رواية النغم الحزين الفصل الخاتمة بقلم فاطيما يوسف


 رواية النغم الحزين الفصل الخاتمة 

بسم الله الرحمن الرحيم 
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


ومشي وسابه وهو اتقدم بخطواته وقرب منها وقعد نص قاعدة ورا ضهرها وعمل نفس حركته اللي كان دايما معودها عليها وغمى عيونها من ورا وهو بيبدأ كلامه معاها بغنوته اللي دايما كان بيقول لها جملتها أول ما يتقابلوا:
ـ حبيبى اللى بحبه ما شفتش زيه حد عينيه حنان وقلبه بستان أمان و ورد غالى وطول عمره غالى ومقامه فى قلبى عالى خلانى عشت جنبه أحلى وأجمل ليالى.

أول ما سمعت صوته وغنوتها المفضلة التفتت بسرعة وعيونها سهمت النظر جوة عيونه ومش مصدقة نفسها وفجأة قامت من مكانها ارتمت في حضنه وهو ضمها لحضنه بصدر رحب وشالها من على الأرض لف بيها المكان وكأنهم روحين كانوا مفترقين عن بعض ولما صدقوا إنهم اتلاقوا من تاني، فضل يلف بيها وهي في حضنه نايمة على صدره زي الطفلة الصغيرة وهي متمسكة بيه جامد كأنها خايفة إنه يكون حلم ياما حلمته وصحيت منه على كابوس لما تلاقي في وشها "كرم" بجبروته وقسوته، حاول يطلعها من حضنه المتمسكة بيه بشدة لكن لقاها متشبسة بيه جامد وكأنها رافضة تستسلم المرة دي ويطلع حضنه وهم كبير فقررت من قربه اللي يكفيها انها لما ترجع للواقع الأليم تكون أخدت ولو قدر بسيط من احتوائه وحنانه وعبت صدرها بريحته ، كانت لحظات مجرد لحظات لكن فيها صراع ما بين قلبها وعقلها الباطن، ما بين واقعها المرير وخيالها الساحر الجميل، لحد ما قدر يخرجها من حضنه وحضن وشها بين كفوفه وسند جبهته بجبهتها وغمض عيونه وهو بيتنفس أنفاسها وأخيراً هي اللي نطقت وهي بتبلع ريقها بصعوبة وبتحضن وشه وبتمشي ايديها على ملامحه بعدم تصديق :
ـ انت اهنه حقيقي في حضني يا "حسام" ولا اني هحلم كيف كل مرة وأفوق على كابوسي الأليم؟

لف بيها المكان ببطئ شديد وهو لسه حاضن ملامحها بتملك وجاوبها بنبرة مبحوحة من تأثره بقربها:
ـ أنا هنا يا "نورا" جنبك وفي حضنك وبتنفس أنفاسك وحاضن ملامحك وقريب منك حقيقي ومهمشيش تاني ولا هسيبك.

فجأة بكت بشدة وهي حاضنة ملامحه بعدم تصديق، بكاها يبكي الحجر وكأنها المرة دي بتخرج طاقة الوجع اللي ميتحملهوش إنسان في دموعها اللي خارجة من أعماق روحها، بلع ريقه بصعوبة وهو بيحاول يمسح دموعها وبيترجاها:
ـ ليه يا "نورا" ليه البكا يا حبيبي، اهدي أنا جمبك وعمري ما هسيبك تاني...

وكمل وهو بيحاول يطمنها وعيونه ارتكزت جوة عيونها بوحشة شديدة ،
وقرب منها وخطا خطوات بطيئة هادية كأنه عايز يكسر حتى الهوا اللي حواليها وميمنعهوش عنها اي مسافة حتى لو كانت من مفيش، وقف ورا ضهرها تماماً، ونزل بنص جسمه لمستواها، ورفع إيديه الاتنين بحركة بطيئة ومألوفة عندها جداً، وغمى عيونها بكفوفه الدافية، وبدأ يهمس جنب ودنها بصوته الحنون :

ـ لازمن تطمني يا "نورا" خلاص زمن الخوف ولى وراح، بصي بقى عايزك تنامي تقومي تحلمي بأي حاجة هقدمها لك بين ايديكي، خلاص يا "نورا" انا بقيت موجود ومش همشي تاني أبداً.
أول ما نبرته دي دخلت لقلبها قبل سمعها وطمئنته ليها، كأن شمس دافية غطت جسمها كله ،  اتفاجئت والتفتت بسرعة البرق، عيونها وسعت لحد ما كادت تطلع من مكانها وهي بتبص له، كأنها بتشوف شبح جميل خافت تصدقه لحسن يطير، فضلت ساكنة مكانها ثواني معدودة، عيونها تايهة في تفاصيل وشه اللي السنين حفرت فيها، وفجأة.. وكأن جدار الصبر والوجع انهار جوها، قامت من مكانها زي العصفورة المذعورة وارتمت في حضنه تاني بكل قوتها، ضمها "حسام"  لصدره بملهفة وشوق أعمى، وشالها تاني من على الأرض وهو مش حاسس بنفسه، ولف بيها المكان وكأنهم روحين كانوا تايهين في برزخ ولقوا طريقهم لبعض، كان بيضمها وكأنه بيحاول يرجعها لجوف قلبه عشان محدش يقدر ياخدها منه تاني، أما هي، فكانت نايمة على صدره متمسكة برقبته وجلابيته بايدين مرتعشتين، ومغمضة عيونها بجنون كأنه حلم حلو بتدعي ربنا متصحاش منه على كابوس،
حاول حسام يريحها ويعدلها شوية عشان تقدر تتنفس، بس لقاها متمسكة بيه بستماتة وكأنه طوق النجاة الوحيد في وسط طوفان الغرق، كانت رافضة تبعد عنه حتى سنتي واحد، كأنها بتستقوى بريحته وحضنه عشان تواجه بيه أي وجع جاي فضلت ساكتة في حضنه ثواني، بتشرب من أمانه اللي افتقدته سنين، لحد ما استوعبت أخيراً إنها مش في حلم، وإن ده واقع حقيقي،
بعدها بشويش، نزلها على رجلها، بس فضل ماسك وشها بين كفوف إيديه الاتنين برقة مفرطة، سند جبينه جبينها، وغمض عيونه وهو بيتنفس أنفاسها المرتعشة، لحد ما فتحت عيونها المليانة دموع وقالت بصوت متهدج، بيطلع بطلوع الروح، وبتمشي صوابعها المرتعشة على ملامحه بعدم تصديق:
ـ تعرِف حلمت بيك وباللخظة داي قبل اكده وخايفة اكون بتوهم كيف كل مرة، أني حقيقي مبقاش عندي أمل أرجع بعقلي للواقع فلو انت حلم خليني نايمة في حضنك .

