رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثالث والعشرون
بدأت أجواء الدار تتغير كلياً.. نسمات الفرح والسرور علت في أرجاء النجع كله، والتحضيرات لفرح «منصور وزينب» و«يونس وغالية» دخلت في الجد. الدار بقت ملء السمع والبصر، والستات رايحة جايّة بتجهز الأكل والفرش، وكل يوم بالليل تطلع أصوات الدفوف والزغاريد.
وفي وسط الزحمة دي، كانت «راوية» بتعيش طعم تاني خالص؛ البنات (غالية وزينب وكريمة) أخدوها في صفهم وطبطبوا عليها، وساعدوها تخرج من الخنقة وعقدة أمها (نعمة) اللي ربتها زمان على أنها وحشة وما تستاهلش. بدأت راوية تأخد بالها من نفسها وتضحك من قلبها، وحست بندم كبير أنها كانت ظالمة غالية في يوم من الأيام، وبدأت تندمج معاهم وتدوق طعم اللمة والفرح الحقيقي.
أما في الجهة التانية من الدار.. فكانت الأجواء عبارة عن كتمة وقهر!
في أوضة «سمر»، كانت قاعدة لوحدها، وفي أوضته التانية كان «رجب» قاعد لوحده.. هما وإن كان اتكتب كتابهم، بس لسه الفرح الكبير ما جهزش، وكل واحد فيهم في أوضته مش طايق التاني ولا طايق نفسه، وكل همهم وبيفكروا فيه: إيه اللي جاي، وإزاي حياتهم بقت بالسوء ده!
وفي الوقت ده، كانت «نعمة» حاولت تروح لجوزها عبد الرحيم عشان ترجع جناحها، لكنه طردها بكل قسوة وعنف، وخرجت دموعها وهي سامعة كلامه القاسي لما قال لها:
ـ «إيه اللي جابك هنا يا ولية؟! غوري من قدامي.. تروحي تقعدي جنب بنتك هناك في الأوضة بتاعتها لحد ما الأسبوع ده يعدي ويتجوزوا ويغوروا في داهية! وإياكي.. إياكي تعملي حركة كده ولا كده أنتِ وبنتك، عشان أيامك بدأت في العد التنازلي معايا يا نعمة!»
حست نعمة إن جوزها اتغير 180 درجة وبقى كارهها ومستحملش حتى تبصله، فمكسورة الجناح راحت قعدت مع بنتها في الأوضة المكتومة، وهي حاسة إنها خلاص ضاعت؛ لا جوزها طايقها، ولا ابنها منصور بيكلمها، وبنتها اتحطت في البلوة دي، وقاعده مش عارفة تعمل إيه.
أما «وصال».. فكانت في جناحها فارة من كتر الغيظ والغل!
كانت مغلولة وهي شايفة ابنها رجب اتجوز سمر وكتب عليها، وحاسة إن كرامتها اتدمرت في التراب قدام صفية وغالية والكل. فضلت تلف حوالين نفسها زي المذبوحة، ومش طايقة نفسها، وبتغلي من جواها وهي بتفكر وتدبر لمكيدة جديدة تولع بيها الدار وترد بيها اعتبارها!
وفي جنينة الدار..
كان الصباح قد بدأ يلقي بخيوطه الهادئة، وكانت «غالية» واقفة بتسقي الورد بابتسامة هادئة على شفاها، منسجمة مع نسمات الهواء العليل.
اقترب منها «يونس» بخطوات هادئة، وفضل واقف ثواني بيبتسم وهو بيبص عليها وعلى الورد، وبعدها قال بصوت دافئ ونبرة كلها عشق:
ـ «عمر ما شفت ورد بيسقي ورد.. ده أنتِ وسط الورد أجمل ورده يا غالية!»
رفعت غالية عيونها ليه بكسوف وخطفات خفيفة، وابتسمت بحب وقالت بدلع عفوي:
– «كل ده يا يونس؟! ده عيونك هي اللي حلوة وقلبك هو اللي بيشوفني حلوة.»
مد يونس إيده ليها بابتسامة حانية وقال:
– «تعالي معايا.. نتمشى شوية، عايز أخدك بعيد عن زحمة الدار والناس.»
