رواية سر الحياه ( العين القاتله ) الحلقة الحادية عشر



الحلقة الحادية عشر
توترت نيللي من نبرة صوته، كان يحاصرها بعينيه ولا تعرف الهروب منه .. ألتفتت إلى أحمد بنظرة إستغاثة، بمعنى ماذا أفعل .. طمئنها بنظراته إليها بأن كل شئ سوف يكون على ما يرام .
ألتفتت إلى آسر بتوتر خفي ولكن ردت بهدوء :
- لا أبداً مش مخبية حاجة، هكون مخبية إيه يعني
إسترد تساؤله بفضول وإهتمام :
- أومال إيه سر تمسك بعدم قلع النضارة ؟
نظرت له بأعين مرتبكة، ولكن أجابت بحسم :
- ها لا أبداً .. أنا بس زي ما قولتلك عيني بدأت تحرقني من الضوء، فبلبس نضارة
تعجب من عنادها فعرض عليا مساندته مرة أخرى :
وأنا قولتلك لو مفيهاش مشكلة أكشفلك عليها بدل ما الموضوع يكبر
نظرت له بحيرة، لا تعرف تصميمه على هذا الموضوع تحديداً .. يمكن أن يكون بسبب أرتداءها للنظارة أعطى لها شكل شاذ .. فرد بهدوء :
- لا مفيش داعي .. حرقان بسيط
نظر لها بشك من نبرة صوتها التي تحاول التحكم بها، وعيناها الزائغة في توتر ملحوظ .. على الرغم من محاولتها لإخفائه، يشعر بوجود شيئاً ما تحاول خفيه بشى الطرق .
فقال لها بغموض :
- مع إني حاسس الموضوع مش حكاية حرقان، كنت على الأقل شوفت عينك مالها
بعد تلك الجملة لم تشعر بالأطمئنان قط، فقط بأنه شك في أمرها .. ردت مسرعة كي تغير مسار الحديث :
- أحم .. لا عادي والله مفيش حاجة، مش يلا نتابع بئة
نظر لها آسر بشك، وهو يعلم بأنها تغير مسار الحديث كي تتهرب منه .. ولكن ترك الأمور تنكشف مع الوقت
***

ذهبوا إلى قسم العظام، وفي الطرق كانت تنظر لأحمد بقلق .. وهو كان يربت على يداها يطمئنها .
قامت بتركيب جبس جديد على قدمها .. لم تعد تؤلمها من قبل .. كان آسر يتابعها بإستمرار بنظرات متلاحقة، وهي كانت تشعر بنظراته ولكن في تجاهل شديد حتى لا يزيد توترها وإرتباكها .
تدعو الله أن يمر هذا اليوم بسلام، تتمنى أن تنتهي سريعاً وتعود للمنزل في أسرع وقت ممكن ... على ثقة شديدة بأن نيللي تخفي وراءها بسر كبير، يؤثر عليها بشكل ملحوظ في تصرفتها قبله .
كان على صميم معرفة ماذا تخفي، إلى أن إنتهوا وساعدها أحمد على الحركة بواسطة عصاها .. خرجوا من غرفة الطبيب في أتجاه باب الخروج من المشفى، وقف أمامها وهو على صميم معرفة ما تخفيه .. فقال بنظرة شاكة وتساؤل :
- بردو مش عايزة تقولى في أيه
شعرت بالإختناق من تساؤلاته المتكررة عن تلك النظارة السخيفة، التي إرتبطت بها إرتباط وثيق من يوم الحادث، إلى أن كرهتها بالفعل .
شعرت بالغرابة منه، يا له من شخص فضولى يجذبه الغموض القاتل لمعرفة الأشياء ..
تنهدت بقلة صبر وردت بضيق :
- مفيش حاجة عشان أقولهالك، مجرد حرقان بسيط مش أكتر
أدرك بالفعل بأنها شعرت بالضيق من تساؤلاته، وذلك من نبرة صوتها الغاضبة نوعاً ما .. ولكن مازال على موقفه، فقال بشك وتحدي :
ما هذا الشخص العجيب ؟ .. لديه إرادة قوية لمعرفة السبب، فضوله يشعرها بالإستفزاز والإختناق .. لقد سأمت منه بالفعل وإقتربت من الإنفعال .
