدوئها الدافئ وإضاءتها الخافتة بحث عنها بعينيه وجدها تقف في الشرفة.

رافعة عينيها إلى السماء، تتأمل النجوم المتناثرة فوقها، وكأنها تحتفل معها، ابتسم دون أن يشعر.

خطا نحوها حتى وقف خلفها مباشرة، ثم أحاط خصرها بذراعيه وسحبها إليه برفق.

أغمضت في عينيها فورا، وكأنها عرفت حضنه قبل أن تشعر به، ووضعت كفيها فوق ذراعيه

المحتضنتين لها، ثم أسندت رأسها إلى صدره.

ابتسمت وهي تقول بهدوء:

أخيرا وصلت محظتك.... بقالك ست ساعات وعشرين دقيقة.

انحنى يوسف، وطبع قبلة عميقة على عنقها، قبلة اختصر فيها كل الشوق الذي حمله معه طوال الساعات التي غاب بها.

ثم همس:

لأن دي هتكون محطتي الأخيرة دايما... مهما أبعد، ومهما أتأخر، ومهما أخدني الطريق

بعيد... هتفضلي إنت المكان اللي يرجع له.

استدارت إليه ببطء.

تلاقت عيناهما، وفي النظرة بينهما حديثا طويلا عجزت الألسن عن قوله.

رفع كفيه إلى وجهها، واحتواه بين يديه، ثم طبع قبلة حانية على جبينها ... قبلة امتزج فيها

الحب بألف اعتذار.

احتوت ذراعيه، وتحركت معه إلى الداخل بصمت، ثم بدأت تنزع عنه جاكيت بدلته:

مش تعبت وعايز ترتاح ؟

لامست ذراعاه جسدها

أنا ارتحت خلاص يا ضي.

سحبها إليه من جديد، وأسند رأسها إلى صدره، وكأنه وجد الراحة التي يبحث عنها بمجرد أن

حاوطت خصره، وأراحت رأسها فوق صدره تستمع إلى نبضات قلبه.

ظل صامتا لحظات يمشد على خصلاتها بحنان قبل أن يقول بصوت خافت:

تعرفي أكثر حاجة مفرحاني إيه؟

رفعت عينيها إليه.

ابتسم، وداعب خصلاتها:

إنك هتبقي أم...

صمت قليلا، يحاول أن يستوعب الجملة قبل أن ينطق بها:

كنت بموت كل يوم علشان مش قادر أخليكي تعيشي حياة طبيعية زي أي ست... كنت حاسس

إني حارمك من أبسط حقوقك، وإنك بتدفعي تمن حاجة أنا السبب فيها.

ارتجف صوته، وضفها إليه أكثر:

طمعت فيكي يا ضي... طمعت في وجودك جنبي، ومقدرتش أتخيل حياتي من غيرك... مقدرتش أعيش ولا أتنفس وأنا بعيد عنك.

ابتعدت عنه قليلا، وكأن كلماته أصابت أعمق نقطة داخل قلبها.

حاولت أن تتحدث، لكنه ضفها إليه أكثر، فرفعت يديها إلى وجهه حين شعرت بدموعه.

مسحتها باصابع مرتجفة، وقالت:

لو الولد مش منك .... مش عايزاه يا يوسف.

طالعها بعيون عاشقة، تابعت وصوتها يختنق بالعاطفة:

ولو عشت حياتي كلها وربنا ما رزقنيش..... هرضى، وهقول الحمد لله، أنا من الأول كنت خايفة

تكون انت اللي مش عايز تكفل معايا.

وضعت كفيها على وجهه، ومسحت دموعه بحنان

أنا بحبك أوى يا يوسف... بحبك لدرجة إني كرهت أبويا وعفي علشان جوزونا لبعض، وأنا

وقتها مش قادرة أعيش من غيرك.

ابتسم وسط دموعه، وقال:

كرهتي أبويا علشان جوزنا يا ضي؟

هزت راسها بابتسامة صغيرة:

اه... علشان هما السبب في وجعي لما بعدت عني من غير سبب.

انحنى حتى أصبح في مستوى عينيها، وقال بابتسامة صادقة:

أنا بقى عكسك.... لو أطول أعمل لأبويا تمثال علشان أجبرني على الجواز من أحسن واحدة في

الدنيا، هعمله.

ضحكت في وسط دموعها، ولم تقل شيئا.

فقط اقتربت منه وطوقت عنقه بذراعيها، وقبلت شفتيه قبلة حملت كل ما عجزت الكلمات عن قوله.

فأحاطها بذراعيه، وكأن العالم كله انطفأ من حولهما، ولم يعد يرى أو يسمع سوى هي.. ليسحبها

معه بهدوء حذر العالمه الذي لا يعلمه سواها.

بعد وقت.....

كانت تغفو فوق صدره، وأصابعه تتخلل خصلاتها بحنان وعيناه لا تفارقان ملامحها التي

يعشقها بجنون.

ظل يتأملها طويلا، وكان النوم سرقها منه.

وفجأة، اهتز هاتفه.

مديده سريعا والنقطه قبل أن يوقظها.

إنت فين يا جدع ؟ همؤتك بقى أنا آخر واحد يعرف ؟

ضحك يوسف بصوت خافت، وهو ما يزال يمشد على شعر ضي:

حبيبي يا أسور... عامل إيه؟

جاءه صوت أسر من الطرف الآخر ممتلنا بالعتاب والفرحة

مش كويس يا أخويا لسه عارف حالا من رولا.....

يوسف، أحسن خبر ده ولا إيه ؟ وكتاب الله الفرحة مش سيعاني.

ابتسم يوسف، ونظر إلى ضي النائمة:

حبيبي يا ابن خالي... عقبالك ان شاء الله.

إن شاء الله يا حبيبي، المهم طفني، في عاملة إيه ؟ يارب كله يبقى تمام.

الحمد لله كله تمام... لو مش تعبان من السفر كنت نزلت لك شوية، بس حقيقي مش قادر.

