-->

رواية قلوب منهكه الفصل الثامن

رواية قلوب منهكه الفصل الثامن

    #الفصل_الثامن:....
    #جهاد_وجيه
    #قلوب_منهكه

    ماذا لو ألتقيتُ بكَ وكنتُ سرًا خاصًا بيِ !؟..


    ماذا لو َوقعتُ بين َطياتِ حُزنكَ ونَثرتُه ببهجتي !؟...

    ماذا لو أحببتني!؟ .... .....

    في منزل رزان وتحديدًا بالثالثة فجرًا، فُتح الباب برزانة وهدوء لتفادي استيقاظها، كانت خطواته مدروسة ومُحكمة إلى فراشها، أقترب منها وجلس جوارها، تأملها بداية من خصلاتها السوداء المرفوعة لأعلى الوسادة بإهمال إلى عُنقها الأبيض الظاهر من أسفل الغطاء، رفع نظره لحاجبيها المعقودان والواضح أنها تخوض كابوسًا أرق نومتها، تأمل أهدابها الثقيلة الحامية للموجات الزرقاء خاصتها، مد يديه ليتحسس بشرتها الناعمة تحت أصابعه، تذكر كل ما أملاه مهند عليه، وما مرت به تلك الصغيرة، كانت يستمع له وقلبه يضخ كمياتٍ مُثقلة من الدماء لتكفي ثوران جسده، لم ينتبه للدماء التي تقطر من كفه أثر إحكام قبضته على الكوب الزجاجي الممُسك به، شعر بتسرب روحه تفارقه لمجرد العلم أنها بخطر، لم يفكر كثيرًا وها هو الآن بفراشها يطمئن قلبه بالنظر إليها...

    ماجد وهو يمسح على وجنتيها بحنانٍ بالغ: مش هسمح لحد يقربلك يا زان، واللي هيفكر يقربلك هنسفه من على وش الأرض

    عاود تقبيل جبينها قبلة أودع بها تملكه وخوفه عليها، استغرقت قبلته دقيقة خطت مشاعره أعلى جبينها بإحمرار طفيف
    *********************

    ألقت بالشمس أشعتها على نافذتها فوضعت يديها على عينيها لتبدي عدم رغبتها في الاستيقاظ، أحست بنعومة أسفلها، أدركت أنها بفراشها مما أثار دهشتها فهي كل ما تتذكره أنها وقعت باكية قُرب الشرفة!!، أمسكت رأسها بألم تعبيرًا عن شدة صداعها، نهضت بثقلٍ تترنح بسبب عدم تركيزها، لم تنم كثيرًا وأجهدت عقلها بالتفكير والبكاء، مدت يديها لترى الوقت بهاتفها فوقع نظرها على ورقة مطوية أعلى الكومود، أمسكت الورقة وفتحتها فوقعت بيدها حبة دواء....

    " صباح الخير: اسف إني دخلت أوضتك بدون إذنك بس قلقت عليكِ ومكنش قدامي غير الحل دا، أكيد هتكوني مصدعه، الحباية اللي في إيدك دي ايوا اللي بتبصي ليها وبقك مفتوح دي هتخفف عنك الصداع، عندنا معاد مهم الساعة عشرة متتأخريش، صحيح، كنتِ أميرة بفستانها امبارح يا نور "

    كانت تتطلع تارة للورقة وتارة أخرى للحبة، كانت تبتسم ببلاهه وكأنما تبتسم له، ولكن لما تبدل الآن!، لما يقترب منها الآن ويهتم بها!، إعتراها الخجل عند ذكره لفستانها، تذكرت بذلته السوداء التي تبرز وسامته وجاذبيته الطاغية عليها، عضت شفتيها خجلًا وتوترًا لمجرد تذكرها له، احتضنت الورقة لصدرها بسعادة وشغفًا، لاح لعقلها أنها هو من وضعها بفراشها، كيف له أن يحملها ويقترب منه لهذا الحد، غضبت منه بشدة ولكنها تذكرت اجتماعهم الهام فنهضت مسرعة واضعة بعقلها أهمية تعنيفه لحملها والدخول لغرفتها دون علمها، ولكن هيهات ........

