رواية سر الحياه ( العين القاتله ) الحلقة التاسعه


سر الحياة
"العين القاتلة"
الحلقة التاسعة
تستيقظ نيللي لبضعة دقائق وتغلق عيناها مرة أخرى، عندما تشعر بحرقتها .. تتحول عيناها وتعود لطبيعتها كلما أغلقت وأستيقظت مرة أخرى ..
ﻻ تعرف ماذا حدث لها، تحاول بقدر مستطاع أن تتذكر ما حدث ..ولكن دون جدوى، كأنها فقدت الذاكرة .. بعد جهد أغلقت عيناها وإستسلمت للنوم .
إستيقاظها لعدة مرات ولم يلاحظ أحمد البتة ذلك، كان يجلس في شرود بعدما تركه آسر، نظر إليها وجدها في سبات عميق، خرج ليتركها تستريح قليلاً .
جلس بالخارج في الإستراحة، يحاول أن يربط الأحداث بعضها بعض، الشكوك والظنون تكاد أن تقتله ببطئ شديد، يحاول معرفة سر ما حدث قبل أي شخصاً كان .
ظل يتابع بعينيه ما يحدث في تلك القضية، حال كل من بالمشفى ﻻ يسر .. لاحظ تتابع بعض الرجال في الدخول والخروج من الحمام، يبدو أنهم عمال آتوا لإصلاح ما تم تدميره وخرابه .
دقائق وأقبل عليه آسر، فقد تركه ليتفقد الوضع بالخارج ويشاهد أخر التطوات، جلس بجانبه وهو يقول :
- أخبارها إيه دلوقتي ؟
ألتفت إليه أحمد ورد بتساؤل :
- لسة نايمة، المعمل الجنائي مشي ؟
أجاب آسر وهو ينظر للأمام :
- اها مشي وبتطور في الحمام ونشوف الخساير اللي حصلت .. ياترى إيه السبب ؟ .. البوليس ذات نفسه مش عارف
قال أحمد بشرود وتفكير، يحاول طرد الهواجس التي تحوم عقله :
- إللي حصل مش طبيعي، ممكن يكون ماس كهربي ولا حاجة
رد آسر بتفكير وهو يلتفت إليه بتعجب :
- يمكن بردو إحتمال وارد .. بس معتقدش بردو إن الماس ممكن يخلع الأوكر
شعر أحمد بالتوتر من نبرة آسر في الحوار، يشعر بأنه لن يترك الأمر يمر مرور الكرام، بل سوف يبحث عنه .. وإذا صادف بالفعل إن الأمر تعلق بنيللي، سوف يؤثر على حياتها كثيراً وستتعرض للمشاكل ..
قرر تغيير الحوار أو غلقه أفضل، ليستطيع التفكير جيداً ويجد تفسيراً وينقذ شقيقته قبل وصول آسر إليه فقام سريعاً وهو يقول :
- طيب أنا داخل أطمن عليها، عن أذنك
قام آسر هو الأخر متفهم وضعه :
- أتفضل، وأنا هعمل حاجة في مكتبي وجي على طول
***
عاد أحمد إلى نيللي وجدها مازالت نائمة، جلس بجانبها وهو ينظر لها بتمعن شديد، تعمق في شروده وهو يفكر فيما حدث وحوار آسر معه، وفيما يحدث لها فيما بعد .. أيمكن أن تكون سبباً فيما حدث ؟ .. وإذا تبين ذلك بالفعل ماذا يفعل حينها با ترى ؟ ..
التفكير كاد أن يفجر رأسه .. فجأة فاق من شرود قائما وعاد على الخلف في دهشة، وهو ينظر في عيناها بصدمة وأعين متسعة، تخشب في مكانه وعجز لسانه عن النطق .
أغلقت عيناها، وفرك عيناه جيداً يريد التأكد مما رأه، يمكن أن يكون هلاوس أو تهيئ له شيئاً ما .. إقترب منها بحظر شديد وهو ينظر لها، أستيقظت مجدداً وعندما رأه حالها تخشب، والصدمة أرتسمت على قسمات وجهه .. وجد أعين نيللي متحولة .. ثبت دقائق وهو ينظر بتمعن في عيناها، وردية اللون؛ توتر وإرتباك، أمسكها من منكبيها وقام بهزها بعنف وهو يصيح بها كي تفيق .
