رواية سر الحياه (العين القاتله) الفصل الثاني بقلم شيماء جوهر
ركضت نيللي على غرفتها وهي في حالة إنهيار تام وخلفها أحمد، ركض خلفهم رأفت ينادي عليها بصوت مرتفع وإنفعال : - نيللي ..نيللي ..نيللي ظل يقرع أحمد على الباب في شدة وسرعة وهو يهتف بأسمها، إلى إن جاء رأفت إليهم وبدء بالقرع معه، يترجاها كي تفتح الباب لهم ولكن دون جدوى .. تقف مسندة خلف الباب تسمع حديثهم ودموعها تتساقط بإنهيار دون البوح بأي كلمة، فقط بكاء بقلب ممزق . بدء أحمد بالحديث معها برجاء : - نيللي عشان خاطري أفتحي الباب أرجوك أفتحي يا نيللي أنا احمد اخوكي حبيبك متعمليش في نفسك كدة عشان خاطري أفتحي محدش يستاهل دموعك دي تداخل رأفت هو الآخر : - نيللي يا بنتي أرجوك كلميني أنا زي أبوكي الله يرحمه أرجوك يا بنتي متزعليش مش كلام أميرة، أفتحي بس يا نيللي عشان خاطري ردت نيللي بصوت ممزق ومنبوح، أشابه البكاء الشديد، بإنفعال : - مزعلش !! .. عايزني تتجرح كرامتي ويتكسر قلبي بزيادة من كﻻمها ده ومزعلش ؟! ... مش عايزة أشوف ولا أكلم حد سببوني لوحدي، لو كانت أمي وأبويا عايشين مكنتش اتبهدلت بالشكل ده ولا حسيت إني عالة على حد نظر أحمد إلى رأفت وجدته كما توقع، قسمات وجهه أصابها الضيق والحزن أكثر من كلمات نيلي له، تداخل على الفور وقال له بهدوء مبرراً لرد فعلها : - سيبها دلوقتي يا عمي هي منهارة ومش عارفة بتقول إيه سيبها تهدي شوية مع نفسها الأول يعلم رافت جيداً بأن كلماتها ليست سوى بلحظة غضب، وألتمس لها العذر، ﻻ يعرف ماذا يقول لهما كي يخفف من أثقالهما قليلاً لما تسبب زوجته من جراح نفسية بالغة. ألتفت إليه وهو يقول بنبرة أشابها الحزن والإحراج، ممزوجة برجاء : - متزعلش من كلام مرات عمك يابني، متقصدش نظر له أحمد بضيق، لقد لجم لسانه فهو يعلم بأن عمه ليس له ذنب بما حدث .. مشاعر متداخلة أراد عتابه وفي الوقت نفسه يصعب عليه الحالة التي عليها .. تنهد بضيق وهو يقول بقلة حليلة : - حتى حضرتك يا عمي هتبرر لها إللي قالته .. مش مصدق بجد تركه أحمد في حيرته يتأمل حديثهما الأليم، وما أقترفته زوجته من خطا أثيم بحقهم وجرح لمشاعرهم، وأتجه إلى غرفته . يشعر بأنه مكتوف اليدين ولم يستطع أخذ حقهم ورد إعتبارهم ذهب إلى اميرة وعيناه تستشاط غضبا وإنفعالا - عجبك إللي حصل ده ؟ .. مبسوطة دلوقتي ؟ ألتفتت إليه بنظرة بالية ﻻ تكترث لشئ، وردت بلامبالاه : - يعني أعمل إيه يعني ما سمعوا وإللي حصل حصل برودها وﻻمبالاتها أستفزته كثيراً، جعل نبرة صوته تعلو : - مش همك يعني إنهم سامعوا، طب نيلي البنت الغلبانة يتيمة الأب والأم دي منهارة من العياط حرام عليك يا شيخة أنت إيه منسيش إنك عندك بنت مش خايفة من كسرة قلبها تعمل إيه بعد اللي سمعته لم تكترث لكلماته وكأنه لم يقول شيئاً، ردت بنفس النبرة : - كويس إنها جت منهم وسامعوا شعر بأن حديثه معها أصبح دون جدوى مهما تحدث ومهما فعل، يخشى أن ينفعل عليها أكثر من ذلك، ويتهور في رد فعله إلى أن يقوم بضربها .. يأس منها وﻻ فائدة من الجدال والحوار أكثر من ذلك .. تركها وترك المنزل بأكمله كي يبتعد عنها قليلاً ويفكر بهدوء ماذا يفعل مع أبناء اخيه وما مصيرهم بعدما حدث . بعد ساعات قليلة من بكاءها، هدئت من روعها قليلاً .. جلست على فراشها تفكر فيما حدث منذ وقت ليس بطويل، وما مصير حياتها هي واخيها .. وما توصلت إليه بعد تفكير طويل ﻻ يمكن أن تتراجع عنه مهما كان