Ads by Google X
رواية طريقي المبهم الفصل الثاني -->

رواية طريقي المبهم الفصل الثاني

رواية طريقي المبهم الفصل الثاني


     (الفصل الثاني)


    كانت جميله تسير في الطريق في احدي يديها الورقه التي اعطتها سعديه لها اخذت تنظر الي الورقه تهمس وتحك مؤخره رأسها بعدم فهم وهي تتأفف
    - يعني امشي يمين ولا شمال مش عارفه طب ارن علي ابله سعديه ممكن تفهمني لا لا مينفعش تقول عليا ايه لسه ماشيه من الدار مش بقالي عشر دقايق وارن عليها اسألها علي حاجه تافهه كدة
    ثم اكملت بتصميم وعزيمه
    - لازم اعتمد علي نفسي الدار علمتنا كدة
    ظلت جميله تسير وتنظر الي الورقه وهي تحدث نفسها

    فسمعت اثناء سيرها صوت صفير مكابح السياره فرفعت رأسها ونظرت امامها فتوسعت عينيها بصدمه وذعر التي كادت ان تخرج من مكانها وشعرت بأن تم شل حركتها تماما لا تستطيع التحرك او الهروب وفي لمح البصر كانت ملقاة علي الارض وهي تتأوه من الألم
    - انتي كويسه
    نظرت جميله الي صاحب الصوت لتجده شاب في اواخر العشرينات، قصير القامه
    رفيع البنيه ذو بشره سمراء نسبيا ذات اعين سوداء كالفحم، يرتدي بدله سوداء رسميه
    حاولت جميله الوقوف والالم ارتسم علي معالم وجهها لتقول بنبره خافضه بتعب
    - اة انا كويسه
    حاول الرجل مساعدتها ولكنها رفضت
    قائله بنبره عاليه بتأكيد وهي تعض علي شفتيها من الألم
    - حضرتك انا كويسه شكرا محصلش حاجه
    الرجل بقلق
    - بس انتي...

    قاطع حديثه نبره رجوليه خشنه وهو يخرج من السياره
    - ايه اللي حصل يا محمد
    نظرت إليه جميله وشفتيها تحركت تلقيائيا لترسم ابتسامه واسعه كالبلهاء وصلت الي عينيها التي كانت تطلق سهام الاعجاب عليه بكل وضوح
    فكان شاب في اواخر العشرينات طويل القامه بشكل ملحوظ عريض المنكبين ذو جسد رياضي متناسق ممتلئ بالعضلات ذو عيون بنيه كالقهوه واسعه وشعر بني غامق غزير وناعم وملامح رجوليه خشنه صارخه بالوسمه ذو بشره بيضاء ويمتلك لحيه خفيفه بنيه جعلته وسيما جدا وكان يرتدي بدله رماديه رسميه اسفلها قميص اسود
    كان في بادئ الامر ينظر إليها ببرود
    ولكن عندما ابتسمت احتل ملامح وجهه الإعجاب واخذ ينظر إليها بدقه كأنه يتفحصها فكان ينظر الي عينيها العسليتين ذات الرموش البنيه الطويله الكثيفه وحاجبيها البنيه الثقيله وبشرتها البيضاء النقيه كالثلج وانفها الصغير وشفتيها كرزيه اللون

    سرح في ملامحها الطفوليه البريئه كالملائك وهو يتطلع داخل عمق عينيها كالمغيب
    فحمحم محمد ليلفت انتباهم فنظروا إليه بعد ان استوعبوا وجوده، اختفت ابتسامتها واحمرت وجنتيها بإحراج واخفضت رأسها ووضعت يديها علي فمها محدثه نفسها بتوتر
    - ايه دا مالي كنت بضحك ليه انا اتجننت صح مالي كدة مش علي بعضي ليه، لا لازم امشي مينفعش اللي بعمله دا
    قاطع حديثها مع ذاتها نبره صوته الاجش الخشنه ليقول بهدوء محاولا السيطره علي إعجابه الظاهر علي ملامحه
    - انتي حصلك حاجه يعني انتي كويسه
    نظرت إليه وكادت ان تتحدث لكنها صمتت عندما تذكرت حديث سعديه لها بأن لا تتحدث مع احد