مسك إيديها اللي على وجنته وباسها بحرارة، وقال بصوت مبحوح مليان شجن من كتر الوجع:
ـ أنا هنا يا "نورا" والله العظيم هنا، حقيقي مش حلم ولا خيال، عيني في عينك، وحضني مفتوح لك، ومش هسيبك تبعدي عني تاني، لو العالم كله وقف قدامي، ما هقدرش أفرِط فيكي بعد اليوم ده أبداً.

انهارت بالبكا فجأة.. بكا مرير، عميق، طالع من بئر القهر اللي اتردمت فيه سنين طويلة، مش مجرد دُموع نزلت على خدها، دي كانت روحة بتصرخ وتطلع كل السموم اللي جوها، مسكت في صدره وبقت تعيط بصوت عيّه قلب اللي ما يشتريش، كأنها بتمسح بدموعها كل وجع الذل والقهر اللي شافته مع تجاربها ومع أخوها،

اتأثر "حسام"  لحد ما عيونه لمعت بالدموع، وشدد على حضنها، وبقى يطبطب على ضهرها بحنان طاغٍ وهو بيترجاها بصوت مهزوز:
ـ ليه البكا ده كله يا روحي؟ بس اهدي، كفاية دموع، كفاية حزن وعذاب، أنا جيت عشان أنهي الكابوس ده كله، ابكي طلعي كل اللي في قلبك، بس اعرفي إن من اللحظة دي مفيش دمعة هتنزل من عيونك إلا دمعة فرحة، واوعدك بكده.

رفعت راسها ببطء، وابتسمت وسط دموعها بابتسامة مريرة شاحبة، وقالت بصوت متردد ومرعوب:
ـ أصل إنت مفاهمش يا "حسام"  إنت متعرفش هما عملوا فيا إيه؟!
"كرم"  كان هيعـ.ــذبني لمجرد أني كنت بنطق اسمك في سري! كان هيحاسبني على نبض قلبي اللي كان عايش لك، واللي اسمه"سمير"  كان بيكمل عليّ كأنه جبار متسلط عشان يدفن الباقي من عمري،  أني مبقتش كيف زمان، أني روحي اتكسرت ومبقاش فيا حتة سليمة.

مسح دموعها بحركة حانية، وقرب منها لحد ما أنفاسهم اختلطت ببعض، وقال بجدية وقوة تملى الروح ثقة:
ـ عارف والله يا حبيبتي "سند"  حكي لي على كل حرف، وعارف قد ايه عانيتي ودقتي المرار، بس خلاص، ارمي ورا ضهرك كل اللي فات مات، اللي كسر بخاطرك اتعاقب، و"كرم"  في السجن بيدفع تمن ظلمه، ومبقاش له قدرة ولا سلطان عليكي، حقك رجع لك بإرادة ربنا، وأنا أهوه رجعت لك عشان أعوضك عن كل يوم عشتيه في العذاب ده.

رجعت لورا خطوة بخوف دفين، وقالت بصوت هامس بيترعش:
ـ أهلي يا "حسام" أمي لو عرفت، ولو "كرم" طلع من سجنه.. دول ممكن يقتـ.ــلونا ويخلصوا علينا في ثانية! انت خابرهم زين في جبروتهم لما هيحطوا حاجة في دماغهم!
وانت مجرب أذاهم .
ابتسم "حسام" بابتسامة كلها ثبات، ومد إيده مسك كفها وضغط عليه بقوة:
ـ اطمني يا "نورا"  "سند" فهمني إنه أمنك من " كرم" وحكالي هو عمل ايه، الراجل ده وقف وقفة رجالة ميعملهاش أخ، وجاب لك حقك اللي أني مقدرتش أجيبه لك وأخوكي كان بيهددني إنه هيأذي أمي المريضة وخصوصا إنه حاول يعملها قبل كده، وقال لي إنه واخد تعهدات قانونية ورسمية تمنع أي كائن من اللي ذكرتيهم إنه يقرب من ناحيتك بكلمة، أنا جيت عشان أخدك، ونبدا دنيتنا اللي اتسرقت مننا، راضية تيجي معي وتسيبيني أداوي قلبك؟

بصت في عيونه اللي مليانة صدق وأمان، وحست إن الدنيا لأول مرة من سنين طويلة بتفتح لها باب من نور، لمحت في نظراته السنين الحلوة اللي ضاعت، وحست إن روحها بدأت ترجع لجسدها بالتدريج، مسحت دموعها بطرف هدومها، وهزت راسها بابتسامة دافية وخاصة جداً، وقالت بصوت هادي ومستسلم تماماً لعشقها القديم:
ـ مع إني خايفة والخوف بقى طريقي بس وأني في حضنك، مستعدة أدخل النـ.ــار ومخافش، أني راضية يا "حسام"، راضية أعيش معاك في أي مكان، المهم أكون في حضنك ومعاك للآخر وما أصحاش من حضنك أبداً.

ضمها "حسام"  لصدره بحب جارف، وحس إن أخيرًا التعب والسنين الكالحة لقوا جزاءهم، وبدأوا يرسموا مع بعض أول خطوة في طريق النور اللي ملوش نهاية، وطلب من "سند" يجيب المأذون ويكتب عليها من تاني و "سند" مكذبش خبر وفي وقت قصير ساعات معدودة كان كتب كتابها وأخد "حسام" على جنب وقال له:
ـ خلي بالك إن "نورا" دلوك غير زمان، لا عقلها ولا فكرها ولا مشاعرها كيف ما كنت تِعرِفها، والمفروض إنها متتجوزش إلا لما تسترد عقلها تماماً، مينفعش تتعامل وياها على إنها زوجة طبيعية وانك هتتعامل وياها من منطلق العشرة وحقوق زوجة على زوجها، لازمن تتعافى تماماً من كل اللي جرى لها، هي للأسف مبقتش "نورا" اللي انت تِعرِفها، أخوها دمـ.ــرها وأهلها سابوها له يعمل فيها اللي على كيفه، يا ريت تكون وعيت لحديتي زين .

