رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني (عزازيل A. O. 666) الفصل الثالث عشر
بالرغم من أن ما تراه يستدعي صدماتها بالكامل، الا أن ابنة "الجوكر" لم تكن مثل أي فتاة عادية، قد تنخضع معالمها لتلك الظواهر الطبيعية التي يخضع لها تعابير الوجه، بدت ثابتة، تراقب تلك التي تتقدم نحوها بآلية تامة، تضع من أمامها صينية المشروبات، ثم تمنحها ابتسامة مصطنعة، وتهتف بصوتٍ إلكتروني:
_مشروبك سيدتي.
قالتها وغادرت من أمامها بخطوات وئيدة، محسوبة، تليق بجسدها الالكتروني، وبينما تغادر منسحبة لم تهتم "مرين" بها ولا حتى فضولًا أن تُلقي عليها نظرة عابرة!
حملت "مرين" كوب العصير بيدها، ورفعته ترتشف رشفة صغيرة منه، تستشف به إن حمل مخدرا أو شيئًا اعتادت التعرف عليه، لاح على وجهها ابتسامة ساخرة حينما فطنت لعبته، فرفعت وجهها إليه وأزاحت خصلاتها خلف أذنيها، ورددت:
_واحتفالك مينفعش يكون بنزاهة!
ثم وضعت الكوب عن يدها وهي تنهض صوبه، تنحني قبالة عينيه الخبيثة، وتستكمل:
_قولتلك إنت شخص ميتوثقش فيه ومازالت بتحاول تقنع إن كلامي غلط.
ثم استطردت بملامح ثابتة، جعلته يهتز قبالتها:
_الحمام منين، هلحق أطرد الشيء اللي الروبوت بتاعتك دي حطتهولي وهرجع أكمل حواري الظريف ده معاك.
وحينما لم يخرج عنه صوته، استقامت بوقفتها ورددت:
_خليك مستريح، هعرف أوصل لوحدي.
وبالفعل تحركت من أمامه بخطوات رزينة، تنم على محاربتها القوية لما اخترق جسدها، ولجت "مرين" الى المرحاض، وبحركات فعلتها بأصبعها على معدتها وبحلقها استفرغت ما تناولته، ومعه رشفة العصير التي حملت بمفعولها ما جعلها تشعر به في تلك الوهلة التي تذوقها بها لسانها.
انتهت من طرد ما دخل إلى معدتها، ثم تهيأت للتوجه إلى صنوبر المياه، استقامت واتجهت إلى صنبور المياه، تغتسل، فوجدت إحداهن تقدم لها المناديل الورقية، وما كانت سوى الروبوت الذي يحمل نفس وجه "قُدس".
تعاملت معاه" مرين" بفتور، وعدم مبالاة، فسحبت منها ما قدمته وخرجت إلى من ينتظرها بلهفةٍ واعجاب يزداد بها يومًا عن يوم.
وما أن مضت إليه حتى فاجأها حينما قال:
_أنا واقع في حبك يا غزل، وده بيحصلي لأول مرة.
منحته ابتسامة ساخرة، ورددت:
_واللي بيقع في حب حد بيحاول يقتله مرة ويسمه المرة التانية!
وتابعت باستهزاء وهي تمضي إلى حقيبتها:
_المرة التالتة هتعمل إيه كمان عشان تثبت حبك ليا؟
غامت رماديتاه بشكلٍ غامض، بينما يتعمق بالتطلع لزُرقتها، وصوته الرخيم يتردد بثقلٍ مُتعمد:
_ أنا عمري ما انبهرت ولا أعجبت بواحدة ست، نظرتي ليهم كانت كلها تقزز، كائنات غبية مشاعرهم هي اللي بتحركهم، وفي منهم الرخيصة اللي تبيع نفسها عشان أي حاجة، ويمكن النوع الاخير ده فكرتك منه لما وافقتي تكوني مع هارون عشان فلوسه، وزاد شكوكي لما اخترتيني وفضلتيني عليه عشان نفس السبب، بس كل ده اختفى في لحظة ما حاولتي تقلبي التربيزة عليا.
رفعت وجهها عن المقعد، حيثما تغلق سحاب حقيبتها، وتساءلت بحاجبين معقودين:
_وهي التربيزة متقلبتش لسه عليك؟
هز رأسه مبتسمًا:
_لا اتقلبت على قلبي، اللي مصر تكونيله شريكة حياته، بس خايف عليكِ مني.
