رواية سر الحياه ( العين القاتله) الحلقة السادسة


سر الحياة
"العين القاتلة"
الحلقة السادسة
بعد قليل أستعدت نيللي للخروج من المشفى بمساعدة أحمد، بعدما حصلت على عصا طبية كي تستطيع الحركة بها .. ودعهما آسر وهو سعيد برؤيتها والتعرف عليها .. عيناه لم تتلاشى عنها إلى إن أختفت عن ناظره .
طوال الطريق والبسمة لم تفارق شفاتاها، كانت سعيدة بداخلها وﻻ تعرف السبب .. ولكن سرعان ما تلاشت تلك الإبتسامة بمجرد أن تذكرت ما حدث قبل الحادثة .

وصلا المنزل وساعدها أحمد في الصعود ودخول غرفتها كي تستريح .. أرخت جسدها الصغير على فراشها، وأراحت قدمها على وسادة صغيرة .. تركها تستريح وأتجه إلى غرفته ليستريح هو الأخر، فحمدا لله على هذا الحد .
لم تستطع أن تمحو حوار صديقاتها من دائرة أفكارها، يا لها من شئ مرعب عندما تكتشف أنك أصبحت أكثر غرابة عن نفسك قبل الأخرين، ﻻ تشعر بتغيراتك بل من حولك هم من يشعرون بها وأنت ﻻ تدري ..
فغير ممكن أن تصدق شئ من حوارهن، ﻻ مجال من ذلك، رغم إنها ﻻ تصدق وﻻ تعرف ماذا يحدث لها والحوادث التي تعاقبها .. ألا ليس من الممكن أن تصدق بتحول عيناها مهما كان الأمر .. فهي ليست حرباء كي تغير لونها حينما تريد على الأطلاق .. وﻻ حالة نادرة تتحول لون عيناها صباحاً ومساءا .. إنما تتحول لمجرد النظر إليها، فهي الغرابة بأكملها .

أحمد لم يشعر بالراحة لما يحدث مع شقيقته، بداية منذ فترة ليست بطويلة حادث على طريق البحر، والآن صدام بسيارة أثناء عبورها الطريق .. فلن يكون مطمئنا وهو يتركها وحدها في كليته، وﻻ يدري ماذا حدث لها وهو ﻻ يعلم .. قرر أن يتحدث إليها ليفهم ما سبب الحادث بالضبط .
خرج من غرفته وأتجه إليها، قرع على الباب ودخل بعدما أذن له بالدخول .. وجدها مازالت مسطحة على فراشها تنظر إلى سقف الغرفة، فاقت من شرودها عند سماع غلق باب الغرفة .. إقترب منها وجلس على طرف فراشها .. فأرتسم بسمة صغيرة على ثغره وهو يقول :
- حمد الله علي سلامتك كدة تقلقيني عليكي
تدرك نيللي جيداً بأنه يخاف عليها كثيراً، ويقلق بشأنها أكثر .. تشعر بالأمان وهو يحتويها هكذا ويصد عنها أي مكروه، وﻻ يتحمل أن يكون قد أصابها شيئا ما، فهو ليس مجرد أخيها فحسب .. بل صديقها وأبيها، كل شئ بحياتها .. فهي فرحة بإهتمامه و وجوده قربها .. أرتسمت إبتسامة عريضة على ثغرها وهي تحاول طمأنته على حالها :
- الله يسلمك أنا كويسة دلوقتي بجد، متقلقش عليا .. الحمد الله
إسترد حديثه بنبرة حانية :
- حاسة بحاجة ؟
إبتسمت وهي تقول :
- ألم بسيط بس