ابتسم له "حسام" ووعده وهو بيبص على "نورا" بحب كبير:
ـ متقلقش يا أبو "مازن" دي بنت قلبي ، دي حب الطفولة والعمر والأيام، ربنا الأعلم إني اتأذيت قد ايه انا كمان علشان يبعدوني عنها.

ورجع من تاني الحبيب والحبيبة يحضنوا أيام فرحهم اللي اتأجلت سنين وسنين، وأخدها في حضنه ومشي وياها و"سند" واقف بيبص عليهم بابتسامة رضا وسمع من وراه أبوه بيقول له بفخر وهو قاعد على كرسيه المتحرك:
ـ تعرِف يا ولدي أني بفتخر إنك ولدي، انت تنطبق عليك الحكمة اللي هتقول 'من سار بين الناس جابرا للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر'، انت عزي وعزوتي وزينة الحياة الدنيا وابن عمري وضهري وسندي يا "سند".

قرب منه "سند" وباسه من راسه وقعد تحت رجليه وابتسم له ابتسامة فخر وقال بصوت دافي:
ـ رضاك عندي بالدنيا يا ابوي.. ومن غير دعواتك ما كنتش هقدر هبقى حاجة، أني بس بعمل اللي يرضي ربنا ويحفظ حق الضعيف، عشان بكرة الواحد لما يقابل ربه يلاقي عمل صالح يتباهى بيه.

بص له أبوه بنظرة مليانة رضا وسعادة، ومد إيده وطبطب على كتف ابنه بحنان أبوي عميق، والدنيا حواليهم كانت بتضحك وتعلن إن كل عاصفة مهما كانت قسوتها لازم يخلفها شمس دافية ونور يملى القلوب بالسلام والستر.
                    *******
ـ يا "يونس"  بقولك سيب يدي.. مش هينفع أعديها وأمشي كأني ماشوفتش حاجة! البنت داي هتفكرني بنفسي، بكل قطرة عرق بذلتها، وكل قهرة وذل مريت بيهم وأني قدها في نفس الشوارع دي! سيبني يا "يونس"  والنبي، والله ما هطول دقيقة واحدة، بس لازم أنزل لها.

بص لها "يونس"  نظرة سريعة، وشاف لمعة الدموع في عيونها اللي ماليها إصرار وقهر قديم متفتحتش جروحه من كتير غير دلوقتي، حس بغصة في قلبه وهو عارف كويس هي شافت إيه وعاشت إيه زمان، بس الخوف عليها وعلى العيال في زحمة الشارع ده خلاه يتشبث برأيه أكتر:
ـ يا "مهرة"  افهمي يا روحي.. الزحمة دي والشارع مش مكانك دلوقتي، وأنا مستعد أعمل لك اللي تحبيه، هاتي البنت دي ممكن نعمل لها أي حاجة ونجيب لها أكل ولبس، بس فكرة إنك تنزلي في وسط العربيات والناس دي لأ يا "مهرة" اسمعي الكلام عشان خاطري!

لكن "مهرة"  كانت قافلة بيبان عقلها عن أي كلام تاني، الصوت اللي جواها كان بيصرخ: 
ـ دي أني، داي "مهرة"  اللي كانت بتمسح دموعها بكتفها وهي مكسورة!

حس بخنقتها وهي بتبكي فسألها:
ـ طب بتبكي ليه دلوقتي يا "مهرة"  اهدي يا حبيبتي مبحبش اشوف دموعك والله بتخنق جداً؟

كانت حاضنة ابنها بحنان شديد وكأنها بتثبت لنفسها إنها هتعوض نفسها عن الأذى والبهدلة في حياتها في حنيتها على ولادها، كانوا في العربية وعينيها مسهمة على الموقف اللي شافته ومش قادرة تتخطاه ولا قادرة تعديه، واحد من اللي راكبين العربية زق البنت ورماها على الأرض ولأول مرة تبكي بضعف بالشكل ده وردت عليه من بين انهيارها وهي بتديله الولد وهتنزل من العربية، اخد منها الولد ونيمه جنب اخوه في الكرسي اللي ورا ومسك ايديها وهو بيمنعها تنزل:
ـ ايه ده يا "مهرة"  رايحة فين مينفعش تنزلي . 

ردت بتصميم وهي بتنزل من العربية:
ـ سيب يدي يا "يونس"  هنزل يعني هنزل .

اتمسك بايديها جامد وهو بيمنعها بعصبية خفيفة:
ـ لو سمحتي يا "مهرة"  مينفعش أقول لك على حاجة لاااا ومتسمعيش الكلام هو انا عيل معاكي؟!
مفيش نزول يعني مفيش نزول متزهقنيش.

هزت راسها برفض قاطع، وبحركة سريعة سحبت إيدها منه بقوة، وقبل ما يلحق يمسكها تاني، كانت فتحت باب العربية ونزلت بخطوات سريعة وثابتة وسط زحمة الإشارات والعربيات المتباينة، متجاهلة نداءات "يونس"  اللي جن جنونه من خوفه عليها،

ركن "يونس"  عربيته على جنب بسرعة البصر، وفتح الباب ونزل، بس لقى نفسه محشور وسط زحمة العربيات، ففضل واقف جنب العربية، عيونه متبعاها بكل قلق وفخر مستخبى ورا عصبية الخوف، بيراقب كل حركة بتعملها، وشايف إزاي نزلت لمستوى الطفلة اللي قاعدة على الرصيف والكل معدي من جنبها ولا كأنها بشر،

