-->

رواية قلوب منهكه الفصل الحادي عشر

رواية قلوب منهكه الفصل الحادي عشر

    الفصل الحادي عشر:.....

    ترافقني أطيافكِ كما السماء العالية …

    تجذبني كلماتك كأقطابٍ متنافرة ….

    تلفحني خطواتك كقلوبٍ ضائعة ……

    مر باقي يومها على خير، لم يتصل شقيقها وهذا ما أحزن قلبها، عاودت الاتصال مرة وأخرى لتهدأ ذبذبات خافقها، كان العشاء صامتًا كالعادة ولكن لم تخلوه نظراتها المُسترقة للقابع قِبالاتها، تناولت وشاحها الزيتي وأحكمت لفهُ حول عُنقها وخطت خطواتها بشرودٍ للخارج، دارت بعينيها حولها بحرصٍ لتتأكد من عدم وجوده، وضعت يديها على وجهها وأجهشت ببكاءٍ خافت ما لبثت أن ارتفع نحيبها تدريجيًا، هي حتى لن تقدر على الدخول لمنزلهم لتشعر بأنه حولها، هي فقط تجلس تبكي شوقًا له، هي تشتاقه وهذا خطأه، هو لم يجعلها تعتاد على ذهابه وتركه لها، تريد الحديث معه لينسج لها من تشابك عقلها خيوطًا متوازية تُرِيحها….

    ماجد من خلفها بحنوٍ: وحشك؟

    يعلم مُسبقًا أنها ستأتي هنا، مهند أخبره بعدم قدرته على الحديث معها الآن، أخبره أنها ستأتي لهنا لتروي ظمأ شوقها له، يتعجب أحيانًا من علاقتهم فهي ليست كأي علاقة أخوية وإنما علاقة مُقدسة، مُخلدة، مُحِبة وقوية ….

    رزان بصوتٍ متقطع أثر بكاؤها : ايوا

    جلس جوارها ونظر لنقطة أمامه لا يعلم ماهي تحديدًا ولكن صوتها شَقَّ روحه وشطرَ قلبه، موجاتها حملت حزنًا يهدم جبالًا عاتية ولكن ما باليد حيلة ماذا يفعل لها …

    رزان بحزنٍ ولكن ثغرها حمل بسمة مُشرقة: طول عمرنا كنا زي الأب وبنته مش بس أخوات، الفرق بينا مش كبير للدرجة دي دول بس خمس سنين، كان هو اللي بيحضرلي لبس المدرسة بتاعتي ويوصلني كل يوم، كنت باجي من مدرستي استناه في أوضته عشان أحكي ليه يومي وإيه حصل معايا، مفيش مرة روحت ليها ببكي إلا ورجعت مبسوطة والضحكة بتلمع في عيوني، كبرت وهو كبر واهتمامه بيا مقلش ولو 1% بل على العكس لسه شايفني طفلته الصغيرة، ماما وبابا كانوا بيستغربوا من علاقتنا القوية وإننا مش مجرد اخوات، كنت متعلقه بيه لدرجة ماما خافت منها فبدأت تفهمني إنه في يوم هيبعد ويتجوز وأنا بردو هتجوز، فاكره يومها كويس كسرت ليه الساعة اللي فِضل يطلبها من بابا سنتين كاملين عشان يجيبها ليه ودا ليه لأني غيرت عليه، يومها حضني وقالي لو مهما بعدت مسيري برجع ليكِ يا زان وأنتِ بنتي وحبيبتي الأولى، بعد موت ماما كل حاجه حلوة في حياتي اختفت بس نور مهند ليا رجع البهجهه لقلبي من تاني، بعد اللي حصلي في السنتين دول اتأكدت إن محدش هيحبني زي أخويا ويسندني زيه، ديمًا يقولي لو مهما بينتي إنك شرسه وقوية قدامي هتفضلي طفلة، معودنيش إنه يسيبني أبدًا يا ماجد وبقاله تلت أيام بعيد عني والنهاردة مكلمنيش، مهند مش أخويا وبس دا ضهري وسندي وحبيبي وأبويا وتاني راجل في حياتي بعد بابا، عارف لما ماما كانت تسأله إيه سر حبه ليا وتعلقه بيا يقول ليها شوفتها كرؤية في الحِلم من قبل ما تعرفيها بيها أنتِ وبابا، وحشني أووي