نظر لها بإهتمام ثم أستكمل جواره بجدية :
- ها قوليلي إيه إللى حصل في الكلية، كلمتيني صوتك مكنش عاجبني أبداً، حصل إيه ؟
تنهدت بحيرة وقلق وهي تقول :
- يمنى ورنا قالولي إني بتحول
إندهش أحمد مما سمع، ماذا تقصد بالتحول ؟ .. ألتفت إليها على الفور بتعجب ورد متسائلاً :
- نعم ! بتتحولي يعني إيه ؟
رفعت منكبيها إلى الأعلى وقالت بتفكير :
- مش عارفة، قالولي لما حد بيبصلك ويركز أوي عنيكي بتتحول
قضب جبهته بعدم فهم، فمازال الحديث مبهم له وهو يقول :
- بتتحول أزاي يعني ؟
أجابت بنفس النبرة :
- مش عارفة، بس قالولي بتتحول للون الموف أو البينك الغامق أول ما حد يبصلي بتركيز
شرد أحمد في هذا الحديث العجيب، ثم نظر إليها وقال بتعجب :
- حاجة غريبة جداً إللي بسمعه ده يا نيللي
بعد تفكير كانت تربط الخيوط بعضها بعض، ألتفتت إليه قائلة :
- تفتكر إن ده ليه علاقة بالحوادث إللي بتحصلي ؟ .. أنا حاسة إني مش طبيعية
ﻻ يريد أن تشعر بأنها مختلفة عن غيرها بما يحدث لها، وﻻ يربط الأمور ببعضها البعض كي تعيش بسلام دون وقت مبالغ في التفكير، فقال مسرعاً :


- ﻻ طبعاً الحوادث دي من غير سبب وملهاش علاقة بكدة أبداً، كل ده صدف مش أكتر وأوعك تقولي كدة أنتِ طبيعية
نظرت له بتهكم وتعجب، لم تزن كلماته بعد .. أيقول بأنها طبيعية بعدما كل ما حدث لها وهو شاهد ؟ .. صاحت به بضيق وهي تقول :
- طبيعية!! أومال الحوادث إللي بتحصلي دي إيه ولون عيني إللي بيتحول .. وخوف مرات عمي مني ده تسميه إيه
تنهد بعمق وهو ينظر إليها، فرد بهدوء كي يمتص غضبها:
- أكيد بيتهيألهم أو عنيكي بعكس اللون إللي قدامك، إنما بتتحول دي جديدة .. ثم قولتلك الحوادث دي مجرد صدفة بتحصلك مش أكتر
شعرت بالغيظ أكثر من هدوئه، وأخذ الحوار بأنه شئ عادي وما يحدث لها طبيعي للغاية .. مجرد صدفة، وهي التي تعيش في كل هذا وﻻ تعرف تحديده ما يكون، فصاحت به غاضبة :
- يا سلام يعني الاتنين بيتهئألهم مش معقول، وأنا بئة أن شاء الله كل الحوادث صدف بردو .. أي حد يتهبب ويجراله حاجة صدفة بردو .. ﻻ قول كلام يتعقل الأول
يعلم بأنها لن تقتنع بما يقول دون أن يقدم لها تفسير طبيعي ومنطقي، فصاح بها قائلاً بحيرة :
- ماهو مفيش تفسير منطقي يفسر إللي بيحصل ده دلوقتى إلا كدة .. وإﻻ بالشكل ده هنتجنن يا نيللي .. طيب رنا ويمنى يعرفوا حاجة عن الحوادث إللي بتحصلك دي
صاحت به نافية :
- لا أشمعني ؟
تنهد براحة من إجابتها، يجب أن يستقر الوضع بينهم أولاً، ولا يخرج ما حدث عن دائرتهم، فهدء من روغه وهو يقول بنبرة هادئة :
- كويس مش لازم يعرفوا حاجة دلوقتي
تعجبت نيللي من تلك الجملة، هل ما يحدث لها سر من الأسرار التي ﻻ يمكن كشفها ؟ .. هل هي خطيرة للغاية وهو يقول لها هكذا ومع العلم بأنها ﻻ تعلم أي شئ بعد ؟ .. نظرت له وقالت بعدم فهم وحيرة :
- أنا مش فاهمة إيه إللي بيحصل
تنهد بحيرة وإنفعل دون أن يدرك :
- مش معقول يا نيللي عينك بتتحول، أنا عمري ما شوفتها متحولة عينك طبيعية معتقدش إن عينك تكون سبب الحوادث
لقد تعبت حقاً من أمرها وﻻ تعرف ماذا تفعل أو بما تفكر .. أدمعت عيناها بسبب إنفعاله وصراخه بوجهها، تعلم بأنه مضغوط مثلها، ولكن ﻻ يد لها فيما يحدث .. فصاحت به غاضبة :
- وأنا مالي بتتخلق عليا ليه .. أومال هتكون إيه حاجة كدة من غير سبب يعني
تنهد أحمد بضيق وغضب عن نفسه، ﻻ يعرف كيف صرخ بوجهها هكذا وهي بها ما يكفي من متاعب، هذه المرة الأولى أن يفعل ذلك ويغضب عليها، إنه متفهم ﻻ دخل لها بما يحدث ولكن شئ غير طبيعي يراه وﻻ يجد له تفسير، بالإضافة إلى التحول الجديد، جعله مربك ولم يشعر بنفسه .