فاقت من سكونها بعدما شهقت عالية، كانت قد عادت روحها من جديد، وعادت عيناها لطبيعتهما، لم تستطع التنفس فأخذت تتنفس بصعوبة .. بعدما هدئت من روعها، إعتدلت نصف جلستها بدهشة وهي تنظر حولها بغرابة .
ألتفتت لأحمد بتعجب وخوف، وهي تتسائل :
- أحمد .. أنا بعمل إيه هنا ؟!
جلسة قبالها بدهشة وجدية فقال :
- نيللي أنتِ أغم عليك بعد الحادثة وجبناكي على هنا
نظرت له بدهشة، ما الذي يقوله لتوه .. كيف ومتى ؟ .. ردت على الفور بتساؤل وإهتمام : حادثة !! حادثة إيه ؟ .. إيه إللي حصل ؟
أحمد نظر لها بتمعن وقال بتساؤل :
- أنتِ مش فاكرة إيه إللي حصل ؟ .. أنتِ كنت واقفة وموجودة في الحادثة
نظرت له بإندهاش ونافية لما يقول :
- لا مش أنا مكنتش موجودة، حصل إيه ؟
أتسعت عين أحمد بذهول، ماذا حدث لها ؟ .. لما الإنكار وكل شئ أصبح عاريا أمام الجميع، صاح بها بصرامة وهو يفول :
- نيللي أنتِ بتهزري ؟! .. أومال مين إللى كانت واقفة في الحمام وشيلتها دي ؟! .. الحمام مدمر وغرقان، والإزازعلى الأرض وإصابات، حاجات غريبة حصلت
ما الذي يقوله ؟ .. أين كنت بالتحديد ؟ .. إلى أين ذهبت ؟ .. ما الذي يتحدث عنه، حادثة ودماء .. مياه منسكبة وزجاج منكسر .. متى حدث كل هذا، وأين كنت حينها ؟ ..
صراع داخلى بأنها مذنبة دون أن تدري، وبراءتها بعدم علاقة لها بما حدث .. هذه التساؤلات تحوم حولها مثل الفك المفترس، تحاول القضاء عليها بكل الطرق .. لم تحتمل التفكير أكثر من ذلك، ضوضاء وأصوات عالية ..
نظرت له بدهشة وهي توئم برأسها يميناً ويسارا كنوع من أنواع طرد هذه الأفكار، مسكت رأسها كأنها تغلق أذنها من محاولة إقتحامها، سال الدمع على وجنتيها وصاحت به شريدة :
- كل ده حصل أمتى، أنا مش فاكرة حاجة
أمسكها أحمد من معصمها يحاول تهدئة روعها قليلاً، نظر لها وقال بجدية مشوبة بقلق :
- أهدي يا نيللي وأسمعيني كويس .. لازم تفتكري عشان أقدر أساعدك
نظرت له بتعجب والدموع تسيل بإنهيار .. لم تكن على إستيعاب لما يقول، تشعر بنبرته ونظرت إليها بأنها مدانة بالفعل، بأنها على علاقة بما حدث وهي ﻻ تعرف ماذا حدث بالفعل، ردت بنبرة متقطعة وهادئة من البكاء :
- تساعدني ؟! .. في إيه !! .. أنا مش فاهمة حاجة ومش فاكرة حاجة
حالة نيللي أكدت من شكوك أحمد التي بداخله، شعر بالفعل بأنها على علاقة بما حدث، خاصةً بعدما صدم بما رأه .. فواجهها بالحقيقة قائلاً :
- نيللي أظاهر كلام يمنى ورنا صح، عيونك أتحولت
نظرت له بشفاه مرتعشة، لم تصدق ما يقول، ظنت بأنه حديث عابر ولم يتكرر ثانياً، فما الذي يقوله اليوم هو الأخر، ردت على الفور نافية لما يقول :
- إيييييه لا لا مش معقول .. أنت هتعوم على عومهم وﻻ إيه
تنهد أحمد بعمق، يدرك جيداً بأن صدمة الحديث أكثر بكثير مما تحملته، ولكن هذه الحقيقة يجب أن تكون صادمة .. فنظر إليها ورد بنبرة هادئة وصارمة :
- أنا شوفت بنفسي لما دخلت أطمن عليك
تخشبت مكانها دون أي رد فعل .. فقط تركت عبراتها تنساب بحرية، فقط ما كانت تخشاه قد كدث بالفعل، ماذا أصبحت يا ترى ؟ .. إذاً هي سبب تلك الكارثة بالفعل أم ماذا ؟ .. تنهد بحرقة، كأن النار تغلى بداخله .. بركان كبير ﻻ تدرك عمقه وﻻ مقدار حرارته، قد هزمت من قبل حممه وطفح على السطح .. أصبحت داخل كابوس كبير وﻻ تدرك متى ستفيق، نظرت له وقالت بشرود وهدوء تام : أنا مش فاكرة حاجة، مش فاكرة إيه ال لي حصل
ضغط خفيفا على معصمها، نظر بعينيها وهو يقول بجدية وصرامة :
