Ads by Google X
رواية قلوب منهكه الفصل العاشر -->

رواية قلوب منهكه الفصل العاشر

رواية قلوب منهكه الفصل العاشر

    الفصل العاشر :....

    #جهاد_وجيه
    #قلوب_منهكه

    هناك فارِقًا صغيرًا بين الخوف والرهبة مُعذبتي

    هناك حبًا ينبض بنا وحبًا ننبض لأجله

    هناك قلبًا وقع بنا وقلبًا فُقدنا به

    قلوبٌ حائرة بين الصمود للوقوع في شباك الحب والعِناد للهروب منه، قلوبٌ أرهقها التفكير بالقادم لدرجة تُعجزها عن التطلع للمستقبل، قلوبٌ مُشتتة بين الحب، العِناد، الاستسلام، التتيم، والعشق، قلوبٌ تعلمت فنون العشق على أيدي أمهر العازفين وأتقنت العزف المتجانس عليها ولكنها قلوبٌ مُنكهة !.....

    استيقظت من غفلتها الصباحية على أنامل خشنة تربت على كفيها، على قُبلة رطبة تُطيب قلبها، هبت واقفه بعد علمها بهوية الجاثي جوارها، تطلعت إليه بمشاعر متضاربة، حائرة، مُعاتبة، غاضبة، لم تنفرج شفتاها عن كلمة واحدة تكفي نظراتها المصوبة لقلبه مباشرة، تكفي رجفتها النابعة من جرحها الملوث، ابتعدت عنه وتناولت ثيابها وتوجهت صوب حمامها دون إعطاؤه المزيد من الطعنات بغاباتها الهائجة، ألقت نظرة حزينة عليه قبل فتح الباب وسرعان ما أغلقته خلفها بقوة تعكس ألمها الداخلي، بعد مدة ليست بطويلة خرجت بخطى واهنه، متعبه، متعرجه، طوت مقدمة كنزتها الزيتونية وصولًا لمرفقها بهدوء، جلست على المِقعد المقابل له دون إلقاء نظرة عابرة له .....
    ************

    بعد وقتٍ طويل قرر الصعود لها ليضع حدودًا لتلك المعاناة، دلف غرفتها وهو متيقن من غفلتها، جلس جوارها كما أمس، راقب ملامحها الفاتنة القادرة على إغراء أعتى الرجال ولكنها الآن تبدلت بأخرى شاحبه وباهته بأخرى مُتعبه ومُرهقه، من يصدق أن محبوبته وعشقه الأول والأخير عانت مثل تلك المعاناة، من يصدق أن طفلته المرحة والصلبة خارت قواها وانهارت حصون قلعتها، طبع قبلة أسفه، نادمه، حزينة وعاشقة على كفيها الصغيرين، راقب حركة جفنيها وعلم أنها استيقظت، رمى عقله بكل شئ عرض الحائط ولم يكترث لرد فعلها عندما تراه بهذا القرب وبعدما حدث، ولكن ما لم يتوقعه هو صمتها ونظراتها التي كانت تأكله وتحرقه، كان مستعدًا لكل شيء منها إلا صمتها وعتابها الصامت له......

    مهند بنبرة غلفها الحب: نورسين

    لم تجبه بل لم تعطه نظرة يحمد ربه عليها وإنما صبت كامل اهتمامها على الشرفة بجوارها، لم ييأس فلها كل الحق بهذا ولن يُحكم غضبه الآن..

