رواية ديون النبض الفصل الثاني والستون
بصيت لمجد وأنا مش مستوعبة إزاي يقدر ياخد القرار ده ويبعد عمر عني مرة تانية.
بصلي وقال بحسم:
مجد: ده آخر قرار عندي يا وعد. أنا نبهت عليكي أكتر من مرة، وإنتِ مفيش حاجة تقريبًا ما قصرتيش فيها. قصرتي في حقك، حق نفسك، وفي مذاكرتك وصحتك.
سكت لحظة، وبعدها كمل:
مجد: وقصرتي معايا أنا كمان. أنا حاسس إن حياتي واقفة عند نقطة واحدة، وهي اهتمامك بعمر وبس. بعد إذنك يا وعد، عمر هيكون مع جدته وهيكمل حياته معاها، وإحنا حياتنا لازم تمشي بشكل طبيعي. مش هينفع حياتنا كلها تبقى عمر وبس.
بصيت له وسكت، ما كنتش قادرة أتكلم ولا حتى أستوعب كلامه، لكنه كمل:
مجد: واعملي حسابك، إحنا مش هنقعد في مصر. كلها شهرين تلاتة والسنة دي تخلص، وهنرجع ألمانيا. أنا هكمل حياتي هناك، وإنتِ كمان هتكملي دراستك هناك، علشان تقدري تركزي في أهدافك وطموحاتك.
فضلت باصة له من غير ما أرد. حسيت إني مش قادرة أجادله ولا عندي طاقة أدخل معاه في نقاش تاني.
دخلت الأوضة وخدت عمر في حضني، وفضلت أبكي بشدة. كنت خايفة فعلًا إن مجد يغضب مني وينفذ قراره ويرجعه لماما جيهان.
في اليوم ده كنت تعبانة جدًا، ومش قادرة أستوعب كل اللي بيحصل حواليا. فضلت جنب عمر، حاضناه ومش عايزة أبعد عنه، لحد ما غلبني النعاس ونمت.
بعد فترة، دخل مجد الأوضة. ولما شافني نايمة، بصلي وسكت، وبعدها قال للدادة:
مجد: جهزي عمر، علشان هترجعوا الفيلا.
وفعلًا، الدادة جهزت عمر وأخدته ورجعوا بيه لجدته، وسابوني نايمة من غير ما أحس بحاجة.
بعد حوالي تلات ساعات فتحت عيني، وأول حاجة عملتها إني بصيت جنبي أدور على عمر، لكن ما لقيتوش.
قمت من السرير وخرجت من الأوضة، وفضلت أدور عليه وعلى الدادة، لكن في اللحظة دي حسيت إن قلبي وقف.
مجد أخد عمر ورجعه لدكتورة جيهان، ونفذ قراره فعلًا.
أخده مني بدون ما أشوفه وأخذه في حضني...
حسيت إني مش قادرة أتحمل، نزلت لماما وياسين وفضلت أبكي بشدة.
كانوا عارفين أنا قد إيه بحب عمر، لكن في نفس الوقت كانوا ملاحظين إني بقيت مقصرة في حق نفسي، وفي دراستي، وحتى في حق مجد.
ماما قربت مني وقالت بهدوء:
ماما: اهدي دلوقتي يا وعد. في الأول والآخر، مجد عايز مصلحتك، وإنتِ عارفة هو قد إيه بيحبك. إنتِ ما بقيتيش بتفكري في نفسك خالص.
بصيت لها وسكت شوية، وبعدها قلت بوجع:
وعد: إنتوا اللي مش قادرين تفهموا إن عمر محتاجني أنا.
هو فاقد أمه، ومجد مش بيهتم بيه بالشكل اللي المفروض يهتم بيه. المفروض ياخد باله منه أكتر من كده، لكن أنا كمان مش هقدر أقصر في حقه.
كل ما عمر بيكبر، كل ما بيتعلق بيا أكتر وأكتر، وأنا مش هينفع أسيبه. أنا لازم أروح له.