نصبت عودها واستدارت تواجهه:
_قلبك معترف أنك مُخيف للدرجادي يعني!
انقبضت ابتسامته وهو يفوه ببطءٍ:
_أنا مخيف لنفسي أكتر من أي حد يا غزل، أنا الشيطان نفسه بيترعب مني! أنا أبشع صورة لمخلوق مرعب ممكن يخطر على بالك.
وأشار لها بأن تقترب، فإذا بها تقترب إليه، فأشار أن تنحني له، فانحنت فإذا به يهمس لها:
_أنا قتلت كل الناس القريبين على قلبي، وأولهم كان أبويا!
ابتعدت وهي تقابله بنظرة مندهشة، فتعالى صوت ضحكاته الشيطانية، بينما يحرر صوته:
_أي حد بيزعجني بتخلص منه وبعمله روبوت بصنع إيديا، وبكل المواصفات اللي كنت حابب تكون موجودة فيه!
سيطرت على ملامح الخوف التي هاجمتها، خوفًا على "قُدس" ومما قد أصابها، بل زادت عزيمتها بالبقاء رفقته بهذا القصر اللعين حتى تتمكن من العثور عليها أو معرفة ماذا فعل بها هذا المعتوه!
أفاقت من شرودها على يده التي تتمسك بخصلاتها، وهو يتساءل:
_عرفتي إزاي أن العصير كان فيه حاجة؟
أبعدت أصابعه عن خصلاتها، ومنحته ابتسامة ماكرة:
_حاول وإنت بتتعامل معايا تحط قدامك أني اتربيت في ملجأ ولما حد اتبناني كانت عصابة ليهم في كل حاجة، فزي ما تقول بقيت خبيرة.
وتركته واتجهت إلى حقيبتها الصغيرة، حملتها وقالت:
_هرجع شقتي ألم كام حاجة ليا وهرجع.
ثم شيعته بنظرة مُحذرة:
_لوحدي، من غير ما تبعتلي المعاتيه بتوعك.
وغادرت جناحه وعيناها تسجل بعض الإشارات الغامضة والسريعة، تاركة نظرات الإعجاب تنعرج من رماديتيه وتتقافز خلفها، مال "عثمان" برأسه للخلف وهو يطلق صفارته المستمتعة، هامسًا بعشق مجنون:
_ملهاش مثيل!
******
بين حوائط تلك الغرفة المُظلمة، يتجسد مشهد الميت الذي فقد من خلفه كل رفاهيات الحياة، وبقي بمفرده يواجه ما فعله طيلة حياته، يمتلك كل الوقت لتأنيب ذاته على ما فعله وخاضه بعمره الذي مر عليه مثل زحف ورقة الشجر وهي تعانق الأرض بعد أن شهدت حالة من الجفاف والذبول.
تمر عليها لحظات من الضعف والإستسلام، تحاول بها أن تتذكر ما تعلمته في حياتها عن دينها وربها، ولكن الخذلان يشملها حينما تتذكر بأنها لم تجمع الا معلومات بسيطة، تتمنى لو أن تعود يومًا واحدًا فقط تحفظ ما تمكنت من السور القرآنية، عسى أن تنفعها في يومٍ مُنع عنها الاحتفاظ بنسخة من القرآن.
لجأت "رحيق" للصلاة في ذلك الحبس المُنفرد، استغلته وكأنه مقرها الأخير قبل اعدامها، بكت ودموعها تلامس سجادة صلاتها، تتآوه بكل ما فيها من ألمٍ وتبوح لربها به، وصوتها المُتحشرج يتحرر بصعوبة:
_يا رب سامحني، أنا مفهمتش الرسالة يا رب، كل ابتلاء مريت بيه في حياتي كان هدفه إني أرجعلك، وأنا كنت ببعد أكتر، يا رب أنا الدنيا ضاقت بيا وحتى الموت مش قابل بيا، حياتي بقت نقمة عليا يا رب، هونها عليا وإرحمني، اغفرلي واشرحلي صدري.
دموعها تنزاح على سجادتها وصوتها ينفطر كحال قلبها:
_أنا غلطت لما علقت قلبي بانسان اتخلق من طين زيي، لو كنت علقته برب العباد مكنش ده هيكون حالي، يا رب إنت قولت وقولك الحق إنك غفور رحيم فاغفر لي يا رحمن.