نظرت له بغضب ثم ألتفتت إلى أحمد بضيق شديد وقالت بصرامة :
- مش يلا يا أحمد، محاجة أستريح شوية
طوال فترة حديثهم وهو يشعر بخوفها وتوترها الشديد منه، إلى أن إنتهى بلإختناق .. فأحسنت التدخل فلا داعي من تدخله إذاً .. يكفي ما مرت به من ضغط عصبي شديد، فرد على الفور وقال :
- ماشي يلا بينا
إعتذر لآسر بالطبع ورحلا على الفور .. أثناء طريقهم إلى المنزل وهي تشعر بالضيق الشديد من تدخله وفضوله، تحمد الله أنها لم تفلت أعصابها عليه وتماسكت .

***
دخلت الشقة وإنفجرت غضباً مثل البركان المنصهر، كانت تكتم عصبيتها دون إرادة منها .. ولكن لا تستطع التحمل بعد الآن، وأخذت تصب غضبها على أحمد فصاحت بغضب
هو في إيه عايزة أفهم .. إيه سر إهتمامه بالنضارة، هي شغلانة ولا إيه يعني !! .. لا ومصمم أوي، مشوفتش نظراته ليا ولا نبرة صوته إللي كلها شك
حاول أحمد تهدئة روعها قليلاً، ففقدان أعصابها هكذا سيئاً عليها للغاية .. أخذها من يداها وجلسها على الأريكة وهو يقول :
- أهدي بس عشان خاطري، أنتِ عارفة كويس الإنفعال مش حلو علشانك
صاحت به وقالت :
- أعمل إيه يعني !! .. مكنتش سامع ؟
ساعدها على القيام وهو يقول لها برفق :
- طب قومي ريحي شوية وهدي أعصابك .. أكيد ميقصدش حاجة، هو مستغرب بس
رمقته نظرة غاضبة كأنه يدافع عنها .. ضحك رغماً عنه وهو يربت على منكبيها إلى أن وصلت غرفتها وساعدها على الإسترخاء ورفع قدمها للأعلى، خرج وأتجه إلى غرفته يفكر هو الأخر .
إستلقت نيللي على فراشها وشردت فيما حدث بضيق شديد، بنظرات آسر الشاكة .. هل بالفعل شك بأمرها أم كما يقول أحمد .
تعبت من كثرة التفكير وكانت أعصابها مرهقة بالفعل .. أغمضت عيناها وذهبت إلى عالم بعيد تفكر فيا يحدث بعد ذلك .
بعد ذهابها كان يفكر بها كثيراً، لم تكن بخير على الإطلاق .. منذ إن حضرت إلى المشفى وهي في حالة توتر ملحوظ، كأنها تخشى شيئاً ما

وما تلك النظارة التي ترتديها ولا تريد نزعها البتة يا ترى ؟ .. ماذا تخفي نيللي ؟ .. يمكن كما تقول تشعر بحرقان من الضوء، ولكن ليس بهذا الصميم بالأمر .
مر يوم وقام بالإتصال بها، يعتذر عن فضوله الذي شعرها بالضيق دون أن يقصد، ولكن فضوله كان أقوى منه .. عاتبته بالتأكيد فهي لم تدع الأمر يمر عليه هكذا وتصافت الأنفس ..
مر أسبوع تعيش حياة هادئة للغاية دون أي حوادث، طالما لم تنزع النظارة من عنيها ... تتقابل مع صديقاتها يومياً في كافتريا الكلية، قبل وبعد المحاضرات حتى أصبحن مقتربات من بعضهن كثيراً .. ولكن الفضول كان يشعل رأس كل من في الكلية عن سبب إرتداءها لتلك النظارة العجيبة، ولكن لم تعطي للأمر أي إهتمام على الإطلاق .
وبعض الأيام كانت تتقابل مع أبناء عمها، ولكن في الخفاء حتى لا تتسبب في المشاجرات مع أميرة بسببها .