في اللحظة دي دخل مجد، وماما بصتلي بسرعة وكأنها بتطلب مني أسكت، وبعدها قالت:
ماما: وعد، طب يلا نقوم نتغدى كلنا مع بعض. إحنا بقالنا كتير ما اتجمعناش ولا اتغدينا سوا. ورغد وحازم وحور هما كمان نازلين دلوقتي، وهنقعد كلنا مع بعض.
بصيت لها وسكت، وفضلت قاعدة مكاني من غير ما أتكلم.
حاولت أتماسك، لكن ما قدرتش. قمت وسيبتهم وكنت لسه هتحرك، لقيت مجد بيبصلي وسألني:
مجد: رايحة فين؟
وعد: ماليش نفس، مش عايزة أتغدى.
مسكني من إيدي وقال:
مجد: اقعدي يا وعد، نتغدى مع بعض.
وبعدها بدأ يتكلم معايا بنبرة باين فيها الضيق:
مجد: حتى قعدتنا مع بعض بقيتي مش مهتمة بيها زي زمان. بقيتي مقصرة في حق نفسك وبس، ومقصرة في حق الكل. كل ده علشان عمر! لحد إمتى هتفضلي تفكري في عمر وبس؟
بصيت له وقلت بعصبية:
وعد: لأنه محتاجني أنا، إنت اللي مش قادر تفهم ده!
بصلي وقال:
مجد: عمر مش ابنك يا وعد!
صرخت في وشه وقلت:
وعد: لأ، عمر ابني أنا! سارة سابتهولي وأمنتني عليه، إنت اللي مش قادر تفهم!
قرب مني وقال بحزم:
مجد: عمر مش ابنك، ولا عمره هيكون ابنك. إنتِ اللي لازم تفهمي ده كويس.
ومن هنا ورايح هتنفذي اللي أنا عايزه. مش هينفع تفضلي تعاندي وتجادلي كل مرة. أنا كل مرة بعدّي وبسكت علشان ما أزعلكيش، لكن الظاهر إنك اتعودتي على كده. اتعودتي إني ما بقدرش أزعلك، لكن صدقيني يا وعد، مش هينفع المرة دي.
سكت لحظة، وبعدها كمل:
مجد: أنا حاسس إن حياتي واقفة، وإنتِ اللي موقفاها. بقيت حاسس إن عمر حاجز بيني وبينك. إنتِ مقصرة في كل حاجة، في حق نفسك ومذاكرتك، وحتى في حقي أنا. من هنا ورايح مفيش عمر تاني، وأنا خلاص رتبت كل حاجة بعد آخر السنة الدراسية، وهنسافر ألمانيا.
بصيت له نظرة طويلة، وبعدها سبتهم وطلعت الشقة.
دخلت الأوضة وقعدت على السرير، وفضلت أبكي بشدة. كنت حاسة إن كل حاجة بتتبعد عني، وإن مجد مصمم ياخد مني عمر مهما حاولت أشرح له أنا قد إيه محتاجاه.
في الوقت ده كانت رغد وحازم نزلوا، ومجد كان على آخره، وياسين بيحاول يهديه ويقوله:
ياسين: ما ينفعش تعاند إنت كمان وتتعامل مع وعد بالطريقة دي. إنت عارف هي قد إيه بتحب عمر، ما ينفعش تحرمها منه بالشكل ده.
مجد رد عليه بضيق:
مجد: أعمل إيه يا بابا؟ إنت شايف وعد؟ شايف حالتها عاملة إزاي؟ ما بتهتمش بنفسها ولا بصحتها ولا بمذاكرتها. أنا اتعصبت، والقرار اللي أخدته ده لازم تتعود عليه. لازم تفوق لنفسها شوية، وتفوق لأهدافها وطموحاتها وحياتها.
فضل مجد معاهم فترة طويلة، وأنا كنت حاسة إني مش قادرة أفضل قاعدة مكاني.
غيرت هدومي، ومسكت التليفون واتصلت بماما جيهان.