    مهند بنبرة حزينة: لكِ كل الحق بأنك مترديش عليا بس أنا عملت كدا لأني بحبك

    لا يعلم كيف نطق لسانه الفالت بتلك الأحرف اللعينة ولكنها قرر البوح بها وإطلاق أسرها بعد ظلمة طال امدها

    نورسين بنبرة تهكمية وساخرة : شوفلك لعبة تانيه يا مهند باشا

    مهند بحزنٍ وعشقٍ مؤلم: بحبك ومعرفتش الحب غير بيكِ، من أول مره شوفتك مع رزان وقتها قلبي دقلك من غير ما يستأذني، معرفش امتى حبيتك كل الحب دا بس اللي متأكد منه إني مبقتش أنا، كنت بروح لمكتب رزان كل يوم وكل شوي عشان أشوفك بأي حجه، كنت بردو بمنع رزان إنها تروحلك عشان عارف أنها عِنادية وهتروح ودي حجه أروح مكتبك، ملقتش طريق أخليكِ تحت عنيا غير انك تكونِ السكرتيرة بتاعتي وبكدا هضمن أشوفك ولو كل ثانيه عشان أشبع منك، سنتين يا نور وأنا بموت لمجرد التفكير إنك بتحبي حد تاني وأنا معرفش، سنتين بروح تحت بيتك كل ليلة قبل ما أرجع بيتي واطمن من البواب أنك وصلتِ ولالا، سنتين بتعذب بحبك، مش بلومك ولا بعاتبك بس أنا قلبي وجعني يا نور، مهند اللي كانت أي واحده تخاف تبصله وقع فيكِ أنتِ وبقى كل أحلامه أنك تحبيه ولو ربع حبه ليكِ، اللي حصل امبارح كان بدافع خوفي عليكِ، أنا حافظ عيونك كويس شكلها إيه وهي بتضحك أو وهي زعلانه أو لما تتألم أو لما تخاف، لما شوفت الخوف والألم فيها بعد كلامنا مقدرتش معرفش حصلك إيه، أنا أسف يا نور أسف يا نور قلبي

    عند هذه الكلمة وانخرطت بوصلة بكاءٍ لا تعلم مصدرها، هو يذكرها بوالدها، لم ينعتها احدًا بهذا اللقب سوا والدها الراحل، لم يحبها أحدًا بقدر والدها، لم تشعر بالأمان من قِبل أحد من بعده، لماذا يظل يذكرها به ويفتح أبوابًا لنزيف روحها، لا تعلم بما تجيبه ولكنها كأي أنثى ترغب بإرضاء غرورها وتعويض ألمها الذي سببها لها ولو بغير مقصدٍ منه ولو بدافع خوفه وحبه المزعوم لها...

    نورسين بنبرة جاهدت لرسم القوة بها: بس أنا مش بحبك

    ابتسم مهند بمرارة وحزن، ماذا كان ينتظر !؟... أن ترتمي بأحضانه وتخبرها بمبادلتها لحبه!!.. ظن أن باعترافه سيسهل الأمر عليه ولكنه من الواضح لم يجلب اعترافه له سوا الألم ولكن مُضاعفًا، ألقى نظرة أخيرة عليها ونهض ليغادر الغرفة دون حديث ولكنه ألتفت لها بنظرة لم تظهر معالمها، جمعت نظرته الكثير من المشاعر المؤلمة والمؤلمة فقط...

    مهند بجمود: هتحبيني يا نور

    خرج كالطفل الذي ضل طريقه، دلف لغرفته بخطى مترنحه وغير متزنة عكس طبيعته الثابتة وطلته المعهودة، ألقى جاكيت بذلته الرمادية بامتداد ذراعه، جلس يستند على فراشه، دمعة خائنة فرت من عيناه، لم يقوى لمحوها ولم يقوى لتركها تعبث برجولته، تبعتها أخرى وأخرى، بكى كما لم يبكى من قبل هو حقًا لم يبكي من قبل سوى عند وفاة والدته، هذا الجبل الموصد بصلابة خرَ وصعق الآن، دموعه تحرقه ولكنها خانته وسقطت، قلبه يؤلمه فهي رفضته، مُعذبته ومعشوقته الوحيدة لا تحبه بل لا تعرف كيف تحبه والأدهى أنه رأى الكره بعيناها التي طالما سرقت فؤاده وأطاحت بعقله، لطالما تمنى تقبيل عيناها، يحسد جفنيها أنهم الأقرب لها بدلًا عنه، شعر بقواه تضعف لدرجة انهكته، وقعت أماله ومخططه معها ببئرٍ يتملكه الظلام، يالا قهر الرجال، وما اعظمها دموعهم ....