وبشهقاتٍ مميتة همست:
_خايفة أموت ومتكنش راضي عني يا رررب، أنا كنت عايشة في سجن كبير، كان بيضيق عليا كل يوم، إزاي مجاش في بالي ألجأ ليك؟! إزاي موسعتش صدري بالبكى على سجادة الصلاة بين ايديك يا رب، شيطاني سهاني واستغل حزني واكتئابي بشكل خلاني شايفة الدنيا سودة في وشي، فهونها عليا يا رب، خد بايدي أنا ماليش حد غيرك يا ررب.
رفعت "رحيق" رأسها، واستكملت صلاتها بخشوعٍ تام، حتى أن انتهت منها، فمالت على قطعة الحصير البالية تغفو من شدة الدوار الذي انتابها، ليتها تعلم بأن الله عز وجل خصص لها تلك الغرفة الضيقة لتعود من غفلتها، عساها إن علمت بأنها تحظى بالراحة التي تجعلها تستكين في الصلاة، بينما لا يعهد أحد الراحة في تلك الجزيرة الملعونة، لا تعلم بأنها تحظى بالسكينة بمكانٍ حُرمت على زواره.
*****
تلقيه إشارة عاجلة من رفيقه جعله يعود في وقتٍ قياسي إلى المقر السري، والقلق والإرتباك يسيطران عليه، لشعوره المُسبق بأن ابنة عمه كانت في حالة تثير للشكوك، إذًا قد ارتكبت كارثة مُؤكدة.
وصل "زين" إلى المنزل، ولج يبحث عنهما بالداخل، فاذا به يلمح ضوءا شاردًا من غرفته المشتركة، إتجه إليها فوجد "ياسين" يجلس على الأريكة، وقد عاد فجأة إلى الرسم، فإذا بالآخر يبتلع ريقه بتوتر ويهمس:
_رجع للرسم يبقى البايرة عملت مصيبة أكبر من كل توقعاتي!!
ومضى صوبه يتنحنح بخشونة ويرسم بسمة مخادعة:
_مساؤو شربات يا شريك.
منحه نظرة ساخطة من طرف عينيه ثم عاد يلوح بقلمه في اللوح الذي يحمله، فردد "زين" بصوت منخفض:
_شكل مروان أشطا عاكك الدنيا بزيادة.
واستدار يتجه إلى الدرج حتى يستكشف منها ماذا فعلت تلك المرة! وإذا به يهبط بعد أقل من دقيقتين يسرع صوب من يبدو عليه الهدوء والسكينة:
_البايرة مش في أوضتها!!! راحت فين؟؟؟
رد عليه ومازالت عسليتاه متعلقتان باللوح من أمامه:
_والله أنا اللي المفروض أطرح على جنابك السؤال ده، بما إنك آخر شخص كنت معاها هنا، ده بعد استبعادي إنك أخوها وابن عمها المغوار!
ضم شفتيه بغضبٍ شديد وهدر:
_ده وقته يا ياسين أنا بكلمك جد، راحت فين وهي بالوضع ده؟؟؟
ترك ما بيديه ونهض يقابله بسخرية:
_ إسأل نفسك يا شبح، مش فارض عضلاتك عليا وبتحذرني مجيش هنا وسيادتك مش موجود فالحمد لله اني معملتش لكلامك قيمة وجيت عشان أكتشف اللي بيحصل من ورا ضهري وضهرك.
غامت زيتونته بصدمة نطقتها عيناه قبل لسانه:
_بقصر عثمان التميمي؟
أكد له "ياسين" بابتسامة الساخرة، وحديثه الصلب:
_ما أنت لسه ذكي أهو يا شبح، تصدق إني شكيت في قدراتك!
وأضاف بنبرة حملت وعيدا قاتلا فور أن استمع كلاهما صوت انغلاق الباب الداخلي:
_أستأذن معاليك تسيبني أنا اللي أتعامل، والمرادي بصفتي قائد الفريق.
شكله "زين" بنظرة حائرة في تحليل ما يحدث معه بهذا الهدوء الكاذب، خرج كلاهما ليكونا في استقبالها.
