سر الحياة
"العين القاتلة"
الحلقة السابعة عشر
غموض .. خوف .. توتر .. عجز، مشاعر متداخلة بداخلهم، وتساؤلات عديدة دون جواب عنها، أو حتى رد بسيط يطئن قلوبهم .
ها قد أصبحت الساعة الحادية عشر مساءً قبل منتصف الليل، ولم يوجد أثر لها بعد، لم تعد نيللي على الإطﻻق .. إلى أين ذهبت يا ترى في هذه الساعة المتأخرة ؟ .. هل أصابها مكروه، أم تعثرت قدمها ولم تعثر على نجدة ؟ .
إنهارت مها من البكاء، ضمها أسلام إلى صدره .. يربط عليها بحنان، هو الأخر ﻻ يعرف ماذا يفعل أو كيف يفكر، ماذا يقول لأبيه إذا قام بالإتصال به .
آسر لم يعد يصدق بأنها لم تعد موجودة بحياته، أختفت فجأة دون سابق إنذار، بعدما أضافت لها البهجة والشعور بالحياة مرة أخرى .. جالس على إحدى المقاعد، واضعا رأسه بين كفيه .. ساندا ساعديه على ساقيه يفكر، هل قام أحدهم بأذيتها ؟! .
أحمد الذي عانى عمره للحفاظ على شقيقته، أصبحت الآن مختفية عن ناظره لمدة طويلة .. شعوره بالعجز عن عدم العثور عليها يقتله أربا، ﻻ يستطيع الجلوس هكذا منتظراً عودتها وهو مكتوف اليدين .
إندفع أحمد وهو يقول بإنفعال :
- أنا مش هقدر أقعد ساكت كدة، أنا هتصرف
قام أسلام وإقترب منه وهو يقول مندفعا :
- هتعمل إيه يا أحمد ؟
رد عليه بصرامة :
- هتصل بالبوليس طبعاً
تقدم آسر بضعة خطوات، إلى أن وقف أمامه لمنعه قائلاً :
- أستنى بس يا أحمد، أنا مرعوب أكتر منك .. بس البوليس بلاش دلوقتي
إندهش أحمد من رده، فرد عليه سريعاً بغضب :
- ليه يا آسر اختي مفقودة من المغرب ومعرفش راحت فين
رد آسر مبررا بجدية :
- عشان لو إشراف الرحلة أخذوا بالهم بإختفاء نيللي هنبقي في مشكلة
قامت مها هي الأخرى وإقتربت منه، مدعمة حديث آسر :
- آسر عنده حق يا أحمد، نستنى كمان شوية ولو محصلش جديد بلغ، ومتنساش إن البلاغ بحثه بعد 24 ساعة
معهما حق فيما قالوا، تنهد بضيق وحيرة وهو يقول بإنزعاج :
- للأسف مقداميش سوى الإنتظار
***
نيللي مازالت فاقدة الوعي، كأنها تهرب من الواقع .. تخشى أن ترى ما ينتظرها، يبدو ما حدث كان فوق تحملها، ولم يعطي لها فرصة للتفكير أو الفهم .. إقتربت منها الروح بهدوء، مرتسمة على وجهها إبتسامة مخيفة، تحاول إفاقتها .. فلا يوجد مصدر للضوء سوى إضاءة خافتة تشع منها .
- نيللي نيللي نيللي نيللي فوقي يا نيللي
بدئت نيللي بإستعادة وعيها بهدوء، فتحت عيناها وشهقت شهقة عالية، بمجرد رؤية الروح .. سحفت سريعاً إلى الخلف، وهي تصرخ وخائفة منها بشدة .. أخذت تتلفت سريعاً في أرجاء المكان، لترى منفذ للخروج أو الدخول فلم تجد .