ضحك أسر:

لا لا، مقدرش أصبر للصبح من غير ما أبارك.

وقبل أن يرد يوسف، انتزع صوت رولا الهاتف من يده:

ما تبس بقى يا رغاي... جو، حبيب رولا ألف مبروك.

ضحك يوسف:

ايه يا بت العشق الممنوع ده؟ على الله بلال يطلحك عيارين.

تعالت ضحكات رولا، ثم جاء صوت بلال من جوارها

أيوه يا أخويا، إنت وهي عيشوا الدور ... علشان تعرف بس إني بعدي بكيفي.

لكزته رولا وهي تضحك:

ما تيس إنت كمان يوسف أخويا.

ثم التفتت إلى الهاتف:

مش کده یا جو؟

ضحك يوسف:

انت هتستهبلي يا بت هو أنا أعرفك أصلا؟ بتتلاقي وخلاص

شهقت رولا بتمثيل:

کده یا یوسف؟ أنا غلطانة أصلا!

ارتفع صوت بلال من خلفها:

علشان تعرفي إن محدش متحملك غيري.

اعتدلت رولا ولكزته بقوة، بينما انفجر أسر بالضحك والتقط الهاتف من يدها:

جو.... فيه معركة هنا، تحب لايف ولا مسجل ؟

ضحك يوسف:

خليها تربيه.... ابن حلال ويستاهل.

استمرت الضحكات والمزاح لدقائق، حتى انتهت المكالمة.

وضع يوسف هاتفه جانبا، ثم عاد بعينيه إلى ضي.

كانت تغظ في نوم عميق.

اقترب منها، وانحنى يطبع قبلة طويلة على جبينها، ثم جلس إلى جوارها.

نظر إليها مرة أخرى، وابتسم.

مد يده إلى هاتفه، وبدأ يقلب بين الصفحات، يقرأ عن الحمل، وعن احتياجات الأم في الشهور

الأولى، وما يجب عليها تجنبه، وما يمكنه أن يفعله ليجعل أيامها القادمة أكثر راحة.

لم يعد الأمر مجرد خبر سعيد بالنسبة إليه ....

فلقد أصبحت تحمل بداخلها حياة صغيرة.

وأصبح هو للمرة الأولى، يبحث بشغف عن كل شيء يمكن أن يفعله رجل يستعد لأن يكون أنا.

وقلبه ممتلئ بحمد ربه والسعادة الحقيقية التي يشعر بها.

وبينما كانت تغفو مطمئنة فوق وسادتها، ظل إلى جوارها حتى غلبه التعب، والهاتف بين يديه.

في اليوم التالي بالجامعة ....

خرجت فرح من القاعة، واتجهت إلى مكتب عمران بخطوات هادئة، لكنها توقفت أمام الباب

للحظة حين وصل إلى مسامعها صوت ضحكاته.

التفتت جنات إليها، بينما رفع عمران رأسه، وما أن وقعت عيناه عليها حتى اتسعت ابتسامته

ترددت قليلا، ثم طرقت الباب و دلفت.

دون أن يشعر، وكأن حضورها وحده كان كافيا ليبدل ملامحه

تعالي يا فرح

قالها بنبرة تحمل من اللهفة أكثر مما حاول إخفائه.

لو حضرتك مشغول، أجي وقت تاني

تمتمت بها وهي ترمق جنات بنظرة سريعة.

نهض عمران من مكانه واقترب منها دون تفكير، وكان قدميه سبقنا عقله:

ولو مشغول أفضالك .... عندي كام فرح في الدنيا ؟

ارتبكت بینما ابتسمت جنات بفتور وهي تجمع اغراضها:

طيب يا دكتور زي ما اتفقنا.

أومأ لها عمران، ثم غادرت، لتبقى فرح واقفة أمامه لحظات قبل أن تتبعه إلى الداخل.

قالت وهي تتنهد:

فيه محاضرة اتلفت عندنا شكلي جيت على الفاضي.

توقف أمامها فجأة:

اتصلت بيكي أكثر من عشرين مرة ليه مردتيش؟

امتى دا؟! محصلش

سحب الهاتف من يدها، وقال بنبرة غاضبة:

الباس وورد إيه ؟

سحبته منه ثم فتحته وتوقفت تنظر إليه:

مالك ومال التليفون.

شوفي اتصلت بيكي ولا لا.

قلبت بالهاتف لم تجد شيئاء سحب الهاتف وقلب به، ثم رفعه أمامها:

حطاني في الانتظار.

ابتسمت وأخذت الهاتف:

دا من زمان، ونسيت أرجعه.

جلس ولم يرد عليها.

نسيت والله، ما هو إنت كنت معصبني.

رفع رأسه إليها:

جلست أمام المكتب:

من يوم ما قابلت بابا في الجامعة بابا سيفه عندي علشان لو حصل حاجة ومعرفتش أوصله،

تليفوني معاكي من إمتى؟

اتصل بيك.

أمال بجسده إليها:

ما بابا حلو اهو.

طبعا مش بابايا ....

ضحك وأوماً لها:

حقك ... طبعا.

أنا مضايقة أوي، بقولك المحاضرة اتلفت.

طالعها وأسند ظهره إلى الخلف يراقب تأففها بابتسامة لم يستطع منعها:

بس لسه عندك محاضرة

لسه ثلاث ساعات .... هروح بقى ولا أفضل ؟ أنا يقول أروح، ودكتورها المغرور يبقى يبعتها لي.

رفع حاجبه متصنقا الجدية:

قصدك الطاووس المغرور؟

ضحكت بخجل، وأخفضت عينيها:

انت لسه فاكر؟

اعتدل في جلسته، ثم استند يكفيه إلى حافة المكتب، وظلت عيناه معلقتين بعينيها:

كلمتي باباكي ؟

قطبت جبينها باستغراب:

أكلمه في إيه ؟

من شفتيه، وعاد يستند إلى مقعده

تلعب مع بعض.