"مهرة"  قربت من البنت بهدوء تام، والدموع كانت نازلة على خدودها زي الشلال، البنت المبهدلة اللي هدومها مهلهلة وشعرها منكوش كانت منكمشة على نفسها وبتعيط بوجع من وقعتها على الأرض وإهانة صاحب العربية ليها، قربت منها "مهرة" وقعدت على ركبتها على الرصيف من غير ما يهمها نظرات الناس ولا بهدلة التراب، مدت إيدها بحنان جارف، وشدتها بهدوء من على الأرض وخدتها في حضنها الداف، هي كانت نفس الشكل ده في يوم من الأيام علشان كده محستش باشمئزاز ناحيتها وقالت لها بحنان جارف:

ـ يا حبيبتي، يا قمر إنتي اهدي، متعيطيش، ضهرك وجعك من الوقعة لما زقك؟

حضنتها "مهرة"  كأنها بتحضن نفسها وهي صغيرة، وبتطبطب على ضهرها بحنان شديد وبـاستها من راسها بحب ووجع، والبنت اللي كانت متمسكة بقسوة الشارع اتفاجئت بالحنان ده، فبكت بحرقة أكبر وهي ماسكة في حضن "مهرة"،
قعدت "مهرة"  معاها على الرصيف عينيها في عيون البنت المبرقة من الصدمة والدهشة، وسألتها بصوت دافي متهدج:
ـ اسمك إيه يا جميلة إنتي؟ وهتتعلمي ولا لااااه؟ ونازلة الشارع هتشتغلي الشغلانة داي ليه؟

ردت البنت بصوت مبحوح ودموعها نازلة:
ـ اسمي "نادية" يا هانم، واسمي المشهور هنا بين الإشارات "نادية عسلية"، وأمي الله يرحمها وأبوي متجوز غيرها ورماني في الشارع، ومبقتش أعرف أتعلم، بنزل أبيع مناديل عشان أعرف أجيب لقمة أكل بها نفسي.

كلمات البنت نزلت على قلب "مهرة"  زي سكاكين حامية، رجعت بيها السنين لورا، لنفس الرصيف، نفس الشارع، ونفس النظرة المكسورة، مسكت "مهرة"  إيدين "نادية"  الباردة بين كفوف إيديها الاتنين، وبصت في عيونها بقوة وثبات وقالت بابتسامة وسط الدموع:
ـ اسمعيني كويس يا "نادية"  واوعي تنسي أي كلمة هقولها لك، أني كنت زيك بالظبط، كنت قاعدة في نفس الإشارة دي ببيع مناديل، ومرت عليّ أيام وسنين كنت بشرب المرار لوحدي وما حدش سمى عليا، بس كنت قوية، قوية لدرجة إن ولا ألم الدنيا ولا قسوة الناس قدرت تكسرني، قوية لدرجة إن محدش كان يقدر يزقني الزقة اللي صاحب العربية عملها فيكي داي، إنتي هتشتغلي شغلانة صعبة جداً، عايزة منك تكوني عينك قوية، نطرتك لأي حد فيها تعالي وكبرياء لكرامتك، محدش هيسندك ولا هيطبطب عليكي غير نفسك، ولا حد هيحضن تعبك ووجعك غير نفسك.

سكتت لحظة، مسحت دموعها بكف إيدها، وكملت بصوت قوي واثق:
ـ شايفاني دلوك بقيت كيف ؟ أني بقيت من طفلة هتبيع مناديل بين الإشارات شافت الذل و الويل لدَكتورة وعندي عربية، واتجوزت راجل عظيم هيحبني هيخاف عليّ، ربنا كرم تعبي وشقاي لأن صبري كان مالوش حدود، وإنتي كمان، إنتي قوية، وربنا كبير وهيكرمك، وهيجي اليوم اللي تبقي فيه أحسن مني بكتير، بس اوعي تستسلمي للشارع ولا تخليه يكسر كرامتك وقوتك، فاهمة يا "نادية" ؟

هزت "نادية"  راسها بدموع وفرحة غريبة دخلت قلبها، وحست إن فيه شمس طلعت في عز الغيوم، مش مصدقة إن "مهرة" الإنسانة الجميلة الشيك الأنيقة دي كانت بتبيع مناديل، "مهرة" طلعت كل الفلوس اللي في شنطتها وحطتها في إيد البنت، وحضنتها للمرة الأخيرة بحرارة، وقالت لها:
ـ هجيلك تاني يا "نادية" مش هسيبك، وخليكي دايماً رافعة رأسك لفوق، الفلوس اللي أني هديهالك داي علشان تكملي بيها تعليمك، إنتي تجوعي وتلبسي قديم وتعيشي على أقل من القد ولا انك تسيبي تعليمك يا "نادية".

قامت "مهرة"  من على الرصيف بخطوات ثابتة، وخدت طريقها راجعة لعربيتها، كانت ماشية وراسة راسها لفوق، كأنها بتنفض عن جسمها تراب سنين العجز والذل كله، وتثبت لنفسها إنها قدرت تنتصر في النهاية،

من بعيد، كان "يونس"  واقف مستنيها، وعيونه متابعة كل خطوة بتخطيها، شاف إزاي نزلت لمستوى البنت الغلبانة دي، وإزاي رفعت راس البنت وعوضتها عن قسوة العالم في حضنها، حس بغصة في صدره من كتر الإعجاب والفخر بيها، أول ما قربت منه وفتحت باب العربية وركبت، بص لها بعيون كلها حب وهيام، ومد إيده مسح دموعها وقال بصوت دافي مليان فخر:
ـ كنت غلطان إني منعتك، وكنت غبي لأنك دايماً بتثبتي لي إنك أعظم ست شافتها عيني يا "مهرة"، اهدي بقى يا حبيبي تعيشي وتعملي الخير، وتفضلي دايماً الست القوية اللي ملكت قلبي من أول يوم.

بصت له "مهرة"  بابتسامة واسعة من بين دموعها، وراحت حطت إيدها في إيده وقالت بصوت مبحوح من تأثرها وبكاها:
ـ شكرا يا "يونس"  لأنك اتحمَلت جناني، شكرا لأنك خليتني أحس إني بقيت في مكان أمان، أقدر أطبطب بيه على كل موجوع لأني دقتها قبله.