تنهدت "مرين" حينما رأتهما يتطلعان لها بنظرات كادت أن تحرقها محلها، وقبل أن يتفوه أي منهما، اتجهت لمقعد للطاولة الثلاثية المقاعد، وقالت:
_قبل ما حد فيكم يتخانق ويتعصب في كام حاجة كده لازم تعرفوها.
تطلع "زين" إلى "ياسين" الذي مازالت ملامحه مشدودة بشكلٍ مُقبض، وانسحب إلى المقعد المقابل لها، زفر "ياسين" بحنق وحاول جاهدًا أن يسيطر على انفعالاته، ثم لحق به وجذب المقعد المجاور له، يجلس وعيناه تقابلها بإنذار ما قبل العاصفة.
وزعت "مرين" نظراتها بشجاعة تمسكت بها وهي ترى أسدين يكادان يفتكان بها، ومع ذلك بدت أكثر هدوئًا، وهي تنتهد باسترخاء:
_أنا مُقدرة حالة الغضب اللي انتوا فيها دي، وممكن ببساطة أتعامل بعند وأرفض أبررلكم الموقف كله.
وتابعت بما تعمدت البوح به:
_والأهم من كده إني معايا أمر مُباشر من أحد القادة المشرفين على المهمة إني متكلمش في التفاصيل اللي اتعرضت عليا بشكل خاص.
تعجب كلاهما مما تقول، وبالأخص "ياسين" الذي عقد حاجبيه مُتسائلًا بدهشة:
_مين القائد اللي عامل سرية بين الفريق ده؟
أجابته بهدوء ورزانة:
_دي بالذات مش هقدر أسربها ليك يا سيادة الرائد.
قطع "زين" حديثهما قبل أن تشتعل الحرب بينهما من جديد:
_طيب إيه المعلومات اللي عندك، وإزاي تروحي لعثمان التميمي برجليكي بعد اللي حصل ده؟
سحبت نفسًا طويلًا ثم أفصحت عما تخفيه قائلة:
_ قُدس اختفت.
اندهش كلاهما وقد انخرط كلا منهما بالتفكير المختلف عن الآخر، وكان "زين" أول من تكلم:
_اختفت إزاي مش فاهم؟؟؟
أجابته وهي تستند بنصفها العلوي على الطاولة:
_اختفت يعني عثمان خفيها أو خطفها.
قطع "ياسين" صمته حينما قال بعقلانية:
_اختفائها أكيد مش وراه انه كشفها لأن لو ده كان حصل كنا هنعرف.
هزت رأسها تُؤيد حديثه، فتابع "زين":
_عشان كده خدتي أوامر إنك ترجعي تقابلي عثمان تاني؟
أكدت بقولها المُباشر:
_أيوه عشان أقدر أوصل لقُدس.
سألها" ياسين" وهو يقرأ الطلاسم التي تجوب زُرقتها:
_ووصلتي لإيه من لقائك بيه.
تعمدت أن تزيح البرود عن ملامحها المدروسة، وأوضحت توترها وهي تقص لهما:
_ياسين أنا مش عايزة أدخل في جدال معاك، بس صدقني أنا لازم أقبل عرض عثمان التميمي وأدخل جوة القصر ده، لإن باللي أنا سمعته وشوفته بأكدلكم إن قدس في خطر كبير.
ألقت إليهما القنبلة المؤقتة، واتبعتها بالغرض مما تريده بذكاءٍ شتت عقولهما عن الكارثة الأولية، فاه "ياسين" بغضب فشل بالسيطرة عليه:
_وسيادته عايزك في قصره بصفتك إيه؟؟
كانت تعلم بأنه قوي الملاحظة، فإذا بها تعيد خصلاتها الحريرية للخلف، وتهتف بتعب:
_يهمك في إيه يعني!! أي صفة هدخل بيها هل هتكون حقيقة؟؟ المهم أوصل لهدفي!
أطبق "زين" على يد "ياسين" الموضوعة على الطاولة وقال:
_اصبر بس يا جارحي، نسمع اللي عايزة تقوله، بالله تسيبها تكمل وهي عاقلة كده ولأول مرة في حياتها كلها بتختار ألفاظها بكل دقة دي هتتحسـ...
وفجأة تلاشت عنه الكلمات، واستدار يرمقها بنظرة جاحظة:
_بت أوعي يكون الخنزير ده مشربك حاجة!! عقلانك ده موترني يا بايرة!