    **************

    كان يجلس على طاولته شاردًا بما وصله أمس وما أخبره به ماجد وعن اهمية حماية شقيقته، تذكر أنه مر على غرفتها قبل الدلوف لغرفته ووضع لها ورقة يخبرها أنه من دلف لها دون علمها حتى لا تخاف وتزعر، القلق تمكن منه بعد محادثته أمس، لم يأتيه رسائل مثل تلك من قبل، هذا تهديدٌ صريح له بحماية شقيقته، أرهق عقله كثيرًا طيلة الليل ولم ينم سوا ساعة واحدة، تمكنت كلتا الفتاتان منه أمس، فإحداهما هي حبيبته ونور قلبه والأخرى صغيرته وأميرته الرقيقة، لم يزره الخوف منذ عهده سوى الآن وتحديدًا أمس، وسط شروده وتطلعه أمامه بنقطةٍ فارغه لم يرى التي أتت وجلست جواره ولكن ما أفاقه حقًا هو رائحة عطرها المحببة لقلبه والسالبة للبهُ، وجدها تجلس على المقعد جواره ترتشف من كوب القهوة الخاص به، تمعن النظر بوجهها الشاحب وعينيها التي رسمت الهالات السوداء موضعًا لها أسفلها، كلًا منهم يكمن داخله أسبابه الغامضة التي تُكثر من شروده وعدم انتباهه لحضور الأخر، بداخلهم جروحًا من نوعٍ خاص، قلوبهم إما متألمة أو خائفة ومنها عاشقة ...

    مهند مصدرًا صوت بأصابعه أمام وجهها: هاي سرحانه فين

    فاقت من شرودها للتو عند سماع بحة صوته الرجولي وصوت أصابعه: لا عادي

    تجاهل قاصدًا نبرة الحزن بصوتها وقال: في وفد هيجي كمان ربع ساعه، ياريت تركزي شوي

    قال أخر جملته بشيء من السخرية والتهكم، علم أن نبرته ستحزنها ولكن لابد لها أن تستعيد نفسها الآن...

    نورسين بتهكم: مش لما تركز أنتَ الأول يا مهند باشا

    تعجب مهند من طريقتها الجديدة فهي تحمل الحزن، السخرية، الألقاب، والغضب، لم يشأ فتح مجالًا للحديث الآن وفضل الصمت حتى تُعيد ذروتها من جديد .....
    ___________________________________________________________________

    استيقظت لأول مرة تشعر بأنها أخذت حقها من النوم وأُخمِدت كوابيسها ولو لبعض الوقت، تناولت ثيابها ودلفت لتنعم بحمامٍ دافئ ينشط حواسها وينعش ذاكرتها لباقي اليوم، وقفت أمام المرأة تُطالع هيئتها وبنظرة ثاقبة تأملت فستانها الأبيض المُزين بفراشاتٍ مُختلطة الألوان، تناولت وشاحها الأسود ولفته بعناية حول رقبتها، تحسست عنقها بمرارة وألمًا دفين، ندبتها لن تزول حتى وإن طاب جرح قلبها، الجميع يتعجب من وضعها الدائم لوشاحًا حول رقبتها ورفضها التام لإزالته خارج غرفتها ولكن تحت وشاحها تكمن قوقعة مُظلمة وقعت بها وعلى أثرها تركت بصمتها وذكراها بعنقها الأبيض، قطع تأملها هيئتها دقاتٍ تعرف صاحبها جيدًا ...

    والدها بحبٍ وهو يقترب منها: صباح الخير يا زان

    رزان بحبٍ مماثل لرجلها الثاني وسندها الأول : صباح النور يا قلب زان، طمني عنك

    شهاب الدين ماسحًا على وجنتيها وكأنها طفلة في مهدها: أنا بخير لما شوفت ضحكتك دي

    رزان مُنحنية لتقبيل يديه: ربنا يديمك في حياتنا يا شهاب باشا

    قالت أخر جملتها بمزاحٍ لعلمها لأي مجرى سيأخذه الحديث، ليست بمزاجٍ جيد للحديث بهذا الموضوع كل صباح، تبطأت ذراعه مانعة إياه من الحديث ونزلوا للأسفل، جلست بمقعدها المُعتاد جار والدها، تناولت فطورها بصمتٍ عكس عادتها، كانت عينيها تتنقل بين باب الدخول والمقعد المُقابل لها، في الحقيقة هي لم تتناول فطورها بل ولم تمس صحنِها وإنما أوهمت والدها بذلك، لا تفتقده وإنما قلقة عليه، قلبها يحثها على الإطمئنان عليه، نفضت تلك الأفكار من عقلها وهبت واقفه لتُسرع برؤيته وكأنه لن يقودها للعمل بعد قليل. !!......