إقترب منها بهدوء وضمها إليه بزراعه، وجدت نفسها في بر الأمان وهي بداخله وبكت، على الرغم إنه سبب بكاءها .. ربت عليها برفق وحنو وهو يقول بنبرة هادئة :
- أنا بجد آسف، مكنش قصدي أنتِ عارفة، بس الموضوع حقيقي غريب ملقتش حاجة ف الطب أصلا ممكن نتكلم على حاجة كدة .. أسمعي يا نيللي كبري دماغك من الموضوع ده ومتشغليش نفسك بيه، وزي ما قلتلك أكيد عينيكي بتعكس الألوان متقلقيش
مسحت عيناها وهي ترتسم إبتسامة صغيرة على ثغرها، فحديثه معها شعرها بالأمان وليست بمفردها بعد .. ردت بعد لحظات وهي تقول :
- ربنا يستر من إللي جاي بعد كدة، مش مطمنة بالمرة
ربت عليها مبتسما ثم قال :
- متقلقيش أن شاء الله خير ايه الي بيحصلي ده
فكر بأن يخرجها من هذه الحالة التي عليها ويغيير حالتها النفسية .. إبتعد عنها قتيلاً حتى أصبحت قبله وقال بمزاح :
- شكلك ماكلتيش حاجة من ساعة ما كنتي في الكلية، تحبي تكلي إيه ؟
نيللي بإبتسامة :
- أنت عارف كويس أنا بحب إيه
ضحكةوهو يقول : ههههه آه صحيح برجر فراح .. هوا والأكل يكون جاهز
إبتسمت وهي تقول بحب :
- ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً
بعد أن خرج حازم من مكتب آسر لتوديع نيللي .. بعد قليل عاد إليه مرة أخرى، قرع على الباب فلا مجيب، قرع مرة أخرى بلا جدوى .. حسم أمره وفتح الباب، تفاجئ بعدم وجوده .. أين ذهب يا ترى بعد توصيلهما ؟ .
خرج على الفور وقابل الساعي في ممر مكتبه، فأوقفه متسائلاً :
- الدكتور آسر فين ؟ .. مش موجود علي مكتبه
رد الساعي قائلاً :
- دكتور آسر في المعمل، لسة موديله القهوة حالاً
لم يخطر في باله بأنه يمكن أن يكون في المعمل الآن، ألتفت إليه وقال:
- اها صح أنا نسيت، ياريت فنجان قهوة مظبوط
على المعمل بسرعة
الساعي :
- حاضر يا دكتور
***