    ******************

    ألم معرفتك بأن من تحب لا يرغبك ولو على سبيل المزاح ينهش بروحك كفيروسٍ حاد، من أصعب ما نشعر به هو أن يقلق نومنا ليلًا لم نخطر بباله سهوًا، من نعشقه لا يرانا، من نتمناه يبغضنا، وهل هناك ما يؤلم اكثر!، نستطيع تجاوز الكثير والكثير قهرًا ولكن أن ما ننتظره لن يأتي هذا ما يصعب اجتيازه .....

    بأحد أحياء الأسنكدرية، في بيتٍ متوسط الحال، يغلفه الحب والحنان، لم تعرف أسرة هذا البيت لأيًا من الكره أو المشاعر الحقيرة طريق، أنشأهم والدهم على الحب والرحمة والإخلاص، خطوا أولى خطواتهم بين أصابعه، جلس رجلًا يتضح من خصلات شعره البيضاء أنه شارف على الستين عامًا، الخطوط المدسوسة تحت عيناه تبرهن أن الزمن حط عليه، جلس جار ولده وفلذة كبدة وطفله البكري، ربت بحنوٍ بالغ على ظهره، يعلم كل العلم ما يشعر به ولده الآن، لم يكسب خصلاته البيضاء من الفراغ وإنما من لدغات العالم حوله وعقوبات الزمن الذي أفناه...

    ياسين بحكمه: يا ابني الحب عمره ما بيضعف، ولو ضعفت وحبك صادق وقتها هتلاقي نصك التاني بيساعدك تقوى وتقف، مش بس هيساعدك بإيده لا بقلبه وبحبه وبدمه وبكل ما فيه، الحب زي شريان بيغذي قلوبنا بمشاعر كتير، وأنتَ ونصيبك لو حافظت على شريانك دا، محدش ليه سلطه على قلبه يا ابني، القلوب زي الفراشات بتطير ووقت ما تلاقي الجو المناسب ليها بتحب بألوانها وبهجتها عليها، اختار اللي تقاسمك وجعك قبل فرحك يا سامح يا ابني، أنت قلبك طيب وتستاهل كتف لما تميل عليه يحتويك ويضمك

    كلمات والده أصابته في مقتل كما يُقال، هي لم تعلقه بحبها ولم تجبره على حبه لها بل هو من وقع أسير حجريها النادرين، هو من أشتم عبير طيفها بأول جولة له بين البشر، ولكنه الآن لا حول له ولا قوة فهي لم ولن تصبح له، يعلم أنها ليست من الفتايات الذي يضعن المال فارِقًا لشريك حياتهم ولكنها ترغب بأن تعيش قصة حقيقة تعشق بها فارسها المغوار، وبالطبع لن يكون هو هذا الفارس ولكنه لن يظل حبيس غرفته وسجين عشقٍ مُحرم، لن يبقى متكوف الأيدي يصارع ذكراها، والده معه كل الحق فهو يستحق أن يُحتوىَ من قِبل أثناه ......
    ****************

    أنقضى اليوم دون المزيد من الإشتباكات بينهم، هي تتجنبه وهو يتحاشها كلاهما يهرب من حِصار الأخر بعيناه ولكن ماذا عن قلبيهما!! ..

    صعدت معه للسيارة دون حديثٍ، من حين لأخر كانت تسترق نظراتها حقها به، قلبها يخبرها أن لها كل الحق بالنظر إليه، يُشعرها أنه ملكية خاصة لها، بعد صمتٍ طويل قطع هو صوت انفاسهم بصوته الرخيم: في مكان لازم نروحوا