سابت غالية إيدها في إيده، وتمشوا سوا بهدوء لحد ما وصلوا لطريق الإسطبل. وأثناء ما هما ماشيين جنب بعض، بصت له بغمزة خفيفة وقالت بصوت هادي:
– «مالك يا يونس؟ حاسة إن في حاجة شاغلاك وعاوز تقولها.»
بص لها يونس بحيرة خفيفة وقال:
– «يعني.. حاجة صغيرة كده يا غالية.»
وقفت قدامه بلهفة وقالت:
– «خير يا حبيبي؟ قول سامعاك.»
اتنهد يونس وقال بنبرة عملية وهو بيبص في عيونها:
– «أنا هنزل مصر النهاردة عشيّة إن شاء الله.»
وقفت مكانه بصدمة، ووسعت عيونها وقالت باعتراض:
– «ليه؟! تنزل مصر ليه يا يونس وفي الوقت ده بالتحديد؟!»
كمل يونس بهدوء وهو بيحاول يطمنها:
– «أنتِ نسيتي أن من يوم ما جيت يا غالية وكل المشاكل دي ورانا؟! يا حبيبتي افهميني.. أنا بقالي هنا حوالي شهرين ما نزلتش وما شفتش شركاتي ولا الصفقات بنفسي، وكل الفترة اللي فاتت دي كنت بكتفي بالوكيل الإداري وهو اللي يبعتلي الورق، خلاص.. لازم أروح أطمن بنفسي على كل كبيرة وصغيرة هناك.»
وفي اللحظة دي، كانوا وصلوا عند الإسطبل. وقفت غالية باصة في الأرض ومكتفة إيديها وزعلانة، فراح يونس ناحية المكان المخصص للخيل، وطلع "نجمة" ودخل جنبها حصانه "أصيل"، وجه قدام غالية وبابتسامة مشتاق يخرجها من زعلها قال:
– «ايه.. مش هتركبي على نجمة؟! تعالي أما أركبك.»
بصت له بطرف عيونها، فحط إيده بحنان سندت عليه، وشالها بكل قوته وطلعها فوق ظهر "نجمة"، وبعدين نط بسرعة وركب فوق "أصيل". اتحركوا الاتنين ودخلوا الساحة المخصصة للخيل جوه الإسطبل، بيمشوا جنب بعض خطوة بخطوة.
بص لها يونس وهو ماشي جنبها ولاحظ سكاتها فقلق وقال:
– «مالك سكتِّ ليه يا غالية؟ وشك اتغير أول ما جبت سيرة السفر!»
بصت له بغصة في زلق حلقها وقالت:
– «ما فيش.. بس خلاص، ما عادش إلا يوم واحد بس على فرحنا يا يونس! حبكت يعني تسافر وتسبني قبلها بيوم؟! هو خلاص ما لقيتش غير الوقت ده؟!»
ابتسم يونس بمحبة وقال بصوت دافئ:
– «مالك قلقانة كده ليه بس؟ وكأنها أول مرة هسافر! اطمني.. أنا هروح أخلص كل شغلي هناك، وهتلاقيني راجع إن شاء الله عالفجر أو على بليل أكون عندك.»
وقفت غالية الخيل مكانها، وبصت له بعيون مليانة خوف وقالت بصوت مهتز:
– «بس أنا قلبي مش مطمن يا يونس.. مش عايزاك تسيبني وتفارقني حتى لو يوم واحد.. عشان خاطري يا يونس، وحياتي عندك تخليني أجي معاك، مش هو يوم واحد؟ أجي معاك بس يا يونس أشوف مصر، ومش مهم هقعد ومش همل أبدا، بس عشان خاطري.. أنت هتعرف أن أنا عمري ما طلعت برة الدار دي.. عمري! عشان خاطري.»
بص لها يونس بحيرة وقال:
– «بس كيف بس يا غالية؟! وهنا أهل البيت والتجهيزات.. أنتِ لسه عروسة!»