أول ما ردت سألتها:
وعد: عمر عامل إيه؟
سكتت لحظة وقالت:
د. جيهان: كويس يا وعد.
لكن أنا كنت سامعة صوت عمر وهو بيبكي بشدة من بعيد. ما قدرتش أتحمل، وقفلت المكالمة، وبعدها قفلت التليفون خالص.
لبست هدومي وخرجت من الشقة من غير ما أقول لحد، وسيبت التليفون في البيت علشان محدش يرن عليا أو يعرف يوصل لي.
رحت فيلا ماما جيهان.
أول ما دخلت كنت بتدور على عمر، والدادة كانت شايلَاه. أول ما شافني، مد إيده ناحيتي ورمى نفسه عليا لدرجة إنه كان هيقع من إيد الدادة.
جريت عليه وأخدته في حضني، وفضلت أضمه لصدري وأنا بقول له:
وعد: مش هسيبك يا عمر، مهما حصل مش هسيبك.
فضلت حاضناه، وبعدها أخدته وطلعت بيه فوق الأوضة.
الوقت بدأ يتأخر، والساعة عدت حداشر بالليل.
في الوقت ده كان مجد طلع الشقة، وكان فاكر إني في أوضة النوم وقاعدة لوحدي. دخل الأوضة وفتح الباب، لكنه ما لقانيش.
فضل يدور عليا وينادي باسمي في الشقة، لكن ما سمعش أي رد.
اتصدم لما اكتشف إني مش موجودة، مسك تليفونه وفضل يتصل بيا، لكن التليفون كان غير متاح.
ديون النبض 🫀
بقلم الكاتبة مروة صياح 🎯✍️
في الوقت ده، كانت رغد طلعت شقتها قبل ما مجد يطلع بحوالي ساعة تقريبًا.
مجد خرج من شقته وراح لشقة رغد، وخبط عليها. أول ما فتحت له سألها:
مجد: وعد مش عندك؟
رغد بصت له باستغراب وقالت:
رغد: لأ، مش عندي. أنا ما رحتش لها، وقلت أسيبها براحتها، يمكن مش عايزة تتكلم مع حد أو تضايقها بالكلام.
ما ردش عليها، وتحرك بسرعة ورجع شقته. دخل غير هدومه، وكان فاهم كويس إن أنا أكيد رحت لعمر.
ركب عربيته وساق بسرعة لحد ما وصل الفيلا، وأول ما دخل سأل ماما جيهان عني.
د. جيهان: وعد فوق.
بص لها بتعب وقال:
مجد: يعني أنا أعمل إيه يا دكتوره جيهان؟ أنا تعبت. لحد إمتى هفضل عايش بالوجع ده؟
بصت له وقالت:
د. جيهان: ما تحرمش ابنك منك يا مجد.
مجد: وإذا كان ابني ده حرمني من حياتي، وحرمني من زوجتي، وحرمني إني أعيش مرتاح، أعمل إيه؟ أنا تعبت.
هفضل طول عمري عايش في الوجع ده لحد إمتى؟ كل ما أقرب منه وأشوف اهتمام وعد بيه، أفتكرك وأفتكر تقصيرك معايا. مش قادر أنسى.
ماما جيهان بصت له وفضلت تبكي، وبعدها قالت:
د. جيهان: على الأقل الوجع اللي إنت كنت بتحسه، ما تحسسش عمر بيه. هو لسه صغير ومش فاهم، لكن مع الوقت هيكبر ويحس فعلًا إن أبوه بعيد عنه. وساعتها هيبقى لا عنده أم ولا أب يا مجد.
بص لها وسكت.
وفي اللحظة دي قرب منها وقال بصوت مكسور:
مجد: يا أمي، أنا تعبت. أنا نفسي أعيش مرتاح زي أي حد.
ماما جيهان وسعت عينيها، وبصت له كأنها مش مصدقة إنها سمعت الكلمة دي منه.