    *******************

    كان مُستندًا بظهره على السيارة ويده تدق على إطارها بشرود، هل من الممكن أن يحدث لها شئ سئ؟..... هل يقلق هو نومها مثلما تفعل هي به؟.... كيف له بحمايتها من مجهولٍ خفيٍ لا يعلمه؟.... انفصل عن ثورة مُخيلته بصوت غلقها للباب من خلفها، سافرت عيناه بداية من شعرها الذي تود كل ذرة به العبث به ومعرفة بأي طِيبٍا هو، ووشاحها الأسود المُرافق لها و يحتضن جيدها بحميمة ظاهرة، وثوبها المُحتضن جسدها برفقٍ واضح، يا إلهي هي تسلب الأنفاس ببساطة ورُقي، لن ينكر أن مظهرها ممزوجًا بالطفولة والنضوج ومُشبع بالأنوثة الطاغية، هي فقط مُنهكه لقلبه! .....

    ماجد بنبرة عميقة أقرب للهمس: مُهلكة !

    لم يكن حالها بأفضل منه، تحاول بكل ذرة قوة لديها تفادي سِهام عيناه، تمسكت بطرف وشاحها لتستمد منه القوة والصبر، عيناه تسلبها لُبها دون مجهودًا منه، حضوره الطاغي يربك ثباتها والباقي من تشبثها، سمعت همسه بكلمة لم تفسرها ولكنها موجهة لها لا لغيرها !.....

    رزان باستفهام: نعم!؟

    ماجد بنبرة عادية: الوقت إتأخر يلا

    رزان بتعجب من غروره : بتتكلم كدا ليه؟

    ماجد بنبرة جافه وبارده: عشان أنا عاوز كدا

    رزان بابتسامة مزيفة: تمام يلا

    بدون حديثِ أخر صعدت للسيارة من بعده، ظلت طوال الطريق تحارب فضولها لسؤاله لماذا لم يحضر للفطور، ولكنهت لم تتحكم بلسانها ونطق بما في جعبتها بتوجس ....

    رزان بهدوء: مفطرتش معانا ليه النهارده

    ماجد بتعجب من سؤالها: كان عندي مشوار مهم

    رزان بلا اكتراث ظاهري: طيب

    الصمت كان سيد الموقف بالسيارة، كلًا منهم بداخله غريمته الخاصة....
    أول دقة لبابك تختلف تمامًا عن تابعتها، أول زهرة بقلبك تُصبح الأعمق والأهم، كل حزنٍ بقلبك يتبخر بنبرة تُثلج قلبك ممن تحب، التشتت بين قلبك وعقلك هو عائقك الوحيد لتقع بالحب الخالص، تصبح صريع عِناد عقلك ورضوخ قلبك، تصبح بكامل تمردك خاضعًا لعِناد عقلك حتى تنشط القبضة اليسارية بأعلى قفصك الصدري ......

    *****************

    أنقضى الإجتماع مع الوفد الياباني بوقتٍ وجيز، رفرفت بأهدابها عدة مراتٍ بإرهاق، لم تنعم بقسطٍ وفيٍ من النوم ليلة أمس، وفوق هذا أشعل هو ذاكرتها بحروقٍ قد ضمدتها الأيام، لو علم كيف يئن قلبها الآن لأشفق عليها وتركها تهرب للنوم ......

    مهند قاطعًا وصلة شرودها: ممكن أسألك سؤال

    نورسين بصوتٍ مُرهق: أكيد

    مهند مستغلًا إرهاقها : إيه سبب هروبك مني امبارح

    نورسين بفزع: قصدك إيه

    مهند بجمود: عاوز أعرف إيه حصلك وصلك لكدا

    نورسين بتهكم: هيفيدك في إيه

    مهند بنبرة جافه: أظن سألتك

    نورسين بتعجب من طريقته: وأنا رديت ودا شيء ميخصكش

    مهند بثبات: نورسين

    نورسين ممسدة جبهتها بألم: عن إذنك أنا محتاجه أنام

    مهند وقلبه يؤنبه على ما يفعله بها ولكنه مضطرًا لفعل ذلك: مش هتمشي غير لما تقوليلي مخبيه إيه

    نورسين برجاء وضعف: مهند أرجوك

    مهند محاولًا الثبات على موقفه متجاهلًا نبرتها الراجية له والمتألمة: أرجوكِ أنتِ قوليلي في إيه

    نورسين بضعف وقلة حيله: هحكيلك

    مهند لعنًا ضعفه وتهوره أمامه ولكن ما باليد حيلة فحبيبته تتألم وقلبها ينزف دمًا لسببًا لا يعلمه، بحث جيدًا حول حياتها ولكنه لم يعلم بما تخفيه وما تخبأه عيناه الزيتونية الخالصة، هي الوحيدة القادرة على إذابة جليد قلبه وتبديله بمياه عذبة من ينابيع عينيها .......