انفلتت منها ضحكة ناعمة، فاستقرت في قلبه قبل أن تصل إلى أذنيه.

نظر إليها طويلا، وكأن شيئا داخله لم يعد يحتمل المزيد من الانتظار، فخرجت منه الكلمات قبل

أن يمنح نفسه فرصة للتراجع:

بحبك أوي.

انقطعت ضحكتها فجأة.

رفعت عينيها إليه، وارتجف قلبها يعنف.

تنفس عمران ببطء، ثم قال:

ما بترديش ليه ؟

عیشت بردائها تبعد بنظراتها عن عينيه

کونش قد العلاقة دي.

عمران ... إنت شخص كويس جدا، وتستاهل أحسن حد في الدنيا، بس أنا حقيقي خايفة ما

أطرق عمران لحظة، تم أبعد عينيه عنها وكأنه يحاول السيطرة على خيبة صغيرة تسللت إلى

ملامحه

هنرجع لنفس الكلام يا فرح؟

ثم التفت إليها من جديد

فرح طول ما بينا مشاعر، هننجح.

هزت راسها بتردد

وافرض المشاعر دي وقتية؟

اقترب قليلا، وثبت عينيه في عينيها :

أنا بحبك ... ومش طفل علشان معرفش مشاعري، أنا واحد داخل على الثلاثين، وعارف كويس

أنا عايز إيه متجيبيش العيب فيا علشان انت خايفة.

صمت لحظة، ثم قال بنبرة أكثر حسما:

أنا عايز منك رد صريح ... ودلوقتي حالا، انت عايزاني ولا لا؟

تاهت عيناها في عينيه .. تعشقه.

لم تعد مجرد مشاعر عابرة كما حاولت إقناع نفسها، فقد بدأت تغار عليه من كل من يقترب منه.

وتبحث عنه بعينيها وسط الزحام، وتنتظر صوته، وتفتقده حتى وهو أمامها.

ابتلعت ارتباكها، ثم قالت بصوت خافت:

لما قلبك يدق بسرعة، لما تشوف حد... وتضايق لو غاب عنك ... وتعد الساعات علشان الليل

يعدي وتشوفه تاني....

توقفت، وابتسمت بخجل:

ولما تتخيله في كل شخص، ويتسلل الأحلامك، وتبقى مش عارف إنت نايم ولا صاحي... بس

المهم تفضل عايش الحلم.....

ظل عمران صامنا، ينظر إليها وكأن كل كلمة منها تزيح حجزا عن صدره.

أكملت، وقد احمر وجهها

ولما تبقى عايز تولع في أي حد يقرب منه، ومش عايز حد يقرب له ولا يتعامل معاه غيرك....

رفعت عينيها إليه أخيرا:

ده تسفيه ايه ؟

لم يجب.

لمعت عيناه، وارتفعت أنفاسه، كأن اعترافها جاءه أعمق مما توقع.

نهض واقترب منها خطوة، ثم قال بصوت خافت:

ابتسمت وانخفض صوتها أكثر:

وتبقي عايزة تخبيه جوا قلبك.... ومستعدة تحرقي الدنيا كلها لو شوفتي دموعه ؟

بقيت أحب الجامعة ... علشان انت فيها.

توقفت أنفاسه للحظة.

لم يجد ما يقوله..

كانت عيناه وحدهها تجيبان عنهه فرحة رجل انتظر طويلا كلمة واحدة، وحين أنته، شعر وكأن

الدنيا بأكملها ضاقت حتى لم يبق فيها سواها.

اتجه إليها، ثم أمسك كفيها برفق

تعالي....

توقفت تحاول سحب يديها بخجل:

هنا خدني فين ؟ استني

ابتسم وهو يهز راسه:

فرح لو سمحتي ... ممكن ما تعترضيش على حاجة؟

نظرت إليه بحيرة.

عايز بس تمشي معايا ... وبس.

عمران، مينفعش

ابتسم ابتسامة واسعة، وضغط بخفة على كفها:

والله ينفع يا قلب عمران... ولو قولتي لان ها خدك غصب عنك وأخلي اللي ميعرفش يعرف.

سحبها معه، وخرجا من المكتب.

سارا معا في أروقة المبنى الجامعي، وسط العيون التي التفتت إليهما باستغراب، وبعض

النظرات التي لم تخف فضولها.

لكن عمران لم يهتم.

وللمرة الأولى، لم تحاول فرح أن تختبئ

سارت إلى جواره بثقة، وقلبها ممتلئ بشعور جديد.... شعور لم تعد تخجل منه.

كالها، دون كلمة واحدة تعلن للعالم كله أن هذا الرجل أصبح له مكانا في قلبها لا ينازعه فيه

أحد.

وصلا إلى السيارة، ففتح لها الباب وساعدها على الجلوس، ثم أغلقه برفق، واستدار إلى جهة القيادة.

أما هي فظلت تنظر إليه من خلف زجاج النافذة، وقلبها يردد للمرة الأولى دون خوف

لقد أحببته أكثر مما ينبغي.

بعد فترة من الطريق، أوقف عمران السيارة فجأة، فالتفتت إليه فرح باستغراب:

- وقفت ليه ؟

نظر إليها بابتسامة، ثم قال وهو يفتح باب السيارة

- لحظة وراجع.

ترجل واتجه نحو فتاة صغيرة، بدت في نحو الخامسة عشرة من عمرها، تجلس بجوار مجموعة من البالونات وأكياس غزل البنات.

أشار عمران إلى ما أمامها :

عايز الحاجات دي كلها.

رفعت الفتاة حاجبيها بدهشة:

- كلها يا بيه؟

أوماً، ثم أشار إلى سيارته:

أيوه .... ممكن تاخدي غزل البنات ده للعربية؟ وأنا هاخد البالونات.