د. جيهان: مجد... إنت قلت إيه؟
قرب منها وقال:
مجد: أنا نفسي أرتمي في حضنك، وتضميني وتحسسيني فعلًا إنك أمي. إنتِ فاكرة إني مش نفسي أقرب منك؟ أنا نفسي كمان أخد عمر في حضني، ونفسي أحس إنه ابني وأعيش معاه زي أي أب وابنه. لكن مش قادر أداوي جرح قلبي اللي لسه بيوجعني.
ماما جيهان أخدته في حضنها وقالت له:
د. جيهان: قولّي يا مجد، قولّي يا حبيبي... أنا سامعاك.
بصلها، ومسك وشها بين كفوفه، وقال وهو باصص في عينيها:
مجد: وحشتيني أوي يا ماما. كان نفسي في حضنك من زمان. أنا نفسي أرتاح، نفسي الوجع اللي في قلبي ده يتشال. كفاية اللي حصل، أنا مش قادر. حاسس إني تعبان وموجوع، ومش عايز ابني يحس بالوجع اللي أنا حاسه.
أخدته في حضنها وفضلت تطبطب عليه، وبعدها قالت له:
د. جيهان: مجد، علشان خاطري، أنا عارفة إن وعد ممكن تكون قصرت في حاجات كتير بسبب عمر، لكن هي بتحبه فعلًا.
وأنا ما أقدرش ألومها على حبها ليه، ولا ألومها على قلبها اللي بيحس بغيره.
لكن إنت كمان بدل ما تلومها، اسندها وخليك جنبها. قوّيها وادعمها بدل ما تبعد عنها. هي مش بتعمل حاجة غلط، بالعكس، يا ريت كلنا نبقى زي وعد، ويا ريت كلنا نحس بقلوب غيرنا زيها.
مجد بص لها وابتسم، ومسك إيديها. ولأول مرة، وطّى على إيدها وحط عليها قبلة طويلة.
ماما جيهان طبطبت عليه وقالت:
د. جيهان: اطلع لوعد فوق يا مجد.
وفعلًا طلع.
كنت قاعدة وشايلة عمر في حضني، وبحاول أهديه، لحد ما الباب اتفتح وظهر مجد.
أول ما شافني، حسيت من نظراته قد إيه أنا وحشاه، وقد إيه هو مشتاق لي. وكان واضح إنه بدأ يفهم إن مهما عمل، مش هيقدر يبعدني عن عمر بالشكل اللي كان متخيله.
قرب مني وناداني:
مجد: وعد.
بصيت له وسكت، وبعدها قلت بوجع:
وعد: عايز إيه يا مجد؟ إنت مش بعدت عمر عني؟ أنا سبت لك بيتك، ومش عايزة أعيش معاك. هعيش هنا مع ماما جيهان. وأنا مش عايزاك يا مجد. إنت تقدر تحب تاني وتتجوز حد تاني، لكن أنا مش هقدر أخون الأمانة اللي سارة سابتهالي.
أنا بعتبر عمر ابني أنا، حتى لو مكتوب في شهادته إنه ابن سارة، مش ابن وعد.
قرب مني والدموع بدأت تنزل من عينيه، وقال:
مجد: ياه وعد، للدرجة دي عايزاني أبعد عنك؟ إنتِ ما بقيتيش بتحبيني زي الأول؟
بصيت له، ودموعي نزلت أنا كمان، وقلت:
وعد: لأ يا مجد، بالعكس. أنا كل يوم بحبك أكتر من اليوم اللي قبله. بس أنا كمان نفسي أعيش مرتاحة معاك. نفسي أحس إنك مش عايش في ألم ووجع طول الوقت. كل ما أقول إنك بقيت مرتاح، بحس إنك بترجع تاني لنفس الوجع، وكأنك بتزود تعبك بإيدك.
بصلي وقال:
مجد: هتبعدي عني يا وعد؟ عايزاني أحب غيرك؟ عايزاني أشوف حد يملأ مكانك؟ لا يا وعد، أنا عمري ما شفت حد غيرك.
عيني ما شافتش غيرك، وقلبي ما حبش غيرك. إنتِ اللي دخلتي قلبي، وأنا مش عايزك تبعدي عني.