إعتذرت نيللي لآسر عن عدم حضورها يوم السبت، وذلك لوجود سيكشن هام يجب حضوره ولا يمكن تأجيله.. وسوف تأتي الأحد بدلاً عنه .. ومن هنا كان بداية الحديث بينهم ومفتاح الحوار، طوال الأسبوع يتحدثون في أمور عامة .. عن الدراسة والحياة بصفة عامة، دون تعدي الحديث عن الخصوصية .
طوال هذه المدة البسيطة شعر كل منهم بإرتياحه وإنجذابه للطرف الأخر .. كان يتصل بحجة الإطمئنان عليها وعلى عينيها وهي تكره هذه السيرة وتقوم بتغيير الحوار .
كان يشعر نحوها بمشاعر غريبة لم يشعر بها من قبل هكذا، تأكد مع الوقت إنه أحبها وإنجذب إليها بالفعل .. أحب حوارها وشخصيتها قبل شكلها .. خجلها وهدوءها وغالباً إنفعالها عليه عندما تغضب .
هي الأخرى تشعر بإنجذابها نحوه، لا تنكر من الأساس بأنها معجبة بشخصيته منذ المرة الأولى برؤيته وحديثها معه .
ولكن كانت تخشى هذه المشاعر كثيراً وتخشى من تطورها .. فلا أحداً منهم يعرف مشاعر الطرف الأخر .. تخشى قلبها من التعلق بها لأنها تخاف عليه من نفسها، أو بالأصح من عينيها .
يمكن التعرض للأذي في أي لحظة كانت، تخشى أن تنكشف الحقيقة أمامه ويعرف سرها فينقضي أمرها .. أشياء كثيرة تخشاها وتحاول الهروب منها .
فكلما يحاول الإقتراب منها ولكن بطريقة غير مباشرة، كانت تهرب منه على الفور .. وقد أحتار في أمرها، لا يعرف سر هروبها المتكرر .. لما تخشاه دوماً ؟! .

قرر بعدم كتمان مشاعره أكثر من ذلك، يجب البوح بها .. ولكن لم تعطيه في المرة المقبلة أي فرصة
مر أسبوعان وكلما يتقابلان تتغير نظراتهم لبعض غير كل مرة عن المرة السابقة لها .. وتحاول في كل المرة الهروب منه .
لاحظ أحمد كل ما يحدث بينهم طوال هذه الفترة، ولم يعلق لها على شئ .. يشعر بخوفها الشديد وتوترها منه .
في يوم قام بالإتصال بها, كانت في هذا التوقيع تتجول على إحدى مواقع التواصل الإجتماعي .. سمعت رنين هاتفها فتناولت الهاتف وجدته هو المتصل .. خفق قلبها كالعادة كلما يتصل بها .
تنحنحت وردت بهدوء :
- ألو
رد بهدوء هو الأخر :
- ألو يا نيللي .. عاملة إيه ؟
إستردت وهي تقول :
- الحمد الله تمام
صمت دقيقة قبل أن يتكلم وقال بتساؤل وغموض :
- نيللي أنتِ مخبية حاجة عليا ؟
توترت من هذه الجملة, ما هذا ؟ .. لما يفتح هذا الحوار مرة أخرى يا ترى ؟ .. لقد مر أسبوعان وأكثر وعدم فتحه من المرة الأخيرة .. ولكنه لم يخرج الموضوع من رأسه بعد .