نهضت القناة مسرعة، وقد غمرتها السعادة، خصوصا حين أخرج عمران لها مبلغا من المال أكبر مما توقعت أخذته وهي تبتسم له بامتنان، ثم التفتت نحو فرح الجالسة داخل السيارة:

ربنا يسعدك يا رب

اكتفى عمران بابتسامة خافتة، ثم حمل البالونات واتجه بها نحو السيارة.

أجمل هدية:

ما إن رأته فرح يقترب حتى ترجلت منها، وبدت السعادة على وجهها كطفلة حصلت للتو على

عمران .... إيه ده دول علشاني ؟

رفع حاجبه بمكر:

لا طبقا... علشان بنت أخويا.

لكزته بخفة وهي تضحك:

- كداب

ومدت يدها تأخذ البالونات منه، لكلها ما أن أمسكتها حتى أقلات معظمها دفعة واحدة.

مكانها تصفق بسعادة، بينما ظل عمران واقفا أمامها يراقبها.

ارتفعت البالونات إلى السماء، تتراقص في الهواء، فضحكت فرح من أعماق قلبها، وقفزت في

لم يكن ينظر إلى البالونات ... كان ينظر إليها هي.

إلى ضحكتها التي جعلت قلبه يهدأ، وإلى عينيها اللتين أضاءتا فجأة وكأنهما تحملان كل فرحة الدنيا.

التفتت إليه، والتقت عيناه بعينيها.

خفتت ضحكتها قليلا، وبقيت ابتسامتها معلقة على شفتيها، قبل أن تقول ببساطة شديدة

وكأنها تعترف بأمر لا يحتاج إلى تفكير:

- أنا بحبك.

تجقد عمران مكانه.

كأن الكلمة وصلت إلى أعمق نقطة في قلبه.

ارتفعت دقات قلبه بعنف واتسعت ابتسامته دون إرادة منه، ثم خرجت منه ضحكة قصيرة

مرتبكة، قبل أن يقترب منها خطوة.

ظل ينظر إلى عينيها، وفي عينيه شيء جعل فرح تتوثر وتنسى للحظة كيف تبتسم.

قال بصوت خافت:

- عارفة نفسي في إيه دلوقتي ؟

رفعت عينيها إليه ببراءة:

- في إيه ؟

صمت

يحاول أن يستعيد اتزانه

ظل ينظر إليها لحظات، ثم ابتعد بعينيه عنها، وأخذ نفسا عميقا وهو يستغفر الله في سره، وكأنه

لازم نرجع الجامعة.

قطبت حاجبيها

ليه ! زهقت؟ أنا عجبني هنا!

التفت إليها، فوجدها تنظر إليه ببراءة جعلت مقاومته أصعب.

ابتسم رغما عنه، ثم قال بهدوء:

انت كان عندك حق.

- في إيه ؟

أطرق لحظة قبل أن يجيب:

مينفعش نكون مع بعض لوحدنا كده.

ارتبكت فرح، وتوزيت وجنتاها فانشغلت بالنظر إلى البالونات المتطايرة في السماء.

أما عمران، فابتسم وهو يراقب خجلها، ثم قال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:

يلا يا فرح... قبل ما أغير رأيي ونفضل هنا لحد بكرة.

رفعت عينيها إليه، وابتسمت بخجل:

- حاضر.

اتجها معا نحو السيارة، بقيت البالونات تحلق فوقهما، كأنها تحتفل معهما.

مساءً بقصر الجارحي...

دلف المكتب لوالده:

مساء الخير إسحاق باشا، فاضي شوية؟

عمران ... ادخل.

دلف إلى الداخل وقلبه يرقص طربا، جلس وإسحاق يراقيه هو الآخر بسعادة:

شكل الغزالة رايقة، وفيه قلب بيضحك.

بحب الغزالة يا باشا.

أوووووه.... حب مزة واحدة!

اه، وعايز تتجوز.

قهقه اسحاق وارتفعت ضحكاته

طيب فكرت في اسم الولاد؟

أكيد دي تفوتني بس متحلمش مش هستي إسحاق.

ضحك اسحاق وضرب كفيه ببعضهما:

الله عليك يا بن إسحاق، ويا ترى الغزالة شاردة وتستاهل الحب وإنك مش تسقي إسحاق ؟

الغزالة جميلة أوي وبريئة أوي يا بابا.

وقعت يا بن إسحاق ؟

أه... ما يوقعش إلا الشاطر.

مد إسحاق يده ورفع فنجان قهوته يرتشف منه بعدما قال:

مين بقى اللي أمها داعية عليها ؟

فرح

ارتشف مرة أخرى:

فرح مين؟

بنت دكتور أدم الرفاعي.

بصق إسحاق القهوة، وارتجفت بداه حتى سقط الفنجان.

بتقول مين؟

ايه يا بابا فيه إيه دي كمان بنت مش كويسة وليها عدواة مع حضرتك؟

الموضوع مش كدا بس مينفعش.

نهض من مكانه بهدوء مريب وعيناه على والده:

أنا متجوز فرح، سواء رضيت ولا لا.

أظن دي من عيلة شمس، يعني لا مؤمرات ولا غيره.

توقف إسحاق أمامه:

مش هرد على كلامك يا محترم، ولا أقولك إيه قلة الأدب دي، عايز تتجوز من غير موافقة

أبوكا

بس انت قولتها، عيلة شمس يعني الماضي اللي هيدفر الكل طيب حمزة، أبوك طاطي راسه

الناس كانوا بس يتمنوا يرموا السلام عليه.

إنت بقى منتظر أبوك يعمل إيه ؟

أنا مقدم لك في السفارة الخارجية، لأن شغل الجامعة دا مش عاجبني إيه ابن إسحاق الجارحي

يبقى دكتور جامعي

أنا عايز كدا، والسفارة دي مش هدخلها، ويكون في علمك يا بابا، أنا ساكت علشان بحترم

حضرتك، لكن دا ميڈيش لحضرتك إنك تتحكم في مستقبلي، يوم الجمعة هروح الفرح، عايز

ليجي أكون ممنون لحضرتك، مش عايز براحتك.