شد "يونس"  على إيدها بحرارة، وقرب منها ورفع وشها بسبابته وهو بيغازلها:
ـ إنتي بجد رزقي الحلو اللي ربنا بعته لي، 
ربنا بعت لي فيكي الجمال اللي يسر القلب، والرحمة اللي مخلياني حاسس دايما إني في أمان أنا وولادنا في وجودك، ولما بغيب عنك بحس إني مش في المود.

وكمل مغازلته ليها وهو بيقبل باطن ايديها بغرام:
ـ باختصار شديد يا روح قلبي إنتي هدية ربنا ليا.
ابتسمت له أخيراً من بين دموعها وارتمت في حضنه وهي بتتمسك بيه جامد ،
ودور العربية وانطلقوا في طريقهم للبيت، والقلوب مليانة رضا وحب، وكأن قصة الشارع دي كانت هي الفصل الأخير في كتاب وجعها، وأول سطر في حياة جديدة ملوها الجبر والسعادة الحقيقية.
                     ********
هو مش النهاردة عيد الحب ليه اول ما صحيت الصبح ما بعتليش رسالة حب وجاي دلوك من غير الورد الاحمر والدبدوب؟

كانت بتقولها بزعل شديد وهي بتمط شفايفها زي الأطفال، اما هو قرب منها ورفع حاجبه ورد عليها باستنكار :
ـ نعم يا اختي ... بقى عايزة "سند الناجي" يروح يجيب دَبدوب ؟!
كانك اتجنيتي عاد؟!

برقت عيونها بصدمة من رده ونفخت بضيق وهي زعلانة من رده عليها واتكلمت باعتراض شديد:
ـ وليه يعني ما تجيبليش ورد احمر و دَبدوب يا سي "سند" على فكرة بقى انك تدلع مرتك وتحسسها بحبك ليها مش هينقص من هيبتك حاجة، والورد والدبدوب دول عنوان عيد الحب على فكرة.

وكملت اعتراضها بسخط:
ـ وبعدين هما الستات اللي هياجي لهم الحاجات داي في عيد الحب أحسن مني في ايه؟ إلا إذا كنت بقى مشايفنيش أستحق الاهتمام بيا اللي المفروض مطلبهوش منك عاد وانت تشوفه لحالك .

ضرب "سند" كف على كف من تصميمها واعتراضها على رفضه وشاور على هيئته وهو بيرد عليها برفض قاطع:
ـ بذمتك بهيئتي داي وهيبتي عايزاني أدخل عليكي بدَبدوب.

وعلى صوته من دبدبتها في الأرض:
ـ انظبطي يا "نغم" احسن لك متقلبيش الليلة نكد علشان التفاهات اللي في راسك داي، أني مناقصش هبل منك على آخر الليل .

شهقت بصدمة من كلامه الجامد ليها ونطقت باندفاع:
ـ هااااااا، بقى أني هبلة يا "سند" علشان عايزة أحتفِل وياك بعيد الحب؟! والله صدمتني فيك يا سي "سند" كنت فاكرة إنك هتاجيني بوردة حمرا كيف كل الرجالة وتقول لي 'كل سنة وانتي حبيبتي، ألقاك داخل عليّ بوش خشب ونفخ وشخط وزعيق، وتقولي نكد وهبل؟!

ربع إيديه الاتنين قدام صدره، وبص لها بنظرة كلها تعجب واستنكر طريقتها دي من أساسه، ورد عليها بصوت جاد وحاد شوية كأنه بيقفل الموضوع من أوله:
ـ أه هبلة ونص يا "نغم"  هو العيد دي أُنزَل من السما وأني معرفش؟! ولا إحنا استوردناه مع الحاجات اللي هيخترعوها الفاضين؟! امتى وإحنا بتوع الأعياد اللي مش اسم على مسمى داي؟ قال عيد حب قال؟! 
وكمل كلامه وهو بيحاول يوعيها:

ـ وبعدين هو الحب دي بيُبقى في يوم في السنة من راجل لمرته وبعدها يقعدو لبعض على الواحدة؟ الكلام دي للناس الفاضية اللي لاوراها شُغلة ولا مشغلة، مش لمرت "سند الناجي" اللي المفروض تكون أعقل من اكده بكَتير!

قربت منه خطوة، وعيونها بتبرق بغيظ شديد، ورفعت صوابعها في وشـه وبتهز راسها بانفعال:
ـ لا واللهِ؟! بقيت أني الفاضية اللي وراياش شغلة؟! طيب يا سي "سند" ، كتر خيرك والله على ردك الجميل دي واصل ، أصلك ما تعرِفش إن الست بكلمتين حلوين منك ووردة تبسطني وتنسينى تعب اليوم كلاته، بس انت إيه حكاية القسوة داي معاك؟ هو انت من ميتى ناشف اكده ولا خلاص زهوتي راحت في عينيك؟

رد عليها وهو بيقلد نبرتها بسخرية واضحة:
ـ ناشف؟! طب بذمتك لو أني ناشف كنت اتحمَلت لسانك الطويل دي لحد دلوك؟ ولا كنت صبّرت روحي على جنانك اللي هيطلع لي كل شوية بحاجة شكل؟ دبدوب إيه وورد أحمر إيه اللي جايين تقوليه لي؟! أني راجل صَعيدي يا هانم وكَبير عيلتي وهيبتي وسط اللي حوالي يحتموا علي اكون راجل عاقل مش راجل أهبل اشيل دبدوب، أخري في التعبير عن اللي في قلبي فعل مش حبة قطن محشيين في قماش أحمر!

اتعصبت زيادة، وضربت رجلها في الأرض زي الأطفال، ورفعت صوتها أكتر:
ـ ما أني عارفة يا سي "سند"  إنك صعيدي! وعارفة إنك هتقول لي الحب فعل، بس فين الفعل دي بقى وانت هتبهدلني وهتزعق لي علشان طلبت وردة ؟! 
آه ما أني بقيت ست هبلة في نظرك، ما أني لسه كنت هقرأ رواية البطل فيها ظابط مخابرات وجايب لمرته هَدية عيد الحب، بوكس مليان ورد احمر ودبدوب وشيكولاته وهدايا كَتير جوة البوكس، وباكده ضاعت هيبته؟

وكملت بهيام:
ـ أصلك مشفتش البنات في جروب الكاتبة داي هينزلوا بوستات بالكوم على إن البطل دي جان ورومانسي وقلت إنك هتعمل وياي اكده.