ردت عليه بابتسامة خطفت قلبه وهي بتقرب منه:
– «وأنتَ يعني.. أنتَ مش هتكون عريس؟ أنتَ عريس وأنا عروسة، وطالما مع بعضينا ما فيش حاجة هتضيع أبدا وما تقلقش كل حاجة جاهزة.. عشان خاطري يا يونس خدني معاك، ما تسبنيش هنا لوحدي.»
قالها باستغراب وهو بيبتسم:
– «لوحدك كيف؟! ده زينب وكريمة وراوية صحبتكم الجديدة، وأمي وأبوي وكله معاك هنا.»
هزت راسها برفض وقالت بلجاجة ودلع:
– «لأ.. ماليش دعوة، هم كلهم في كفة وأنتَ في كفة تانية، ما تسبنيش لوحدي تاني يا يونس.»
فضل يونس باصص لها بحيرة، وهي فضلت باصة له ومسبلة بعينيها برجاء ودلال. وفجأة.. نزلت من على ظهر "نجمة" بخفة، وشدت إيد يونس عشان ينزل معاها من على "أصيل". وقفت قدامه، ومن غير تردد فتحت إيديها وحضنته جامد، ونامت على صدره وهي بتهمس بصوت دافئ:
– «وحياتي عندك يا يونس ما تزعلنيش.. هتزعل الغالية حبيبتك؟»
حضنها يونس جامد باحتواء وهو بيتنفس ريحتها، وابتسم بحيرة وقال بصوت هادي:
– «يا مثبت العقل في الدين يا رب.. أمر لله، هاخدك وياي!»
قامت باعدة عنه بسرعة من حضنه من كتر الفرحة، وقالت بذهول وسعادة:
– «بجد يا يونس؟! بجد هاجي معاك مصر؟!»
بدأت تلف حواليه بسعادة طفولية وهي بتنط من الفرح، ضحك يونس على جنانها وقال وهو بيشاور لها بإيده:
– «يا رب سترك.. أنا متجوز طفلة ولا ايه؟! يلا يلا قدامي عشان تلحقي تحضري لك غيار كده ولا غيارين عشان تيجي معانا، وشوفي بقى هتقولي إيه للبنات!»
قالت بضحكة مبهجة وهي بتجري جنبه:
– «طوالي.. طيارة ما تقلقش!»
ورجعوا هما الاتنين سوا للدار، ضحكتهم مالية الدنيا وقلبهم سوا.
وفي الوقت نفسه..
كان «رجب» واقف في بلكونة الأوضة بتاعته، عينه راشقة عليهم وهما راجعين سوا، وشايف ضحكتهم وقربهم لبعض. حس بنار تشتعل في صدره، وضرب بإيده بغل على سور البلكونة وقال بصوت واطي ومليان حقد:
– «عَال والله يا سي يونس.. أنت تحب وتعشق وتضم وتاخد اللي عايزها، وتخلينا نتجوز غصب عني وأخد اللي بكرهها! بس والله لندمك يا يونس.. ما تبقاش أنت تاخد كل حاجة.. مال..»
وبص بعيون شريرة على غالية وهي ماشية جنبه، وكمل بغل:
– «..وحتى الجمال والحب كله والاحترام من الناس! صدقني يا ولد عمي.. نهايتك قربت قوي!»
وفي أوضة البنات..
كانت «غالية» واقفة قدام المراية بتظبط طرحتها على شعرها بحركات هادئة، ولابسة عباية رمادية بتجنن، مطرزة بتطريز رقيق على الأكمام، مفصلة على جسمها بشكل راقي بيزودها جمال وحضور.
كانت زينب وكريمة وراوية حواليها في الأوضة، وقفت «زينب» بغمزة ومشاكسة وهي بتقول:
– «أيوه بقى يا ست غالية! من جدك دلوقتي هتسافري مصر، وهتقعدي مع حبيب القلب، وتسيبينا هنا مطحونات في الشغل والتجهيزات؟!»
قاطعتهم «كريمة» بضحكة وهي بتقول:
– «حرام عليكِ يا زينب، سيبيها تطلع وتغير جو، دي عمرها ما طلعت برة الدار دي أصلاً، خليها تشوف الدنيا شوية.»