قالها وغادر... صاح إسحاق بغضب:

استنى عندك... ولكنه صعد إلى غرفته.

وصلت دينا على أصواتهم المرتفعة:

فيه إيه ؟

ابنك عايز يتجوز بنت ادم الرفاعي.

مين آدم الرفاعي دا؟.

ابن خال الياس.

ابتسمت وقالت:

طيب يا إسحاق، دا كويس جدا، آدم كويس غير إننا نعرفه، والبنت جميلة أوي، ومؤدبة، على

الأقل عرفينها.

ابنك اتقبل في الخارجية يا دينا، أنا عملت كل حاجة علشان يبقى سفير، والأستاذ مش عاجبه.

مش فاهمة يا إسحاق إيه اللي جاپ دا بخطوبته؟!

ادم عمه راجح .... ورانيا أخت أمه.

راجح مين ورانيا مين؟

رمقها بنظرة ممتعضة:

مش عارف أقولك ايه.

مضى يومان إلى إن ذهبت للجامعة ارتدت اجمل ما لديها، فاليوم على موعد معه بالنزهة قليلا.

ثم الذهاب لوالدها بالمشفى.

خرجت متجهة لسيارتها، لأول مرة ستقود السيارة بمفردها وتذهب إلى جامعتها، صعدت

السيارة على رئين هاتفه

صباح الخير فرحتي

صباح الخير.....

أنا وصلت الجامعة، عندي محاضرة دلوقتي.

عمران

نعم حبيباتي..

أنا حكيت رائد، قولت له يعني على اللي بينا، علشان هو يتكلم مع بابا.

هو رائد هنا؟

لا ... هيجي بعد يومين.

بالسلامة .... ياله هقفل أنا داخل المدرج.

خلي بالك من نفسك.

قادت السيارة وبغضون دقائق كانت قد وصلت، ترجلت واتجهت إلى القاعة الذي بها... اليوم أنت

قبل موعدها حتى تحضر مع فرقة الصف الثالث، فرقة جنات.

طرقت على باب القاعة ثم مدت رأسها إليه:

ممكن أحضر المحاضرة يا دكتور ؟ اعتبرني سنة ثالثة.

توقفت أنفاسه للحظة، لم يتوقع فعلتها، ابتسم حتى لمعت عيناه بالسعادة، وخطا إليها:

أكيد طبقا.

همسات جانبية بالقاعة، والنظرات جميعها مصوبة اتجاه فرح، وصل إليها ثم قال:

أحلى فرح في سنة ثالثة.

مين دي يا دكتور؟

نظر إلى فرح وابتسم

فرح الرفاعي خطيبتي.

طالعته بابتسامة، تم أشار إليها بالدخول لأول مقعد ... خطت بهدوئها المعتاد، وهو يراقب كل

انش بها، وقلبه يتراقص بسعادة.

صعد إلى مكانه، وتابع شرحه بطريقته المعتادة، ولكن سعادته بها جعلته يغرد كالبليل بمحاضرته

كأنه لم يشرح قبل ذلك..

كانت تراقبه وقلبها يتغنى باسمه، تتقابل نظراتهما كل حين وحين، والسعادة تحلق بينهما، ولكن

هناك قلوبا تشعر بالغيرة والحقد ترمق فرح بنفور.

انتهت المحاضرة بعد فترة، ورغم أنها ساعة إلا أنها شعرت بأنها لحظات الجهت إلى وقوفه مع

الطلبة، توقفت بعيدا.

اعتذر من الجميع وذهب إليها، مذ كفيه نظرت لكفيه لحظات، ثم نظرت للطلاب من حولهم.

اقتربت تضع كلها بكفه وتحركت معه للخارج.

عمران سيب إيدي مينفعش.

ترك كفها وتحرك بجوارها وهو يبتسم

المفاجأة حلوة.

أيوة ... وضيعت محاضرتي ينفع كدا؟

أه ينفع وقوي كمان.

اطلعي بلا، لسة الدكتور مدخلش.

تمام ... سلام.

قالتها وتحركت.

فرح ... توقفت مستديرة اليه.

النهاردة قولت قدام الكل إنك خطيبتي، فاهمة دا معناه إيه ؟

حاضر یا عمران، ممكن بقى تسبني ألحق المحاضرة.

هو مش ممكن بس ممكن.

تحركت كالطفلة بسعادة، إلى أن وصلت القاعة الخاصة بها.

بعد ساعات خرجت من الجامعة بسيارتها مع رنين هاتفها:

أنا خرجت تتقابل عند بابا.

تمام هتلاقيني هناك بعد نص ساعة.

وصلت بعد دقائق إلى المشفى الخاصة بوالدها، دلفت للداخل تسأل عنه:

بابا في مكتبه ولا يرة؟

دكتور آدم خرج ومش هيرجع غير الساعة سبعة بالليل.

معقول، هو قالي هيبقى موجود تراجعت و رفعت هاتفها فقالت الممرضة:

فيه مؤتمر طبي في جامعة القاهرة أستاذة فرح.

أومأت لها وهي تهاتفه، ولكن هاتفه مغلق.

خرجت من المشفى وهي تهاتف والدتها:

ماما ... عديت على بابا مش موجود

أيوة حبيبتي، خرج مؤتمر ارجعي على البيت، أنا كمان محضر المؤتمر.

حاضر

أغلقت الهاتف... وتنهدت بضيق .... تملت لو كان موجود، وتفض له ما حدث مع عمران.

هنا تذكرت عمران، فاتجهت لهاتفها:

عمران ما تجيش بابا مش موجود

أنا قدام المستشفى اطلعى يلا سيبي العربية وهو ضلك.

تمام.

قالتها وخرجت متجهة إليه، وجدته متوقفا أمام السيارة، اقترب منها، لمح معالم الحزن تكسو

وجهها:

مالك يا فرح؟

مفيش.... هرجع بعربيتي، وإنت ارجع بقى.

