رواية جثة في علبة بسكوت الفصل الأول 1 بقلم ملك ابراهيم

 

رواية جثة في علبة بسكوت الفصل الأول بقلم ملك ابراهيم 


_في منطقـة الزمالك... لقـوا جثـة لـ ست في أواخـر التلاتينات، مرميـه جـوا سوبر ماركت!..

وصلـني الخبـر وأنا قاعـد جـوا مكتبـي.. كُنت بحـاول أخلـص شوية ورق متراكـم عليـا من القضايا القديمـة.. ومن ضمنـهم محضـر واحد اسمه شوقي، متهم بسرقـة تلت فرخات من عربية نص نقل، وكان كاتـب في أقوالـه إنه كان فاكرهُم حمام بلدي!..

دخل عليـا مُراد وهو شـايل كيس في إيده وبيقـول..

_صباح الفل يا كريـم باشا.. جبتلك فطـار من أحسن مكان في المنطقـة..

بصيت للكيس وأنا برفع حواجبي وبقـول..

_إيه دا يا مُراد؟!..

_ساندويتشات كبدة وسجق هوهو.. ومعاهم بطاطس.. قولت أفطـر أنا وحضرتك بدل ما نفضل عايشين علىٰ القهوة..

_طب حلو.. بس إنت جايب فطار ولا أكل يكفي شهر؟!..

ضحك وهو بيحط الكيس على المكتب وبيقـول..

_يا باشا دي حاجات بسيطة.. دا أنا لسه مخلصتش طلبي!..

بصيتله وأنا بهز راسي بيأس.. الراجل دا لو سابوه يومين من غير أكل ممكن يعلن عن اختفائه في النشرة!..

وقبل ما أمد إيدي علىٰ الساندويتش.. رن تليفوني.. رديت وأنا بسمع صوت الظابط اللي على الناحية التانية..

_أيوه يا فندم..

_يا كريم باشا.. عندنا جريمة قتـل في منطقة الزمالك.. جثـة ست لقوها جوا سوبر ماركت من شوية.. ومحتاجين حضرتك تيجي بنفسك..

_إيه ظروف الجريمـة؟!..

_لسه بنجمع المعلومات يا فندم.. وإللي سمعته من العمال إن المحل كان مفتـوح طول الليـل، وفيه كاميرات مراقبـة شغـالة.. بس محدش شـاف الست دي دخلـت إزاي أو مين إللي قتـلها!.. والأغرب إن كل العمال أكدوا إن الست دي أول مرة يشوفوها في حياتهم!..

_تمـام فيه حاجـه تانيـه؟!.

_لا بس فيه حاجة غريبة جدًا في مسرح الجريمـة.. والأفضل حضرتك تشوفها بنفسك..

قفلت معاه وبصيت لمُراد اللي كان فاتح ساندويتش الكبدة وبيستعد لأول قطمة..

_يلا يا مُراد.. عندنا جريمـة في الزمالك..

وقف مكانه وهو باصصلي بصدمة..

_طب والساندويـتش يا باشا؟!

_خده معاك.. يمكن الجثـة تكون جعانة!..

_يا باشا حرام عليك.. دا أنا لسه هبدأ!..

_ابدأ في العربية.. يلا!..

قام لم حاجته وهو بيتمتم بكلام مش مفهوم.. وخد الكيس وطلع ورايا..
___________________
منطقـة الزمالك من المناطق اللي ليها طابع خاص.. شوارع هادية، وعمارات قديمة، ومحلات كتير.. بس عمري ما تخيلت إن جريمـة قتـل بالشكل دا ممكن تحصل جوا سوبر ماركت في منطقة زي دي..

وصلت بعربيتي قدام المحل.. كان سوبر ماركت متوسط الحجم، واجهته كلها إزاز، والأنوار جواه كانت لسه شغالة رغم إن المكان متقفل بشـريط الشرطة..

نزلت من العربية ومعايا مُراد.. اللي كان خلص نص الساندويتش في الطريق.. معرفش الراجل دا بيخـزن أكل ولا إيه!..