تماسكت وردت بهدوء :
- ليه يا آسر بتقول كدة ؟
أجاب بحسم وجدية :
- من أخر مرة في المستشفى مش مريحاني أبداً
تنهدت وردت بنفس النبرة :
- مفيش حاجة من إللي أنت بتقولها دي
تنهد بحيرة وحسم أمره للمواجهة, فقال بسرعة وبجدية :
- نيللي ممكن أقولك حاجة ؟
توترت من نبرة صوته كثيراً, ردت بهدوء :
- أها طبعاً أتفضل
رد بجدية بالغة :
- أنتِ ليه بتهربي مني ؟
اغمضت عيناها بتفكير وضيق, كانت تشعر بأن سوف يأتي اليوم ويواجهها بهذا الأمر بكل تأكيد .. لا تعرف ماذا تقول له .. تغابت وكأنها لم تفهم شئ مما يقصده وتسائلت بهدوء :
- قصدك إيه ؟ .. مش فاهمة
لم يحتمل غضبه من عنادها وهروبها أكثر من ذلك وهي تدرك مقصه جيداً .. ولكن لن يترك لها مجالاً للهروب بعد الآن, فصاح بها بضيق :
- لا أنتِ فهماني كويس أوي يا نيللي, وكل مرة بتهربي
تنهدت بتوتر, فقد حسم الأمر إذاً الآن أم ماذا ؟ .. قررت أن تسير على هذا النهج لترى ما الذي سوف تتوصل إليه وقالت ؟
- أهرب من إيه يا آسر ؟ .. وضح
رد بنفس النبرة :
- ايوة بتهربي مني ومن مشاعري .. حاسس بيكِ وأنتِ مستمرة بهروبك .. مش مفكرة أني ملاحظ مثلاً
نيللي : .....
صمت تام ... توترت كثيراً, لم تستطع الرد على الإطلاق, ولم تعرف ماذا تقول .. في حيرة تامة من أمرها, في موقف لا تعرف الفرار منه 

قطع الصمت وهو يصيح :
- ردي عليا يا نيللي .. ليه بتهربي مني ؟
صاحت به بضيق وهي تجيب بأعين دامعه :
- أرجوك يا آسر أعفيني من إجابة السؤال ده
تنهد بعمق وحسم أمره أخيراً وهو يقول بصدق :
- ليه يا نيللي أنا بحبك
الكلمة لمست قلبها بشدة, لم تستوعب ما تفوه به للتو ولم تستطع الرد .. توترت وإرتبكت كثيراً وقالت بسرعة :
- آسر أنا لازم أقفل ناو .. سلام
أغلقت معه سريعاً ويداها ترتجف .. أما هو أخذ يصيح بها كي يلحقها قبل أن تنهي المكالمة .. لكن لا حياة لمن تنادي
أغلقت سريعاً وهي تحتضن هاتفها بين صدرها وهي تبكي، شعرت برعشة خفيفة جعلت نبضات قلبها تتسارع بشدة، إلى أن سمعته من قوة صداه .. تلك الكلمة أشعرتها بالخجل الشديد، وهزت مشاعرها، كاد أن ينقطع أوصال قلبها، لم تستطع الرد عليه مطلقاً .
هي تعلم إنه يحبها، ولكن تلك الكلمة ألمتها كثيراً .. فهي تخاف عليه بشدة، تخشى أن تحبه، تخشى عليه من نفسها .. كيف تصارحه وهي تعلم جيداً ما تخفيه .
يجب قتل هذا الحب قبل أن يولد .. ﻻ تستطيع ان تحبه أكثر من ذلك بعد الآن، ولكن كيف تستطيع السيطرة على قلبها ؟! .. ظلت طوال الليل وهي تفكر في هذا الأمر إلى أن غلبها النعاس .
في اليوم التالي لم تكن بحالة نفسية والمزاجية جيدة على الإطﻻق، طوال اليوم لم تنتبه جيداً لمحاضراتها .. فقط تفكر في تلك الكلمة والإعتراف المفاجئ، إلى أن قررت وحسمت أمرها أن تحاول الإيتعاد عن هذا الحب .. ظلت هكذا إلى إنتهاء اليوم وهي تجلس في الكافتريا .. نظرت يمنى لرنا نظرة حيرة من أمرها، فهن ﻻحظن عليها الحزن والشرود طيلة اليوم ولم يستطعن إخراجها مما هي فيه .. ربت يمنى على يداها وهي تقول بحزن : - عشان خاطري فكيها بئة
تنهدت بحزن وردت دون النظر إليها :
- أعمل إيه بعد ما أعترفلي بحبه ليا يا يمنى، أنا مقدرش أحبه بس قلبي أتعلق بيه
نظرت لها رنا بحزن لتقول :
- ليه بس كدة يا نينا، آسر واضح من كﻻمك إنه بيحبك فعلا، ده أنتوا قعدتوا أسبوعين تكلموا بعض
وأتعلقتوا ببعض وهو حبك بجد ليه تكسري قلبه وقلبك بس
رمقتها نيللي نظرة غاضبة وصاحت بها بضيق :
- يعني أنتِ مش عارفة، وعيني دي مش هي سبب بعدي وهروبي منه ؟! .. أنا مقدرتش أرد عليه قفلت على المكالمة
أحتارت رنا وبعد تقكير في تلك المشكلة ألتفتت إليها بتساؤل : - طيب هتعملي إيه هتقوليله ؟!