رفع ذقتها باصبعه، نظرت بعينيه وقالت:

مضايقة عايزة أقول لبابا، مش عايزاه يزعل مني.

خلاص اهدي ساعتين ويبقى في البيت.

أوما مبتسفا:

خلاص اركبي عربيتك وأنا هكون وراكي لحد ما توصلي.

فرح أي حاجة تخضك بالنسبالي ليها لزوم ونص، بلاش نتناقش في المبدأ. تمام حبيبتي.

مالوش لزوم

تحركت إلى سيارتها بينما هو ظل واقفا يراقبها، كل هذا تحت أعين الرجل الذي أرسله إسحاق

المراقبة فرح.

صباح اليوم التالي...

توقفت أمام طاولة الطعام تلتقط لقيمات صغيرة، خرجت إيلين بقهوتها:

يا ينني اقعدي مينفعش كدا.

مينفعش يا ماما، لازم الحق عندي امتحان في مادة عمران.

أممم .... عمران، بقى عمران من غير الجارحي.

قبلت خد والدتها وانحنت تحمل كتبها:

هو هيكون بعد كدا عمران بس يا مامتي، لما أرجع من الكلية هتكلم معاكى، يلا سلام.

استني هنا يا فرح، إيه الموضوع؟

توقفت و استدارت إليها مبتسمة:

خليني أحكي عن عمران وبعدين يشيلني ماذته مش كدا؟

اقتربت إيلين منها:

فرح... اللي فهمانه صح ؟

هو أنا جوا عقلك يا ماما علشان أعرف فهمتي إيه بلا سلام بالليل هنحكي.

خرجت بسعادة ونشاط، ارتفع رنين هاتفها باسمه، ولكنها لم ترد لا تريد التحدث معه الآن تريد

أن تجتاز اختباره بامتياز، بعد سهره معها طيلة الليل وهو يشرح لها بعض النقاط المهمة عبر

الهاتف.

تخطت البوابة الرئيسة ولكنها توقفت على نزول اسحاق من سيارته.

أهلا بحضرتك يا عفو.

ابتسم لها إسحاق، ثم أشار إليها بالجلوس:

اقعدي حبيبتي عايز أتكلم معاكي.

جلست على استحياء تنظر بساعتها:

أسفة بس عندي محاضرة بعد نص ساعة، وصحباتي منتظرني هناك.

التفت إلى أصدقائها، ثم أوماً لها قائلا:

مش هاخد من وقتك كتير بس أنا وائق في تربية دكتور آدم، وعارف لقاء نا دا عمران مش

هيعرف بيه.

مش فاهمة قصد حضرتك، وأنا إيه اللي يخليني أروح أقول لدكتور عمران إنك جيت ؟!

دكتور عمران... هو عمران من قالك أي حاجة؟

حاجة زي إيه، مش فاهمة حضرتك ؟

يعني متعرفيش أن عمران بيحبك يا فرح؟

توردت وجنتيها تفرك أناملها، نظرت للأسفل تهز رأسها بالنفي وعلى وجهها ابتسامة.

ظل يتطلع إليها إسحاق للحظات وداخله نيران تأكله بصمت مؤلم، ماذا يفعل، لقد حاول وحارب

أيام حمزة، حتى أله تخلى عن إحدى رتبه كي يتل ابنه سعادته، الآن ماذا يقدم المحبوب قلبه

وهو يعلم أن زواجه هذا سيدمر مستقبله.

فرح

رفعت عيناها إليه وانتظرت حديثه:

أنا معرفش إيه اللي بينك وبين ابني بس قبل ما توقعي في حله أكثر، خليه يحكي لك عن ديما

حبيبته الأولى، أو صمت وعيناه بأعينها "مراته".

عند يوسف

احتضن كفيها ودلف إلى غرفة الكشف.

رحبت الطبيبة به.

ساعدت الممرضة في في التمدد على فراش الكشف، توقف يوسف بجوارها:

تعبانة، حاسة بحاجة؟

هزت رأسها بالنفي وقالت:

سعيدة بس يا يوسف

ابتسم لها وقال:

دايما سعيدة حبيبتي.

وضعت الطبيبة جهاز الفحص، ومزرت السائل على بطن ضي برفق، بينما ظل يوسف إلى

جوارها، لا يرفع عينيه عن الشاشة.

كانت أنفاسه تسبق ضربات قلبه .....

مزة يلتفت إلى الطبيبة، ومرة يعود ببصره إلى الشاشة، وكأن قلبه يخشى أن يصدق قبل أن

يسمع.

أما ضي، فكانت قابضة على يده، وأصابعها ترتجف داخل كفه.

ثوان قليلة ....

لكنها بدت لهما كأنها عمر كامل.

حركت الطبيبة الجهاز قليلا، هنا لم يعد لديه قدرة على تحمل ذلك الشعور.

حبس أنفاسه... اتسعت عيناه، ولم يرمش.

بعدما اخترق صوت قلب أطفاله قلبه قبل أذنيه، ليشعر أنه وصل إلى أكثر نقطة موجوعة في

قلبه.

قلبان صغيران ينبضان داخل رحم المرأة التي أحبها.

فبعد سنوات كان يظن فيها أن سماع كلمة «أبي» لن تكون من نصيبه...

اتجهت الطبيبة إليه بنظراتها:

ماشاء الله، الوضع ممتاز، سمعت با یوسف.. طبعا مش هقولك دا صوت إيه، إنت أكثر واحد تميزه

أفلتها من بين شفتيه، لكنها لم تكن «آه» وجع هذه المزة، ولا صرخة قلب أنقله الألم.....

كانت «آه» خرجت من أعماق روح فاجأتها السعادة حتى عجزت عن حملها.