السبب والظروف، بأنها يجب أن ترحل على الفور، يكفي إلى هذا الحد إلى الآن، يكفي شعورها بأنها عالة في منزل عمها، لم تشعر من قبل بأنها تمكث في منزلها ولم تنال قسط من الراحة . لم تعد صغيرة بعد، على أي حال من الأحوال سوف يأتي الوقت ليهموا الرحيل . في هذا الوقت كان أحمد مازال بغرفته ولم يخرج بعد، يفكر فيما حدث هو الآخر وفي حديث شقيقته .. حقاً كان لديها كل الحق وموقفه مع عمه وجب أن يقوم به منذ زمن .. يكفي ما تحملته شقيقته من إهانة وسوء معاملة . في صباح اليوم التالي، هدئت نيللي من روعها تماماً .. ولكن حديثها مع رأفت ليس سوى ألقاء تحية الصباح فقط والرد على حد الكﻻم، متجنبين أميرة تماما وإن تحدثت يقوموا على الفور ويتجهوا إلى غرفهم مما أستشاط غضب أميرة وتنفعل على أتفه الأسباب، وتعلو صوتها بكلمات مهينة، فستحمل أحمد ونيلي ذلك إلى تدبر أمرهم .. ولكن رأفت كان يقف قبلها يدافع عنهما وتبدء الشجار معه هو الآخر . أما أبناء رأفت كانوا على دهشة من التغير الكبير والمفاجئ الذي حدث، وفتورالعلاقة بين أبيهم وأبناء عمهم .. سكوت تام، وتجنب عن الحديث بشكل كبير وملحوظ .. إلى أن ﻻحظوا تغيرهم شخصياً لم يعدا يبتسمون مثل كل صباح وﻻ الحديث معهم، بالتأكيد حدث شيئاً ما بالأمس عندما كانوا بالخارج . لم يتسائلوا كثيراً عما حدث، جعلوا الأمور تسير كما هي إلى نهاية اليوم والعودة من المدرسة . لم يحتملا المكوث في هذا المنزل أكثر من ذلك، لن يستمروا بالعيش في وسط الشجار وعلى أتفه الأسباب .. في صباح اليوم التالي ذهب كل منهم إلى مدرسته، يفكرا كيف يتم مواجهة رأفت بشأن رحيلهم وإلى أين سوف يمكثون إذا قرروا الرحيل .. ومن أين ياتي بكل تلك الأموال لتأجير شقة للمكوث فيها . بعد نهاية اليوم الدراسي ذهب أحمد لمدرسة نيللي منتظرها في الخارج بعدما تحدث إليها في الهاتف وأتفاقه معها . عند لقاءهما وأطمئن على أحوالها الآن، أتفقا الجلوس في مكان هادئ للحديث بحرية أكبر بعيداً عن المنزل . ذهبوا إلى كافتريا مطلة على البحر .. جلست على إحدى الطاوﻻت وجلس قبلها تنظر إليه بتساؤل عن سر مقابلتهم خارج المنزل .. تشعر في باطنها بأن ما سوف يخبرها به ما تود أن تقوم بفعله وقالت : - ها يا سيدي خير نظر لها في هدوء وقال : - أنا فكرت في كلامك لقيته صح جداً شعرت بالراحة أكثر بأن أخيها على وفاق ويسير معها على نفس الأحداث، نظرت له وقالت بتتابع : - طب كويس إنك فكرت فيه وبعدين عقد أحمد أصابعه أمامه على الطاولة، وقال في حسم : - وصلت لقرار وعايز أخد رائيك فيه شعرت بأن الموضوع الذي يريد أن يحدثها فيه ما كانت تبغاه، نظرت له بإهتمام وقالت : - قول يا أحمد أنا سامعاك تنهد براحة لأهتمامها بالحديث، فتشجع يسترد حديثه : - لازم نسيب بيت عمي ونعيش لوحدنا، كفاية لحد كدة .. بس مش دلوقتي إبتسمت بداخلها بأن ما كانت تتوقعه اصبح بمحله، فهو كذلك ﻻ يريد الإستمرار بالتأكيد وتعب من سوء المعاملة وقلة التقدير .. نظرت له في تساؤل : - ليه مش دلوقتي ؟ رد قائلاً : - أنتِ ناسية إني في ثانوية عامة لازم أركز عشان أجيب مجموع وأدخل صيدلة بعد تفكير لحظات ردت قائلة : - ايوة صح يا أحمد وبعدين قالتها بعد برهة من التفكير، تنهد أحمد وأستكمل حواره : - أحنا هنستحمل السنة دي عشان كمان أعرف أشتغل وأجيب فلوس لإيجار الشقة، لازم نمشي كفاية لحد كدة نظرت له بتعجب، لم تستوعبه جيداً .. شردت قليلاً تفكر وبعد لحظات ألتفتت إليه قائلة بدهشة وتساؤل : - الله !! .. تشتغل إيه يابني وشقة إيجار إيه .. أومال شقة بابا وماما الله يرحمهم راحت فين نظر لها بإهتمام لحديثها، كيف شرد هذا الأمر عن خاطره، وهو يعطيه أكبر حجم من التفكير الآن . نظر لها بعد تفكير ورد بدهشة : ايووووووو على كدة أنا ازاي نسيت حاجة زي دي، مجتش في بالي خالص نظرت له وقالت بجدية : - عشان أحنا مكنش في دماغنا موضوع الشقة ده خالص، بما إننا عايشين عند عمي وشبه مستقرين عنده نظر لها بشرود وهو يقول : - طب وبعدين ؟ .. هنعمل إيه دلوقتي ؟ تنهد وهي تسند ظهرها إلى الخلف بتفكير وحيرة : - مش عارفة بجد يا أحمد، المشكلة كلها تكمن في أزاي نأخذ مفتاح الشقة من عمي، هيقولنا ليه ومش عارفة إيه .. وإحتمال كبير جداً إنه يعترض يدينا المفتاح، بس ﻻزم ناخده بأي شكل من الأشكال .. مش هستحمل أعيش مع طنط أميرة دي تاني، دي كرهتني في عيشتي يا أخي نظر لها بحزن قائلاً : - صح عندك حق، وأحنا أتحملنا كتير أووي، طب والشقة أمرها أنتهى، هنعمل إيه في الفلوس ؟ .. هنعيش أزاي ؟! نظرت له بتعجب وأكملت حديثها : شكل إللي حصل أمبارح برجللك دماغك، أنت ناسي إن معاش بابا موجود وده مبلغ كويس يعني نقدر نعيش منه .. ولو مكفاش نبقى نشتغل سوى، لإنك ثانوي عام ومحتاج تركز نظر لها بضيق، وتسائل في قرار نفسه، هل حقاً تراه إنه من الصعب عليه تحمل المسؤلية بعد رأفت ؟ .. هل تراه إنه ﻻ يستطيع ؟ .. فصاح بها : - أنتِ اتجننتي يا نيللي تشتغلي إيه وأنا موجود، لا طبعاً تنهدت بضيق، فهي تعلم غضب اخيها جيداً، ولكن هذه مجرد فكرة ليس الا، ماذا يفعل إذا أرادت العمل بالفعل ؟ صاحت به هي الأخرى بإنزعاج : - وفيها إيه يا أحمد دي مجرد فكرة، بساعدك أنت مش جبل وكمان أنا مش ثانوية عامة أنا دلوقتي أولى ثانوي يعني مفيش شهادة ولا حاجة تعلم إنه يمكن أن يفكر في الأمر بحساسية قليلاً، فأرادت أن تزيل من خاطره هذه الفكرة .. أما هو فأرمقها نفس النظرة مصرا على قراره - وأنا قولت لا يعني لا مفيش شغل يا نيللي تنهدت بعمق وهي تنظر إلى الجهة الأخرى تتماسك غضبها .. ألتفتت إليه وقالت بشدة وصرامة : - هو انا قولتلك هشتغل النهاردة يا أحمد ؟! .. أنا قولت لو المعاش مكفاش .. ثم أحنا في مركب واحدة مقدرش أشوفك بتغرق وأنا معايا طوق النجاة وأسيبك تغرق نظر لها بتمعن وشرد قليلاً في حديثها، لا يريدها تشقى وهو بجوارها، ﻻ يريد أن تحظى بالتعب فجأة .. يكفي حياتها الماضية مليئة به قبل زوجة عمه .. ولكن من ناحية أخرى فإنه أيضاً يحتاج إلى المساعدة والعون، يدعو الله أن يعطيه القوة ليتحمل ما يقبل عليه مستقبلاً .. بعد تفكير : - ده لو الحمل زاد بس، اقل من كدة انسي أرتسمت إبتسامة عريضة على شفاتيها، فرحة لموافقة أحمد على فكرة عملها .. ردت في حماس شديد : - أتفقنا كان سعيداً بشقيقته على حماسها وتحملها للمسؤلية مبكراً هكذا، ولكن يخشى عليها من التعامل مع الغير .. ولكنه يثق في شقيقته كثيراً، يدعة الله أن يحفظها من كل سوء .. إبتسم وهو يقول بإستسلام : - ماشي يا ستي موافق وأمري لله إبتسمت له هي الأخرى، فوجوده بحياتها من هون عليها صعاب الأيام ومرارها . أخذوا يتبادلون الحديث عن نوعية عمل كل منهم، وكيف يجدون مبرر لرأفت عند خروجهم للعمل .. وكيف يواجهونه بالرحيل من الأساس . لم تطال مدة حديثهم لعدم تأخيرهم خارج المنزل، ويلاحظ رأفت ويسالهم عن السبب .. الحلقة الثالثة من هنا