عقد لسانها، لم تستطع تفوه بكلمة من شدة رعبها .. حل لسانها قليلاً ونظرت لها بأعين دامعة، وهي تقول بنبرة متقطعة :
نيللي بدموع :
- أنننننننننننتِ مين ودخلتي هنا إزاي
صاحت فيها الروح بغضب وهي تقترب منها :
- أهدي يا نيللي أهدي بقولك
قامت نيللي سريعاً وهي تركض إلى الجهة الأخرى، فتعثرت بطريقها .. حاولت القيام وجددتها أمامها .. صرخت وصاحت بها قائلة :
- لا لا أبعدي عني تعرفيني أزاي ؟
إبتسمت لها الروح وردت بهدوء :
- أنا أعرف عنك حاجات كتير أنتِ نفسك متعرفيهاش
أبتلعت غصتها بصعوبة، والماء ينصب من جبهتها بغزارة .. صاحت بها بغضب وخوف شديد وهي ومنكمشة بنفسها :
- بقولك أبعدي عني أبعدي عني
ردت عليها الروح بنفس النبرة الهادئة :
- مش عايزاكي تخافي مني أنا عايزة أساعدك
صاحت بها نيللي بنفس حالتها :
- تساعديني أزاي ؟ عايزة مني إيه ؟
إستردت الروح حديثها بنبرة حماسية :
- ممكن أعملك أي حاجة أنتِ عايزاها أو بتتمنيها، بس ده مقابل حاجة واحدة بس
لم تتمكن نيللي من سماع شئ منها، فكل ما تفكر فيه هو الخلاص مما هي فيه .. فصرخت وهي تقول :
- مقابل إيه ! أنا مش عايزة حاجة .. مش عايزة
حاجة .. عايزة أخرج من هنا
أكملت الروح ولم تعير حديثها إهتمام، فلديها مهمة محددة يجب عليها إنهاءها :
- مقابل عنيك الحلوين دول
هدئت نيللي من روعها قليلاً، عندما سمعت سيرة عيناها .. ولكن لم تستوعب ما قالته لتوها .. فنظرت لها بخوف، ولكن ردت بإندهاش :
- إيييييه عينيا !! .. أنتِ عايزة إيه بالظبط ؟
شعرت الروح بأن نيللي بدئت تتجاوب معاها، فأكملت بحماس :
- أنتِ معاك سر كبير أوي، مبيجيش غير في واحد من مليون
نيلي بدأت فهم مقصدها، ولكن رد بعدم فهم :
- قصدك إيه بالظبط ؟
ضحكت الروح بخبث وهي تقول :
- أنتِ فاهمة قصدي كويس يا نيللي، أنتِ بنت ذكية ولماحة
ردت هنا بعدم فهم حقيقي :
- سر إيه إللي بتتكلمي عليه ده ؟
أجابت الروح بتأكيد :
- سر الحياة يا نيللي !!!
هكذا كانت بداية الألغاز بالنسبة لنيللي، أصبحت ﻻ تفهم شئ مما كانت تتوقعه .. فقالت بتساؤل وغرابة :
- إيه !! سر الحياة !! يعني ايه ؟
تنهدت الروح وأكملت بنبرة ثقة :
- السر إللي نصه معاك والباقي معايا، أنتِ معاك ثروة يا نيللي بس مش حاسة بيها
أبتلعت غصتها وهي تتسائل بعدم فهم :
- ثروة إيه إللي بتتكلمي عنها دي ؟
إبتسمت الروح وهي تقترب منها وتقول :
- الجينات المتحولة يا نيللي إللي أنتِ مولودة بيها مع الحجر البينك هو ده سر الحياة
بحركة ﻻ إرادية رجعت إلى الخلف بخوف وتوتر .. تفاجئت نيللي بحديثها، وفي خاطرها تساؤﻻت كثيرة، أولها كيف علم بشان الجينات ؟ .. ومن هي في الأساس كي تعرف هذا السر ؟ .. يجب أن تسايرها في الحديث لكي تعرف من أين أتت بهذه المعلومات .. فردت بتساؤل ودهشة :
- أنتِ بتقولي إيه !!
سكنت أمامها وقالت بجدية بالغة :
- سر الحياة هو الحجر إللي شوفتيه يا نيللي يعمل المعجزات، معاك سحر في عيونك محدش ملكه غيرك أنتِ وبس .. لو جه في أيد حد، يساوي ملايين كتير .. سحر المووووت والأماني وأي حاجة تتخيليها ....
أدركت نيللي الآن حديثها جيداً، أدركت ما كانت تعانيه، تخشى ما جاء بخاطرها يكون حقيقي وإلا دخلت بدوامة كبيرة .. شعرت بنار تغلي بداخلها، صاحت بها بكل غضب :
- أنا كدة فهمت، سحرك ده إل لي دمرلي حياتي، هو إللي بيخليني أقتل وأعيش في حوادث .. ﻻ ﻻ
تفهمت الروح الحالة التي تبدو عليها، فليس من الساهل إستيعاب كل هذا في وقتا واحد، فأكملت الروح حديثها ولكن بنبرة هادئة :
- أنا بحرص الحجر ده من زمااان أوي، ده كنز مش أي حد يملكه إلا في عيون محددة، أو آلات تانية معينة .. لكن من 18 سنة أتسرق من الحجر ده ومكنتش عارفة أختفى فين، لكن دلوقتي فهمت مين أخده وحصله إيه، وإللي أخده مش هيسكت أبداً إنه يفرط فيه بالساهل، حتى لو تمن ملكه هو الموت...