- لا يا نيللي لازم تفتكري عشان نعرف السبب وإلا هتبقي مصيبة حاولي حاولي

ظلت ساكنة تحاول تذكر أي شئ مما حدث ولكن بلا جدوى، حاولت مرة أخرى .. مشاهد كثيرة ومتتالية أمام عينيها مثل شريط السينيما .. إضاءة المصابيح تشعل وتغلق، لون عيناها البنفسجية أمام المرآه، زجاج كل ما حولها ينكسر بأصواته الحادة .. صرخات عالية منها إستغاثة بركض والأخرى نحيب وبكاء .. مقابض الأبواب منكسرة .. إنفجار المصابيح .. وجود أمرأة ملاقاه أرضاً والدماء تسيل منها بغزارة .
لم تتحمل كل ما رأته، فدوت صراخها بشدة وهي تمسك برأسها .. صاحت بخوف وإنهيار تام تحاول إيقافه بشتى الطرق .
- لا لااااااااا لاء اه اه لا لااااااااا لااااااااا
قام سريعاً وجلس بجانبها يحتضنها ويربت على منكبيها، يحاول تهدئة روعها بقلق، خائف ألا يؤثر ذلك على حالتها العصبية والنفسية :
- أهدي يا نيللي عشان خاطري أهدي أهدي
إبتعدت عنه فجأة وهي تصيح بهستريا كبيرة :
- أفتكرت .. أفتكرت شوفت نفسي وأنا بتحول والحمام بيدمر كنت وحش وحش وحش
أمسك زراعها، يحاول قدر المستطاع أن يخرجها من حالة الإنهيار وإلا دخلت بإنتكاسة، ومن هنا لن يتمكن إخراجها بسهولة من قوة الصدمة :
- لا متقوليش كدة أهدي عشان خاطري
زادت حالتها سوء، ودخل بحالة إنهيار عصبي حاد .. قامت من فراشها متعجزة بزراعه وهي تصرح قائلة :
- أهدى أيييه، إيه اللي بيحصلي ده، لو شوفت نظرة عيني في الحمام مرعبة .. مرعبة
أسندها أحمد جيداً حتى ﻻ تسقط أرضاً، يشعر بالإرتباك والعجز الشديد .. يشعر بالغضب بأنه لم يستطع التخفيف عنها ومعرفة سر ما حدث، حاول تهدئتها وهو يقول :
- أكيد في سبب منطقي للموضوع ده .. أنا هتجنن لما شوفت منظر عينك، أيه إللي بيحصل بس
أمسكت بزراعه بشده وهي تنظر له بأعين متسعة، مليئة بالخوف والقلق .. فقالت متسائلة وقلبها يكاد صوت نبضه يصل لأذنيها :
- قولي في حد مات ؟ .. الست إللي على الأرض حصلها إيه ؟
تنظر له بترقب وعيناها ويديها ترتعشان، منتظرة الجواب على نار أحر من جمر .. تخشى ما تفكر به أن يكون صحيح ... أحمد أبتلع غصته بصعوبة، ﻻ يعرف ماذا يقول، لن يستطيع أن يصدمها أكثر مما هي عليه، ولكن ﻻ محال ففي جميع الأحوال سوف تعرف الحقيقة .. نظر لها بحذر وترقب شديد وهو يقول بهدوء تام وإرتباك :
- للآسف .. ماتت
أمسكت بمعصمه بقوة حتى إنه كاد أن يتألم من شدة ضمها له بكفيها، الصدمة كانت شديدة جداً عليها، تخشبت أمامه بأعينها المتسعة دهشة، والدمع يسيل من عيناها الحمراوتين من كثرة البكاء .. لقد تسببت بمقتل أحداً ما للمرة ... ﻻ تعلم كم شخص قد تسببت في نزع حياته، ﻻ تصدق بأنها الآن أصبحت قاتلة .. صرخت به وزاد إنهيارها أكثر وأكثر :
- لاااااااا لااااااا أنا السبب، أنا إللي قتلتها، أنا إيه بالظبط .. مصدقتنيش لما قولتلك حاسة إني مش طبيعية

ظلت تصرخ وتضرخ بشدة وتصيح بأنها القاتلة، وحش مخيف يأذي من حوله .. إنهار أحمد هو الأخر وبكى، يشعر بالعجز الشديد حقاً، أشتاق لوالديه إذا كانوا معه الآن بالتأكيد سوف يصبح الوضع مختلف .. سوف يحملان عنه كل ما زاد عن طاقته هو وشقيقته، سوف يجدان حلا لتلك الظواهر الغير مفهومة واللامنطقية بالمرة .. يتمنى الخلاص من هذا الكابوس المفزع، من ذاك البئر المخيف، سقطا فيه وﻻ توجد وسيلة للصعود، سجناء به للأبد .. يدعو الله أن يخفف عنهم ما يحدث، أو يعطي لهم أشارة بأي حلا كان .