وقفت قدام المحل وبصيت على الواجهة.. مفيش أي آثـار كسـر أو محاولة اقتحـام.. الباب سليم، والقفـل مفيهوش أي تلفيات..

دخلت وأنا بطلع بطاقتي للعسكري اللي واقف علىٰ الباب..

_كريم باشا.. اتفضل يا فندم..

عديت من جنبه ودخلـت.. أول حاجة لفتت انتباهي كانت الرفوف المترتبة بشكل طبيعي.. مفيش أي حاجة واقعة أو متبعترة.. حتى الأرض كانت نضـيفة بشكل غريب..

بصيت لمُراد وقولت..

_هي الجريمـة حصلت هنا فعلًا؟!..

_أيوه يا باشا.. الجـثة في آخر المحل جنب المخزن ومحطـوط جنبـها علبـة بسكوت!..

بصيتـله وملامـح وشي بتـدل علىٰ الإستغـراب واتحركت ناحية المكان اللي شـاور عليه.. لحد ما وصلت لآخر ممر.. وهناك شوفت جثـة ست مغطية بملاية بيضا.. وطيت وأنا بنزل لمستواها.. ورفعت الملاية بهدوء..

كانت ست في أواخر التلاتينات.. شعرها أسود وطويل، وملامحها هادية بشكل غريب.. لابسة بلوزة بيضا وبنطلون أسود.. مفيش أي آثار دماء واضحة على هدومها..

بصيت لأكـرم اللي كان واقف جنب الجـثة..

_إيه اللي حصل؟!..

_مبدئيًا يا كريم باشا.. الوفـاة حصلت من حوالي ست لتمن ساعات.. وفيه إصابـة في مؤخرة الرأس.. بس لسه مش قادر أحدد إذا كانت هي سبب الوفـاة ولا لأ..

_يعني ممكن تكون اتقتـلت بحاجة تانية؟!..

_بالظبط.. ودي مش كل حاجة..

بصيتله باستغراب..

_فيه إيه تاني؟!..

أكرم قرب مني وشـاور ناحية إيد الضحيـة..

_بص على إيدها الشمـال..

ركزت في إيدها.. لقيت صوابعها مقفولة على ورقة صغيرة متكرمشة.. حاولت أفتح إيدها بحذر، وسحبت الورقة..

كانت ورقة من إيصال مشتريات.. بس الغريب إن مفيهاش أي بيانات واضحة.. غير رقم واحد مكتوب بخط إيد.. «8».

رفعت حواجبي وأنا ببص للورقة..

_رقم تمانية؟!..

رد أكرم وهو بيهز راسه..

_أيوه.. ومش عارف إذا كان ليه علاقة بالجريـمة ولا مجرد صدفة..

لفيت ناحية مُراد اللي كان واقف وبيتكلم مع واحد من أفراد الشرطة..

_يا مُراد.. عاوز أعرف مين اكتشف الجثـة.. والعمال فين؟!..

_العمال برا يا باشا.. كلهم موجودين، ومستنيين حضرتك تستجوبهم..

خرجت من الممر واتجهت ناحية مجموعة من الشباب والبنات.. كانوا واقفين جنب بعض، وملامح القلق والخوف واضحة عليهم..

وقفت قدامهم وأنا ببص لكل واحد فيهم..

_مين فيكم كان آخر واحد موجود في المحل امبارح؟!..

اتقدم شاب منهم وقال..

_أنا يا فندم.. اسمي سميـؤ.. كنت آخر واحد قفلت المحل ومشيت..

بصيتله بتركيز وسألته..

_طب قفلت الساعة كام؟!..

_الساعة اتناشر بالظبط يا فندم.. زي كل يوم..

_وكان فيه حد موجود معاك؟!..

_لا يا فندم.. كل العمال مشيوا قبلي.. وأنا فضلت أراجع البضاعة وأقفل الحسابات..

_طب إنت اللي اكتشفت الجثـة؟!..

_لا يا باشا.. أنا جيت النهارده الصبح زي ما اتفقت مع المدير.. بس أول ما وصلت لقيت الشرطة موجودة، وعرفت إن فيه جريمـة حصلت..

بصيت لباقي العمال وسألتهم..