سكت لحظة، وبعدها قال:
مجد: خلاص يا وعد، هنفتح صفحة جديدة. هنبدأ من الأول.
بصيت له باستغراب وقلت:
وعد: يعني إيه؟
اتنهد وبعدها قال:
مجد: يعني خلاص، هعيش مع ماما تحت. هنفضل هنا، ونقضي الويك إند في شقتنا هناك مع ياسين ورغد وحازم وماما.
بصيت له وأنا مش مصدقاه، وقلت:
وعد: لأ، إنت بتضحك عليا. إنت مش هتنفذ الكلام ده.
بصلي وقال:
مجد: والله العظيم أنا تعبت يا وعد. تعبت من الوجع اللي أنا فيه، وفهمت إني أنا كمان اللي بتعب نفسي. أنا خلاص سامحت أمي من كل قلبي.
بص ناحية ماما جيهان، وبعدها قرب منها وقال:
مجد: يا أمي...
ومسك إيديها، وكمل كلامه:
مجد: أنا فعلًا ما بقيتش قادر يا وعد. ما بقيتش قادر أحارب نفسي، ولا أحاربكم، ولا أحارب أي حاجة.
أنا عايز أفضل معاكي، وعايز عمر يكون في حضني زي ما إنتِ عايزة. بس إنتِ كمان تاخدي بالك من نفسك ومن صحتك ودراستك.
بصيت له وعيني دمعت، وابتسامة صغيرة بدأت تظهر على وشي.
وعد: صدقني يا مجد، أنا وعدك إني هاخد بالي من كل حاجة. هرجع زي الأول، ومش هقصر معاك، ولا مع نفسي، ولا في مذاكرتي تاني.
ومن الليلة دي، فعلًا بدأت أنا ومجد نعيش في الفيلا مع ماما جيهان.
كنت حاسة إن حياتي بدأت ترجع لطبيعتها من جديد. بدأت أجتهد وأذاكر زي الأول، وأهتم بنفسي وبصحتي، وأهتم بمجد كمان.
كنت حاسة بسعادة غريبة وراحة بال، وكنت بشوف أثر ده في عيون مجد وماما جيهان.
وكنا كل أسبوع بنروح نقضي الويك إند مع حازم وياسين ورغد وماما. حور كانت بتكبر، وعمر كمان كان بيكبر قدام عيني.
خلصت سنة سادسة، وبدأت سنة الامتياز، وكنت بجتهد وبحاول أوازن بين حياتي ودراستي ومسؤولياتي. ومش بس كده، بدأت أساعد مجد في المستشفى كمان.
حياتنا رجعت زي الأول، ويمكن أحسن.
ومع مرور الوقت، وبعد سنتين، كان عمر كبر، ومجد بقى يقرب منه ويهتم بيه زي ما كنت بتمنى، ويمكن أكتر كمان.
أما أنا، فكنت خلصت سنة الامتياز، وبدأت أفكر أنا ومجد في إننا نجيب طفل كمان، خصوصًا بعد ما عمر كمل السنتين، واطمنا عليه.
لكن في يوم من الأيام، صحيت على صوت عمر وهو بيصرخ بشدة.
قمت من مكاني بسرعة وجريت عليه، لقيت جسمه سخن جدًا، وكان بيرتعش من البرد بالرغم من إننا في عز الحر!
ديون النبض 🫀
بقلم الكاتبة مروة صياح 🎯✍️
قربت من عمر وضمّيته لحضني، وبدأت أفحصه وأطمن على حالته. لكن مع كل لحظة كانت بتعدّي، إحساسي كان بيأكد لي إن تعبه مش طبيعي.
الأعراض اللي ظهرت عليه خلتني أشك في إصابته بمرض معدي نادر الحدوث. وده خلاني أستغرب جدًا إزاي المرض ده وصله، وبدأت أفكر إذا كان ممكن يكون له سبب وراثي.