اه.... كيف يستطيع قلب أرهقه الانتظار أن يصدق أن ما ظنه مستحيلا، أصبح حقيقة بين يديه؟

كيف لقلب اعتاد أن يقول: «ربما لن يحدث .... أن يسمع فجأة: «قد حدث»؟

هكذا يفعل الله ....

يتركك تظن أن الباب أغلق، تم يفتحه في اللحظة التي لم تعد تملك فيها إلا الدعاء.

يتركك تبكي من فقدان الأمل، ثم يمسح دموعك بعطاء يجعلك تخجل من كل مرة ظننت فيها

أن الله نسبك.

فكيف، عزيزي القارئ، لعقلك أن يحيط بتدبير الكون.... ورب الكون موجود؟

كيف تخشى الغد، وأنت تعلم أن الغد بيد من لا يعجزه شيء؟

وكيف تستبعد أمنية ظللت تدعو بها، وربما كنت تظن أن تأخرها يعني أنها لن تأتي، بينما كان الله

يؤجلها فقط ليأتيك بها في صورة أعظم مما طلبت؟

لقد فقد يوسف الأمل في أن يصبح أيا ....

لكن الله لم يفقده من رحمته.

وحين ظن أن الحكاية انتهت كان الله يكتب فصلا جديدا ....

لا يطفل واحد، بل بطفلين.

لأن جبر الله حين يأتي.....

لا يأتي دائما على قدر انكسارك، بل على قدر كرمه.

فسبحان من إذا قال للشيء كن فيكون.

وسبحان من يجعل بعد أعوام الانتظار لحظة واحدة كفيلة بأن تنسي القلب كل ما يكى منه.

الحمد لله الذي يؤخر العطاء لحكمة، ثم يأتي به في موعد يجعلنا نفهم لماذا كان الانتظار.

عند عمران

توقف مستندا على سيارته، نظارته فوق شعره، وعيناه على البوابة، خرجت متجهة اليه

اعتدل مبتسقا

ايه اللي اخرك دا كله، المفروض تكوني خلصتي من نص ساعة

اسفة يادكتور، كنت براجع مع الدكتورة بعض المعلومات

قطب جبينه من ردها البارد

اسفة ويتراجعي مش اتفقت معاكي لو محتاجة حاجة ترجعي لي

كنت عايز ايه

اقترب منها وعيناه تلتهم وجهها

مالك فيه ايه

فتحت حقيبتها واخرجت منها صندوقا مزينا

كل هداياك هنا ... اسفة مش هقدر أكمل معاك

لحظة واحدة فقط وهو ينظر إليها بصمت قاتل حتى شعرت با ارتفاع انفاسه التي تلفح وجهها.

ثم تراجع الى سيارته دون أن ينظر خلفه واستقلها وغادر المكان

راقبته بعيونا تكورت بالدموع، حتى اختفى من أمامها

تحركت الى سيارتها بهدوء مميت جلست بالسيارة، وهنا تركت الدموعها العنان، بكت وبكت

حتى جفت دموعها.

بينما عند عمران وصل الى مزرعة والده بعد فترة، اتجه للداخل، وقلبه كبركان كاد ان ينفجر

ماذا حدث بعد كل هذا

بالخارج هاتف احدهم والده

عمران بيه وصل المزرعة

خليك عندك، ومتخلهوش يحس باي حاجة

لیه یا اسحاق كداء الواد اتكسر مرة

دينا مش ناقصك انا من وقت ما رجعت وقلبي وجعني اصلا مش قادر انسى نظرات البنت

قالها ونهض مغادرا، بدخول حمزة

اسحاق باشا، رايح فين يا راجل

لم يرد عليه راقبه حمزه با اندهاش، ثم توجه لوالدته

بابا ماله يا ماما

مسحت على وجهها وتنهدت متألمة، ثم قصت له ما حدث

ليه يا ماما، ليه لتاني مرة تكسره هو ذنبه ايه خليه يعيش الحياة الي عايزها، حرام بجد

احتضنت رأسها ونزلت دموعها على نجلها

روح له يا حمزة، هو في المزرعة، خليك جنبه تحرك إلى سيارته وذهب اليه بمكانا آخر لاول مرة تذهب إليه بقصتنا وهو فيلا سفيان المنشاوى

طبعا عارفينه كدا كدا

AAA

خرجت کیان على صوت صغيرها الذي سبق خطواته صوته الطفولي الحماسي:

جدو جه يا مامي

ترجل راكان من سيارته، وما إن لمحها حتى ارتسمت على ملامحه ابتسامة واسعة

اسرعت نحوه، وهي تقول بدهشة ممزوجة بالفرحة:

بابا... معقول ؟! أنا لسه من شوية قافلة مع ماما، وقالت لي إن حضرتك هتوصل على اثنين

ضحك راكان وهو يفتح ذراعيه، ثم انحنى يحمل حفيده الذي الدفع إليه دون تردد.

ما هو الساعة اثنين يا حبيبة بابا... عاملة إيه؟

عامل إيه يا بطلي !

ضحكت كيان وهي تنظر إليه، مع كلماته الحفيده

ق رفع الصغير رأسه بفخر

أنا سوبر مان جدو... شوفت عملت إيه؟

شوفت یا قلب جدو، شوفت. قبل رأسها بحنان وهمس وحشتيني جدا... جدا يا كوكي.

اقتربت كيان منه، فضمها راكان إلى صدره بذراع، بينما ظل يحمل حفيده بالذراع الأخرى

- إنت أكثر يا حبيبي.

أحاطت ذراعيها به ودفنت وجهها للحظة في صدره كطفلة عادت إلى حضن أبيها مهما كبرت.

نظرت إليه كيان وقالت:

تحركت معه إلى الداخل، وهو يحمل جواد الذي كان مستمتعا تماما باهتمام جده.

جواد انزل بقی عیب کده... جدو راجع تعبان.

شد راکان حفيده إلى صدره أكثر، وقال بابتسامة حانية:

- سيبيه ، أنا كويس ... فين حبيبة جدها ؟

تنهدت كيان وهي ترفع عينيها نحو والدها:

نايمة ... صعبة أوي يا بابا، على طول عياط، وتاعبة الثاني جدا معاها.