وافقتهم «راوية» بابتسامة دافية وقالت:
– «عند حق يا جماعة، والله كلنا طلعنا إلا هي.. روحي يا غالية وشوفي الدنيا، بس أبوس إيدك ما تنسيش تقولي لنا على كل حاجة بالتفصيل!»
ضحكت غالية بصوتها الجميل وقالت بدلع:
– «بس كده؟! من عيوني الاثنين، ده أنتم تؤمروا أمر!»
وفي الدور الأرضي..
كان «يونس» واقف قدام أبوه الحاج نعمان، والحاجة صفية، ومنصور، وحمزة.
بلّغهم يونس بقرار سفره لمصر، وفي نفس الوقت بص لمنصور وقال:
– «وأنا كمان يا منصور، كنت بفكر..»
قاطعه منصور بابتسامة وثقة وهو بيحط دراعه على كتف حمزة وقال:
– «عارف يا يونس.. أنا كمان هطلع على الأرض اللي في الجنوب عشان أخلص الورق والشغل اللي كان واقف هناك بقاله فترة.»
وبص لـ حمزة وكمل بامتنان:
– «ومعلش يا اخوي يا حمزة، هنتقل عليك؛ هتفضل هنا عشان تباشر التجهيزات والحاجات الأخيرة دي.»
هز حمزة راسه بحب وقال بلا تردد:
– «لأ ولا تقل ولا حاجة يا اخوي، بكره الأيام دوارة.. زي ما أنا دلوقتي هباشر تجهيزات فرحكم إن شاء الله، عن قريب تباشروا أنتم كمان تجهيزات فرحي!»
ضحك الكل على كلامه، فقالت الحاجة صفية بابتسامة خبيثة ومشاكسة:
– «مستعجل أنت قوي على الجواز يا حمزة.. تكون حاطط عينك على بنية وأنا ما أعرفش يا ولدي؟!»
ضحك حمزة بعفوية وقال:
– «منين بس ياما؟! هو أنا بلقى وقت أصلا؟! أنا كل شغلي إني أروح الغيط وأجي أشوف المصايب اللي بتحصل هنا في الدوار!»
ضحك الحاج نعمان بصوت عالي وقال:
– «طول عمرك يا ولدي لسانك متبري منك!»
هنا اتكلم يونس باهتمام وقال:
– «طيب يلا بينا نتغدى سوا، عشان الحق أطلع أنا وغالية.. مش عايز أمشي بالليل، هتحرك في النور عشان غالية معايا.»
قام منصور وهو بيقول:
– «ربنا يستر طريقك يا اخوي.. أنا كمان هطلع لزينب أقولها وأجهز.»
وفعلاً، طلع منصور على أوضته، ولقى «زينب» بتظبط حاجاتها، فنادي عليها بحب:
– «تعالي يا زينب، عاوز أوريكِ حاجة.»
بصت له باستغراب وهي بتقرب منه:
– «فين يا منصور؟ في إيه؟»
فتح دولابه وطلع علبة مخملية فاخرة مصنوعة من القطيفة الزرقاء الغامقة، وفتحها قدام عيونها لتلمع جواتها قطعة مجوهرات مبهرة.. «عقد من الألماس الخالص».
فتحت زينب عيونها بذهول ودمعت من الفرحة وقالت بصوت مهتز:
– «دي.. دي ليا أنا يا منصور؟!»
فرد عليها بابتسامة واسعة وعيون مليانة حب:
– «أمال إيه.. دي لزينب البنات كلاتهم.. دي أنتِ ست البنات يا زينة!»
قالت وهي بتعيط من التأثر:
– «ما اتحرمش منك أبدا أبدا يا منصور.. طول عمرك فاكرني ومش ناسيني، تعيش وتجيب لي.. بس دي تكون غالية عليك قوي!»
قرب منها بحنان وقال:
– «ما فيش حاجة تغلى عليكِ يا زينب.. وعليّ الطلاق تستهلي أكتر من كده.»
قربت منه بكسوف وقالت بدلع:
– «طب.. طب لفني البسهولى.»
لف وراها وبحركة رقيقة لبسها العقد، وبص في عيونها وكمل بكلام هادئ:
– «على فكرة يا زينب.. أنا هروح الأرض اللي في الجنوب، وممكن أجي بكره أو بعده بالكتير قوي، عشان أخلص الورق المعطل هناك.»