سقطت بين زراعه، سندها قبل إصطدامها بالارض .. صوت صراخها كان يدوى بأرجاء المشفى بكل مكان، حتى آتى على آثره جميع من بها من أطباء أو مرضى أو زائرين .. كان في مقدمتهم آسر الذي عندما سمع صراخها ركض من مكتبها سريعاً وأتجه إلى غرفتها ..
وجدها بين طيات أحمد تصرخ بشدة وفي حالة إنهيار شديج، وأحمد يحتضنها بزراعه ويبدو على وجهه آثار البكاء .. ركض نحوهم وسط التجمهر بالغرفة،
أحد الأطباء قام بأخرجهم سريعاً، وظل بجوارهم آسر وبعض الأطباء .. إقترب منهم آسر وهو يصيح به منفعلا ومتوترا
- إيه اللي حصل
صاح به أحمد بإنفعال شديد :
- مفيش وقت فاقت وأفتكرت الحادثة وإنهارت
ناوله أحد الأطباء حقنة، فأعطى لها حقنة مهدئة سريعاً، دقائق وقل صراخها تدريجياً، وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة .. إنساب الدمع من عينيها بوجه حزين، كاد أحمد أن يبكي آثره، تمزق قلبه لأجلها .. بأن يراها بتلك الحالة .
حملها و وضعها في فراشها وقام بتغطيتها .. ترك قبلة على جبينها وربت على يداها بحب وحنو وهو يمسح بعض قطرات الدمع التي سقطت دون دراية منه سريعاً حتى ﻻ يلاحظها أحد .
بعد محاولات عديدة لآسر بإقناع أحمد أن يتركها الآن، فلا فائدة من وجوده بجانبها .. أصر بشدة البقاء معها، ولكن إستسلم في نهاية المطاف من محاوﻻت آسر معه .
خرجا معا وأتجها إلى مكتبه، ولم يتركه لحظة واحدة .. الدمع يلمع غي عيناه يخشى أن يسقط دون دراية منه مرة أخرى على الحال الذي وصلا إليه .
وبعد شرود وتفكير طويل، توصل بأن شكوكه كان على صحة من أمره، لم يصل إلا على شيئاً واحد .. بأن سبب تلك الحوادث هو تحول عيناها .. لم يستطع التفكير أكثر من ذلك فغلبه النوم بمكانه، كسر قلب آسر على حاله، فقد عان الكثير اليوم حقاً، فتركه كي يستريح قليلاً .
بعد مرور ثلاث ساعات أستيقظ أحمد، وجد نفسه في مكتب آسر، كان شريدا في البداية ولكن إستعاد وعيه .. نظر في ساعة يديه وجد بأنه إستغرقه النوم كثيراً، قام وخرج متجهاً إلى غرفة نيللي .
جلس على مقعد قبالها، فمازالت نائمة .. بعد دقائق أستيقظت بحمد الله، قام سريعاً وضمها إلى صدره، وجدها بأعين متحولة .. فصاح بها بقلق ولهفة، يحمد الله بأن ما حدث مر بسلام .