    اخذت حقيبتها الملقاه علي الارض وركضت بعيدا عنه وهي تمسك ذراعها بألم
    فسيارته لم تصطدم جسدها الممشوق الضئيل بقوه... فذراعها فقط هو الذي يؤلمها بسبب سقوطها القوي علي الارض
    بينما كان ينظر إليها بذهول وحيره
    فصاح بنبره عاليه وهو يشير بيده
    - يا انسه استني بس
    لم تتوقف ظلت تركض الي ان اختفت عن انظاره، ظل ينظر الي الجهه التي ركضت فيها بشرود ووجهه خالي من ايه تعبيرات
    - مالك انت كويس
    قالها محمد بقلق وهو يقف امامه ويلوح بيده امام وجهه بحيره
    استوعب وقوف محمد امامه
    فحمحم قائلا بهدوء
    - مفيش حاحه
    ثم اكمل بحزم وهو يرفع إصبعه الاوسط امام وجهه
    - بس خلي بالك المره الجايه وانت بتسوق ربنا ستر والمره دي محصلهش حاجه
    محمد قائلا بتذمر
    - علفكره هي اللي كانت واقفه في نص الطريق ومش واخده با....
    قاطعه وهو يتنهد بنفاذ صبر لينطق بعدم اهتمام
    - ماعلينا يلا اللي حصل حصل ويلا نمشي علشان اتأخرنا
    قال جملته الاخيره وهو يربت علي كتفه بقوه
    اومأ محمد ودلفوا الي السياره منطلقين الي واجهتهم
    --------------------------------------------
    ظلت جميله تسير في الطريق شاردة الذهن وهي تفكر في ذلك الرجل الذي قابلته وتبتسم بين الحين والاخر غير مباليه بألم ذراعها الطفيف... فلقد سلب عقلها تماما
    فهزت رأسها يمينا ويسارا لتطرده من ذهنها تحدث نفسها قائله بحده
    - فوقي ياجميله اللي حصلك دا استغفر الله العظيم لازم اركز علي اللي بعمله الراجل دا عمل فيا ايه

    استوعبت جميله انها تسير في الطريق المكتوب في الورقه فكان الطريق الذي تسير فيه عندما خرجت من الدار خالي لا يوجد فيه اشخاص ولا سيارات سوي سياره الرجل الذي قابلته ام هذا الطريق فهو ملئ بالاشخاص والسيارات
    فضحكت بسعاده وهي تصفق كالاطفال وهي تهتف بنبره عاليه وصلت الي مسامع الاشخاص الذين يسرون في الطريق
    - اخيرا وصلت للطريق تعبتني علي ماوصلتلك

    لكن تلاشت ضحكتها عندما نظرت حولها الي الاشخاص الذين يسيرون وينظرون اليها وهم يهمسون بكلمات غير مسموعه والبعض الاخر كان يضحك عليها
    وضعت يديها علي فمها تحدث نفسها بصوت غير مسموع
    - لا انا اتهبلت فعلا الراجل دا هو السبب
    فضربت مؤخره راسها بخفه لعل عقلها الاحمق الذي سلبه هذا الرجل يعود مره اخرى
    ثم اشارت لسياره الاجره ودلفت واعطته العنوان فانطلقوا الي العنوان وخلفهم سياره تتابعهم لم يتنبهوا لها
    -------------------------------------------------- بعد مرور بضع الساعات
    هبطت جميله من السياره واعطت النقود للسائق وجدت ذاتها امام منزل بسيط قديم البنيه في حي شعبي
    امسكت الورقه وتطلعت اليها وهي تهمس بتركيز
    - الدور التاني الشقه اللي علي اليمين
    رفعت رأسها تنظر الي المنزل واغمضت عينيها ثم فتحتهم وتنهدت بضيق وهي تضع يديها علي قلبها وتضرب بخفه فهي تشعر بقلبها يكاد يتفتك الي قطع متناثره من القلق والخوف الذي يتخللها فهي لا تعلم ما السبب

    هل لانها لاول مره تتدلف الي مكان اخر غير الدار؟ ام لانها لا تعلم من يوجد بهذا المنزل؟ ومن ستقابله؟ وماعدد الاشخاص الموجودين بيه؟ وما اشكالهم؟ ام لسبب اخر؟
    مئات الاسئله تجول في عقلها فنفت براسها لتخرج مؤقتا من ازدحام عقلها الملئ بالاسئله التي جذبتها بكل سهوله كانت تود ان تذهب ولا تدلف

    كانت في اشد الحاجه الي سميره لتشعر بالراحه والاطمئنان لتريح قلبها وعقلها
    فتحت الحقيبه واخرجت الهاتف وفتحته وكادت ان تهاتف سميره لكنها تراجعت في اخر لحظه واغلقت الهاتف ووضعته في الحقيبه واغلقت عينيها تحدث نفسها قائله
    - مينفعش ارن عليها هتقلق وممكن تيجي لا لا وكمان ابله سعديه مستحيل تودني مكان مش أمن انا اهدي نفسي زي ما عودتني ابله سميره

    اخذت تقص علي نفسها ما حفظته من آيات القرآن الكريم حتي هدأت ثم تنهدت براحه وارتخت ملامحها كثيرا وفتحت عينيها وارتسمت علي شفتيها ابتسامه خفيفه لتشجع نفسها وقررت ان تدلف الي المنزل وتواجه مصيرها المجهول