منحته ابتسامة باردة وهي تجيبه:
_كان حاططلي حاجة فعلا، بس متقلقش قدرت أسيطر على نفسي كويس.
صاح "ياسين" بعصبية:
_ده دليل إنك هتواجهي مخاطر كبيرة لو نشفتي دماغك ودخلتي قصر الكلب ده، لذا اعتبري قرارك مرفوض، وإن كان على قدس فأنا وزين هنقدر نوصلها ونعرف هو مخبيها فين. أكيد بمكان بره القصر.
جابته بغضب نجح باستخراجه منها:
_مش صح، قدس جوه القصر وفي جناحه.
قطب "زين" جبينه باستنكار:
_عرفتي منين؟
أجابته ومازالت عيناها تتحدى "ياسين":
_ سابتلي كذه اشارة كأنها كانت عارفة إني هرجع!
وأضافت وهي تسحب بصرها عنه وتتطلع لأخيها:
_عثمان قالي بلسانه إن أبوه كان أغلى شخص في حياته وقتله بإيده، سيادته بيقول إن اللي بيعز عليه بيعمله نسخة روبوت زي ما عمل لباباه، وبعدين يخرجلي روبوت على شكل قدس بالظبط يبقى غرضه أيه من الرسالة دي؟!
واسترسلت لتزيد من حيرتهما:
_لولا اني شوفت الإشارات اللي سايباها قدس كنت فكرته اتخلص منها! صدقوني إحنا لازم نتحرك وأسرع من الأول بكتير.
ونظرت صوب" زين" بحيرة وتردد، قرأها ذلك العاشق الذي لم يفوت أي تفصيلة تخصها:
_ مخبية إيه تاني؟
عبثت بالمزهرية الموضوعة أعلى الطاولة، ثم قالت:
_معرفش إذا كان لازم أتكلم ولا لا، أنا لأول مرة بخالف اوامر القادة وبشاركم معايا بتفاصيل سرية كانت تخصني، بس عملت اللي أنا شايفاه صح من وجهة نظري.
واستطردت تطرح لهما:
_القائد اللي قابلته قالي ان الملفين اللي مقدرتش أفتحهم هيقابلني شخص محترف من فريقه هيساعدني بفتحهما، وإن القائد ده موجود بإيطاليا وقريب من المستشفى اللي مارال وأختك بتشتغل فيها، ولمح ليا إن المستشفى دي بيحصل فيها حاجة لإنه قالهالي صريحة إن الشخص ده بيراقب الدنيا جوه المستشفى عشان يأمن الحماية لرحمة ولمارال.
وانتقلت بزرقتها إليه وهي تستطرد:
_والحد ده يبقى من جوه عيلة الجارحي!
ازدادت دهشة "ياسين"، وفاه بعدم تصديق:
_من عيلتي أنا!!!
بينما نطق" زين" بخوف واضح:
_إيه اللي بيحصل جوه المستشفى يستدعي وجود شخص بالمركز الحساس زي ده!!! ولو في خطورة على حياتهم إزاي الجوكر وعدي الجارحي يجازفوا ببناتهم بالشكل ده!!!!
ضمت شفتيها بحيرة، بينما ينطق ذو العقل الألماسي:
_أيًا كان اللي بيحصل فيها فأكيد مرتبط بعيلة التميمي، ووجود رحمة وخطيبتك أكيد بردو مش صدفة.
وتابع "ياسين" وهو يستند على كفيه:
_الظاهر ان اللعبة خيوطها أكبر من اللي توقعناه.
وباستغراب هدر:
_بس مين من عيلتي اللي مرين تقصده!!
اجابه "زين" وهو يفكر:
_أكيد شخص متمكن من التكنولوجيا، وأكيد بردو انه مهندس!، مين في الشباب اللي عنده المهارة دي؟
اهتدت عسليته إلى شخصٍ لطالما تميز بذلك الجانب، شخص سيكون متواجدا بالتأكيد إن تعرضت "رحمة" لأقل خطر غير مقصود.
لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو ينطق:
_اللي شاغلني هو إزاي فلت مني ومقدرتش أكشف إنه متجند!
رد عليه "زين" ساخطًا:
_يا شيخ اتنيل هتكشفه إمته وإنت واكل شارب نايم معانا هنا أكتر ما بتنام في بيتكم! سيب الصدمة دي لحد من عيلته قريب منه غيرك.