    ماجد مُخفيًا تلك الدمعة الخائنة : علاقتي بأمي كانت شبهكوا كدا بس باختلاف إني كنت السبب في موتها، بدون الخوض في تفاصيل، كنت ومازلت طفل بيستناها كل ليلة تدخل تبوسه وتتمنى ليه أحلام سعيده، كل يوم قبل ما أنام بتمنى أشوفها في أحلامي بس هي بتعاقبني أو بتلومني وعشان كدا مش بتخليني أشوفها، هي بتوحشني زي ما مهند بيوحشك بس أنتِ هتشوفيه وتسمعي صوته وتحضنيه كمان إنما أنا مش باقيلي منها غير كام صورة وذكرى بجاهد عقلي يرسخها جوايا، لما بتوحشني ببص للنجوم وبكونلها صورة قدامي، صدقيني جربيها وهتشوفي مهند وأكيد إنك وحشاه دلوقتِ زي ما هو وحشك والأكيد إنه هيكلمك

    لم يعترف لنفسه حتى الآن بحبه لها، ولكن الآن!

    الآن هو على يقين بعشقه لها، لطالما أخبرته والدته أنه حينما يحب سيتألم بألم من يحب، والآن عند مِقدار ألمها قلبه صرخ ألمًا لها، تمنى لو أنها تتحدث عنه عوضًا عن شقيقها، تمنى كونه سندها وحاميها بهذا العالم، كم تمنى جعلها أحد أضلع صدره ليخفيها داخله ويُهدأ قلبه ويُشِبع روحه حبًا بها ….

    تفاجأت من تصريحاته المتتالية عليها، كيف أنه السبب بموت والدته! وكيف له بحبها لهذا الحد! أصبح رجلًا بكامل وقاره ونضوجه وينتظر والدته مساءً كطفلٍ بالسابعه! كم ألمتها طيات الحزن بين جوانب صوته، نست شوقها وحزنها وكل شيء وأنصتت له ولوجعه المرير، تمنت التربيت على كفه وإخباره بأن كل شيء سيصبح بخير ولكنها فضلت الذهاب دون البث ببنت شفة ……

    كما فعلت هيا كما فعل هو، كلًا منهما خانه قلبه وضعف أمام الأخر وبث ألمه الكامن ببضع أحرف، ذهب كلاهما ليحجبوا أنظار بعضهم البعض، ولكن ماذا عن قلوبهم الباكية خلفهم!!

    __________________________________

    بعد ساعاتٍ من الضعف والأنهزام الداخلي الذي طرأ عليه، تناول ملابسه ودخل لينعم ببعض المياه الدافئة لتساعده على العودة بقوته من جديد، متى أخبرها بحبه ليحزن برفضها الآن! متى تقرب منها لتشعر هي به! لما ظل عامين يسترق الخطوات لها؟ لما هو الآن بهذا الضعف بسبب حبها؟ هل هذا ضريبة حبها؟ هل سيفقد هيبته وقوته لأجل الحصول عليها؟ ولكن هو يريدها بكل جزءٍ منه، يريد قُربها البعيد، حبها المستحيل، يريدها لبقية حياته، ارتدى ملابسه بعد فترة من المناوشات والمفاوضات التي طرحها عقله وانصاع لها قلبه، وما النتيجة؟ يقف الآن أمام غرفتها ينتظر ردها عليه، تأمل ملامحه المُشرقة وابتسامتها المُزينة بدقةٍ تُغري أقوى الرهبان، رغم قِصر قامتها مناسبة معه إلا أنها فاتنة بحق !

    مهند بتمهل : ممكن نتكلم شوي؟!

    توقعت حضوره ولكنه أدهشها بسرعته، قضت ساعاتٍ تتوارى خلف ماضيها وقوقعة حزنها، ولكنها عزمت على النهوض، هي ليست بضعيفة وستقاوم نفحات ألمها بقوة مماثلة لقوته، ولكن ماذا عن اعترافه لها قبل قليل! ماذا عن صوته الذي أصاب أقرب الشرايين لقلبها! ماذا عن حزنه اللامع في عينيه التي كانت تختلسه بين الثانية والاخرى! ماذا عنه!