تنهدت بيأس وحزن، فقدت الأمل فيما تمنت .. كما يقال "الحلو ﻻ يدوم" .. فنظرت لهن منفعلة :
- مش عارفة أقوله إيه .. أقوله مينفعش ترتبط بواحدة بتتحول ممكن تأذيك أنت شخصياً

تحاول رنا بث الطمأنينة في قلبها قائلة :
- يا حبيبتي يا نيللي يعني مفيش حل، يعني لازم يكون فيه
تنهدت نيللي بيأس وقلة حيلة، لم تعد تفكر في شئ سوى ماذا تفعل الآن، فقامت فجأة وهي تقول :
- معرفش بئة هعمل إيه أهو إللي حصل .. بقولكوا إيه أنا رجليا تعبتني وعايزة أروح
قامت رنا هي الأخرى مؤيدة، وفي الوقت ذاته تتركها تستريح قليلاً فقالت :
- وأحنا كمان المحاضرات النهاردة رخمة أوي وطويلة، يلا بينا نمشي سوا
خرجن الفتيات سوياً يسيرن قليلاً في شارع سوتر إلى البحر، وهي شريدة ويبدو عليها عﻻمات الحزن .. أثناء ذلك صدمت برجل دون قصد منها، شهقت من الفزع وفاقت من شرودها، لتنزل تلتقط النظارة الشمسية، ورنا ويمنى يساعدنها على النهوض .
نظر لها الرجل، في عينيها الزرقاوتيين .. أنتقل إلى عالم أخر، شرد فيهما كثيراً، قامت سريعاً بأرتدائها على الفور .. نظرت له بإرتباك وخجل قائلة : يا خبر أنا آسفة جداً، آسفة بجد ماخدتش بالي
لم يفيق بعد من شروده، ولم يصدق عيناه لما رأه، فرد وهو بتلك الحالة الشريدة :
- ها لا مفيش حاجة
تنفست نيللي الصعداء بأن كل شئ على ما يرام، وتأكدن من سلامتها .. رحل الرجل وكلما يمشي خطوة للأمام يلتفت خلفه، وفجأة دون سابق إنذار وهو يلتفت إليها بشرود تصدمه سيارة مارة سريعة .. بالطبع صرخت نيللي عندما رأت السيارة تقترب منه وتلامس قدميه :
- لااااا حاسب
تجمهر حوله العديد من الأناس على أثر صراخها .. ركضن نحوه للإطمئنان عليه، وفي داخل كل منهن قلق ورعب ألا يكون تعرض لأذى أو الألعن .. وفاة .
كانت ترتعش كثيرا مما رأته، ﻻ تعرف إذا كان على قيد الحياة أو وفته المنية ... سحبتها يمنى من يداها سريعا كي يستقلن بسيارة للذهاب للمنزل، وأثناء سيرها وهي تنظر خلفها كي تطمئن عليه
ربتت رنا على يداها كي تهدء من روعها قليلاً، وتخف رعشتها .. كن قلقات عليها كثيرا، فقالت بقلق :
- أهدي يا نيللي أنتِ كويسة ؟
ألتفتت إليها سريعا بدهشة وزعر :
- شوفتيه لما العربية خبطته، مش عارفة عايش ولا ميت
هدئت يمنى روعها هي الأخرى وتحاول طمئنتها :
- أهدي عشان خاطري سمعت الناس بيقولوا إنه حي، دراعه أتصاب بس متقلقيش محصلش حاجة
وضعت يداها على قلبها بشدة وهي تلتقط أنفاسها :
- طب الحمد الله قلبي كان هيقف خلاص ده بئة إللي عايشة فيه طول حياتي
نظرت يمنى إلى رنا بحزن شديد على ما تبدو عليه صديقتهن، وما تحمله بين طياتها من عبء كبير وحزن أكبر .. ﻻ شئ بأيدهن لمساعدتها، فقط ﻻ يملكن سوى الدعاء لها .