برق لها بنظرة حادة رعبتها:
ـ جان ايه يا ختي؟! جن لما يلخبطك إنتي والروايات اللي كلت دماغك داي؟!
اطلعي لي اهنه من عالم ديزني والمسلسلات الهندية اللي هتسمعيها وانزلي لي على أرض الواقع يا أم دبدوب إنتي وانظبطي معاي وشوفي هتتحدتي ويا مين يا ام دبدوب إنتي.

دبت رجليها في الأرض وقال له :
ـ والله والله انك رخم وقاسي ها.

هز راسه بيأس، وضحك ضحكة قصيرة مليانة سخرية واستفزاز:
ـ رخم؟! والله أني كاني متجوَز عيلة في ابتدائي ،هو أني لو ما جبتش دبدوب أحمر هبقى مش بحبك يعني؟! يا ماما اتقي الله فيا وفي عقلك دي،  الحب دي عِشرة، وسند في الضيق، وراجل بياخد بيدك لما الدنيا تضيق بيكي، الحب مش حتة حلاوة ولا شوية ورد دبلانين بعد يومين! الحب افعال ومواقف ورجولة وحنية.

ربعت ايديها حوالين صدرها وبتهز رجليها في الأرض:
ـ لا بقى! ما تحورهاش وتديني دراسات في الحب وتعريفه! أني مهطلبش المستحيل، أني بطلب اللي أي واحدة تتمناه من جوزها.. بس شكلي اكده غلطانة إني استنيت منك حاجة زي داي أصلاً!

دارت وشها عنه بغضب، وراحت ناحية السرير وقعدت عليه بغيظ، وكتفت إيديها وبصت في الناحية التانية ودموع الغيظ والزعل بتلمع في عيونها من إصراره على رفضه وطريقته الناشفة اللي جرحت مشاعرها ودلالها معاه من وجهة نظرها،
وقف مكانه ثواني باصص لها، وشافه وهو شايفها زعلت بجد، حس إن المعركة كبرت شوية عن حدها، بس برضو كبريائه الصعيدي كان مانعه يعترف بحاجة زي دي، اتنفس بعمق وخطا خطوات بطيئة لحد ما قرب من السرير وقعد بنص جسمه قدامها، ومد إيده مسك دراعها برقة، بس هي بعدت إيده بقوة وقالت بحدة وهي مدورة وشها:
ـ ابعد عني يا "سند" وسيبني بحالي، ومتقربش مني خالص النهاردةط هو اني مش طلعت هبلة مليكش صالح بيا بقى ها.

ابتسم ابتسامة خفيفة ومرر إيده على دقنه، وقال بنبرة هادية أهدى بكتير من الأول:
ـ يا ستي اهدي، وبلاش تعملي من الحبة قُبة، هو أني كل ما أحاول أراضيكي تزعلي اكده؟ خلاص يا ستي حقك علي، بس بطلي بوزان الوش ي عشان ملايقش عليكِ واصل.

مطت شفايفها بحزن مصطنع وقالت له:
ـ والله! هو بعد ما ادتني محاضرة في الهيبة اللي اني هضيعها لك علشان طلبت هَدية بسيطة كيف داي رايدني أتراضى وياك بالسهولة داي ؟! يا اخي دي بعدك بقى ها.

ضحك "سند"  ضحكة رجولية دافية ملت الأوضة، وقال وهو بيحاول يقرب منها تاني:
ـ إنتي عقلك صغير والله وتعبتيني معاكي، المشكلة يا أم مخ صغير إنتي مش في تمن الهدية وانت خابره زين اني مستعد اجيب لك كنوز الدنيا تحت رجليكي، المشكلة في الهَدية، داي لو حد عرف في البلد كلاتها ان "سند الناجي"  جاب لمرته دبدوب هبقى تريقة البلد كلاتها ومحدش هيعمل لي اعتبار، وأني مني لنفسي لو انطبقت السما على الأرض مهعملهاش.

ـ يعني علشان منظرك قدام الناس متجبرش بخاطري وتهاديني كيف البنات في عيد الحب وخصوصي إني عمري ما عشت مناسبة كيف داي؟

رد وهو بيقرب منها أكتر لحد ما بقى قاعد جنبها على السرير تماماً، ولف دراعه بحنان واحتواها من كتافها وقربها لصدره رغم محاولاتها الفاشلة إنها تفلت منه:
ـ يا قلب "سند"  ويا جنان "سند"  كلاته اسمعي مني الكلمتين دول وافتكريهم زين، لأني ما هحبش ألف وأدور كَتير، الورد والدبدوب دول كلام فارغ، وصدقيني اللي بتجيب لها دبدوب في يوم وتيجي تاني يوم تكسر قلبها بكلمة، ميبقاش بيحبها، الحب الحقيقي مش محتاج يوم في السنة عشان نفتكره، الحب بيتعاش كل ثانية وكل دقيقة، في وقفتي جنبك لما تتعبي، في خوف عليكي 
لو صابك ضرر لا قدر الله، في إني أشيل عنك هموم الدنيا وماخليكيش تحتاجي لمخلوق على وجه الأرض، دي الحب بعينه يا "نغم"  مش شوية قطن وقماش بيترموا في الدولاب ونسيتهم.

رفعت عيونها الحزينة له، والدموع نزلت على خدها، وقالت بصوت متهدج:
ـ ما أني عارفة يا "سند"، عارفة إنك هتحبني وبتقف جنبي في كل كَبيرة وصغيرة، بس أني ست، والست بطبيعتها بتحب تتدلل، بتحب تحس إن جوزها بيعملها مفاجأة حتى لو بسيطة، بتحب تحس إنها لسه عروسة في عينه، من حقي أتدلل ولا إيه؟

مسح دموعها بسبابته  بحنان مفرط، وملامحه اتحولت لرقة تدوب الجليد، وقال بصوت مبحوح ودافي:
ـ وحقك على عيني وفوق راسي كمان يا ست البنات، بس ليه شايفة إن الدلع محصور في البتاع دي؟ أني معاكي، وعمري ما هبخل عليكِ بابتسامة ولا بكلمة حلوة، ولو عليّ أني مستعد أجيب لك الدنيا بحالها تحت رجليكي، بس من غير تقاليع فاضية ملهاش عازة عاد.