_طب مين فيكم شاف الست دي قبل كدا؟!..

كلهم هزوا راسهم بالنفي.. واحدة من البنات اتكلمت بتردد..

_أنا يا فندم.. شوفـتها مرة قدام المحل من كام يوم.. بس مدخلتش تشتري حاجة.. كانت واقفة وبتبص على المحل من برا...

لفيت ناحيتها بسرعة..

_من كام يوم؟!.. وإنتِ متأكدة إنها نفس الست؟!..

_أيوه يا فندم.. أنا فاكرة وشها كويس.. لإنها فضلت واقفة فترة طويلة، ولما خرجت من المحل لقيتها لسه مكانها..

_طب كانت مستنية حد؟!..

_معرفش يا فندم.. بس كانت بتبص على الباب كأنها مستنية حد يخرج..

بصيت عليها شوية وأنا بفكر.. وبعدين رجعت بصيت للعمال من تاني..

_طب والست دي تعرفها؟!..

_لا والله.. أول مرة أشوفها.. ودي مش من زباين السـوبر مـاركت أصلًا..

سكت شوية وأنا بفكر.. وبعدين سألت عماد..

_عندكم كاميرات مراقبة؟!..

_أيوه يا فندم.. عندنا أربع كاميرات.. واحدة علىٰ الباب، واتنين جوه المحل، وواحدة عند المخزن..

_طب يلا نشوف التسجيلات..
___________________
دخلنا المكتب الصغير اللي موجود جنب المخزن.. وبدأ عماد يشغل تسجيلات الكاميرات..

فضلت باصص للشاشة وأنا براجع كل حركة حصلت من أول ما المحل قفل الساعة اتناشر بالليل..

الساعة واحدة.. مفيش حاجة.. الساعة اتنين.. مفيش حاجة.. الساعة تلاتة.. برضه مفيش حاجة..

لحد ما وصلنا الساعة تلاتة وسبعتـاشر دقيقة.. وفجأة الصورة قطعت لمدة دقيقتين..

رجعت الصورة تاني.. لكن كان فيه حاجة اتغيرت!.. بصيت للشاشة بتركيز.. الكاميرا اللي بتصور الممر الأخير كانت بتعرض المكان بشكل طبيعي.. بس لما رجعنا للكاميرا التانية، لقينا باب المخزن مفتوح..

وقفت التسجيل عند اللحظة دي..

_استنى.. رجعها تاني..

رجع سميـر التسجيل..

_افتح باب المخزن يا عماد.. مين اللي فتحـه؟!..

_معرفـش يا فندم.. أنا والله قفلته بنفسي قبل ما أمشي..

قربت من الشاشة وأنا بحاول أشوف أي حركة..

_طب ميـن كان موجود جوا المحل وقتـها؟!.. 

_محدش.. أنا قفلت ومشيت..

مُراد كان واقف جنبي، وفجأة قال..

_استنى يا كريم باشا.. هو مش المفروض إن الكاميرا دي بتصور الممر اللي فيه الجثـة؟!.. 

بصيتله..

_أيوه.. مالها؟!.. 

_طب إزاي مفيش أي حد دخل من الباب.. وفي نفس الوقت الجثـة ظهرت في المحل؟!.. 

سكت شوية.. كلامه كان منطقي جدًا..

رجعت التسجيل من الأول.. وبدأت أراجع كل الكاميرات واحدة واحدة..

وفجأة لقيت حاجة خلتني أقف مكاني!.. في الساعة اتنين وخمسين دقيقة.. ظهرت ست واقفة قدام باب السوبر ماركت.. لابسة نفس هدوم الضحـية بالظبط!.. 

كانت واقفة ثابتة.. وباصة ناحية الكاميرا.. فضلت باصصلها وأنا بحاول أستوعب..

_هي دي الضحيـة؟!.. 

رد سميـر بسرعة..

_أيوه.. أيوه هي دي!.. 

_طب إزاي؟! مش حضرتك قولت إن محدش دخل المحل طول الليل؟!.. 

_أنا مش فاهم يا فندم.. والله مش فاهم!.. 

مُراد قرب من الشاشة وركز في وش الست..