تركه وأتجه إلى المعمل، وجد آسر منهمكا في بحثه كثيراً كعادته .. ﻻ يعرف إلى أي مدى سوف يصمد في هذا البحث المبهم .
إقترب منه وجلس على المقعد المقابل له، قائلاً بمزاح :
- هههههههه دكتور المستحيل
لقد أعتاد آسر على مزاحه، ومناداته بهذا الأسم، فضحك هو الأخر وقال :
- هههههه أهلاً حازم مستحيل!! ماشي
قال حازم متسائلاً وهو ينظر للأوراق التي أمامه على سطح المكتب :
- لسة شغال في أبحاثك ؟
منذ إن رحلت نيللي ويلح على آسر أمراً ما يريد تحقيقه، فنظر له وقال بإهتمام وجدية :
- ايوة، بقولك إيه سيبك منها دلوقتي عايزك في حاجة
ألتفت إليه وهو يقول :
- أؤمرني خير
إسترد آسر حديثه بنفس الإهتمام قائلاً :
- الفحوصات كل اسبوع إللي هتعملها نيللي، عايز التعامل يبقي بيني وبينها
مش بينها وبين الدكتور
إندهش حازم من طلبه، فتسائل قائلاً:
- ليه كدة ؟
أجاب مبرراً :
- الدكتور مش فاضي عنده شغل كتير وقالي بما إنها معرفتي وأعرفها هتابع
معاها وكدة، وشكله نسي الموضوع وأنا محروج أقوله فهمت بئة
بعد تفكير، ما دخله هو بالأمر فنظر له متسائلاً :
- وأشمعني أنا يعني
نظر له آسر بضيق على أستفساراته المتكررة :
- إيه الغتاتة دي، عشان أنت أقربله وتعرفه أكتر مني، عرفت بئة
نظر له حازم بخبث، أدرك جيدا السر الخفي خلف طلبته، فضحك وهو يقول :
- ههههه ماشي يا دكتور المستحيل
أستفزه كثيراً تلك الضحكة وأسلوب حديثه كأنه أجرم في شئ، أدار وجهه بضيق وهو يقول :
- تصدق إنك رخم يا تقعد ساكت عايز أركز في شغلي، يا تروح على مكتبك
ضحك حازم بشدة، فقرر التوقف عن أسلوبه هنا :
- ههههه خلاص خلاص ماشي

في صباح اليوم التالي ذهبت نيللي إلى الجامعة، بعد نقاش طويل وإلحاح مع أحمد بأنها أصبحت بخير الآن، وكل ما في الأمر شرخ بسيط ليس ألا، ولم يكن كسرا .. بعد مفاوضات عديدة وافق على مضض .
قام بتوصيلها وأطمئن عليها مع صديقاتها، اللآتي أقبلن عليها بقلق عندما شأهدناها بقدمها المجبسة .. تركها أحمد وذهب لكليته ..
جلسوا على أقرب مقعد في الكافتريا قبل بدء المحاضرة الأولى .. أقبلت عليها يمنى بحزن قائلة :
- ألف سلامة عليك يا نينا، إيه اللي حصل ؟
ردت بهدوء قائلة : الحمد الله جات سليمة، حادثة بسيطة
ألتفتت إليها رنا بإهتمام وهدء قائلة :
- أحكلنا حصل إيه بالظبط
بدئت نيللي بقص ما حدث :
- امبارح وأنا مروحة بعدي السكة كنت سرحانة ومش في وعيي، فوقت على صوت الفرملة مسمعتش صوت كلاكسات العربية، وقعت نزل من العربية شاب كدة وسيم وامور، تقوليش وقعت في فيلم لسعاد حسني .. المهم بعد محايلات منه وافقت انه ياخدني المستشفى بالعافية، كنت محرجة دي كلمة وﻻ حاجة على إللي كنت فيه لولا رجلى مكنتش قادرة أقف عليها أصلا، وهناك مسابنيش لحظة طلع دكتور بيشتغل في المستشفى، وقعدنا نتكلم مع بعض الوقت عدي بسرعة لحد ما أحمد جه طلع برة وسابنا
نظرت بها رنا ضاحكة وهي تقوم بغمزها :
- ايوة بئة يا سيدي وأسمه إيه على كدة
نيللي عندما تذكرته وبدءت بالحديث عن الأمر، شردت فيما حدث وحوارهم سوياً، فردت بهيمنة دون أن تدري وهي مبتسمة :
- آسر عبد الرحمن
أبتسمت يمنى وهي تقول بإهتمام :
- ها أحكي وبعدين
إستردت حديثها بنفس النبرة والحالة :
- لو تشوفي ذوقه في الكلام ولا إحترامه
صفقت رنا وهي تضحك على حال نيللي، لأول مرة تراها تتحدث عن شخصاً ما هكذا، فقالت لها غامزة بمزاح :
- ههههه الله بئة إيه الهيمنة دي كلها وقعنا ولا إيه يا نيللي
نظرت لها نيللي بغضب، ﻻ تحب أن يفسر من حولها حالها بطريقة غير صحيحة .. فقالت بضيق :
- بس يا بت أنتِ لا طبعاً، أنا معجبة بس بشخصيته
نظرت يمنى أمامها فجأة وقالت بضيق :
- هو الجدع ده وراكي وراكي يا نيللي، مبيتعبش أبداً
نظرت لها بإتجاه ما تنظر إليه يمنى :
- فين ده ؟ ماله ؟