أصبحت مطاردة من شخص غامض، ﻻ تعرف من هو وماذا يريد، أصبحت مشوشة للغاية، وقف عقلها عن التفكير .. نظرت لها باكية، والدموع تسيل على وجنتيها في صدمة مما سمعته، صاحت بها غاضبة :
- ويموتني ليه ؟ أنا ذنبي إيه في كل ده ! أنا عشت حياتي في دمار
صاحت بها الروح بصرامة :
- ﻹن معاك إللي بيدور عليه، سحر سر الحياة .... هو عايز يستعمله في الشر، بس أنتِ وشطارتك تستعمليه في الخير
نعم فهي الآن على وشك الدخول في متاهة كبيرة، ليس لها بداية وﻻ نهاية .. فلا دخل لها بهذه المهاطرات، كل ما تريده هو العيش حياة بسيطة .. فقامت ووقفت أمامها وقالت بكل صرامة :
- ده جنان ! أنا مليش دعوة بحد، أنا معيش حاجة خرجيني من هنا
تركتها وركضت سريعاً إلى باب المغارة، تحاول فتحه بإزاحة الصخرة بكل ما أتاها من قوة وهي تصرخ، إلى إن قامت بفتحه .. وقبل أن تخرج وقفت على أثر صوتها
- مش عايزة تعرفي باباكي ومامتك ماتوا أزاي؟!!
لم تتحمل سماع المزيد، صاحت قبل أن تخرج :
- إياك تهوبي مني
ضحكت الروح بكل ثقة، فتعرف من داخلها بأن نيللي تريد معرفة الحقيقة .. تريد معرفة كل شئ، ولكن عنادها وخوفها هو من يقيديها .. فتابعت صياحها مع ضحكاتها المرعبة تقول :
- هترجعيلي يا نيللي هاهاهاهاهاها هترجعيلي زي ما جتيلي هاهاهاها
***
خرجت نيللي سريعاً، وأغلقت الصخرة جيداً كإنها لم تفتح من قبل، وهي في حالة إنهيار كبيرة، جسدها يرتعش وهي تبكي من رعب ما رأته وخوف ما سمعته .. ﻻ تعرف إلى إين تؤول، وكم يكون الوقت الآن .. لم تصدق ما كانت به من لحظات صغيرة، ولم تستطع إستيعابه حتى الآن، على الرغم حديثها معها، ولكن ما حدث كان فوق طاقتها .
مازالت تركض بدون أي تركيز على شاطئ البحر، ﻻ تعرف إلى أين تذهب في هذا الوقت المتاخر، معظم إضاءة الشاليهات مغلقة، والعمدان أيضاً مغلقة .. تركض في الظﻻم ﻻ ترى شئ، ما تريده في الوقت الحالي الوصول لبر الأمان .
وصلت إلى الشارع العمومي، صدمتها سيارة سريعاً فصرخت وأطاحت بها أرضاً .. لم تشعر بنفسها بعدما فقدت وعيها، كأنها وجدت فرصة للهروب مما رأته .. نزلت السائق مهرولا ووجد حالتها، حمد الله بأنها مازالت على قيد الحياة، حملها ووضعها في المقعد الخلفي، وإنطلق سريعاً إلى المشفى .
***
يكفي إنتظارهم إلى هذا الحد، فقد تأخر الوقت كثيراً ولم يعد لها أي أثر .. قام أحمد فجاة وصاح بهم بإنفعال شديد :
- ﻻ ﻻ كدة كتير الساعة داخلة على واحدة عد نص الليل أنا ماشي
إندفع آسر وإقترب من أسلم وهو يقول :
- عندك حق يا أحمد إحنا أستنينا أكتر من الازم
ولكن وقف على أثر صوت أسلام وهو يقول بحماس :
- هنبدئ بالبولييس الأول
أكمل أحمد حديثه :
- ايوة بعدين المستشفيات
رن هاتف أحمد ورد على الإتصال بلهفة، يمكن أن تكون نيللي المتصلة .. تفاجئ بطبيب يدعى أشرف من مشفى النيل، أخبره بوجود نيللي هناك أثر حادث سيارة منذ ساعتان .. فأعطى له العنوان على الفور .
أغلق معه والدماء فرت من وجهه، لم يصدق ما سمعه، بالتأكيد أصابها مكروه وإلا ما دخلت المشفى من الأساس ، أو تاخرت إلى هذه الساعة .
ماذا حدث لها يا ترى ؟ ..