في اللحظة دي مجد قام وجري ناحيتي، وكان واضح عليه القلق الشديد على عمر.
كنت عارفة إن عمر تعبان جدًا، لكني ما قلتلوش إن المرض معدي. قررت أتابع حالة عمر بنفسي، وبدأت أديه علاجه وأهتم بيه كويس جدًا.
وبعد يومين، حالة عمر بدأت تتحسن، ورجع يستعيد نشاطه تدريجيًا.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إني اتعديت منه، وإن في حمل لسه ما كنتش أعرف بوجوده.
بعد خمسة أيام تقريبًا، عمر بقى كويس وحالته استقرت، لكن أنا بدأت أحس بتعب شديد.
في يوم رجعت من المستشفى وأنا مرهقة جدًا، وبمجرد ما دخلت الفيلا، ماما جيهان بصت لي باستغراب.
د. جيهان: مالك يا وعد؟ إنتِ شكلك تعبانة.
وعد: أبدًا يا ماما، حاسة بإرهاق شوية. بعد إذنك، أنا هطلع أريح فوق لحد ما مجد ييجي.
د. جيهان: طيب يا حبيبتي، اطلعي ارتاحي.
طلعت أوضتي، وبمجرد ما شفت السرير، ارتميت عليه من شدة التعب، وما قدرتش حتى أغيّر هدومي.
في الوقت ده كان عمر تحت مع جدته، وأنا كنت في عز تعبي ومش قادرة أتحرك.
لما مجد وصل، سلّم على مامته وسألها.
د. جيهان: وعد فوق في أوضتها، بس شكلها تعبانة ومرهقة جدًا. طلعت من شوية وقالت إنها هتريح.
مجد كان حاول يتصل بيا أكتر من مرة، لكني ما رديتش، فقلق وطلع بسرعة.
أول ما دخل الأوضة، لقاني لسه بهدومي، ووشي محمّر بشكل واضح من شدة السخونية.
قرب مني وحط إيده على راسي، وأول ما حس بحرارة جسمي، اتخض.
مجد: وعد! وعد، فوقي... إنتِ سامعاني؟
حاول يفوقني، لكني كنت شبه غايبة عن الوعي.
وفجأة بدأت أستعيد وعيي، وكنت مشوشة ومش قادرة أفهم إيه اللي بيحصل حواليا.
مجد نادى على مامته بسرعة، وفي نفس الوقت اتصل بالدكتور، وبعدها نقلوني المستشفى لما ترف اني تعبي ده مش طبيعي وعلاجي صعب في الفيلا...
فضلت تحت الملاحظة طول اليوم، ولما فتحت عيني أخيرًا، لقيت كلهم حواليا.
مجد كان واقف جنبي، لكن ملامحه كانت مختلفة. الحزن والضيق كانوا واضحين جدًا على وشه.
عرف إن المرض اللي كان عند عمر معدي، وإن أنا كنت عارفة ده، ومع ذلك خبيت عنه، واتعاملت مع عمر عن قرب لحد ما اتعديت منه.
لكن الصدمة الأكبر كانت إن فيه حمل، وإن الحمل للأسف فقدته بسبب التعب اللي تعرضت له.
مجد كان متضايق لسببين؛ أولهم إنه كان مستني الحمل ده بفارغ الصبر، وكان نفسه إن ربنا يحقق حلمنا ونبقى أب وأم لطفل مننا.
وأخيرًا كان الحلم قرب يتحقق، لكننا فقدناه قبل ما نعرف حتى بوجوده.
والسبب التاني إنه كان خايف عليا جدًا، خصوصًا إن المرض ده الأطفال غالبًا بيتعافوا منه بسرعة وبيستعيدوا نشاطهم، لكن تأثيره على الكبار بيكون أشد، وممكن يفضل معاهم فترة طويلة قبل ما يرجعوا لطبيعتهم.
كان مش قادر يستوعب إزاي أنا، وأنا دكتورة أطفال وفاهمة طبيعة الأمراض دي كويس، عرّضت نفسي للخطر بالشكل ده.
