رواية سر الحياه (العين القاتله) الحلقه الثالثه للكاتبه شيماء جوهر
مرت الأيام كما هي دون أدنى تغيير، معاملة أميرة لها زادت سوء، لم تتحمل هذا الوضع أكثر من ذلك .. صبرت لأجل عمها حتى يبدأ أحمد بتمهيد الأمر معه .
ولكن ﻻ، لم تحتمل السكوت أمامها أكثر من هذا، ودب الشجار بينهم، حيث إنفعلت نيللي في إحدى الأيام من سوء معاملة أميرة معها وشجارها على اتفه الأسباب، فردت عليها بإنفعال شديد .. سقف تحملها قد إنهار الآن فجأة، ولم تعد عمود الأساس التي إعتادت عليه كل هذه السنوات السابقة .
أما أوﻻد عمهما كانا يشاهدان كل هذا بغير فهم، كل أدراكهم إن الأمر كالمعتاد منذ إن كانوا صغارا، وﻻ يعلمون سببه الحقيقي بعد، ولكن الآن الشجار أزداد، فقد كانوا يدافعون عنهم أمام والدتهم، ويمتنعون عن الطعام إن لزم الأمر .
وبعد أخر إجتماع لأحمد ونيللي سوياً، ها قد جائت أهم خطوة على الإطلاق، كان من المفترض أن تحدث منذ وقت طويل .. كيف يتم أخبار رأفت بهذا القرار المفاجأ بمغادرتهم المنزل والإنتقال للمكوث في منزل آخر وحدهم ؟ .. فقرروا مفاجأته في الصباح الباكر اليوم التالي، أي كانت النتيجة ورد فعله .
خرجت نيلي وأحمد من غرفهم حاملين حقائبهم مستعدون للخروج .. أنتظروا إلى أن يستيقظ رأفت .. بعد قليل أستيقظ ووجدهم في قاعة المنزل، تفاجئ بوجود حقائبهم بجوارهم ومن هيئتهم يبدو إنهم مستعدون للذهاب إلى مدى طويل، نظرا لعدم إرتداءهم ملابس المدرسة .
إقترب منهم رأفت متسائلاً :
- صباح الخير يا ولاد..ايه ده
نظرا أحمد ونيللي بعضهم بعض دون أي كلمة بمعنى من الذي يبدء الحديث أولاً .. قطعت نيلي الصمت بينهم وقالت بنبرة هادئة وجدية :
- أتفضل أقعد بس يا عمي الأول وأحمد هيفهمك
جلس رأفت على أقرب مقعد بجانبه وهو ينظر لهم بقلق وفضول .. على نار أشد من جمر، منتظراً معرفة ما يحمله بطياطهم .. فأنهم منذ فترة طويلة لم يتحدثوا معه هكذا .. فحديثهم معه الآن أشابه القليل من القلق .
نظر أحمد إليه في هدوء وقال بنبرة جادة :
- حضرتك عارف إنك أنت إللي علمتنا وربتنا وشلت مسؤليتنا زي ولادك وأكتر، بس أحنا شايفين إن كدة كفاية أوي
نظرله رأفت بعدم فهم :
- كفاية إيه يابني
إسترد أحمد حديثه بنفس النبرة :
- كفاية نتقل عليك أكتر من كدة، حضرتك أستحملتنا كتير وأحنا دلوقتي كبرنا مبقناش صغيرين زي الأول ونقدر نعتمد على نفسنا ونتحمل المسؤلية .. أحنا كان لازم نمشي من زمان بس كنت أجيب مكان نعيش فيه منين، بس الحمد الله دلوقتي مفيش مشكلة إندهش رأفت حقاً مما سمعه .. أحقيقي هذا أم ماذا لم يستوعب بعد ما يقولون :
- إيه إللي أنت بتقوله ده، عايز تمشي وتسيب بيت عمك يا أحمد ؟!
