رواية زواج اجباري الفصل الثامن 8 بقلم بيري النجار

 


 رواية زواج اجباري الفصل الثامن بقلم بيري النجار


الفصل الثامن

ما قالته الأم

وصلت السيارة قبل الموعد بخمس دقائق.

نزل مازن وفتح الباب الخلفي لحياة وريما، ثم عاد إلى مكانه. كان يحي قد أصر على ألا يأتي معهم، وقال إن وجوده في حارة حياة سيعطي رمضان ما يريده بالضبط: صورة جديدة وكلامًا جديدًا.

كانت أم حياة قد اختارت مقهى صغيرًا في شارع جانبي بعيد عن الحارة بعشر دقائق، وطلبت من ابنتها ألا تأتي إلى البيت.

وجدتها تجلس في ركن بعيد، بعباءتها السوداء، وكوب الشاي أمامها لم تشرب منه. ما إن رأت حياة حتى نهضت واحتضنتها طويلًا، ثم صافحت ريما وشكرتها على مجيئها.

انسحبت ريما إلى طاولة بعيدة حيث جلس مازن، وتركتا الأم وابنتها وحدهما.

قالت حياة:

- قولي لي كل حاجة يا ماما. من غير ما تخففي.

أخذت الأم نفسًا طويلًا.

- رمضان ما رجعش عندنا. راح لعمك فتحي.
- عمي؟
- قعد معاه ساعتين. وبعدها عمك كلمني وقال لي إن الموضوع اتحسم.
- اتحسم إزاي؟ أنا ما وافقتش.
- قال إن الكلمة كلمة العيلة، مش كلمتك.

شدّت حياة قبضتها فوق الطاولة.

- هو إيه اللي بيخلي عمي يعمل كده؟ ده عمره ما اتدخل في حياتنا.
- مش عارفة. بس الناس بتقول إن رمضان وعده بحاجة لحسني.

صمتت حياة، وتذكرت أن يحي أخبرها أمس بأن مازن يجمع ملفًا عن رمضان، وأنها لم تقرأه بعد.

- ماما، إنتِ عايزاني أتجوزه؟

نظرت الأم إليها بعينين دامعتين.

- يا بنتي أنا عمري ما أجبرك على حاجة.
- بس بتخافي.
- بخاف.
- من إيه؟
- من إن عمك كبير العيلة، وكلمته تمشي. ولو غضب علينا ممكن الحارة كلها تقاطعنا.

ثم أضافت بصوت منخفض:

- وكمان خايفة من رمضان. الراجل ده ما بيتراجعش.

مدّت حياة يدها وأمسكت يد أمها.

- أنا مش هتجوزه.
- عارفة.
- ومش هخليهم يكسروني.
- عارفة برضه.

سكتتا.

ثم قالت الأم بحذر:

- الراجل اللي في الفيديو...

رفعت حياة رأسها.

- يحي؟
- هو مين بالنسبة لك؟
- مديري.
- بس هو مش بس مدير.

لم تكن جملة الأم سؤالًا.

أخفضت حياة عينيها.

- هو راجل محترم يا ماما. وبيحميني.
- ليه؟

سؤال بسيط، لكن حياة لم تجد له إجابة كاملة. لم تكن تعرف السبب، لكنها كانت تشعر أنه يخفيه.

قالت:

- مش عارفة. بس مش حاسة إنه بيستغلني.
- ده كلام قلبك ولا عقلك؟
- الاتنين.

مسحت الأم دمعة، وقالت:

- أنا هقولك حاجة، وإنتِ فكري فيها.
- قولي.
- العيلة عمرها ما بتسأل مين الغلطان. بتسأل بنت فلان بقت مع مين.

كانت الجملة قاسية، لكنها صحيحة.

وفهمت حياة أن الخطر لم يعد من رمضان وحده، بل من كل ما يحيط بها.

---

في الخارج، كان مازن وريما يجلسان بعيدًا عن بعضهما بطاولتين.

لم يكن بينهما كلام، لكن ريما كانت تشعر بنظراته بين الحين والآخر.

دخل رجلان إلى المقهى وجلسا على طاولة قريبة. نظر أحدهما إلى ريما نظرة طويلة، ثم همس لصاحبه فضحكا.

لم تتحرك ريما، لكن كتفيها تصلّبا.

التقط مازن ذلك فورًا.

نهض بهدوء، وجلس على الكرسي المقابل لها بحيث صار يحجب الرؤية عنها تمامًا. لم يقل كلمة. فقط أسند ذراعه على الطاولة ونظر في عيني الرجل الأول مباشرة.

أشاح الرجلان بنظريهما.

همست ريما:

- إنت عملت إيه؟
- قعدت.
- أنا شفت.
- شفتي إني بقعد.
- مازن.
- أيوه؟
- شكرًا.

نظر إليها.

- كنتِ متصلبة.
- أنا؟
- كل ما حد بيبص لك كده، كتفك بيبقى مشدود.
- إنت لاحظت؟
- أنا بلاحظ كل حاجة بتخصك.

أخفضت ريما رأسها لتخفي ابتسامتها.

- بتحب تقول كلام يربكني.
- مش بقصد.
- بتقصد.
- شوية.

ضحكت.

ثم، دون أن تنظر إليه، قالت:

- أنا بقالي وقت مش بحب أروح أي حتة لوحدي.
- ليه؟
- مش عارفة.
- فاكرة أول مرة حسيتي كده؟

ترددت.