ومال عليه وهو يهمس له بخفوت:
_مين في الشباب؟
شمله بنظرة باردة ثم عاد يتعمق بمن أمامه، قائلًا بخشونة:
_بعد ما سمعنا اللي عندك، مازلت مُصر على قراري، مش هتروحيله تاني يا مرين وكلامي نهائي بدون أي نقاش.
تأججت الهرة العنيدة داخلها، فتلاشى عنها الهدوء وصاحت غاضبة:
_أوامرك تمشي عليك إنت، أنا مش عيلة صغيرة عشان تقولي إيه اللي ينفع وإيه اللي مينفعش.
ونهضت عن مقعدها تهدر ساخطة:
_الظاهر إني كنت غلطانة لما اخترت العقل والهدوء وجيتلك مباشر بدون لف ودوران.
واتجهت للدرج وهي تستكمل:
_القادة سمحوا ليا بده فهعمله غصب عنك، ولو قادر توقفني وريني.
مسح "زين" وجهه بحنق، وهو يتمتم بصوتٍ خافت:
_الحرب قامت!
******
صعد مجددًا إلى الطابق المخصص ب"عثمان"، وطرق مرارًا وهو يصيح ورأسه يتجه صوب الكاميرات المحاصرة للطابق بأكمله:
_عثمان احنا لازم نتكلم وحالًا، فهمني غزل كانت بتعمل إيه هنا؟؟
انفتح باب الجناح من أمامه، فاندفع "هارون" إلى الداخل بوجه مُستشيط غضبًا، وعيناه الحمراء تبحث عنه، وجده يجلس أمام شرفته المُعتادة، اتجه إليه وهو لا يعلم من أين يبدأ؟
حرر ما كُبت داخله بجملة اختصرت كل شيء:
_إنت رفعت إيدك عني وحطتها مع تيام وكِنان؟
حافظ "عثمان" على صمته، ومازال يتطلع أمامه دون أن يشيعه بنظرةٍ حتى، فتابع "هارون":
_رفع إيدك عني معناها موتي يا عثمان، خلاص قررت تتخلى عني بعد كل اللي عملته عشانك؟
لف رأسه صوبه، وردد بهدوء مُقبض:
_عملت إيه عشاني فكرني عشان تقريبًا نسيت؟
تعانقت أصابع يديه معًا، وهو يستكمل بجفاء:
_كل اللي عملته كان باختيارك، وكل اللي هتجنيه بردو من اختيارك، أنا مطلبتش منك تلعب ألعابك القذرة دي معاهم فأكيد مهما طالت قذارتك هيكونلك وقت تقع فيه.
ظهر الإرتباك والتوتر على معالمه، ازدرد حلقه الهادر بصعوبة:
_يعني إيه؟
أطال التطلع له ثم قال ببساطة:
_يعني كفايا عليك لحد كده يا هارون، ده وقت اعتزالك.
تعالت أنفاسه من شدة الرعب الذي قُذف عليه في تلك اللحظة، وإذا به يردد:
_يعني هتسيبهم يتخلصوا مني يا عثمان؟
صدر منه ضحكة مُرعبة وقولًا أشد رعبًا:
_انا بالفعل أصدرت القرار عليك يا هارون، وقبل ما هيتنفذ هتسهل للي أنا اخترته إنه يكون بدالك.
تبلدت الكلمات على شفتيه، واستحضر قوله بصعوبة:
_يعني كنان بقى بدالي وهتجيب كمان اللي يأخد مكاني في شغلنا التاني.
أكد عليه دون أن يهتز له جفن:
_بالظبط.
كاد أن يُصاب بالجنون، بل وأطال بفترة صمته كأنه يبحث عن أي كلمة يعبر بها عما بجوفه، فاهتدى باللجوء بمن ظن أنه سيكون العون:
_وعزازيل موافق على قرارك ده؟
احتقنت الدماء برماديتيه القاتمة، وإذا به يصيح بصوتٍ خشن، قبض به قلب غريمه:
_مفيش سلطة في إيد حد هنا غيري أنــــا، عزازيل نفسه تحت إمارتي وطوع أمري.