تداخلت نيللي في الحوار وإستردت حديثها هي الأخرى كنوع من الدعم لحديث أحمد :
- مفيش حل غير كدة، هتفضل متحملنا وشايل هم مصارفنا لحد أمتى، بس كمان أحنا تقلنا أوي وبصراحة كدة أحنا حاسين إننا غير مرغوب فينا في البيت ده خاصةً من طنط أميرة، أنا عارفة من الأول إنها مش طايقانا ولا طايقة وجودنا من ساعة إللي حصل وأحنا أستحملنا كتير ومنقدرش نيجي على كرامتنا أكتر من كدة
حقاً رأفت لم يكن على إستيعاب لما يسمع، أحقاً كانوا يعانون من المكوث هنا ؟.. في منزل عمهم وعدم شعورهم بالراحة لما حولهم ؟ .. :
- أنا مش مصدق إللي بسمعه ده !! ..هي عملت حاجة ضايقتكوا وأنا مش عارف ؟
إستردت حديثها بنفس النبرة :
- مش مهم إللي فات خالينا في دلوقتي، ده قرار أخدناه
في ذات الوقت كانت أميرة تقف بالقرب منهم وسمعت حوارهم، أقتربت منهم وتداخلت بإندفاع قائلة :
- نعم بترمي عليا بلاكي يا ست نيللي ؟! .. عملتلك إيه إن شاء الله مش كفاية لميناكي أنتِ واخوكي بدل ما كنتوا تترموا في الشوارع وتتلم عليكوا كلاب السكك، وشايفة عمكوا بيصرف عليكوا من فلوس ولادي وساكتة
وقفوا جميعا صدمة لمداخلتها المفاجئ .. صدم رأفت من حديث زوجته المهين، أخر ما يتصور بأن يسمع منها تلك الكلمات الجارحة .. أهكذا كانت تحمل كرها وحقدا نحوهم ؟ .. إلى هذه الدرجة ﻻ تقبل وجودهم في المنزل ؟! ..
أقترب نحوها وأمسكها من معصمها بقوة وحدة .. نظر في عيناها كأنها سهام تخترق جبهتها في شرر وغضب .. تعالى صوته وإنفعل عليها بغضب :
- أميرة عيب كدة، أنتِ اتجننتي ؟ .. بجد زودتيها أووي، شارع إيه وزفت إيه، ده بيتهم زي ما هو بيتي
بالطبع لم يروق لأميرة الحديث، غضبت كثيراً من حديث رأفت وإنحيازه لهم الكبير .. وضعت كلتا يداها على خصرها وهي تتحدث بإنفعال
- عيب إيه مش سامع بنت اخوك بتقول عليا إيه
كاد أحمد أن في الحوار، لم يستطع إلتزام الصمت أكثر من ذلك إعتباراً لرأفت أن يدافع عن إندفاعها .. ولكن نيللي تداخلت تدافع عن نفسها قالة بعصبية بالغة، فهي لم تحتمل الهدوء بعد، ﻻ يقدم وﻻ يؤخر .. حقاً لقد طفح الكيل :
- أنا مقولتش حاجة ولا عمري غلط فيك، أنا قولت إللي شايفاه وحساهاه قدامي من سنين وساكتة عشان زعل عمي وعملاله إعتبار مش أكتر، لكن لحد الإهانة بالشكل ده وكفاية أحنا مش جايين من الشارع، صحيح ملناش أهل بس عندنا كرامة ومنقبلش حاجة من حد، وعلى الفلوس أحنا ماشين ومش هتشوفينا تاني
ترك رأفت أمير لقترب نحو نيللي .. نظر لها بحدة قائلاً :
- إيه إللي بتقوليه ده يا نيللي !، ده بيت عمك بيتك زي ما هو بيتي يا بنتي، أنتِ ملزومة مني أنتِ
واخوكي لحد ما أوصلك بيت جوزك وأطمن عليك، مفيش خروج يا نيلي من البيت هنا
نظرت له بكسرة نفس، والدموع تنهمر من مقلتيها .. لم تشعر يوماً بأنه منزلها قط، دوماً ما تشعر بأنها غريبة .. مجرد زائرة ليس إلا، مسحت دموعها وردت بتحدى وصرامة :
- لا يا عمي ده مش بيتي ولا كان ولا هيكون، أنا أستحملت إهانات كتير وبسكت أكتر من كدة أنا آسفة
خرج أسلام ومها على أثر صوت الشجار، في بادئ الأمر أعتقدوا بأنه شجار والدتهم كالعادة كل صباح .. ولكن أصبح الآن ليس مجرد شجارا عادياً ..