اتغيرت ملامح زينب وقالت بزعل لطيف:
– «مالكم أنتم الإثنين أنت ويونس؟! ما لقيتوش إلا اليومين دول.. قبل الفرح بيوم واحد ورايحين تهملونا وتمشوا؟! طيب غالية راحت مصر مع يونس، أنا أجي معاك فين وسط الجراد (الصحراء/المنطقة النائية) اللي هناك دي؟!»
ضحك منصور وحضنها بحنان وقال:
– «يا بت ده أنا بيني وبين الأرض اللي في الجنوب ساعة واحدة! أنا ممكن أروح الصبح وأجي عشية (على المغرب).»
قالت بقلق وهي متمسكة بيه:
– «طب ما تعوقش هناك بقى.. ما عايزاك تبعد عني يا منصور.»
بص في جبهتها وباسها بحب وقال:
– «أنا ما هقدرش أصلًا أبعد عنك يا زينب.. ما تقلقش، عليا الحرام هروح بكره الصبح وأجي عشيّة، مش هبات كمان يا ستي!»
قالت بصوت دافئ وهي بتتنفس الصعداء:
– «ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبدا.»
وبعد دقائق، اجتمع الكل على السفرة لتناول الغداء، والأجواء كانت متباينة بين الفرحة والسفر والتحضيرات.
وفي وسط السكون ده، رن تليفون «رجب» بنغمة رسالة قصيرة. طلع التليفون من جيبه ببرود، فتح الرسالة وقراها بسرعة.. ومباشرة قفل الشاشة، وقام وقف ونحنح بجمود وهو بيبص للحاج نعمان والكل وقال:
– «عن إذنكم يا جماعة.. أنا طالع أوضتي عشان عايز أريحلي شوية.»
مشى رجب وطلع درجات السلم بخطوات سريعة لحد ما دخل أوضته وقفل الباب وراه. مسك التليفون تاني، وطلب الرقم اللي بعت له الرسالة، وبمجرد ما الطرف التاني رد، رجب رد في التليفون بجمل خفيفة ومقتضبة، وبعد ما قفل المكالمة، ارتسمت على شفايفه ابتسامة جانبية خبيثة مليانة غل وشر وهو بيهز راسه بتشفي.
وفي نفس الوقت، تحركت العربية بـ «يونس وغالية» وخرجت من بوابات الدار متجهة لطريق القاهرة. غالية كانت قاعدة جنب يونس، مسكة في دراعه ونايمة برأسها على كتفه وهو بيسوق بهدوء وتركيز. لاحظ أنها بتغفو، فبص لها بحب وقال بصوت دافئ:
– «غالية.. يا غالية.»
فتحت عيونها بنعس وقالت:
– «ها.. أيوه يا يونس، وصلنا؟»
ابتسم وقال بحنان:
– «للا.. ما وصلناش لسه، بس هنقف هنا على الطريق ناكل ونشرب حاجة وأريح شوية.»
وقف يونس العربية عند استراحة ومطعم فخم على الطريق، ونزل هو وهي. مسك إيدها ودخلوا المطعم، فلفت نظر غالية زحمة المكان والناس اللي قاعدة، بصت حواليها بدهشة وقالت باستنكار عفوي:
– «واه.. هي الناس دي كلها قاعدة بتعمل إيه هنا كده؟! سايبين بيتهم عشان يجوا ياكلوا في المطاعم؟!»
ضحك يونس بصوت عالي على براءتها وقال:
– «يا حبيبتي في ناس بتبقى على طريق سفر، وفي اللي حابب يغير جو ويخرج.»
ردت بتلقائية وصدمة صعيدية:
– «واه واه واه..»
وفجأة فضلت باصة على الستات حواليها وهما قاعدين بشعرهم وملابسهم المكشوفة، وقالت بصدمة وهي بتشد على إيد يونس:
– «واه واه واه.. هي الحريم دي قاعدة كيفك كده؟! مبينين لحمهم للناس عادي كدة عيني عينك؟! وشوف رجالتهم قاعدين وياهم كأنهم كيس جوافة يا يونس!»