- ألف حمد الله على سلامتك
لم ترد عليه نيللي، فقط تنظر إليه والدموع تلمع بعينيها، كانت تتمنى أن تنهى حيانها كي تستريح وتريحه مما هما فيه .. قام بهزها كي تجيبه ولكن محال
أدارت وجهها للجهة الأخرى وهي تقول بصوت حزين للغاية، ومليء باليأس :
- أنا وحش يا أحمد، أنا مش طبيعية
قاطعها بحزن قائلاً :
- ﻻ أوعك اسمعك تقولي كدة تاني، أكيد في سبب ولازم أعرفه
إستردت حديثها وبدئت بالبكاء :
- شوفت شكلي أزاي ؟ .. أنا بقيت قاتلة، الست
ماتت بسببي، أنا قتلتها
مسح أحمد دموعها بسرعة وهو يربط على يداها، تنهد وهو يقول بنبرة هادئة وجادة : أنتِ ملكيش ذنب، الحكاية دي وراها سر .. وسر كبير كمان، بس إيه هو
بلعت غصتها بصعوبة وهي تبكي قائلة :
- أنا بقيت خطر عليك وعلى إللي حواليا،لازم اختفي من الواقع ولا أشوف حد ولا حد يشوفني
إبتسم أحمد وقال بهدوء :
- توء توء لا غلط، الإن عزال مش حل، كدة هدمري حياتك
أرتسم على جانب ثغرها إبتسامة تهكم وسخرية وهي تقول :
- حياتى !! .. ماهي أدمرت خلاص، أعمل أيه .. عنيا ممكن تعمل إيه أكتر من إللي حصل، أنا لازم أخفيها، دي بتتحول كل شوية

تنهدت بحيرة شديدة وعمق كبير .. أعادت وجهها لما كان ونظرت إلى الحائط بشرود .. فجأة وبدون أي مقدمات، وقع برواز كان معلقاً على الحائط وتهشم، صرخت ومسكت بزراع أحمد بقلق، نظرت إلى السقف، رأت المصباح ينير ويغلق عدة مرات وكاد أن ينفجر .
إعتدلت جلستها على الفور وجلست، دخلت بين طيات أحمد حتى تخبئ عيناها مما حولها ..
أغلقت عيناها سريعاً وأجشعت في البكاء وهي تقول :
- شوفت لا لا مستحيل أستمر على كدة، عيني لازم اخفيها قبل ما أدمر حد تاني، دي مصيبة لو حد عرف
ربت على منكبيها، بعدما تبين الوضع تماماً، وتجمعت الخيوط وأصبح الحال يغسر نفسه، ﻻبد من التفكير جيداً فيما يحدث بعد ذلك، لقد إقترب من الوصول للحقيقة .. فقال بعد تفكير :
- عايزك تحكيلي كل حاجة بالتفصيل الممل
شعرت براحة من نبرته، بأن الأمر سوف يكون على ما يرام :
- حاضر بس لما نروح الأول
كاد أن سرد أحمد، سمعا قرع على الباب .. دخل آسر وإبتسم عندما وجد نيللي مستيقظة، وحمدا لله بأنها تبدو نوعاً ما على ما يرام .
عادت عيناها إلى طبيعتها على الفور .. إقترب منهم ومازالت البسمة مرتسمة على وجهه وقال :
- عاملة إيه دلوقتي ؟ .. طمنيني عليك
ردت بتوتر تخشى النظر إليه :
- كويسة يا دكتور الحمد الله
نظر لها وقال تساؤل :
- مال عينيك؟
نظرت له نيللي بفزع، أرتعشت يداها، هل رأه عيناها أم ماذا ؟ .. يا لها من كارثة .. أبتلعت غصتها صعوبة وردت بإرتباك : ها آه آه لا لا مفيش مالهم
إسترد حديثه قائلاً :
- حمرة و وارمة أوي
تنفست الصعداء بصعوبة أكثر، كاد قلبها أن يتوقف عن النبض، حمدت الله أنه لم يلاحظ شئ .. فردت على الفور وهي تحاول أستجماع قوتها :
- آه من العياط، بس أنا بقيت أحسن .. معتقدش إني
هقدر أتابع العلاج بعد إللي حصل
تفهم آسر الوضع فعلاً وهي محقة، وهو الأخر ﻻ يعتقد بأنه يستطيع مباشرة المتابعة .. فرد بهدوء :
- فعلاً أفضل إنك تروحي ترتاحي شوية
نظر إلى أحمد وإستكمل حديثه بإهتمام شديد :
- أحمد تبقي تطمني عليها لو سمحت
أومأ برأسه متفهما وقال :
- حاضر يا دكتور

ساعد أحمد نيللي في النهوض وسندت على زراعيه .. بينما أرسل آسر أحد العاملين بالبحث عن العصا الطبية الخاصة بنيللي .