رنا ألتفتت إليها مستردة بضيق وتعجب :
- واحد كدة كل ما يشوفك ويلاقيكي قاعدة يجي وراكي يتنحلك ويسرح في عنيكي ويتصدم
تنهدت نيللي بضيق وهي تطرق على سطح الطاولة أمامها، لقت تعبت حقاً من هؤلاء جميعاً .. أقتربت أن تكره عيناها بسبب ما يحدث .. فردت بضيق :
- أنا تعبت بجد من الموضوع ده ، انا قربت أكره عيني بسبب كدة

مازال ذاك الشخص ينظر لها ويتمعن في عيناها بدقة، وهو يهم بالحركة من المكان بعد إن لاحظ بإكتشافه قبلهن، صدم بشجرة وأصاب بجروح بسيطة في رأسه .
رنا شاهدت ما حدث ولم تتوقف عن الضحك :
- يا خبر شوفتي ههههههه
نظرت لهن بضيق فهن يرن الأمور ببساطة، لكن ﻻ يعلمن كم عيناها تسبب لها المتاعب والمشاكل، وليس كما يرن بفتاة جميلة تتعرض للمغازﻻت بسبب عيناها .. تدعو الله أن يختم هذا اليومةعلى خير .
ضحكت يمنى هي الأخرى وقالت :
- ههههههه يا عيني ده اتصدم
لم تتحمل نيللي أكثر من ذلك، فرطقت على الطاولة بضحك وهي تنظر لهن وتقول :
- أنتوا بتضحكوا على إيه، خلاص بئة
توقفت رنا عن الضحك بعدما شعرت بغضبها :
- خلاص يا نيللي أصلك مشوفتيش شكله
نظرت يمنى على نيللي لتجدها حقاً غاضبة، عاقدة زراعها وأدارت وجهها للجهة الأخرى .. شعرت بالضيق لأجلها هي الأخرى، فنظرت على الفور لرنا كي تتوقف فقالت بحسم :
- خلاص بئة يا رنا كفاية ضحك
قالتى نيللي في نفسها بصوت يكاد أن تسمعه هي "أنتوا مش فاهمين أي حاجة من إللي بتحصل دي"
وضعت رنا يديها على فمها وقالت بقلق وهدوء :
- خلاص اهو سكت
حسمت نيللي أمرها وقامت وهي تقول بضيق، فلن تتحمل أكثر من ذلك :
- يلا أنتِ وهي قدامي على المحاضرة
***
منذ رحيل أبناء أخيه من المنزل وهو يشعر بأنه خاوي، ينقصه شيئاً ما، أشتاق إليهما كثيراً وقلق على مكوثهما بمفردهما هكذا .. يشعر بالذنب من كونهم رحلا هكذا، وعلاقتهم أهتزت ..
كانوا يجلسون على مائدة الطعام يتناولون الغداء، حيث رجع أسلام ومها مبكراً اليوم إلى المنزل .. ترك رأفت الطعام وألتفت إلى أسلام قائلاً :
- ولاد عمك وحشوني اوي يا اسلام عاملين ايه
نظر له أسلام وقال بهدوء :
- كويسين يا بابا الحمد الله