بصت له بطرف عينها وهي لسة متغاظة بس الغيظ بدأ يقل:
ـ يعني انت مش شايفني هبلة بجد؟

ضحك وقال بمشاكسة:
ـ هبلة بنص ونص.. بس هبلة بتملا عليا الدنيا وبتخلي لبيتي وقلبي طعم وريحـة تانية.

ـ طب والورد؟ يعني ولا حتى وردة؟

اتنهد "سند"  بقلة حيلة، وقام وقف من على السرير، وقال وهو بيعدل جلابيته:
ـ طب استني اهنه لا تروحي في حتة ولا تتحركي من مكانك، أما أوريكِ الورد على أصوله!

برقت عيونها بفضول، وبصت له وهي قاعدة مكانها:
ـ استنى رايح فين؟ خلاص صرفت نظر عن أفكاري داي.

ـ بس ما تُنطقيش.. خليكِ قاعدة مؤدبة اكده لحد ما أرجع لك.

سابها وخرج من الأوضة بخطوات واسعة، و"نغم"  فضلت قاعدة مكانها وقلبها بيدق بفضول وفرحة خفية بدأت تتسلل لقلبها، وقالت لنفسها بصوت عالي شوية:
ـ يا ترى مخبي لي إيه الراجل دي؟ شكله اكده كان مجهز مفاجأة وكان مصمم يعذبني الأول!

مرت دقايق معدودة، وهي قاعدة على السرير بتفرك في إيديها بشوق، لحد ما سمعت صوت خطواته راجعة تانى للأوضة اتفتح الباب، وظهر "سند"  قدامها، وورا ضهره إيده التانية ماسك بيها حاجة مخبيها،

دخل بوقاره وهيبته ، بس كان فيه لمعة شقاوة في عيونه خلت قلب "نغم"  يدق بجنون، وقف قدامها مباشرة، وطلع إيده من ورا ظهره، ومدها قدام عيونها،
شهقت "نغم"  بصدمة وفرحة ما تتوصفش، وفتحت عيونها على آخرها!
ما كانش دبدوب أحمر.. ولا بوكيه ورد جابوه من محل عابر، دي كانت "وردة بلدي" حمرا ، ريحتها فواحة وجميلة، وكان معاها علبة صغيرة محفورة بحرف اسمها، جابها منين ووقتها إمتى، الله أعلم:

ـ إيه رايك بقى يا ستي؟ الوردة دي مش أحسن ميت مرة من البتاع دي؟ داي وردة بلدي، على أصلها، كيف طبعنا الصَعيدي الأصيل.

عيون نغم اتملت بدموع السعادة، بس المرة دي دموع فرحة طاغية، قامت بسرعة من مكانها وارتمت في حضنه، ودفنت وشها في صدره، وخدت الوردة بين إيديها وباساتها بحب جارف، وقالت بصوت متهدج:
ـ انت أحسن راجل في الدنيا يا "سند" وبجد أني أسعد ست في الكون كلاته.

ضمها "سند"  لحضنه بكل قوته، وشم ريحة شعرها وهو بيطبطب على ضهرها بحنان طاغٍ، وقال بصوت دافي هادئ يملى قلبها أمان:
ـ كل سنة وانتي روحي وعمري كلاته يا "نغم" وكل يوم وإحنا سوا في حضن بعض، اتفضلي حبي الأول والأخير، المكافأة اللي ربنا بعتها لي، من وقت ما بقيتي معاي وعمري الحقيقي ابتدا، يا أجمل ست شافتها عيني، هعشقك.

فضلوا واقفين في حضن بعض لفترة طويلة، ناسيين كل القلق والتوتر اللي كان من دقايق، لأن الحب الحقيقي دايماً بيكسب في النهاية، مش بالمظاهر الكدابة، بل بالقلوب الصافية اللي بتعرف تداوي بعضها بكل حب وصدق،  وبعد شوية همست في ودنه بنعومة :
ـ على فكرة أني حامل وهجيب اخ رابع للعيال.

أول ما الكلمة نزلت على ودانه، كأن صاعقة فرحة هادية ضربت في قلبه كله! اتجمد مكانه ثواني معدودة، كأنه مش مصدق اللي سمعه، وبعدين بعد وشها عن صدره ببطء شديد، وعيونه الواسعة كانت بتلمع بلمعة عمرها ما ظهرت قبل كده، بص في عيونها المبتسمة، وقال بصوت مهزوز من كتر الفرحة والدهشة:
ـ حامل بجد؟! إنتي هتقولي إيه يا "نغم" ؟! يعني.. يعني هيكون عندنا عيل كمان يملى الدار علينا دنيتنا تاني؟

هزت راسها بابتسامة واسعة ودموع الفرحة بتلمع في عيونها، وقالت بصوت دافي وناعم:
ـ أيوه يا "سند" حامل، وربنا هدانا برزق جديد يثبت لك إن بيتنا عامر بالحب والبركة.

ضحك "سند"  ضحكة عالية رجت أركان الأوضة من كتر السعادة، وشالها من على الأرض لف بيها المكان كأنها طفلة صغيرة، وهو بيعبر لها بفرحته عن الخبر ده:
ـ يا مليون أهلاً بالرزق والخير اللي جاي على إيديكي يا زينة الستات كلاتها!

نزلت على رجلها وهي بتضحك بصوت عالي على جنونه وفرحته اللي مش سايعاه، فقرب منها تاني، وحضن وشها بكفوف إيديه الاتنين، ونزل على ركبه قدامها وباس بطنها بحب جارف واحترام كبير، وقال بصوت مليان عشق وامتنان:
ـ ربنا يبارك لي فيكي وفي اللي في بطنك.. كفاية عليا إنتي وعيالنا، ودلوك جاي لنا ضيف جديد ينور دنيتنا.