بعد دقائق آتى بها و ودعهما آثر إلى الخارج وهو قلق عليها .. وفي داخله ألف سؤال وسؤال عما حدث اليوم .
عادوا إلى المنزل وأطمئن أحمد من إستقرار نيللي بغرفتها كي تستريح قليلاً، وكل منهم خاطرهه منشغل ويفكر بكل الأحداث التي مرت خلال اليوم .. وبما أن تم كشف الحقيقة فما العمل في الأيام المقبلة ؟ .. وكيف سوفف تتعامل نيللي في الوضع الجديد ؟ ... وكيف تخفي عيناها عن الجميع ؟ ..
ولكن من المستحيل ما يحدث، يجب أن يكون هناك سبباً وجيه ومنطق معقول لكل ما حدث، بهذا الوضع حياتها ستتحول إلى دمار .. ما معنى تحولها إلى قاتلة، أشبه بمصاصي الدماء ولكن بشكل متطور قليلاً ؟!
قامت نيللي وسندت على عصاتها، وقفت أمام المرآه وظلت تنظر إليها قرابة ساعة وهي تبكي .. تشعر بكسرة نفسها وقلبها كثيراً، وهي تنظر إلى عيناها المتحولة أمامها وعودتها على طبيعتها عدة مرات، فقد تطور الأمر إلى تكرار الأمر تلقائياً لعدة مرات باليوم الواحد دون أن تشعر، وبدئت تحدث نفسها
" أنا إيه إللي بيجرالي ؟ .. وليه وايه السبب ؟! .. معقول !! ، معقول أكون قاتلة ؟! .. وأيه سر عيني ؟ .. أنا قربت أاكرها، أنا بقيت وحش، خطر على نفسي وأخويا وأصحابي، وكل الناس ... يا رب قولي إللي أنا فيه ده سببه إيه، والأيام مخبية إيه .. " .
أجشعت بالبكاء كثيراً وأدفنت وجهها بين طيات يداها وبكت بحرقة .
دخلت في حالة إكتئاب شديد، أمتنعت عن الطعام، إلى أن أطعمها أحمد بالغصب .. جاء أسلام ومها بعدما تم نشر خبر حادث المشفى الشهير، في الجرائد والتلفاز وأيضاً على مواقع الإنترنت، خاصةً مواقع التواصل الإجتماعي ..
شعروا بأن ما حدث في المشفى وغرابة الواقعة له علاقة بها، وأرادو الإطمئنان عليها بألا يكون أصابها مكروه .. أتصل بأحمد وتأكدت شكوكه، فآتى على الفور هو ومها، بعدما أصابهم القلق والتوتر الشديد .
نظرت له مها بتساؤل ودهشة :
- إللي حصل ده صحيح ؟
تنهد أحمد بحزن وآسى وهو يقول :
- ايوة للأسف
نظر أسلام لأحمد وقلبه مليء بالقلق والحيرة وقال بشك :
- مستحيل يكون إللي حصل نيللي لها يد فيه، الحادثة غامضة جداً
تنهد أحمد بحزن ودهشة : ده فعلاً، بس الإعلام ميعرفوش حاجة، هيبقى
أغرب قضية ممكن تحصل
ألتفتت مها وسألت عن نيللي :
- نيللي فين يا أحمد
رد بضيق وقلة حيلة :
- من ساعة إللي حصل وهي حابسة نفسها في أوضتها، حتى الأكل بأكلهولها بالعافية .. بس أمسكوا نفسكوا من إللي هتشوفوه
نظر أسلام ومها بعضم لبعض بحيرة وتساؤل، ثم نظر إلى أحمد بعدم فهم :
- إيه إللي حصل ؟
صاح أحمد وهو ينادي عليها :
- نيالي يا نيللي تعالي
خرجت نيللي من غرفتها ساندة على عصاها، إندهش إسلام ومها من إرتداءها لنظارة شمس بالمنزل .. نظرت له وقالت بهدوء :
- ايوة يا أحمد
وقف أسلام وهي ينظر لها بدهشة وتساؤل .. يوجد الكثير من الأمور بدت أن تكون غامضة أمامه، ومنها ما يراه .. فقال بتساؤل وعدم فهم :
- نيللي إيه ده يا بنتي، أنا مبقتش غفهم حاجة
تنهدت نيللي بضيق شديد، ام تعد قادرة على الرد أو الحديث من الأساس، يكفي ما يحدث لها .. صاحت بهم بضيق :
- أرجوكم يا جماعة كفاية لحد كدة
نظر لها أحمد وقال بصرامة :
- نيللي أقلعي النضارة

أزالت النظارة من عينيها وهي حائفة عليهم من حدوث شيئاً ما بحذر شديد، بمجرد ما نزعها تفاجئ كل من أسلام ومها وأتسعت عيناهم دهشة .. لم يصدقا ما يشاهدونه أمام أعينهم للتو ، تحملقوا بشدة في تلك الأعين البنفسجية .. بمجرد ألتفات عينيها إلى المصباح أنار ويطفئ عدة مرات
أرتدت النظارة سريعاً وعادت الإضاءة لما كانت .. لم يكن أسلام ومها على إستعاب لما رأوه، لم يكونوا متصوريين بأن الأمر تطور لهذا الشكل المخيف، ما الذي حدث حتى تصل إلى تلك المرحلة .