ضحك راكان، ومال برأسه نحو ابنته

هتجيبيها من بعيد ؟! مامتها الجميلة كانت كده.

اتسعت عينا كيان:

- اللي هو أنا؟

قرص وجنتيها بحنان

- أيوه، إنت.

ثم أخذ يتأمل ملامحها للحظات، بنظرة أب يرى ابنته أمامه، لكنه لا يزال يراها تلك الصغيرة

التي كانت تركض نحوه كلما احتاجت شيئا.

مرر يده على شعرها وقال بفخر:

- بنتك نسخة منك... انما جواد باشا ده نسخة ثانية من باباه.

اعتدل الصغير فوق ساق جده، ثم اقترب من أذنه وهمس:

ضحك راكان

جدو ... جدو، أقولك سر؟

ولما تقولي، هيبقى سر؟

أوما جواد برأسه بحماس، ثم وضع كفه الصغيرة قرب فم جده وهمس:

بابي قال لمامي: عايز بيبي كمان.

اتسعت عينا راكان، وشهق متصنعا وهو ينظر إلى كيان:

بابي قال لمامي كده؟!

احمرت وجنتا كيان حتى كادت تخفي وجهها من الخجل، بينما انفجر راكان ضاحكا وهو يستمتع

تماما بإحراج ابنته.

التفتت كيان سريعا ونادت على المربية

یلا یا جواد، سیب جدو يرتاح.

لكن راكان اعترض :

سيبيه يا حبيبتي، أنا مرتاح

ابتسمت كيان بحنان ثم قالت:

معلش يا بابا، علشان تاخد راحتك لو عايزه يبقى خده و حضرتك مروح، بس دلوقتي هيدخل

مع الثاني تأكله.

نظر جواد إلى جده لحظة، ثم قال بطاعة:

- أوكيه مام.

تحرك الصغير إلى الداخل برفقة المربية، بينما ظلت عينا راكان معلقتين به حتى اختفى عن

ناظريه.. ثم التفت إلى ابنته:

- فين سفيان؟

عنده اجتماع مع شركة الشافعي.

قطب راكان جبينه قليلا:

شركة الشافعي ؟ قصدك شركة إلياس ؟

أيوه عايز طقم أمن بعد حرق الشركة، وقرر يغير الفريق كله. وقالي إن حضرتك اللي اقترحت

عليه الشركة دي.

أوما راكان:

أيوه فعلا... من زمان قلت له عليها.

سفيان ذكي وهيعرف يتصرف

عند سفيان

وصل إلى شركة الشافعي، توقف أمام السكرتيرة ملقيا السلام، ثم مد يده بالبطاقة التعريفية

اتفضل حضرتك ياسفيان باشا، هبلغ معالي الباشا

اوماً لها، واتجه الى المقعد، بالداخل

كان يجلس امام الشاشة، على يمينه ارسلان، وعلى شماله مالك ، صور امامهم يتحدثون عنها، فجأة

دلفت السكر تبرة

الباس باشا، سفيان المنشاوي عايز يقابل حضرتك

تراجع بجسده على المقعد با ارهاق

شوفه یا ارسلان تعیان و مش قادر اتكلم في شغل ......

في تلك اللحظة وصل يوسف الى شركة والده، دلف للداخل بخروج السكرتيرة

ارسلان باشا بانتظار حضرتك يافندم

بس انا جای لالیاس باشا

اسفة يافندم الباشا تعبان شوية

طيب ليه محدش قالي

وصل يوسف على كلمات سفيان

مساء الخير

مساء النور... تمتم بها سفيان بنبرة هادئة رغم ان داخله نيران موقدة

يسرية بابا مش موجود

موجود في المكتب يادكتور

يعني موجود ومش عايز يقابلني

على العموم اشكريه، واسف انا لغيت الموعد قالها واستدار للمغادرة مع خروج ارسلان

ايه الدوشة

بشرم الشيخ

طرقت الباب و دلفت

فاضي يابشمهندس

رفع رأسه من فوق اوراقه

تعالي يا سدن لو مش فاضي افضالك

مرسي لحضرتك انا خلصت المطلوب، يبقى القي نظرة سريعة عليه

نظر اليها وتسائل

انت خارجة

لا... راجعة القاهرة، بكرة الخميس

نهض من مكانه وعيناه عليها

انتظريني ساعة وتروح مع بعض

اومات وهي تبتعد برأسها عن نظراته

تمام

بمشفى الشافعي

خرجت من صيدلية المشفى، وهي تحمل بعض الأدوية بصندوقا وتذهب بهم الى غرفة المعمل.

فجأة اصطدمت با احدهم

اسفة

ولا يهمك ... حضرتك دكتورة هنا

انحنت تجمع الزجاج تنظر الدواء المنسكب بحزن، وردت

ايوة

طيب مكتب دكتور بلال فين، تعرفي دكتور بلال

تعالي ياسدن لو مش فاضي افضالك

نظر اليها وتسائل

مرسي لحضرتك، اذا خلصت المطلوب، يبقى القي نظرة سريعة عليه

انت خارجة

لا... راجعة القاهرة، بكرة الخميس

نهض من مكانه وعيناه عليها

انتظريني ساعة وتروح مع بعض

اومات وهي تبتعد برأسها عن نظراته

تمام

بمشفى الشافعي

خرجت من صيدلية المشفى، وهي تحمل بعض الأدوية بصندوقا، وتذهب بهم الى غرفة المعمل

فجأة اصطدمت با احدهم

اسفة

ولا يهمك .... حضرتك دكتورة هنا

انحنت تجمع الزجاج تنظر الدواء المنسكب بحزن، وردت

ايوة

طيب مكتب دكتور بلال فين، تعرفي دكتور بلال

انتظروا الخاتمة القادمة 
تعليقات