قامت "نغم"  ونزلت لمستواه، وراحت حطت إيدها في إيده ودخلوا ناحية السرير بهدوء، وهناك، بدأت قصة جديدة من الحب الدافي، طفوا نور الأوضة وسابوا العتمة تحضنهم، وكان حضن "سند"  هو الدفا الوحيد اللي بيحتمي فيه قلبها، ووسط دقات قلوبهما المتسارعة، عاشوا أحلى لحظات العشق الحقيقي والستر اللي ملوش نهاية، وبقت دار الناجي هي الجنة اللي مافيهاش مكان لأي وجع، عيونهم بتقول الكلام اللي مبيتقالش، وإيديهم متمسكة ببعض للأبد.

                  ********

في دار "الناجي"، اليوم كان مشتعل بالبهجة والفرحة، والدار أصلاً متتوصاش في المناسبات دي؛ الجو مليان ضحك ولعب، والزينة والبالونات ماليين الحوش والصالون الواسع بمناسبة عيد ميلاد الصغير "نوح" اللي كمل سنته التانية، الدنيا كانت مقلوبة من صوت ضحك العيال، واللعب اللي مالي المكان كله.

في وسط الزحمة دي واللمة العائلية الدافية، كانت "نغم" واقفة مركزة على كل تفصيلة، لابسة عباية بيتي أنيقة وراقية لايقة عليها، وبتوزع نظرات الفخر والسعادة على أولادها وأولاد"سند" ؛ "سما" و"مازن" الكبار اللي كانوا بيلعبوا مع أخوهم الصغير "نوح"، ويزحلقوه ويهزروا معاه وهو بيطفى الشمعة التانية على التورتة وسط تصفيق الكل وهتافاتهم،قربت "شيماء" من أختها "نغم" وهي ماسكة في إيد جوزها "علي"، وكانت "شيماء" في شهورها الأخيرة من الحمل وبطنها على آخرها، فحط "علي" إيده بحنان ورعاية على بطنها، وباس راسها برقة وهو بيبص لها بحب وقال بصوت دافي:
ـ يا رب يا حبيبي تقومي بالسلامة إنتي واللي في بطنك، ويبقى عندنا عيل تاني يشاكس في البيت ويزيدنا فرحة على فرحتنا.

ابتسمت " شيماء"  بنظرة دافية وقالت:
ـ يا رب يا "علي" ربنا ما يحرمني منك ولا من حنيتك دي أبدا، أهوه حلمنا بيكبر قدامنا، وعقبال ما اقوم بالسلامة وتكمل فرحتنا على خير.

وفي الجنب التاني من الحوش، كانت "مهرة" قاعدة بتجري ورا توأمها الأشقيا اللي جننوها وعملوا الحوش ملعب كورة، و"يونس"  وراهم بيضحك وهو ماسك واحد منهم على كتفه والتاني ماسك في جلابيته، وقال بصوت مليان بهجة:
ـ خلاص يا "مهرة"  سيبيهم يلعبوا ويتشاقوا ما تتعبيش روحك معاهم النهاردة، اليوم ده مش هينفع فيه عقاب خالص، سيبيهم يفرحوا مع ولاد خالتهم.

ضحكت "مهرة"  وهي بتلتقط نفسها من التعب وقالت:
ـ عيالك دول جننوني يا "يونس" ، طلعوا عين اللي خلفوني في الشقاوة! بس يلا، ربنا يبارك فيهم ويخليهم.

في وسط اللمة العظيمة دي، كان "سند" قاعد على دكته العريضة في وسط الحوش ،و"نوح" الصغير قاعد على رجله بيضحك ويلعب معاه، بينما "سما" و"مازن" قاعدين حواليه بيتشاقوا، فقام "سند"  وضامم عياله كلهم في حضنه بحب جارف، كأنه بيملك الدنيا وما فيها بين ايديه،

قربت "دعاء" منه بخطوات هادية، ووقفت جنبه بابتسامة صافية طالعة من قلبها، وبصت للعيال ولمة الدار، وقالت بصوت هادي يملى الحنية:
ـ ربنا يبارك في عمرك يا "سند" ويديم عليك الستر والصحة، ويكفيك شر العين، ويخلي لك العزوة دي كلها اللي منورة عليك الدار.

رفع "سند"  عيونه لها، وبادلها الابتسامة بتقدير واحترام، وقال:
ـ ويجازيكِ كل خير يا "دعاء" البركة فيكم وفي قلبك الطيب وفي لمتنا اللي بتجمعنا دايماً على الحب والخير.

وفي اللحظة دي، جه أبو "سند" أو الأب الحنون لكل العيلة، قاعد على كرسيه المتحرك وملامح وشه منورة برضا السنين والفخر، بص حواليه وشاف ابنه "سند" وهو لامم عياله وأهله وحبايبه، فرفع إيديه الاتنين للسماء، وبص لابنه بعيون لامعة بالرضا وقال بصوت عالي ومسموع لكل اللي في الدار:
ـ بارك الله فيك يا ولدي.. وفي مالك، وعيالك، وصحتك، وجعلك دايماً سند لكل مكسور وجابر للخواطر، ربنا ما يحرمني منك ولا من الدار العامرة دي أبداً!

ضج المكان كله بالفرحة والتصفيق، وحضن "سند"  أبوه بحرارة وسط دمعة فرحة لمعت في عيونه، وانتهت الحكاية وبدأت أسطورة العيلة اللي مابتنتهيش، عيلة "الناجي" اللي لقيت في حضن بعضها كل الأمان، وبقت دارهم هي الجنة اللي ملهاش مثيل،

وهكدا، قفلت "النغم الحزين" صفحاتها على الستر والحب والعدل، ودار الناجي فضلت حاضنة أمان الكل، وعاشت الناس في رضا وخير، والكل عرف إن عاقبة الصبر والوجع دايماً جبر من رب العالمين.

تمت بحمد الله 

لقراءة فهرس رواية النغم الحزين بجميع فصولها اضغط هنا 
تعليقات