أقبل آسر عليه بلهفة وقال :
- خير طمني جرالها ايه ؟ مستشفى ايه ؟
ألتفت إليه أحمد بانزعاج وقال :
- نيللي عملت حادثة عربية في المستشفى
أمسك آسر زراعه وجذبه بلهفة وسرعة، وهو يقول :
- طب يلا بينا بسرعة
أقبل عليهم أسلام بلهفة هو الآخر :
- أستنوا أنا جي معاكوا
وقفه أحمد على الفور وهو يقول :
- لازم حد فينا يستنى عشان يسد غيابنا لو حد سأل
تنهد أسلام بحيرة، يشعر بأنه مكتوف اليدين .. يريد الإطمئنان عليها وﻻ يستطع، فرد بإستسلام :
- صح عندك حق طمنوني بالله عليكوا
- متقلقش . . يلا يا آسر
قالها أحمد وهو يركض على درجات السلم .
***
وصلوا المشفى وركضوا إلى الداخل، بإتجاه الإستقبال للبحث عن الطبيب المتصل .. بعد ذلك أتجهوا إلى غرفة ووجدوا الطبيب .
بعد السؤال والإستفسار أخبرهم بان لديها إنهيار عصبي حاد، ولم تصاب إلا بكدمات بسيطة في زراعها، وفي صباح اليوم التالي سوف تصبح على ما يرام
دخلوا كي يطمئنوا عليها، وجدوها مستلقية على الفراش بسكينة تامة .
أطمئنت قلوبهم بعدما رأوها أمامهم .. ولكن هناك تساؤﻻت عديدة تدور في أذهانهم .. سند آسر ظهره على الحائط شارد فيما حدث، التفت لأحمد بتفكير وهو يتسائل :
-يا تري إيه إللي حصل ؟ وإيه إللي وصل نيللي للطريق العمومي ؟
تنهد أحمد بحيرة، الذي كان يجلس على إحدى المقاعد بالقرب منها، رد وهو ينظر إليها وعينيه بها خوف وتساؤﻻت كثيرة، وهو ممسك بيداها :
- ده إللي هنحاول نعرفه لما تفوق الأول
***
في صباح اليوم التالي، كان الجميع مستيقظ .. أو بمعنى أصح لم يستطع أحداً منهم النوم على الاطﻻق، والقلق يملئ قلوبهم وﻻ يعرفون ماذا حل بهم ليلة البارحة .. إلى أن أصبحت الساعة الثامنة صباحاً، وسال المشرف عنهم .. فأخبره أسﻻم بأنهم مازالوا نائمين .
تجمعوا أمام شاطئ البحر، في شرود تام إلى أن أخذهم التفكير والقلق لبعيد .. كل واحد منهم منشغل عن الآخر .
منذ آخر موقف معها قبل السفر، وأسلوبه معها بين الحين والآخر هنا، وهي تستشيط منه غضباً .. أرادت الإطمئنان عليها، ولكن لم تحمل رقم أحمد أو آسر .. لا يوجد سواه كي تستفسر منه، فليس أمامها سوى سؤاله، ألتفت إليه رنا وتسائلت بهدوء :
- إتصلت بيهم يا أسلام ؟
رد أسلام وهو شريد دون الألتفات إليها :
- أحمد طمني أمبارح وقالي إنهم وصلوا المستشفى، ومش هتفوق قبل بكرة
تنهدت مها بحزن وهي تقول :
- محدش فينا عرف ينام أبداً
قالت رنا وهي موجهة حديثها لأسلام :
- خالص والله، طيب محدش قالك إيه السبب ؟
رد بنفس الحالة :
- لا مستنين لما تفوق
تنهدت يمنى وقالت بحزن :
- خير إن شاء الله
***
يجلس الشخصان المبهمان في شرفة الشاليه، متأملين أمواج البحر في الصباح .. أحدهم لمح أسﻻم ومن معه بتركيز .. فسأل الآخر
- مين الولاد إللي عند البحر دول
أجاب الآخر بهدوء :
- دول تبع رحلة جاية الساحل
ألتفت إليه سريعاً وقال بتحذير :
- أوعى لتكون الرحلة إللي فيها الإثنين دول
رفع منكبيه إلى الأعلى بعدم عدم المعرفة ثم قال :
- الله أعلم الظاهر كدة، نستنى شوية يمكن تظهر
رد عليه بنفس النبرة :
- بس أوعى يا فالح ألا تفلت منك زي المرة إللي فاتت
نظر له بإطمئنان وقال بثقة :
- لا أطمن متقلقش المرة دي
ألتفت إليه ورد بقلق :
- طيب ربنا يستر
***
مازالت نيللي نائمة بسكينة، لم يستطع أحمد وآسر مقاومة النوم .. فناما بمكانهما وهما جالسان بالقرب منها .. إلى أن جاءت الساعة الحادية عشر، وأستيقظا من النوم بفزع شديد أثر صراخ نيللي، ركضوا عليها وهي مازالت تصرخ .
- ﻻ ﻻ ﻻ ﻻ ﻻ
الحلقة الثامنة عشر من هنا