نظر أسلام لأحمد بتعجب وقال :
- مش معقول أنا دلوقتي صدقت كلامك لما قولتلي
بعد ما رأته مها، ﻻ تعرف ما الذي حدث هي الأخرى، أحتار عقلها من التفكير .. نظرت لهم وقالت بعدم فهم :
- أيه ده أنا أنا مش فاهمة حاجة
جلس أحمد وهو يقول بهدوء :
- بإختصار زي ما شوفتوا، نيالي عنيها بتتحول وبالتالي بيحصل حاجة بعد التحول ده والسبب مجهول
ردت مها بعد تفكير، وربط الأحداث السابقة، وما تم نشره بعضها بعض وقالت مها :
- يبقى معنى كدة سبب الحوادث ده بسبب عنيها بتتحول فبتحصل الحوادث
ألتفت لها أحمد مؤيدا لفكرها :
- بالظبط كدة وده إللي فكرت فيه فعلاً
جلست نيللي على أقرب مقعد قبلهم، كل ما تشعر به كان صحيحاً، ولكن لم تكن تجد من ينصت إليها مطلقاً، فنظرت إلى أحمد معاتبة إياه :
- وأنا قولت الكلام ده لأحمد قبل كدة مصدقنيش
ألتفت إلبها سريعاً مدافعاً وهو يقول :
- لأني مكنتش متصور السبب عنيكي، مش معقول
إستردت حديثها بنفس النبرة :
- وأديك شوفت بعنيك أهو، أنا خطر أبعدوا عني
قامت مها وإقتربت منها، جلست بجوارها على مقبض المقعد، وهي تحاوطها بزرعها، قالت على الفور بنبرة حانية :
- لا طبعاً يا نيللي، أحنا معاكي ومش هنسيبك
إقترب منها أسلام هو الأخر، مؤيدا حديث مها :
- أيوة طبعاً، ولازم يكون في سبب للتحول ده مش معقول كدة
تنهدت نيللي بحيرة وحيرة شديدة، لم تستطع تفسير كل ما حدث، صحيح تم أكتشاف تحول عيناها ولكن دون معرفة سبب التحول .. تداخلت في الحوار : - الموضوع ده من زمان أوي، من وأنا طفلة الحوادث بتحصل، عايزة افهم أنا بيجرالي إيه بالظبط
ردت مها بجدية وهي تقول :
- أهم حاجة الإعلام متاخدش خبر
إسترد أسلام حديثها وقال بجدية وحذر :
- والأهم من ده كله محدش يتكلم وﻻ يجيب سيرة الموضوع ده إلا أما نعرف الحكاية إيه بالظبط ...