    رزان بتعجب: مكان إيه!؟

    ماجد بنبرة جافه : هتعرفي لما نوصل

    رزان بتهكم: وكان لازمتها إيه تقولي

    ماجد بلا اكتراث : عادي عشان أنا عاوز كدا

    رزان بهمس: عازتك عقربة يا بعيد

    ماجد بتهكم: العقربة هتبقى ارحم منك

    ابتلعت ما بجوفها بحرجٍ وصمتت، سمعها وهي تسبه وللعجيب لم يثور أو يغضب، لو كان مهند لكان أمسكها من تلابيبها وأبرحها ضربًا خلف عنقها، بعد مدة توقفت السيارة في فناءٍ واسع، خالي من البشر مما بث القلق بأواصالها ولكن ما جعلها تطمئن أنه ابتعد عنها وذهب لكوخٍ خشبي من الواضح أنه مهجورًا منذ مدة طويلة، بعد عدة دقائق خرج وهو يرتدي بنطالًا بيتي رمادي اللون ويعلوه كنزة زيتية ولكنها تبرز عضلات ذراعه النافرة وبشدة أسفلها، ابتلعت ريقها بخجل من تطلعها له واجفلت على صوته الحاد: يلا

    رزان بتوتر وهي تفرك اصابعها : يلا إيه

    ماجد بمُكر ودهاء: هنتسلى شوى يا زان

    توالت الصدمات عليها واحدة تِبع الأخرى، بداية من رؤيتها مُجسم التصويب والذي أظهر رجلًا مخيف رؤيته كافية لارتعاش أوتار قلبها وانتهت صدماتها بالسلاح الغير آدمي من وجهة نظرها الخائفة، هل حقًا هذا ما يدعوه بالتسلية! هل عليها الآن الإمساك بهذا الدامي الأسود بين راحتيه!؟ عند هذه النقطة وظهرت مخالب قطتها الكامنة والتي لم يتعرف عليها البارد الغريب المتحفظ لكل ردة فعلٍ منها ......

    رزان بقوة زيفتها بمهارة : مستحيل أمسك الشيء اللي في إيدك دا

    راقب خروج شراستها من قبوها وثباتها بابتسامة سمجة ولكن لعوبة تناسبه، دار حولها بخطواتٍ مدروسة بذكاء، هذا الماكر يلعب لُعبة الثعبان المُخادع، يوهم فريسته بأنه سيتركها وما إن تطمئن حتى يغرس أنيابه بأعمق عنقها ويستمتع برؤية الرعب يُدب بسائر جسدها، راقب ارتعاش فكها الأسفل وانقعاد حاجبيها بضيقٍ ولم يخف عليه حبتي التوت بوجنتيها والتي تنذر ببشارة وصلة بكاءٍ وغضبٍ ساحق، بثانية كان مُقبض بكفيها على السلاح الناري بقوة وهو محكم حركتها بجسده من خلفها، شَلَ حركتها تمامًا ومقاومتها الغاضبة ورغبتها بدفعه عنها هو فعل هذا حتى لا تفر هاربة أو خائفة، قربها هذا لم يكن في صالحه ولكنه يجب عليه رمي كامل مشاعره بعرض الرمال من حوله حتى يدربها جيدًا، كانت انفاسه تلفح الجزء الظاهر من بين وشاحها الأسود، خصلاتها تعبث بأهدابه السوداء بأريحة مُميتة له، حاول بكل طاقته جمع شتات عقله وصب كامل تركيزه على مكان تسجيل الهدف وترك مشاعره المُعاندة له تبكي بصمت .....

    وكيف حالها! تستغفر ربها وتناجيه لطريقه تهرب من هذه التسلية كما يزعم القابع حولها، تعجبت من دهاؤه وتريثه معها، لم يدم تعجبها طويلًا وحل محله خجلًا وغضب وتوتر، ذراعيه القابضين على ذراعيها لم يساعداها بل على العكس بترا مقاومتها الشرسه بإبعاده، قربه ولو لامتارٍ قليلة يربكها ماذا وانفاسه تداعب عنقها وخصلاتها التي تحتضن وجهه بحميمة لم تعهدها من قبل، ماذا عن دقات خافقها الذي ينبض بجنونٍ وخجل، وسط سيل المشاعر التي هبطت عليها لم تشعر به وهو يضم قبضتيها على السلاح الناري، ولكنها ما إن فاقت من ثورة مشاعرها حتى شهقت بعنف وحاولت الفكاك من تملكه عليها، ولكنها لم يسمح لها بذلك ولا همسه رافقها بدفاعها .....