في إحدى الشقق المأجورة على شاطئ البحر .. يجلس الشخصيتان المبهمتان في إحدى الغرف .. يجلس أحدهم قبله على طرف الفراش وقال بإنزعاج :
- إيه يابني مالك جايين إسكندرية نقضيلنا يومين حلوين، تخرشم أيدك كدة
يمسك زراعه بألم وهو يقول :
- أعمل إيه أهو إللي حصل بئة، يلا جات سليمة
نظر له وتسائل بنفس النبرة :
- إيه اللي حصل لدراعك بالظبط ؟
حاول إعتدال جلسته بمساعدة من يقابله وبدء بالقص : كنت ماشي على البحر رايح أركب الترام، واحدة ماشية خبطت فيا .. عنيها أول ما شوفتها أنبهرت وتنحت قدامها، جيت أقوم ومشيت خطوتين كنت سرحان فيها خبطتني العربية
ضحك عالياً على عدم تركيزه بالطريق وإنسجامه مع الفتيات، فرد بمزاح :
- ههههههههه لا تعيش وتاخد غيرها، كانت حلوة ولا إيه ؟!
رد بإنبهار :
- حلوة مين دي كانت قمر، ملاك ماشي على الأرض .. ولا لون وسحر عنيها ودوني لعالم تاني حسيت إني برجع لورا كدة
رجع للخلف وهو يضع قدم على الأخرى بتعالى، مرتسما على وجهه إبتسامة لها مغزى أخر وقال :
- لا بجد شوقتني إني أشوفها
بعد تفكير ليس بطويل، ألتفت إليه وقال :
- بس لاحظت حاجة غريبة أوي
ألتفت إليه هو الأخر بإهتمام وقال :
- لاحظت إيه قول
إسترد حديثه ليقول :
- وأنا باصص في عنيها أتحولت
رفع حاجبه متعجبا وهو يقول :
- أنت مجنون يابني ولا إيه
نظر له بحماس وتأكيد لما يقول :
- آه والله مش مصدقني ؟! .. لونها قلب للون الموف كدة
لم يستطع إستيعاب ما يسمعه، أيكون أمامه الطريق أنار فجأة دون أن يعلم مصدره ؟ .. صاح به متعجبا:
- إييه موف لا مش معقول مش ممكن

تعجب من رد فعله، أهذ:
- حصل ايه بس
صاح به بجدية قائلاً:
- عارف معني الكلام ده ايه ؟! .. مفيش غيره إللي يعمل كدة يا غبي مش مصدق
بعد تفكير صاح هو الأخر :
- آه صحيح مش معقول، بس مش ممكن تكون هي كدة من غير حاجة
نظر له وأرتسم على ثغره إبتسامة تهكم وهو يقول :
- محدش يصدق إللي أنت بتقوله ده
نظر له الأخر بحيرة وهو يتسائل:
- طب والعمل لازم نتأكد ألا اكون متهيألي ولا حاجة
أشار إليه تأكيد تأييداً لما يقول :
- صح بردو لازم نتأكد إنها طبيعية ولا لا .. أقلبلي اسكندرية
على البنت دي، أعرف قرارها لازم اتأكد
إبتسم وهو يقول :
- أوامرك يا كبير
عادت إلى المنزل و وجهها شاحب .. بدلت ملابسها وحاولت النوم قليلا قبل عودة أحمد، وكي تهدء أعصابها قليلا .