رأوا هذه الحالة الذين أصبحوا عليها، حالة من الهياج والإنفعال .. وجدوا حقائب بجوار إحدى مقاعد الصالون .. ما هذا يا ترى ؟ .. ماذا يحدث هنا ؟ أصابتهم الدهشة والصدمة ..
نظر أسﻻم على الحقائب ثم ألتفتت إلى نيلاي بصرامة :
- إيه يا نيلي رايحة فين سيبي شنطتك
مها نظرت إلى اميرة بحزن وعدم تصديق، إن كل ما سمعته من كلمات لم تحتملها صادرة من أمها، لم تتوقع أن تصل إلى هذه المرحلة من القسوة .. وقالت :
- معقول إللي سمعته ده يا ماما ؟! .. نيللي مش هتمشي من هنا أبداً
لم يحتمل أحمد كل هذه المهاطرات، لم يحتمل المزيد من الأحاديث التي ليس لها فائدة بعد الآن .. ألتفت إلى نيللي وصاح بها بحدة :
- كفاية لحد كدة، كنا عايزين نمشي بهدوء لا بينا يا نيللي
ثم ألتفتت إلى رافت وقال بنبرة شبه هادئة :
- بعد أذنك يا عمي عايز مفتاح الشقة بتاعة بابا وماما الله يرحمهم، أحنا خﻻص قررنا إننا نعيش فيها، كان ﻻزم ناخد الخطوة دي من زمان وأهو جاه الوقت
أستند رأفت على أقرب مقعد وجلس، لم تحتمل قدماه الوقوف أكثر من ذلك، لم يكن على إستيعاب بعد كل ما حدث هذا الصباح .. أحقاً سوف يتركوه بعد طيلة هذه السنوات ؟ .. نظر لأحمد في ذهول وكأن الدمعة تفر من عيناه :
- عايز تسيبني وتمشي يا أحمد ؟
تنهد أحمد بضيق وحيرة، يخشى إن يضعف أمام حالة رأفت التي يراها أمامه، لم يتحمل أن يراه على هذا النحو .
إقترب نحوه وجلس أمامه .. نظر له وقال بغضب :
- مش بأيدي يا عمي صدقني، أنا أستحملت كتير وصبرت أكتر عشان خاطرك، بس أكتر من كدة مقدرش .. أنا لو جبل كان أتهد .. أرجوك يا عمي أديني المفتاح
تنهد بحزن شديد، شعر بأنه مكتوف اليدين .. نظر له بتساؤل وقال :
- بلاش تسيب البيت يابني وكل شئ هيتصلح، مش هأمن عليكوا وانتوا عايشيين لوحدكوا كدة
تنهد أحمد بحيرة وهوة يقول بنبرة هادئة وصرامة :
- فات الأوان يا عمي، خﻻص مبقاش ينفع الكﻻم ده دلوقتي، العﻻقة بينا مش هينفع تبقى زي الأول وهي كارهة وجودنا هنا .. ثم خﻻص أحنا كبرنا وهنقدر نعتمد على نفسنا، ويكون لينا خصوصية كمان
شعر رأفت بأن أحمد معه حق في كل ما يقوله، ومن الواضح أنهم قاسوا كثيراً في غيابه وهو ﻻ يعلم .. يكفي حقاً ما عانوه أمام عينيه خاصةً ما حدث بالأيام السابقة .. ولكن على الرغم من ذلك يخشى عليهم من المكوث بمفردهم، كيف يطمئن عليهم دوماً وهما ليس تحت ناظريه .. وأيضاً سوف تنتهى مأساتهم مع أميرة .. من الصعب مطاوعة قلبه ولكن ﻻ محال الآن .
بعد تفكير ليس بطويل مد يديه في جيب بنطاله الأيمن وأخرج حاملة المفاتيح، أخرج المفتاح الخاص بشقة عادل وأعطاه ﻷحمد بحزن .. مد أحمد يداه وتناوله بحزن هو الآخر نظر إليه بحزن صامت ﻻ يعرف ماذا يقول .
نظر أسﻻم ومها بعضهم البعض في ذهول، هل بهذه البساطة سوف يرحلون دون أي تمسك ببقائهم .. ﻻ بالتأكيد الأمر أكبر مما يكون حتى يسهل عليهم رأفت الخروج هكذا .