    ماجد بهمس بأذنها: ركزي مش هكررها تاني

    رزان بحدة وغضب: أنت إزاي تمسكني كدا، أبعد عني

    ماجد بتملك وشغف: محدش ليه الحق يمسكك كدا

    كادت ان تنطق وتسبه وتنهره وتؤيد حديثه ولكنه فاجأها بباقي رده المتملك والذي لمست به الأمان وأيضًا الخوف

    ماجد مقاطعًا إياها : غيري، محدش ليه حق يمسكك كدا غيري

    لا تعلم ماذا أصابها أمام نبرته الهامسة، صوته رغم هدؤه إلا أنه يبعثر كيانها، همساته رغم شجيتها إلا أنها تُسكتها، قلبها مضطرب بشدة من وضعهم هذا إلا أنها لا تخافه وخاصة الآن !!

    **********************
    كانت غرفة الإجتماعات تعج بزعماء أكبر عائلات المافيا بالعالم، والذي تنوع تخصص أعمالهم بين السلاح، الفتيات، المواد المُخدرة، الآثار، السرقة، وأخرى كثيرة، حالة من الهرج تصاعدت بينهم وكادت الدماء تُراق بمجلسه إلا أنا حضوره البارد، المُرعِب، الصامت؛ جعل كل لسانٍ خرج من جوف صاحبه يُعاد لمضجعه لحين انتهاء المجلس، تقعد بخطواتٍ ثابتة لمقعده، فك أزرار بذلته السوداء بهدوءٍ وشمر عن ساعديه العريضين لينكشف وشمه الممتد بطول ذراعه الأيسر، أشار لأحد رجاله بفتح الشاشة الإلكترونية المقابلة لهم والتي هي بعرض حائطٍ يوازي ست أمتار، كانت عيون الجميع تُصب على العرض أمامهم من بينهم خائف، مُرتجف، وأخر يكاد يبكي من فرط رعبه، صوت رصاصتان صمت أذان الجميع، لم يقوى أحدًا على إدارة عيناه لرؤية المُعبأ بدمائه وجذعه العلوي مُلقى على الطاولة والدماء تقطر من رأسه وأعلى يساره! ..

    جاك بفحيحٍ كأفعى سامه: هذه بداية كل خائن

    ماكس بلا مبالاة : وماذا عن شُحنة Cocaine المطلوبة منه

    جاك بلا أكتراث: كم حجمها ؟

    ماكس بتفكير: أظنها خمسة أطنان فهي شُحنة ثانوية

    جاك بتريث : أعطها لدارك

    ماكس بمُكر : كما توقعت تمامًا

    جاك بنظرة أخرسته وجعلته يتراجع عما خطه عقله لقوله وألقى نظرة راضية عما صنعت يمناه، رصاصتان، إحداهما بأوسط جبهته والأخرى بالقرب من قلبه، هذا جزاء من يخيل له عقله بالخيانة واللعب من وراءه، نهض بهدوءٍ مماثل لدخوله وأشار لأحد رجاله على من أزهق روحه قبل ثوانٍ قليلة: نظفوا القمامة جيدًا وأحضروا ما تبقى من عائلته فكما قولت هذه بدايته ليس إلا

    كلماته لعبت دورها بباقي الجالسين يرتجفون، رغم قوتهم وتسلط زعامتهم إلا انهم كالخرفان الضالة أمامه، يحركهم كالدمى بأصابعه، لم يعد داخله ذرة من الشفقة تجاه البشر، من يدلف لهنا يُلقي بقلبه بأول خطوة بهذا العالم ويمر عليه، هو حتى لا تنازعه أرواح من قتل ليلًا فهذا يعني انهم يستحقون نهايتهم، هؤلاء هم من نُزعت رحمتهم وإنسانيتهم نزعًا من بين أضلعهم ....