_يا كريم باشا.. فيه حاجة مش طبيعية..

_إيه تاني؟!.. 

_الست دي واقفة قدام الباب بقالها عشر دقايق.. ومش بتتحرك.. والأغرب إنها مش بتبص للباب أصلًا..

بصيت للشاشة تاني.. وفعلاً كانت باصة للكاميرا بشكل مباشر.. كأنها عارفة إننـا هنشوف التسجيل بعد كدا!.. وفجأة.. رفعت إيدها وبصت للساعـة بتاعتـها.. وبعدها ابتسمت!.. 

ابتسامة صغيرة.. لكنها كانت كفيلة تخليني أحس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد جريمة قتـل.. طلبت من عماد يوقف التسجيل.. وخرجت من المكتب وأنا بفكر في كل اللي شوفته..

بس قبل ما أتكلم.. جه واحد من العساكر وهو بيجري ناحيتي..

_يا فندم.. فيه مصيبة حصلت!.. 

بصيتله بسرعة..

_إيه اللي حصل؟!.. 

_العامل بتاع المحل.. لقيناه!.. 

_فين؟!.. 

بلع ريقه قبل ما يرد وقـال.. 

_في المخزن يا فندم.. كان مستخبي جوا دولاب كبير..

_وماله؟!.. 

بصلي بتوتر وقال..

_ميـت يا باشا.. ومشنـوق!.. 

اتحركت بسرعة ناحية المخزن.. ومُراد جري ورايا..

دخلت المكان وأنا مستعد أشوف جثـة جديدة.. لكن أول ما وصلت للدولاب وشوفت العامل.. وقفت مكاني!.. 

كان عماد فعلًا.. نفس العامل اللي كان آخر واحد قفل المحل امبارح..

بس اللي خلاني أتجمد مكاني مش طريقة موتـه.. كان فيه ورقة متعلقة في رقبته.. قربت منها وشيلتها.. وفتحتها بهدوء..

كان مكتوب فيها بخط واضح جدًا..

«الضحية الأولى مش هي اللي ماتـت.. دوروا على اللي خرجت من المحل!».. 

فضلت باصص للورقة.. وبعدين رفعت عيني ناحية مُراد..

_هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟!.. 

مُراد كان باصص ناحية شاشة الكاميرات اللي لسه شغالة.. وفجأة نده عليا بصوت متوتر..

_كريم باشا.. تعالى شوف التسجيل دا!.. 

قربت منه وأنا ببص للشاشة..كانت نفس الكاميرا اللي سجلت الست وهي واقفة قدام المحل..

بس المرة دي.. التسجيل كان بيعرض الساعة أربعة وخمسين دقيقة صباحًا.. والست اللي ظهرت قدام الباب كانت خارجة من السوبر ماركت!.. 

وقفت الصورة عند وشها.. بصيت كويس.. وقلبي دق بسرعة.. لإن الست اللي خرجت من المحل.. كانت هي نفس الست اللي لقينا جثـتها جوا.. 

رفعت عيني لمُراد وأنا مش قادر أستوعب..

_يعني إيه يا مُراد؟!.. 

رد عليا وهو بيشاور علىٰ الشاشة..

_يعني يا باشا.. الست اللي لقيناها ميتـة.. خرجت من المحل بعد ما اتقتلـت!.. 

وفي اللحظة دي.. تليفوني رن..

بصيت للشاشة.. رقم مجهول.. رديت وأنا بقول..

_أيوه.. مين معايا؟!.. 

جالي صوت ست هادي جدًا من الناحية التانية..

_مساء الخير يا كريم باشا.. أتمنى تكون وصلت للجـثة التانية..

اتجمدت مكاني..

_إنتي ميـن؟!.. 

ضحكت ضحـكة خفيفة قبـل ما ترد..

_أنا صاحـبة الجثـة الأولى يا باشا.. وعندي ليـك مفـاجأة صغيرة..

سكتـت لحـظة.. وبعـدين قالت..

_أنـا لسـه عايشـة!.. 

وقبل ما ألحـق أرد.. قفـلت الخـط!.. 


تعليقات