وبحزمٍ أنهى لقاءه:
_إمشي يا هارون، واتدارى عن اللي عايزين ينهشوك حي، وخلي بالك اعتراضك على أي قرار أخدته بنفسي هعتبرك فقدت فرصتك الأخيرة في الحياة.
شرد مهمومًا فيما ينتظره، فتأجج الحقد والغل داخله، وبات كلاهما كالخصم القوي المجتمعَين لهزيمته، خرج من جناحه وهو يستند على الحوائط كالذي يوشك على الإغماء بأي لحظة.
نزع جرفاته وجاكيته، ومضى وهو يتباطئ بخطواته الثقيلة، بينما ينزع قميصه وعرقه ينهمر فوق جبينه، لا يستوعب أن "عثمان" قد زهد فيه وتركه يواجه مصير أفعاله السوداوية بمفرده، حتى أنه حرمه من الفتاة الوحيدة التي أحبها من قلبه.
ارتمي على فراشه، يحاول التقاط أنفاسه بصعوبة، عيناه تلمع من شدة ما أصابه، وفجأة لفظ بصوتٍ أجش مخيف:
_لا يا عثمان، مش بالسهولة دي، هقلبها نار عليك وعلى الكل، طالما مصيري بقى أشبه بالموت.
واستطرد وهو يقبض على الفراش بقبضتيه:
_قبل ما النار تطولني هتحرقكم كلكم واحد واحد، وأولكم الحقيرة اللي باعتني للمرة التانية عشان نفوذ عثمان.
وأزاح قطرات العرق عن وجهه وهو يهتف بوعيد:
_كلكـــم هتدفعوا التمن كلكــــــــــم!
*****
صراخها وصوت بكائها يزداد بجنون، توسلاتها إليه تتعالى حتى وصل إلى مسمع من يجلسان بالاسفل، وقد شقت بما تردده قلب كِنان العاجز عن التخفيف عنها، بينما لجواره يتلصص تيام بنظراته للدرج الذي يؤدي إلى الغرفة العلوية، المتردد منها الصوت.
اقتبس نظرة إلى ابن عمه، وقد شعر بألمه الشديد، لقد ذاق من كأسٍ مشابه له، وكأن الوجع كُتب على كلاهما.
مزق كنان جلباب الصمت العتيق حينما تساءل:
_خير يا تيام، ليه أصريت إنك تقابلني؟
لا يعلم ماذا سيخبره، فاذا به يجيبه:
_أنا جاي من عند عمر، والكلام اللي قالهولي عن المكان اللي فيه رحيق صدمني.
سأله باستغراب:
_كلام أيه؟
نقل له تيام ما حدث بينهما بالتفصيل، فاذا به يتخلف عن سكونه:
_الولد ده مش سهل يا تيام، والله أعلم أيه اللي وراه.
اعترض تيام على ما قال:
_عمر بيعمل كل ده عشان يساعدني.
استنكر ما قال:
_يعني عايز يرمي نفسه في نار جهنم عشانك يا تيام!!، صدقني في حلقة مفقودة بالموضوع، جايز يكون عايز حاجه منعرفهاش أو مثلا طمعان في الفلوس
رد عليه ساخطًا:
_ولو كلامك صح، وماله فيها أيه؟ لو مشكلته الفلوس محلولة.
وأضاف وهو يستعد للخروج:
_هنساعده يوصل للي عايزه، عشان يسهلنا اللي احنا عايزينه يا كِنان.
ضم شفتيه بعدم اقتناع، ومازال يواجه أفكاره بأن هذا الشخص خبيث بدرجة مرعبة.
****
فتحت بندقيتاها بارهاقٍ شديد، تواجه ما يخترق جسدها من آلآم مُبرحة، فاذا بها تشعر بأن جسدها محمولًا على ذراعين قويين، عادت قُدس تفتح عينيها من جديد، فرأت زوجان من الأجنحة السوداء يعلوان بها بقوةٍ تجابه سرعة الطيور.
حاولت استعادة اتزانها، ولكنها شعرت بأن رأسها ثقيلًا بدرجة جعلتها تهوى على صدرٍ نابض، يخفق أسفل أذنيها بجنون وكلمات تشملها:
_العالم اللي كنتِ فيه بينتهي بمجرد ما بتبقي جانبي.
وبصوت رخيم همس:
_دنيتك بتبتدي معايا أنا يا قدس! أوعدك إنك هتختاريني وبكامل ارادتك!!!!!