    ******************************
    أيضًا هنا سمعت رصاصتين ولكن تبعهم صرختين نابعتين من روحها، ألقت السلاح من بين يديها أو هذا ما خُيل لها، فهو من خفف قبضته على يديها عُقب صراخها الذي مزقه، ابتعد عنها بقلق وهو ينظر لوجهها الذي كسته دموعها الثمينة على قلبه، تركها حتى تهدأ ولم يشأ أن يقترب منها الآن رغم أن جميع خلاياه تحثه على ضمها والتربيت على ظهرها حتى تستكين وتهدأ، بعد عدة دقائق راقب انفعالاتها التي بدأت في الهدوء، جلس أمامها كطفلًا ينتظر عفو والدته عنه بعدما ارتكب جرمًا بحقها، كانت منكسة رأسها والدموع تداعب أهدابها الكثيفة برقة وصداقة، مُدت أنامله لأسفل ذقنها وليته لم يفعل، رأى حجريها النادرين يتوهجان كما القمر بليلة كماله ولكن بحبات لؤلؤ تقطر منهما، خصلاتها نُثرت بفوضوية على ثائر وجهها، شفتيها تشاركها بكاؤها، يا الله كيف فعل هذا بها .....

    ماجد ماسحًا على وجنتيها : واثقه فيا يا رزان

    وسط دموعها وبكاؤها الحارق شعرت بأنامل خشنة ترفع ذقنها، كانت عيناه تفترس وجهها بلا هوادة، وما أعجبها انه مسح دموعها ليمنع المزيد من الهطول ولكن كلماته أدهشتها حقًا ...

    رزان بعدم فهم وصوتٍ يشارف على بكاءٍ جديد: قصدك إيه

    هب واقفًا أمامها ومازالت هي مفترشة الرمال بثوبها، مد يده أمام وجهها بدعوة منه وكم تمنى لو تُلبي دعوته

    ماجد بصوتٍ رخيم: واثقه فيا؟!

    بلا تردد وضعت أناملها الصغيرة بين كفه الأمن ورفعت نفسها لتقف امامه، لا تدري من أين أتتها القوة لتفعل هذا ولكن قلبها يثق به رغم خوفها منه، لا تعلم لما مشاعرها متناقضة حوله لكنها بالنهاية تثق به رغم معرفتها المنعدمة به ...

    هذه المرة لم يقترب منها وإنما اكتفى بالمثول جوارها وإرشادها لما تفعل بحرصٍ وأعينٍ كالصقر، عاد الكرة أمامها وأطلق النار عدة مرات وبكل مرة كان يلاحظ رجفة جسدها وشهقاتها المرتعبة، وضع بحسبه ما حدث منذ دقائق قليلة لذلك اكثر من إطلاق النار حتى تعتاد عليه وخاصة حينما تجربه!!

    ماجد بجفاءٍ وغلظه: ركزي ومتخافيش

    رزان مبتلعة لعابها: مش م مش خايفه اهو

    هو بالكاد يكبح ضحكاته من مظهرها كالأرنب المبلل ولكن عندما استمع لها الآن لم يكبح جماح ضحكاته حتى صدحت بالمكان كله نظرًا لخلوه، راقب انفعالاتها من التوتر، الخوف، الغيظ، الغضب، النفور، وأخيرًا التحدي !

    تناولت على حين غرة منه السلاح وامسكته بقوة جاهدت لتزيفيها وهتفت بتحدي وكبرياء يليق بها فقط: وفر ضحكتك هتلزمك بعدين

    هل تتحداه!؟ إذن فلنستمتع قليلًا بتلك الهرة المتوهجة والشرسة !

    صوت رصاصة تبعتها اخرى واخرى شقت سكون الأجواء، رغم رجفة أصابعها وخوفها الذي أصبح جليًا على سحنتها لم ترغب بانتصاره عليها وعادت الكرة مرة بعد مرة حتى اعتادت صوت الرصاص والرائحة النفاذة والمحترقة من السلاح، طلقاتها لم تصيب الهدف بدقة ولكنها فخورة بكونها تغلبت على صوت خوفها الكامن بقلبها ...