- أيوه.
- احكي لي لو عايزة.
- لأ، مش دلوقتي.
- ماشي.

كان صوته هادئًا، لا يضغط ولا يستعجل.

ولأول مرة، شعرت ريما أن أحدًا يعرف كيف يتركها تتنفس.

---

عندما عادوا إلى الشركة بعد الظهر، وجدت حياة يحي في انتظارها.

لم يسألها عن شيء. فقط نظر إلى وجهها، ثم قال:

- مكتبي.

دخلت، وأغلق الباب.

وضع على المكتب ملفًا رقيقًا.

- ده اللي مازن جمعه.

أخذته منه وجلست تقرأ.

كان فيه اسم رمضان، وعنوان محله في أول الحارة، وأسماء أشخاص اقترضوا منه. وفي صفحة منها اسم عمها فتحي، وبجواره رقم، وتاريخ.

قرأت الرقم مرتين.

قالت بصوت خافت:

- ده مبلغ كبير.
- ده الأصل. مع الفوايد بقى أكتر.
- من تلات سنين؟
- من وقت ما اشترى مخزن لحسني.

كتمت نفسًا.

- يعني رمضان ماسك عمي من إيده.
- آه.
- وبيضغط عليه بيّا.
- آه.

أغلقت الملف ببطء.

- طب أعمل إيه؟

قال يحي:

- أنا ممكن أسدد الدين.

رفعت رأسها فورًا.

- لأ.
- حياة...
- لأ يا يحي.
- مبلغ زي ده مش مشكلة بالنسبة لي.
- مش المبلغ.
- أمال إيه؟

قالت بصوت ثابت:

- لو دفعت، يبقى كل حاجة بعد كده بتتبني على إني مدينة لك.
- مش هتكوني.
- أنا هحس.

سكت لحظة.

ثم قال بهدوء:

- عندك حق.

نظرت إليه بدهشة.

- مش هتجادل؟
- كنت عارف إنك هترفضي.
- وعرضت برضه؟
- لازم كان أعرض. عشان أتأكد إني ما تجاهلتش حل.

ابتسمت لأول مرة منذ الصباح.

- إنت عجيب.
- بتتعودي.

وقفت وأخذت الملف.

- أنا هاخده.
- ليه؟
- عايزة أفهم الحكاية كلها.

أومأ.

وعند الباب، قالت وهي تنظر إلى مقبضه:

- يحي.
- أيوه.
- أنا مش أمانة عندك، صح؟

تجمد.

كانت الجملة غير متوقعة. حتى هي لم تفهم لماذا قالتها.

قال ببطء:

- مين قال كده؟
- حاسة.
- حاسة من إيه؟
- من كل مرة بتقول فيها إنك مش هتسيبني.

صمت.

ثم قال بصوت أخفض من المعتاد:

- في حاجة لازم أقولها لك. بس مش النهارده.
- ليه؟
- لأنك لسه مش قادرة تسمعي، وأنا لسه مش جاهز.
- قبل الجمعة؟
- قبل الجمعة.

نظرت إليه لحظة طويلة.

ثم أومأت وخرجت.

---

في المساء، أمسك مازن بظرف أبيض صغير ووضعه أمام ريما في مكتبها.

- إيه ده؟
- دعوة.
- لإيه؟
- قهوة.

رفعت حاجبها.

- بعد النهارده، عايز تدعيني؟
- أيوه.
- ليه؟
- عشان كنتِ شجاعة النهارده، وأنا كنت قاعد أتفرج.
- كنت بترتعشي.
- ما كنتش.
- كنتِ.

ضحكت.

- بس هاجي.
- بجد؟
- بس مش عشانك.
- عارف.
- وهتوصلني.
- كنت ناوي.

أخذت الظرف، ونظرت إليه نظرة هادئة.

- أنا خايفة منك.
- من إيه؟
- إنك تبقى فعلًا كويس.

سكت مازن لحظة.

ثم قال:

- ده تخوف مقبول.

ضحكت، وغادر هو وعلى وجهه ابتسامة راضية.

---

في العاشرة ليلًا، كانت حياة في سريرها، وأمامها ملف مازن. قرأته للمرة الثالثة.

كتبت لغنوة:

"الموضوع أكبر مما كنت فاكرة."

ردت غنوة بعد ثوانٍ:

"قولي لي."

كتبت لها باختصار.

وبعد دقائق، رن الهاتف.

- حياة.
- أيوه.
- لو عمك ضغط عليكِ بشدة، فيه حاجة واحدة: ما تدخليش البيت لوحدك.
- يحي قال كده.
- شاطر. وأنا هاجي معاكِ.
- إنتِ؟
- أنا.
- بس...
- أنا ست كبيرة عندي ٢٨ سنة، ومحدش هيطردني.

ضحكت حياة.

- شكرًا.
- متشكرينيش. قولي لي بس إنك مش خايفة.
- أنا خايفة.
- كويس. الخوف بيخلي الواحد يفكر.

سكتت لحظة، ثم قالت غنوة:

- بكرة هبقى عندك.
- ليه؟
- عشان الجمعة قريبة. وأنا بحب أبقى قريبة من اللي بحبهم.

وأغلقت الخط.

بقيت حياة تنظر إلى الشاشة المظلمة، وفي صدرها دفء لم تتوقعه. كانت تعرف أن الأيام القادمة صعبة، وأن عمها ينتظرها يوم الجمعة، وأن ما سيقوله لها يحي قد يغير كل شيء.

لكنها لم تكن قلقة وحدها هذه المرة.


تعليقات