عندما آتى كانت مستيقظة وقصت عليه كل ما حدث، طمأنها بأن كل شئ سوف يكون على ما يرام .. أدركت بأنها جزء أساسي ورئيسي من تلك الحادث، ليس فقط بسبب عيناها .. بل بسبب شرودها فيما حدث ليلة البارحة .
مرت أيام وهي على ذات الحال تفكر بقرارها، كانت تجلس بالفراندة شريدة، يبدو على قسمات وجهها الحزن .. على أذنيها السماعة الصغيرة الخاصة بالهاتف .
آتى أحمد ورأها على هذا الحال، فأبتسم .. فهو يعرف سر شرودها وحزنها .. إقترب منها وجلس بجوارها ولم تشعر بوجوده قط، إلى أن ﻻحظت وجوده ونزعت السماعة .
إبتسم لها بحب وقال :
- الجميل سرحان في إيه ؟
إبتسمت هي الأخرى وقالت بحزن :
- أهلاً يا أحمد، ولا حاجة سرحانة شوية .. بفكر
وضع يديه على وجنتيه وقال بإبتسامة خبيثة :
- في آسر مش كدة ؟
ألتفتت إليه بتفاجئ، بمجرد سماع أسمه تتصارع دقات قلبها، ولكن تماست وهي تقول :
- إيييه آسر !!
إسترد حديثه وهو يقول :
- ايوة آسر، أنا عارف كل حاجة
تعجبت نيللي مما يقول، فلا يوجد شئ غامض لمعرفته، فنظرت له بتساؤل :
- عارف إيه ؟

تنهد وقال بجدية :
- عارف إنك بتحبي آسر يا نيللي
أتسعت عيناها دهشة، فقد أخطأ في فهم الموضوع تماما .. فردت سريعا :
- ﻻ أنا مبحبوش أنا ...
قاطعها أحمد بكل تأكيد :
- لا بتحبيه، متخداعيش نفسك أكتر من كدة .. وهو كمان بيحبك .. على فكرة باين عليكوا أوي لما بتقابلوا بعض، عارف من زمان
ردت سريعا قبل أن يكمل حديثه، فلا تعرف ما يقوله حقيقة وهي ﻻ تدركها أم ﻻ :
- ﻻ حب إيه، إللى بتقوله أنا خايفة أحبه وقلبي يتعلق بيه، منكرش إني معجبة بشخصيته يعني
رمقها نظرة عتاب مصطنعة وقال :
- بتخبي عليا يا نيللي
ردت مدافعة :
- أبداً يا أحمد، مفيش حاجة مخبياها ده مجرد إعجاب مش حب
تنهد أحمد وقال بجدية :
- ﻻ ده حب، وعلى فكرة آسر قالي
آتسعت عيناها دهشة، توترت قليلا .. ماذا قال له هذا المجنون يا ترى .. فقالت بإهتمام :
- ها قالك إيه ؟

أحمد نظر لها بجدية وقال :
- آسر كلمني وقالي إنه فعلاً بيحبك وأنت بتهربي منه .. عجبني فيه جدعنته، أول ما أكد من مشاعره ناحيتك صارحني على طول
نيللي مندهشة مما سمعت، لم تتوقع رد الفعل، فردت بإنفعال :
- أحيييه هو لحق يشكيلك كمان ! .. ثم يعني أنت مش عارف ليه ؟ .. علشان مش عايزة يتأذى بسببي
ضحك أحمد وقال بحب :
- تعرفي إنه جدع أوي ومحترم فعلاً، بيحبك واحد غيره مكنش قالي حاجة، وكبر في نظري بعد إللي عمله
إبتسمت رغم عنه وهي تتذكره فقالت :
- فعلاً آسر إنسان كويس ومحترم أوي
نظر لها بجدية وقال :
- طيب هتعملي إيه دلوقتي ؟
تمهدت بحسم وهي تقول :
- في دماغي قرار ﻻزم أنفذه
دون أي تفكير قال :
- تعرفي إن الأسبوع إللي جاي هتفكي الجبس
نظرت له بدهشة وقالت :
- إييييه
SHETOS
SHETOS
تعليقات