    نورسين ببسمة ولا تعلم أثارها على المسكين أمامها: أكيد

    سارا جنبًا إلى جنب ولكن قلبًا ينادي قلب، روحًا تعانق روح، فضل الصمت وترك زمام الأمر لها ولكن ما يعلمه أنها فضلت الصمت مثله، بعد مدة من العِناد القلبي صدح سؤاله لها: شيفاني إزاي

    لم تنظر إليه وإنما نكست رأسها لتواري خجلها منه: أنا لحد ساعات قليلة شيفاك اخويا يا مهند، أنتَ راجل أي بنت تتمناه، حنين، وقلبك كبير، راجل يُعتمد عليه، أنتَ مكسب لأي بنت بس إلا أنا، أنتَ تستحق واحده قلبها سليم، تستحق واحدة معندهاش مخاوف من ماضي، مش هنكر إعجابي بيك ولا بشخصيتك اللي الكل بيخاف منها وهيبتك اللي بتغطي على أي حد بيتواجد معاك مين ما كان، ولا عيونك اللي بتلمع لما بتضحك مع رزان، ولا لما بتقفل لما بتضحك جامد، أنتَ أي بنت تتمناك إلا أنا

    ألقت قنبلتها وفرت هاربه من أمامه، ولكن هل لتوها رفضته واعترفت بأنها تنجذب له! هل أخبرته بأنها لا تصلح له وتتغزل به! هل جُنت!، علت على ثغره بسمة ماكرة، فمحبوبته قررت التنازل عن كبريائها والتكرم عليه بمغازلة صريحة، هل تعلم تفاصيله بدقة كما يعلمها هي!

    عقلها اللعين اعترف بإعجابها به، منذ الوهلة الأولى التي راته بها وهي مُعجبة به ولكنها تغاضت عن هذا ووضعته بركن الأخ الأكبر لها، اعترافه كان بمثابة مفاجأة وصدمة مُفرحة لها ولكنها لن تُفضل سعادتها عليه، لن تجعله يُعاني منها بل ستساعده باجتيازها والابتعاد عنها، ولكن قلبها أراد شيء أخر وثرثر لسانها بكلماتٍ كادت تموت خجلًا منها، هذه هي قلوبنا !!

    __________________________________

    أخذت حمامها المعتاد وارتدت منامة خضراء تصل لأسفل ركبتيها بقليل بحمالاتٍ رفيعة تكاد تكون منعدمة، مشطت خصلاتها، لمع بنافذتها الضوء القادم من منزل الحديقة فعلمت أنه مازال مستيقظ لهذا الوقت، فتحت نافذتها ليتخلل الهواء الرطب لها ليندمج بإحترافية مع أنفاسها المُثقلة، داعبت نسمات الهواء وجهها برقة وكأنها أنامل هِرة صغيرة، انعكس ضياء القمر على نقطة سوداء بحديقتها ما لبثت أن أتضحكت أمامها بوضوحٍ نظرًا لأكتمال القمر، كادت عينيها تُقتلع من هول صدمتها، ثائر جسدها ينتفض خوفًا، تعض على أناملها برعبٍ وكأنها رأت لتوها شبحًا أو مسخ، أغمضت عينيها عدة مرات لتقنع نفسها بأن عقلها الباطن هو من صور لها صورته ولكن هيهات فهو أمامها ببسمته الشيطانية التي طالما عشقتها حد الثمالة!! …...

    ظلت تتراجع للخلف وعينيها تُضيء رُعبًا، أكبر كوابيسها متجسدًا أمامها بقوته وفرعنته، سقطت غفلة أعلى الفراش نتيجة تراجعها، ما لبثت أن انكمشت وضمت ركبتيها إلى صدرها كرد فعلٍ طبيعي لما هي به، العقل في هذه المواقف يتشبث بقشة لتُذهب خوفه، كانت ترتجف كما لو تعرضت لصدمة كهربائية عنيفة، شهقاتها رُفعت شيئًا فشيء ولكنها وللعجب لم تبكي، علىَّ فجأة رنين هاتفها، لم تقدر لرفع أناملها لتجيب على المتصل من كان، صمت الرنين بضع دقائق ثم عاود من جديد، هذه المرت رفعت الهاتف على أذنها دون النظر لهوية المتصل، ما إن سمعت صوته حتى علىَّ نحيبها وتجرعت الدموع بمقلتيها.....