لكن كما يقال "الحلو ميكملش" تداخلت أميرة بالفعل، فلم يروق لها رد فعل زوجها، هل بهذه البساطة سوف يتنازل عن الشقة بعد طيلة هذه السنوات .. يا لها من دنائة التي تسكن في باطن الإنسان، فﻻ يكفيها طرد اليتيمين .. أيضاً تريد الأستفراد بحقهم والأستيلاء عليه ؟! ..
أقتربت نحو رأفت بخطوات تشبه الركض وتعالت نبرة صوتها قائلة بغضب شديد :
- الله الله أنت كمان عايز تديهم الشقة، مش كفاية إللي صرفته عليهم طول السنين إللي فاتت دي
جميعهم نظروا إلى بعضهم البعض في صدمة كبيرة وحقيقية، شعر رأفت بالأختناق، لن يتوقع بأن هذة زوجته التي كان يعيش معها طوال هذه السنوات من عمره، شعرت نيلي وأحمد بالقهر الشديد، تشعر بأنها في كابوس كبير وﻻ تستطيع الإفاقة منه بعد .. لم تستطع أن تتحمل ان تسمع تلك المهاطرات دون أن يكون لها أي رد فعل .
قامت وردت بإنفعال شديد :
- نعم !! هو مش كفاية إللي عملتيه فينا طول السنين دي، وعايزة تمشينا من البيت .. كمان تاكلي حقنا والشقة إللي حيليتنا !! على الأقل الحاجة الباقية من أمي وأبويا عايزة تحرمينا من ده كمان ؟!
وقف أحمد هو الأخر يدعم حديث نيللي، لقد طفح الكيل حقاً، فقال بإنفعال أشد :
- يلا يا نيللي معندناش وقت نسمع الكﻻم الفارغ ده، أنا أعصابي مبقاش مستحملة وممكن أتهور في أي وقت
تحركت نيلي وذهبت لتحمل حقائبها وخلفها أحمد يهم بحمل حقائبه هو الآخر .
لم يتحمل أسﻻم خروجهم بهذه الطريقة، ذهب إلى نيللي بخطوات سريعة أشبه بالركض، وأخذ الحقيبة من يدها .. نظر في عينيها وقال بصرامة :
- لا يا نيللي مش هتمشي من هنا ده بيتك
بعدت يداها ثم ألتفتت إليه والدموع تسيل على وجنتيها بصوت ممزوج بالبكاء :
- لا مش بيتي يا أسلام، ومش هدخل هنا تاني
تنهد أحمد بضيق، لقد فرغ صبره حقاً .. نظر لها وقال بغضب وحدة :
- يلا قدامي يا نيللي
حملت حقائبها ونزلت هي وأحمد على الفور بحالة إنهيار، تكتم صوت بكاءها .. أما أحمد فأمسك بدموعه قبل أن تنهمر، لم يريد أظهارها أمامها لإنها من تستمد منه القوة والأمان، لم يدركوا أن يحدث كل هذا خاصةً ما قالته وفعلته أميرة .
أخذت مها وأسلام ينادي عليهم، على درجات السلم وتوسلات كثيرة ورجاء كي ﻻ يرحلون، ولكن ﻻ حياة لمن ينادي .
أستقلا سيارة أجرة على الفور، وطوال الطريق نيللي تبكي في صمت، فقط دموعها تسيل على وجنتيها، أما أحمد في شرود تام ينظر من النافذة يحاول الأفاقة مما هو فيه، بين الحين والأخر ينظر إليها يجدها على نفس الحال .
وصلا منزلهما الجديدة ،خرجت نيللي من السيارة وساعدت أحمد في حمل الحقائب إلى الداخل .. صعدا بالمصعد الكهربائي إلى إن وصلا إلى الشقة، فتح أحمد الباب ودخلا في هدوء تام يتجوﻻ في أرجاء المكان بتمعن تام .. على ما يعتقدون أنهم ﻻ يحملون أي ذكريات في هذا المكان، نظراً أنهم كانوا صغارا .