ضحك يونس جامد وقال:
– «للا.. ده لسه حاجة بسيطة، أومال لما تروحي مصر هتشوفِي العجب!»
بصت له بنص عين وقالت بغيرة طفولية:
– «هو أنت متعود تشوف المناظر دي يا يونس؟!»
رد بسرعة وبراءة وهو بيضحك:
– «أومال إيه.. بحكم الشغل والسفر!»
قالت بعند ودلع:
– «عشانك ده كنت بتغيب علينا بالشهور!»
قال وهو بيمسك إيدها ويطمنها بحب:
– «للا.. أوعي تفهمني غلط، أنت عارفاني.. ما حبتش قدك خالص، وعينيا ما بتشوفش غيرك أنتِ وبس!»
بصت تاني على الستات حواليها وقالت بغيرتها الجميلة:
– «غيري بقى ده.. ده كيف العرايس الحلاوة اللي متزينين لأي حد يجي ياخد حتة منهم!»
ضحك يونس بقوة وقال:
– «أوبا عليكِ.. هنفضل واقفين كده؟ يلا نقعد ناكل بقى!»
قالت برفض وتمنع:
– «للا.. والله ما أقعد آكل وسط ناس زي دي! هات الأكل وناكله في العربية أحسن.»
استسلم لطلبها ودلعها وهو بيبتسم بحب وقال:
– «طيب تعالوا وياي أما نطلب الأكل.. عيون ليكِ يا ستي!»
طلبوا الأكل وخدوه وركبوا العربية، وقعدوا ياكلوا وسط ضحكاتهم وأجوائهم الخاصة. بص لها يونس بحب وقال:
– «مبسوطة يا غالية؟»
بصت له ولمعة السعادة في عيونها وقالت:
– «مبسوطة بس؟! صحيح لسه النهار ما طلعش ولا شفت حاجة، بس كفاية عليّ إنك معايا وجنبي.. قاعدة أهو أنا وياك وركبت عربية والدنيا ضحكت لي!»
مال يونس عليها بحنان ومسك إيدها وباسها برقة، وقلبهم بينبض بالفرحة.
وفي نفس اللحظة.. في الدوار.
وقفت «زينب» عيونها مليانة قلق وخوف وقالت:
– «هتروح لوحدك دلوقتي يا منصور؟! مفيش دعي للمغامرة دي!»
تقدم «عبد الرحيم» وقال بجمود:
– «أنا هاجي معاك يا ولدي.»
لكن «حمزة» قطعه بسرعة وهو بيقرب وقال:
– «لا.. خليك أنت يا عمي، أنا هاجي وياك أنا يا منصور.»
قطع كلامهم «منصور» بحزم وهو رافض تماماً:
– «محدش فيكم هيتحرك من هنا.. أنا هاخد أيمن ومعنا رجالة الدار، هشوف بس مين اللي عامل مشاكل هناك وراجع على طول، مش هتأخر.»
بصله أبوه الحاج نعمان بحكمة وقال:
– «خلي بالك على نفسك يا ولدي، وعينك في وسط راسك.»
وفي اللحظة دي، كانت «نعمة» قاعدة على جنب، بصت له بكسرة وعيون دامعة وقالت بصوت مهتز:
– «خلي بالك على نفسك يا ولدي.. ربنا يحرسك.»
بصلها منصور بطرف عينه من غير ما ينطق بكلمة واحدة، وبعدها لف وخرج بخطوات سريعة. جريت وراه «زينب» وهي متمسكة بيه وقالت بصوت مليان رجا:
– «ابقى طمني عليك يا منصور.. ولما أتصل عليك ترد عليّ بالله عليك!»
قالت عليه دعاء الاستوداع لحد ما ركب عربيتهم وانطلق. وأول ما تحرك، طلع تليفونه وكلم «أيمن» وقال بسرعة:
– «ألو يا أيمن.. تعالي قابلني وهات تلاتة رجالة معاك عشان هنروح الأرض الجنوبية دلوقتي.»
سكت شوية وهو بيسمع رد أيمن، ورجع قال له:
– «هناك بس كده فيه ناس عاملة مشاكل.. هنروح نشوف الوضع ونرجع طوالي إن شاء الله.»