كل اللي كنت بفكر فيه وقتها كان عمر.
كنت عايزة أطمن عليه، وأخليه ياكل، وأسمع منه إنه بدأ يتحسن. كنت بقرب منه وأهتم بأكله وأساعده، لحد ما اتعديت منه بنفس المرض.
ولما شوفت نظرة مجد، حسيت إنه فهم كل حاجة، وعرف أنا عملت إيه في نفسي.
لكن ما قدرتش أتكلم.
بعد يومين، لما بدأت أحس إني أحسن، مجد ما كانش بيسيبني لحظة، وكان الدكتور دخل يطمن على حالتي.
بص لي وقال:
الدكتور: ينفع يا دكتورة وعد تعرّضي نفسك للخطر بالشكل ده؟
بصيت له وسكت، وكنت بتمنى إنه ما يكملش كلامه، خصوصًا إن مجد كان موجود.
لكن الدكتور كمل:
الدكتور: وإنتِ فاكرة إن دكتور مجد مش عارف اللي إنتِ عملتيه في نفسك؟ على العموم، إحنا حمدنا ربنا إن الجنين بس هو اللي فقدناه، وإن إنتِ ما تعرضتيش لمضاعفات أخطر.
وقتها عيني اتسعت، وما كنتش مصدقة اللي سمعته.
بص لي الدكتور وقال بهدوء:
الدكتور: يا دكتورة وعد، كان فيه حمل، ونزل للأسف. وبعد إذنك، مفيش تفكير في حمل دلوقتي خالص. لازم تستعيدي صحتك ونشاطك، وجسمك يرتاح من تأثير المرض.
إنتِ دكتورة وفاهمة كويس جدًا إن تأثيره ممكن يفضل معاكي لشهور، فلازم تدي لنفسك الوقت الكافي للتعافي.
وطيت راسي وسكت.
في اللحظة دي حسيت فعلًا إني غلطت، وإن اللي حصل مش مجرد تعب عابر كنت هقدر أعديه وخلاص.
فضلت أبكي بشدة، وأنا حاسة إني ما قصرتش في حق نفسي وبس، أنا كمان قصرت في حق طفلي اللي فقدته من غير حتى ما أعرف إنه كان موجود.
مجد كان متأثر جدًا بحالتي، قرب مني وأخدني في حضنه، وبعد شوية قال بهدوء:
مجد: وعد، أنا مش هتكلم... بس أكيد إنتِ حاسة بيا.
بصيت له ودفنت نفسي في حضنه، وقلت له وأنا ببكي بشدة:
وعد: سامحني يا مجد... أنا ما كنتش عارفة.
مجد: أتمنى يا وعد تكوني اتعلمتي. اللي حصل ده كفاية علينا، وكفاية الوجع اللي إحنا حاسين بيه دلوقتي.
أنا نفسي في طفل منك قوي، ولما ربنا يرزقنا بيه، الحمد لله... بس لازم تكوني بخير الأول.
فضلت ساكتة، لأني فعلًا ما كنتش قادرة أقول أي حاجة.
لكن الموقف ده علّمني درس عمري ما هنساه.
اتعلمت إن الاهتمام باللي بنحبهم مش معناه إننا نهمل نفسنا، وإن التضحية مش معناها إني أعرّض حياتي وصحتي للخطر.
أنا دلوقتي ما بقيتش مسؤولة عن نفسي وبس، بقيت مسؤولة عن زوجي وأسرتي، وعن كل حد وجودي في حياته بيفرق معاه.
لازم أحافظ على صحتي، وأكون قوية وقادرة أقف على رجلي، علشان أعرف أهتم بيهم وأكون جنبهم.
لأن نفسي ما بقتش ملكي لوحدي، وأي إهمال مني ممكن ما يأثرش عليّا أنا بس، لكنه يأثر عليهم كلهم.
ويمكن دي كانت أصعب طريقة أتعلم بيها إن الاهتمام بنفسي مش أنانية... ده حق ليا، وواجب تجاه كل اللي بيحبوني.