أدمعت عيناها أكثر وهي تتجول، تذكرت والديها زاد أشتياقها وحنينها لهم أكثر من قبل، تشعر إنها بالقرب منهم وهي في هذا المكان، الذي مازالت رائحتهم ملتصقة به، وأدركت إلى مدى كانت تعبة ولم تتذوق طعم الفرحة دونهم .
دخل كل منهم ألى غرفته وتﻻمس كل قطعة بها، يا لها من آسرة صغيرة كانوا يستلقون عليها وهم صغارا .. إبتسمت وهي تجلس على فراشها الصغير وتنظر إلى ألعابها باسمة، كأنها تستعيد الماضي التي تحاول تذكر منه شئ .. نفس الحال أحمد كان عليه، على الأقل كان يكبرها ودراية أكبﻻ عنها في هذا الوقت .
أستلقوا على فراشهم وكل منهم يفكر في المستقبل، ماذا يفعلون بعد ذلك يا ترى ؟! .. كيف سوف يعيشون .. بعد وقت طويل من التفكير غلبهم النعاس وناما قليلاً حتى يكون لديهم طاقة لتنظيف الشقة .
منذ إن رحﻻ ورأفت يجلس على الأريكة، منخفض الرأس بين كفيه، يفكر ويفكر يشعر بأنه في كابوس كبير ﻻ يستطيع الأفاقة منه، لم يعد على إستيعاب كامل بعدما حدث، لم يعد يصدق أي حديث تتفوه به أميرة بعد الآن .. أتضحت الصورة اليوم أكثر، علم بأن تلك المعاملة التي أمامه ليست سوى مجرد ستار واهي، تخفي به عن ما تفعله بالخفاء في عدم وجوده، حمد الله أن الحقيقة كشفت .. ولكن بعد فوات الاون .
شعر بأنه اتفق في دور الآب لهم، في دور الرعاية والأمان، بعدما رفع الستار عن ما كانت تخفي عنه ما يحدث معهم .. عجز أن يبقيهم في منزله، ولكن لم يستطيعوا الإستمرار بعد كل ما حدث، لقد تحمﻻ الكثير بكل آسف .
رفع رأسه وجدها جالسة قبله واضعة قدم على الأخرى بكل برود وﻻمبالاه .. أستفزه رد فعلها البارد .. نظر إليها وصاح بها بغضب :
- ممكن أفهم إيه إللي هببتيه ده ؟
ردت ببرود :
- بتزعق ليه ؟ أنا معملتش حاجة أحسن إنهم مشيوا وحسوا على دمهم شوية
وقف وظهرت إنفعالاته كاملة وتعالت نبرة صوته :
- أنتِ إيه البرود إللي أنتِ فيه ده يا شيخة حرام عليك أنا لحد دلوقتي مش مصدق كل إللي حصل ده
نظرت له وهي بنفس الوضعية :
- بصراحة بئة هما جابوا من الآخر، أنا مكنتش قابلة وجودهم في بيتي أصلا
عقد زراعه وقال مستفهماً بضيق :
- يبقي كلام نيللي صح بئة على كدة
تغيرت تعابير وجهها إلى القلق قليلاً، أنزلت قدماها مستفهمة : - كلام إيه ؟
رد على نفس الحال :
- إنك بتعملي حاجات تضايقها من ورانا وهي يا حبيبتي صابرة وساكتة عشان خايفة على زعلي، على آخر الزمن تطردي بنت اخويا من بيتي بعد العمر ده كله، هيصرفوا منين هيعيشوا أزاي حياتهم هتكون شكلها إيه
قامت وعلى سرعة وهي تشيح في وجه بغضب، صاحت بنبرة عالية :