سأله أيمن باهتمام:
– «أقول ليونس يا منصور؟»
رد عليه بحسم:
– «للا.. ملوش لزوم، هو يا دوب لسه ع الطريق وما وصلش حتى مصر، بلاش نشغله.»
وفي أرض الجنوب..
كان «منصور» وصل هو وأيمن والرجالة، وأول ما قربوا من مساحة الأرض، شافوا منظر مقلق؛ ناس غريبة وعمال الأرض واقفين بيتشاكلوا بصوت عالي، وفي ناس بتحاول تشتبك بالأيدي.
تقدم منصور بخطوات واثقة وصوت عالي هادر قال:
– «هو في إيه يا رجالة؟! إيه اللي حصل هُنا؟!»
تقدم واحد من الناس الغريبة وقال بغضب وعين شريرة:
– «يا أستاذ منصور.. رجالتك قفلوا علينا الماية بتاعة المجموعة بقالهم يومين، والزرع بتاعنا نشف وعندنا فدادين والزرع كله باظ!»
رد أيمن بسرعة ورفض:
– «كيف كده يعني؟! استحالة حد من رجالتنا يعمل كده أبدا!»
رد واحد تاني من الطرف التاني وقال بحدة:
– «هو ده اللي حصل وإحنا دلوقتي جايين ناخد حقنا تمن زرعنا اللي مات!»
قال منصور بصوت حازم وثابت:
– «يعني عاوز إيه دلوقتي يا راجل أنت؟!»
قال كبيرهم بطمع وتحدي:
– «محاصيلكم اللي هناخدوها إحنا.. بدل محصولنا اللي أنتم بوظتوه!»
تعالت نبرة منصور بغضب وقال:
– «إيه الكلام اللي بتقوله ده؟! عاقل كلامك يا راجل أنت وخليك عاقل!»
هز الراجل راسه وقال بتوعيد:
– «هو ده اللي عندنا يا أستاذ منصور.. وإذا كان عاجب، ولو ما كانش عاجب..!»
وفجأة.. طلعوا سلاحهم ورفعوه في وشهم!
وقف منصور قدامهم بثبات وقال بصوت قوي:
– «أنتم مش قد اللي بتعملوه ده ويانا.. أنتم نسيتم إحنا مين وعيلة مين؟! وعمرنا ما جينا على حد بالباطل.. اسمعوا واتكلموا بالعقل ونزلوا أسلحتكم يا رجالة!»
لكن واحد من الطرف التاني قال بغضب أعمى:
– «للا.. ما هنزلناش!»
وفجأة.. ضرب طلقة في الهوا!
مستحملش رجالة منصور الموقف، وطلعوا أسلحتهم فوراً وابتدوا يردوا ويطلقوا النار في الهوا لردعهم.
كان منصور بيحاول يسيطر على الوضع ويصرخ في الكل عشان يهدوا، وأيمن واقف جنبه بيحاول يبعد الرجالة عن بعض ويمنع الاشتباك.
وفجأة.. وسط دوي الرصاص والاشتباك، انطلقت طلقة غادرة من وسط الزحمة، اخترقت الهوا في لحظة خاطفة، وبعدها مباشرة دوّى صوت صرخة مدوية وسط المكان!
اتلخبطت الصفوف، والرجالة بصوا حواليهم في ذهول، بينما ارتفع صوت أيمن بفزع وهو بيصرخ:
ـ «منصووووور!!»
وفي لحظة واحدة، اتجمدت الدماء في عروق الكل، واتجهت الأنظار ناحية مكان سقوط أحدهما على الأرض، وسط صرخات الرجالة ودوي الرصاص اللي لسه ما وقفش!
يا ترى مين اللي أصابته الطلقة؟ منصور ولا أيمن؟ وهل الإصابة خطيرة؟ وهل رجب هو اللي دبّر كل اللي حصل في أرض الجنوب عشان يبعد منصور عن الدار؟
وهل يونس هيوصل له خبر اللي حصل قبل ما يرجع من مصر؟ وإيه اللي مستنيه لما يعرف إن عيلته بقت في خطر؟