    قطته تحدته وانتصرت عليه، هو لم يأتي بها فقط لتعليمها وإنما لجعلها تبتلع خوفها وتدفنه ببئرٍ عميق، لم يخفي إعجابه بسرعة تعلمها وتركيزها الذي أنصب كاملًا على هدفها، هرته الشرسة تجعله يقع بين طياتها كل يومٍ أكثر وأكثر ....

    رزان بكبرياء أنثى: شيل الابتسامه السمجه اللي على وشك دي

    ماجد بابتسامة أوسع: بتتعلمي بسرعة يا قطتي

    رزان بتعجب من إضافته لياء الملكية وهذا الاسم الجديد لها : قطة مين معلش!؟

    ماجد بلا مبالاه لسؤالها: أظن كفايه عليكِ كدا النهاردة

    لم ينتظر ردها وإنما ذهب من أمامها لعدة دقائق حتى عاد مرتديًا كامل ملابسه الذي حضر بها، صعدوا للسيارة دون حديثٍ يذكر واكتفت رزان بمحاولة الحديث مع شقيقها فهي حقًا تشتاقه وترغب بوجوده معها، بينما هو علم ما تفكر به وما أحزنها هكذا، ولكنه فضل الصمت !!

    *******************************
    كلمات والده تصدح بعقله الآن، هو من طلب من شقيقته هذا، والآن يجلس ينتظر خروج عروسه التي لم يراها من قبل ومُطالب بالجلوس معها ليتعارفوا ويتبادلوا أطراف الحديث، سمع صوت شقيقته تدعوها للجلوس جواره ولكنه لم يقدر على رفع نظره إليها، هل يخبرها أنه هنا الآن لتنسيه أخرى! هل يخبرها أنه لن يقدر على حبها! هل يخبرها أنه مسجونًا بحبٍ مستحيل ورغم ذلك يتمنى إحالته! ...

    _ إزيك يا سامح ؟

    وأخيرًا تكرم ونظر لها، ليست بفاتنة ولا مُغرية ولكنها بريئة ونقية! لا تستحق منه هذا حقًا، نظر لحجابها الزيتي الذي يناسب فستانها الزيتي المُلتف حول جسدها الضئيل و المعقود بوردة بيضاء عند خصرها منسدلًا باتساعٍ لأسفل قدميها، ووجهها الخالي من أية مستحضراتٍ للتجميل والزينة، ولكن رغم كل شيء رأها فاتنة له!

    حمحم بإرحراجٍ من موقفه : بخير وأنتِ

    _ أنا سلمى

    أنقذته من خجلٍ جديد فهو لا يعرف اسمها بعد : وأنا سامح يا سلمى

    سلمى بابتسامة هادئة: عارفه

    سامح بحرج: طب في أي أسئلة حابه توجهيها ليا ؟

    سلمى ولم تختفي ابتسامتها : لا

    سامح مبادلٍا بسمتها بأخرى ساحرة: يعني موافقة

    سلمى ببسمة وخجل : ايوا

    ****************************

    هبط من طائرته الخاصة بغرورٍ لم تحطمه الأعوام، أغلق أزرار بذلته السوداء وخلل أصابعه بشعيراته التي استطالة نزولًا لأعلى حاجبيه، وضع نظراته التي تخف لون قزحيتيه الغليظة، استنشق الهواء من حوله ببسمة هادئة ولكنها ماكرة وعاشقه، أنزل نظرة لساعته السوداء وعاود النظر أمامه بجمودٍ وغموض، همس بصوته الذي يتماشى مع صوت فحيح الأفاعي السامة التي تلتقط فريستها بعد طول انتظار: قد عُدت ولن اسمح لنسمة هواءٍ تمر من حولكِ


                        الفصل الحادي عشر من هنا

    إرسال تعليق