    مهند بثباتِ أمام نبرتها: وأنا هسمعك

    نورسين بشرود: يوم وفاة أهلي

    فلاش باك

    صغيرة يائسة تركها مصدر أمانيها بالحياة، صغيرة فقدت والديها معًا بيومٍ واحد، زهرة لم تتفتح أوراقها بعد كُسر جذعها وسقطت تبكي بقهرٍ على حالها، كانت تجلس مُحتضنة ركبتيها لصدرها وصوت شهقاتها يشق هدوء الغرفة من حولها، ممسكة بدميتها الشيء الوحيد المتبقي لها من رائحتهم، تتذكر حبهم، حنانهم، عطفهم، نظراتهم، اهتمامهم، تتذكر كل لحظاتهم معها وتبكي اكثر عندما تتذكر أنها فقدتهم وللأبد، تتذكر أنها عندما تعود من مدرستها لن ينتظرونها وأنهم لن يتواجوا ليحتضنوها وقت حزنها، لن تشاكسهم ولن تمازحهم، لن يتواجدوا ليدعموها مثلما كانوا دوما، لن يسلمها والدها لزوجها مثلما كان حلمه، ألن يعودوا! ...

    سمعت أقدامًا بغرفتها وظنتها جدتها ولكنها صُدمت بابن عمها الأكبر والأحقر على الإطلاق! .....

    حسن بمُكر: عامله إيه يا نور

    نورسين بخوفٍ : الحمد لله، أنتَ بتعمل إيه هنا

    حسن بنبرة لعوب: بطمن على بنت عمي وأختى الصغيرة

    نورسين برهبة منه: هي تيتا فين

    حسن وصوت ضحكاته يبث الرعب بقلبها : لا دي معاها وقت طويل على ما تخلص من اللي محضره ليها وتيجي المهم أنتِ دلوقت

    نورسين بتوتر وخوف: قصدك إيه أنا عاوزه تيتا

    حسن مُخرجًا قداحة ومتناولًا زجاجة البنزين من خلفه: تؤ مفيش تيتا دلوقت دا أنا هوديكِ عند بابا وماما

    لو كانت الكلمات تُعبر الآن لعجزت عن وصف ما أصابها في تلك اللحظة القاسية، تُراقبه وهو يُشعل الغرفة من حولها وصدى ضحكاته يجلجل بالبيت بأسرة، ألقى قنبلته الأخيرة بوجهها

    حسن بسخرية : أبقي سلميلي على بابا وقولي ليه أبقى ركز في فرامل العربيه كويس قبل ما تركبها

    لم تفق من صدمتها الأولى حتى ألقى الأخرى عليها وتركها تلتوي بفراشها وتحتمي به من النيران المندلعة حولها من كل جانب، مُقتطفاتٌ من أوقاتها مع والديها أخذت ذاكرتها لدقائق تذكرت كلمات والدها عندما وقعت كسرت قدمها ولم تجد من يمد يد العون لها بمدرستها ....

    مُهاب: غمضي عنيكِ وهدي نفسك في أي موقف مش لاقيه ليه حل وصدقيني لما تفتحي عنيكِ هتلاقي الحل قدامك يا نور قلبي

    ابتسمت لتلك الذكرى وفعلت مثلما أخبرها مع أن الوقت يسحب بساطه من تحت قدميها، فتحت غابتها الزيتونية ووقع نظرها على شرفتها المؤدية لغرفة والديها والتي كانت تختبأ بها من والدتها عندما ترتكب خطأ، بسرعة قفزت منها لغرفة والديها ومنها للخارج

    باك ........

    كان يستمع لها وعيناه أخذت تتحول للأسود القاتم وبياض عينيه تلون بحمرة مخيفة، عشقه الوحيد تحملت كل ذلك ومتى؟... بيوم وفاة والديها، لن ينكر أنه من ضغط عليها ولكنه يؤنب نفسه الآن على تسرعه لفتح جرحها الغائر، طفلته الثانية والمحببة لقلبة عانت وحشية العالم من حولها بمفردها، قلبه يلومه ويعاتبه على استغلاله لإرهاقها، عند تذكره لهذا الحقير وما فعله بها اشتدت قبضة يده حتى ابيضت مفاصل يده، راقب انصرافها من أمامه وهي تترنح بخطاها، تمنى محو عَّبراتِها بشفتيه، تمنى لو يدخلها بداخل صدره لتطمئن ويهدأ قلبها، كان يتأمل دموعها وهي تندرج واحدة تبع الأخرى من غابتها التي يعشقها حد النخاع بروحٍ تجاهد لإلتقاط أخر أوقاتها بالحياة...


                 الفصل التاسع من هنا

    إرسال تعليق