قطعه أحمد بصرامة :
- وخاصةً عمي وطنط أميرة
أومأ أسلام برأسه موافقاً، تفهم الوضع جيداً بعد اخر موقف حدث بينهم، وحوار أميرة مع رأفت وإهانتها لهم .. من الممكن أن تستغل هذه النقطة للإيقاع بهم .. رد أسلام سريعاً كي يطمئنه :
- متقلقش يا أحمد، هيبقى سر ما بينا أحنا الأربعة
تنهد نيللي بقلق وحيرة، تحدثت بعدما فاقت من شرودها :
- أنا خايفة يا جماعة، الموضوع شوفته اطور ازاي بقيت قاتلة مدمرة
قاطعها أسلام :
- لا يا نيللي إللي بيحصل ده غصب عنك، أمتى أكتشفتي التحول ده ؟
ردت بهدوء :
- في الكلية
تدخلت مها متسائلة :
- بيحصلك أمتى ؟
ردت بإنفعال :
- كل شوية، ممكن أفضل ساعات طبيعية بعد كدة أتحول .. ربنا يستر أنا خايفة عليكوا أوي، هروح الكلية أزاي ؟
رد أحمد بجدية وهدوء :
- متقلقيش مش هنسيبك، هتروحي الكلية عادي جدا متشيليش هم
نظرت للفراغ بشرود وتنهدت بعمق :
- ربنا يستر بجد
لم يكتفي أحمد بما رأه بالمشفى، فنيللي تكلك المزيد، لإنها من قلب الحدث .. وبما إنها تذكرت نوعاً ما ما حدث، من الممكن سردها يفيدهم في حل هذا اللغز :
- أحكي بئة حصل إيه في الحمام
تنهدت وبدئت سرد ما حدث .. وما شعرت به بعدما حدث في الممر كان هر وباً مما تشعر به، بأنها غير طبيعية بالمرة ولم تشعر بنفسها بعدما شاهدت عيناها تتحول، وإنتقلت لعالم أخر .
***
في صباح اليوم التالي، ذهبت نيللي إلى الجامعة، بعد إلحاج الجميع عليها وتشجيعها بأن ﻻ داعي للخوف والقلق .. وبعد حديث طويل دار بينهم، وتأكيدهم على عدم معرفة أحد بذلك، ودعهم أحمد وتركوها تفكر .
قررت نيللي بأن تواجه خوفها بأول مرحلة من نزولها للشارع، أرتدت نظارتها الشمسية، وقام أحمد بتوصيلها للإطمئنان عليها .
وذلك لسببان، الأول أخفت عيناها لعدم حملقة من حولها بها، وبالتالي تتجنب الحوادث قليلاً، والسبب الأساسي تحول عيناها .
جلست في الكافتريا تشرب قدحا من مشروب النسكافيه، وبعد قليل شاهدتها يمنى ورنا وهي تجلس على إحدى الطاولات، نظرن إلى بعضهن بفرح عندما رأوها، أخيرا جاءت بعد غياب .
إقتربن منها وجلسن معها .. أقبلت عليها رنا باسمة وهي تقول :
- أهلاً حمد الله علي السلامة يا قمر
ألتفتت إليها نيللي باسمة هي الأخرى وقالت :
- الله يسلمك
نظرت لها يمنى بتساؤل وقلق قائلة :
- إيه يا بنتي بنكلمك علي الفون مغلق أو غير متاح
إستردت رنا حديث الأخيرة قائلة :
- آه صحيح قافلة فونك ليه ومجتيش أمبارح وأول أمبارح ليه
تنهدت نيللي بعمق وردت بضيق :
- أنا آسفة بجد، كان عندي أكتئاب حاد وتعبانة جداً، حتى مكنتش جاية النهاردة لولا إلحاح أحمد ووﻻد عمي
ردت يمنى بحزن :
- ﻻ ملكيش حق، ألف سلامة عليك يا نينا، لابسة نضارة شمس ليه مفيش شمس هنا
توترت نيللي ولكن تماسكت وردت بهدوء :
- مرتاحة كدة برة في شمس
قالت رنا بمزاح :
- أقلعيها أحسن
عادت نيللي إلى الخلف بتوتر فجأة :
- لا لا مقدرش لا بلاش
نظرت لها رنا بقلق شديد من رد فعلها وقالت بتساؤل :
- في إيه يا نيللي مالك ؟
أبتلعت غصتها بصعوبة وهي تحاول أستجماع قواها وأجابت بهدوء :
- ولا حاجة عنيا حرقاني بس
قالت يمنى وهي تقوم بنزع النظارة من عينيها :
- أقلعي يا نيللي هتحرقك أكتر
صدمن كثيرا ولجم ألسنتهن، أتسعت عين رنا وهي تصيح :
- إييييه ده نيللللللي !!

الحلقة العاشرة من هنا
SHETOS
SHETOS
تعليقات