    رزان بصوتٍ باكٍ مرتجف: هو ... هو هنا يا مهند، شوفته تحت، هو جاي ليه تاني

    صمتت قليلًا لتستجمع الباقي من قوتها وعاد صوتها المتقطع يحمل بين طياته الكثير من الوجع والقهر

    رزان والدموع تُجاري خوفها: أنت قولتلي أنه مش هيجي تاني، هو جاي يعمل معايا كدا تاني يا مهند، أنا خايفه منه، هو مش بيحبني، أنا خايفه يا مهند، خايفه منه

    قالت أخر كلماتها بصوتٍ هامس نظرًا لمجهودها الذي أقتنصه البكاء منها، خرت قواها وتشنج جسدها الصغير لعدة دقائق، تمتمت ببعض الكلمات الهزيلة بشفتيها الشاحبة كما الموتى على فراش الفراق، سقط الهاتف من يديها تبعه جسدها الهالك، ما حدث فاق تحملها بكثير، صُدمت بوجوده رغم فارِق المسافة بينهم ولكن عقلها انتابه الزعر والرجفة وفضل الهروب!!...

    _________________________________

    على الجانب الأخر، نهش القلق قلبه على شقيقته فهو لم يُحادثها منذ الأمس، تطلع للساعة قبل اتصاله ليعلم بأنها ستكون مستيقظة الآن، تعجب من عدم ردها أول مرة وأعاد اتصاله مرة أخرى، فور سماع صوتها الشجي يبكي وينحب بتلك الطريقة وقع قلبه بين قدميه، بُثَ الرعب بقلبه عند فهمه لسبب خوفها، هذا الحقير عاد من جديد، عاد ليُعيدها لإنتكاستها أيضًا! ألمه قلبه كما لم يؤلمه من قبل، حاول تهدئتها بشتى الطرق ولكنها لم تستجيب شيء فشيء اختفى صوتها وعم الصمت في الجهة المقابلة له، تحرك سريعًا ليرتدي ملابسه واتصل بماجد ليطلب منه الصعود لها، قلبه يخبره أنها ستنهار حتمًا، صغيرته الرقيقة أضعف من أن تتحمل، خرج سريعًا ليخبر معشوقته بضرورة رحيلهم الآن ....

    مهند بعصبيه مفرطة: حضري شنطتك طيارتنا بعد ساعه من دلوقت

    نورسين بصدمه: إزاي دلوقت معداش غير تبت أيام ولسه في شغل

    مهند بغضب : اللي قولته يلا أنا حجزت الطيارة

    لم يعطيها فرصة للرد ودلف لغرفته وأغلقها بقوة تضاهي النيران الناشبة بقلبه، كان يمشي ذهابًا وإيابًا بغرفته وقلبه يتجرع نصيبه من الخوف، لعن تحت أنفاسه آلالاف المرات، عيناه كانت بلون الجمر المُقاد لسنواتٍ، بروز عروقه الخضراء ترسم غضبه بشفافية واضحه
    ______________________________________
    جالسًا يلومه قلبه على ضعفه أمامها، لم يكن بمثل هذا الضعف يومًا ولكن هذا هو المحب والمحب لم أحب مطيع!، استمع بهدوءٍ حاول إظهاره لكلمات مهند التي أشعلت فتيل قلبه خوفًا عليها، تلونت عيناه بسوادٍ قاتم كنيران قلبه المحترقة، أبيضت أنامله من قوة ضغطه عليها، لم يستمع لباقي حديث مهند وأسرع لها كفهدٍ فقط أحد جِرائه، طرق عدة طرقات بتمهلًا حثه قلبه عليه حتى لا يفزعها منه، لم يحصل على إجابة وألتاع قلبه كأمٍ ستفقد فلذة كبدها الوحيد، كسر الباب أثر دفعة واحدة منه، وضع غضبه وخوفه وألمه على معشوقته بضربه للباب، هوى قلبه صريعًا بساحة الحرب وفُقِدت أنفاسه، جحظت عيناه وهو يراها ممددة كجثة لا حياة بها، كأرضٌ قاحطة لا زرع بها، ملقاة على جانبها بطرف الفراش، شعرها منثور بفوضوية ليغطي ملامحها الصغيرة، تبيست قدماه ولم يقدر على الخطو خطوة واحده تجاهها، بعد عدة دقائق عاد لأرض الواقع ليوقظه عقله بأن الغافلة أمامه هي محبوبته، ملاكه الصغير، معذبته وطفلته، اقترب منها حتى أصبح وجهه أعلى راسها، رفع خصلاتها لتنسحب الدماء من أوردته فور رؤية الدماء تقطر من انفها وتتسرب لشفتيها الحبيبة، وجهها كالموتى ويديها باردة كجليد القطبين، هزها ببطءٍ لعلها غافلة وستستفيق ولكن لا حياة لمن تنادي...!!!!


                         الفصل الثاني عشر من هنا

    إرسال تعليق