- بقولك إيه يا رأفت أنا مطردتش ولاد اخوك هما إللي مشيو
شعر بالغضب أكثر بعد كلامها هذا، لم يصدق بأن كل ما حدث وتصبح هي البريئة وهم المذنبون، فرد بنفس النبرة :
- كلامك كان كفيل بالطرد، أنتِ إيه يا شيخة مش بدل ما تبقي حنينة عليهم وتعامليهم زي ولادك بالحنية والإهتمام، دول يتامى الأم والأب يرضي مين بس يا ربي عايز أفهم جايبة القساوة إللي أنتِ فيها دي منين ها هكلمهم أزاي
أغلق أسلام باب الشقة وإقترب منهم هو ومها بعدما سمعوا كل ما دار بينهم .. نظر إلى أميرة وقال بعدم تصديق :
- أنا بجد مش مصدق أنتِ يا ماما يطلع منك ده كله، وكل السنين دي كنت فاكرك بتحبيهم وتخافي عليهم زينا، هما ذنبهم إيه لده كله أنا بجد مصدوم من إللي شوفته ومن إللي سمعته، أكيد في حاجة غلط
نظرت مها لاميرة هي الأخرى متعجبة ومندهشة :
- عندك حق يا أسلام، ليه يا ماما كدة أحنا عمرنا ما شوفنا منهم حاجة وحشة أبداً، نيللي مش بس بنت عمي دي أختي وصاحبتي كمان، ليه تكسري قلبها مش كفاية اللي هي فيه والله إللي حصل ده حرام
نظرت لهم أميرة بغيظ قائلة :
- الله يعني أنا السبب يعني في كل ده ؟!، ما هما اللي مخططتين من الأول، يلا عشان الفطار وتنزلوا مدارسكوا
نظر لها رأفت بإستفزار، حقاً أدرك إن الحديث معها دون جدوى مهما قال .. تتصرف كان شيئاً لم يحدث، نظر لها بضيق كبير وقال :
- حد ليه نفس ياكل بعد إللي حصل .. مش واكل
أتجه نحو الباب وخرج بعدما أغلقه خلفه بصوت عالى
أقبل أسﻻم هو الآخر بضيق يقول :
- آه والله ولا أنا كمان هاكل أنا ماشي
خطى بضعة خطوات إلى إن أقترب من الباب .. فصاحت مها هي الأخرى :
- استنى خدني معاك يا أسلام، الواحد مش طايق البيت باللي فيه بعد إللي حصل
خرجت هي وأسﻻم وأصبحت أميرة بمفردها .. توجهت إلى مائدة الطعام وجلست لتناولت فطورها وكان شيئاً لم يكن، ردت ببرود معتاد وﻻ مبالاه :
- ان شالله عنكوا ما أكلتوا، أكل أنا
أتجه كل منهم على إلى موقعه، رأفت إلى عمله .. وأسﻻم ومها إلى مدرستهم وخاطرهم مشغول فيما حدث وما يحدث بعد ذلك .. وكيف أحمد ونيلي يتركون المنزل هكذا .. ما يؤلمهم أيضاً بعدما حدث من أميرة، إنهم ﻻ يرونهم بعد ذلك كل يوم بالمنزل وخشوا بان عﻻقتهما القوية تهتز وتتأثر بما حدث بجانب سلبي عليهم .
فضل أسﻻم أن يحادث نيللي بعد إنتهاء اليوم الدراسي، كي تكون تفرغت قليلاً من عملها بالمنزل .. كان في هذا التوقيت يجلس بغرفته ومعه مها إستعداداً لمحادثتنها والإطمئنان عليها هي وأحمد .. مسك هاتفه وبدء بالأتصال .