عندما سمعت أميرة سيرتهم غضبت كثيراً، فقد أزاحتهم عن طريقها أخيراً، فلا تريد أرجاع ما مضى مرة أخرى .. فقالت بضيق :
- إيه إللي جاب سيرة ولاد أخوك دلوقتي
تنهد رأفت بضيق، لن يتحمل ردود فعلها بعد ذلك .. يكغي ما فعلته بهم، يكفي حرمانه منهم وسوء علاقتهم .. فنظر لها بإنزعاج وقال :
- سيرة !! وهو أنا كل ما أجيب سيرة ولاد اخويا تقولي نفس الموال، ده مش كفاية إللي حصل وأتحرمت من رؤيتهم
لقد أدركت مها تماماً ما مدى تحمل نيللي وعذابها في هذا المنزل من اميرة دون شكوى، وفي الفترة التي إقتربوا فيها لبعض أدركت ذلك .. ألتفتت إليها وصاحت بها بضيق :
- كفاية بئة يا ماما مش كل شوية تتكلمي عنهم بالشكل ده، في إيه كفاية إللي هما فيه وأهم مبقتيش تشوفيهم، عايزة إيه تاني
بالطبع لم يروق لها حديث أبنتها، وهي تكتم غيظها بأن أبنتها تدافع عنها هكذا وﻻ يوجد أحداً منهم في صفها .. كادت أن تهم وتتحدث وهي غاضبة هكذا، هم رأفت قاطعها متعمداً حتى ﻻ يتسع مجال الحوار في هذا الشأن وهو يعلم مطافه جيداً .. فقال وهو يلتفت لأسلام :
- بتشوفهم يا أسلام أنت ومها ؟
زاد غيظ أميرة، فأدركت جيداً بأن رأفت تعمد مقاطعتها، فتدخلت عندا في الحوار بنبرة إستفزازية :
- أكيد بعد إللي حصل قطعوا علاقتهم بيكوا
نظر أسلام لها بضيق ورد بتحدى وثقة، لأنه يعلم الهدف من كلامها جيداً :
- لا يا ماما بالعكس علاقتنا بقت قوية جداً، وودية كمان بنزورهم وبنكلمهم أحمد على طول بشوفه عشان كمان في كلية واحدة ومها كمان بتشوف أحمد، أما نيللي أنا ومها بقالنا كتير مشوفنهاش إلا كل فين وفين عشان كليتها من ساعة الحادثة
عندما سمع رأفت كلمة "حادثة" تجمد الدم في عروقه، وأتسعت عيناه دهشة ..هذا ما كان يخشاه أن يصيبهم مكروه وهما على بعد منه، نظر إلى أسلام بصدمة ودهشة قائلاً بخضة :
- حادثة !! حادثة إيه .. أمتى .. وأزاي
نظر أسلام ومها بعهم البعض في قلق وتوتر، نظرة مها توحي بالعتاب .. كيف تجرد من لسانه وأطلق هذه الكلمة أمامه .. ماذا هم بفاعلون الآن ؟
تدخلت مها في الحوار مرتبكة، كي تصحح ما أقترفه أخيها مها بتوتر :
- أبداً يا بابا دي حكاية قديمة من سنة كان في حادثة قريبة من مدرسة نيللي على
البحر ومن صدمتها وخوفها معرفتش تروح، فأتصلت بأحمد يجي ياخدها
هل الوضع أصبح هكذا ؟ .. ﻻ يعلم عنهم شيئاً مما يحدث لهم وهو قريب منهم وهم بعيد، ومنذ متى .. سنة !! ..
نظر لهم بدهشة وهو يقول :
- إيه سنة بحالها !! .. وحاجة زي دي تحصل ومحدش فيكوا يقولي إللي جرا لولاد اخويا !!
نظر أسلام لمها بتردد كان متوقع بأنه سوف يأتي يوما ما ويدرك ما يحدث، فنظر له وقال بتردد وإحراج :
- بصراحة كدة يا بابا أحمد هو إللي حرج عليا إني أقولك عشان ميحصلش مشاكل بسببهم، و خاصًا مشاكل مع ماما
نظر له رأفت بعدم تصديق، بداخله مشاعر متداخلة وﻻ يعرف ماذا يفعل إذاً، فقال بدهشة :
- مش معقول أد كدة خايفين على زعلي ؟!!
تداخلت مها لدعم حديث أسلام بعدما تشجعت :
- أيوة يا بابا وكانوا رافضين إننا نقولك عشان كدة


تنهد أسلام بضيق وهو يقول بحزن :
- من ساعة أما مشيوا وسابوا البيت وحاسس إن البيت في حاجة ناقصاه
نظرت له مها مدعمة هي الأخرى :
- فعلاً يا أسلام، حتي السفرة ملهاش طعم
شعر رأفت بالذنب أكثر فأكثر، رد بحزن وألم :
- حقكوا عليا يا ولاد، أنا قصرت في حقهم يوم
ما سيبتهم يمشوا من البيت
بالطبع أميرة فاض بها، لم تستطع تحمل كل هذه الدفاعات عنهم، من هم كي يتعاطف معهم الجميع هكذ ؟ .. خاصةً نيللي .. فصاحت بهم قائلة :
- قصرت إيه أنت مربيهم معلمهم ماكلهم مشربهم هما كانوا يطولوا حاجة من إللي كانوا عايشين فيه ده !
لقد طفح الكيل حقاً ما هذه المرأة ياترى؟! .. من أي طين قد خلقت، فاض به من الحوار معها قام بغضب وهو يقول بإنفعال :
- عايز أفهم أنتِ جايبة القسوة دي منين ها ! .. الرحمة مش كدة دول يتامي ملهمش غيري .. أيوة قصرت لما خلتهم يمشوا من بيتي بالساهل كدة، مماشوش بإرادتهم .. وأنت عارفة كدة كويس كل السنين دي وبتعمليها وحش وهي مستحملة وساكتة عشاني وبتعمليها مش كويس من ورا ضهري
تحرك بخطوات سريعة أشبه بالركض لكي يرحل سريعاً وﻻ يسمع المزيد من المهاطرات .. فغضب كثيراً لرحيله هكذا فصاحت به :
- أستنى هنا أنت رايح فين
مش هتفطر الأول ؟
يا له من برود، بعد كل هذا وتفكر بالطعام .. فرد بضيق :
- هو حد ليه نفس يفطر بعد إللي حصل !! .. أنا رايح على شغلي أحسن
أكمل طريقه وخرج سريعاً .. نظر أسلام ومهما لبعضهم البعض ورحلا بهدوء دون إبداء أي كلمة وخرجا هما أيضاً، وتركوا أميرة بمفردها تستشاط غضباً

بعد إنتهاء اليوم الدراسي، آتى أحمد لمصاحبة نيللي إلى المنزل .. وبعدها غادرن معا وأخذن يتبادلون الحديث .
بعد تفكير ألتفتت رنا ليمنى قائلة :
- يمنى بقولك إيه
ردت يمنى قائلة :
- ها نعم
إستردت حديثها بتفكير وقالت :
- ملاحظتيش حاجة غريبة حصلت النهاردة ؟
لم تطمئن من تساؤلات رنا، نظرت لها بقلق وردت بتساؤل :
- حاجة إيه دي ؟
أجابت رنا بدهشة :
- عيون نيللي أتحولت .....


الحلقة السابعه من هنا
SHETOS
SHETOS
تعليقات