تحدث قائلاً عند سماع صوتها :
- ألو نيللي
سمعت نيللي رنين هاتفها، مدت يداها على الكومود وألتقتت الهاتف وردت بصوت نايم :
- ألو مين معايا
رد قائلاً :
- نيلي أنا أسلام
أعتدلت جلستها وهي تحاول الإفاقة، إستردت حديثها :
- آه معلش كنت نايمة مش مركزة
أخفض صوته قليلاً عندما أشارت له مها كي ﻻ تتسمع أميرة إتصالهم، فرد بصوت منخفض :
- عاملة إيه دلوقتي طمنيني عليك
كانت قد تناست قليلاً ما حدث عند نومها، وجاء أسﻻم كي يوقظ ألامها من جديد، تنهد بعمق وهي تغمض عينيها براحة :
- اممم أنا كويسة الحمد الله
رأى إنه حان الوقت لكى يستفهم ما حدث بالضبط ليحدث كل هذا، الذي أشبه بالمجزرة .. وفرصة جيدة في عدم وجود أميرة حولهم كي يتحدثون بحرية كاملة .. فإسترد بدهشة :
- أنا مش مصدق إللي حصل ! ده ايه الحكاية
تنهدت نيللي بضيق بعدما شعرت بالأختناق عندما تذكرت، وقالت : - مش وقت كلام يا أسلام دلوقتي بعدين
تفهم بأنها مازالت أعصابها متعبة من صباح اليوم، تذكر لحظة خروجهما فتسائل :
- أنتِ مرحتيش المدرسة انهاردة
ردت بنبرة مجهدة :
- لا لا مش رايحة تعبانة من إللي حصل ومش فايقة خالص
شعر بأنه أزعجها دون أن يقصد، فبادر على الفور :
- أنا اسف يا نيللي، ألف سلامة عليك، هو أحمد فين ؟
ردت سريعًا هي الأخرى كي ﻻ يشعر بالذنب مما حدث :
- الله يسلمك، أنت مش ذنبك يا أسﻻم، أحمد تقريباً نايم
تنهد بحيرة عندما لم يجد كﻻم لقوله سوى الأطمئنان عليها :
- طيب لما يصحي هكلمه، أنتِ مش عايزة أي حاجة ؟
تنهدت براحة وهي تقول :
- أن شاء الله ماشي يا اسلام، لا شكرا عايزة سﻻمتك
أسلام :
- ماشي سلام دلوقتي
نيلي :
- أوك سلام
بعدما أنهت الإتصال مع أسﻻم، عادت لوضعيتها الأولى ومددت على فراشها محاولة أستعادة النوم مرة أخرى، لكن ﻻ محال .. قامت وذهبت إلى غرفة أحمد، قرعت على الباب لتطمئن عليه هل مازال نائماً إم أستيقط لتوه .. أنتظرت لحظات ولم تجد أي رد .. فتحت الباب بهدوء وادخلت راسها فلم تجده، شعرت بالقلق فعادت إلى غرفتها مسرعة وتناولت هاتفها تجري إتصالا به :
- ألو أيوة يا أحمد، أنت فين ؟
أحمد قلق من نبرة صوتها، فرد بقلق هو الآخر خشى أن أصابها مكروه :
- أنا في الكلية يا نيللي، حصل حاجة ؟ أنتِ كويسة ؟
تنهدت براحة عندما أطمئنت عليه وقالت :
- لا أبداً كتت بطمن عليك قلقت لما مش لقيتك
تنفس الصعداء براحة عندما وجدها بخير، فأجاب بهدوء :
- كنت مخنوق من إللي حصل،قولت جو الكلية هو إللي هينسيني شوية، صعبتي عليا مردتش أصحيكي قولت أنزل ما دام مفيش تنضيف
تنهدت بعمق وراحة وهي تقول :
- طب الحمد الله هسيبك ناو عشان معطلكش، يلا سلام
ضحك وهو يقول :
- تعطليني براحتك يا قمر هكلمك بعد المحاضرة، سلام
أغلقت معه وهي تحنضن هاتفها بسعادة وعادت مرة أخرى إلى نومها .. عند عودة أحمد كانت على يقظة وبدؤا سوياً في تنظيف الشقة .
في صباح اليوم التالى عادت نيللي إلى المدرسة، وعند عودتها أثناء سيرها في إحدى الشوارع، وجدت شخصاً ما يعبر الطريق تعرض لحادث .
ما حدث إن هذا الشخص كان يقف في الجهة المقابلة لنيللي، والمسافة بينهم قصيرة يستطيع رؤيتها بوضوح، ﻻحظت بأن شخص ما يقف وأنصب تركيزه عليها دون أن تدري .. في هذا الوقت كانت عيناها تلمع بطريقة غريبة كان ينبعث منها سحر يسيطر على تركيزه و وعيه، خاصةً عند إنسدال شعاع الشمس على عيناها جعل لها بريق غير عادي .
عبر الطريق وهو مازال ينظر في عيناها بشرود تام، مرت سيارة مسرعة وأطاحت به أرضاً، ثواني معدودة فقد حياته إلى الأبد .. صرخت نيللي بشدة وتبكي بإنهيار شديد من هول ما رأته، تخشبت مكانها دون حراك، شعرت بثقل قدماها .. توقفت عيناها عن البراق وعادت لما كانت ..
الحلقة الرابعه من هنا