    دلفت الي المنزل البسيط صعدت الدرج ببطء ومازال يتواجد ألم طفيف في ذراعها ولكنها تعلم بانه سيتلاشي بعد قليل
    وقفت امام باب الشقه المذكوره في الورقه وجدت لافته علي الباب مدون عليها
    (مكتب ناهد خليفه)

    دلفت الي الشقه الصغيره التي تتكون من مكتب متوسط الحجم في الصاله وغرفه نوم واحده، وجدت امرأه جالسه علي المكتب ترتدي عبايه زرقاء وطرحه زرقاء ذات اعين سوداء وبشره بيضاء جالسه امامها فتاة في عمر جميله

    قالت المرأه للفتاة بجديه وهي ترفع إصبعها الاوسط امام وجهها
    - خلاص بكره تروحي تستلمي الشغل بس من الساعه تاسعه الناس دي بتحب اللي يلتزم في المواعيد فاهمه
    اومأت الفتاه وخرجت من الشقه

    نظرت اليها المرأه من اعلاها لادناها ببرود وهي تمضغ العلكه بصوت عالي قائله بتساؤل
    - انتي مين ياشاطره جايه تبع مين
    ظلت جميله تنظر إليها وهي تفرك كفيها معا بتوتر والخوف غرز في قلبها من نظراتها التي كادت ان تخترقها
    - هتفضلي ساكته كدة كثير انا مش فاضيلك
    قالتها المرأه بحزم وهي تتنهد بنفاذ صبر

    انتفضت جميله قائله بتوتر
    - لا احمم انا جايه تبع ابله سعديه وهي اللي إدتني الورقه دي علشان اعرف اوصلك
    قالت جملتها الاخير وهي تمد يديها بالورقه بتوتر فأخذت المرأه الورقه وتطلعت فيها

    ثم همهمت وهي تنظر اليها ومازالت تمضغ العلكه قائله بهدوء
    - انتي اللي جايه تبع الملجأ
    اومأت جميله لتكمل المرأه وهي تشير الي الكرسي
    - طب اقعدي ياشاطره
    ابتلعت جميله ريقها بخوف وجلست علي المقعد وهي تفرك كفيها بتوتر وتهز قدمها وهي تخفض رأسها
    امسكت المراه الهاتف قائله بجديه
    - استني هتصل علي سمية علشان تيجي تأخدك

    رفعت جميله رأسها بلهفه وهي ترفع حاجبيها باستغراب قائله بتساؤل وهي تضيق عينيها
    - مين سميه وهتأخدني فين
    عقدت المراه حاجبيها بدهشه وتعجب
    - انتي متعرفيش ازاي طب تعرفي انا مين
    نفت جميله براسها لتقول بارتباك
    - لا انا معرفش حاجه ابله سعديه ادتني الورقه دي وقالت اديها للسواق وهو هيوصلك للعنوان

    توسعت حدقتيها بصدمه مزيجه بالذهول ولكن سرعان ماارتدت قناع البرود ولا مبالاه
    - طب اسمعي ياشاطره انا اسمي ناهد وكيله الخدامين اللي بجيب الخدامين يعني وسميه دي بتشتغل عند محسن بيه اللي هتشتغلي عنده
    ظهر علامات الاستفهام التي غطت ملامح وجهها وهي تضيق عينيها بعدم فهم
    - هو انا هشتغل ايه هناك

    تنهدت ناهد بنفاذ صبر وهي تضرب كف بكف لتصيح بغضب
    - انتي بتفهمي منين بقولك انا اللي بجيب الخدامين يبقي سميه بتشتغل خدامه هناك وانتي كمان هتشتغلي خدامه فاهمه ولا لسه

    شاحب وجهها كشحوب الموتي وشعرت بانسحاب الدماء من جسدها والبرودة تسري في جسدها فاصبح جسدها بارد للغايه كمن خرج من الثلاجه للتو
    نفت براسها سريعا بعدم تصديق وهي تصيح بنبره عاليه بصدمه
    - لا ازاي خدامه ازاي
    رفعت ناهد حاجبيها بغيظ وقد احتقن وجهها من الغضب فصاحت بغضب وعنف
    - مالها الخدامه ياعنيا ماانا كنت خدامه شريفه كونت نفسي وفتحت المكتب وبساعد البنات اللي زيك علشان يكونوا نفسهم بدل ما يتشردوا ولو مش عاجبك الباب يفوت جمل
    قالت جملتها الاخيره وهي تشير بيديها نحو الباب

    وقفت جميله ومازالت تحت تأثير الصدمه وعدم التصديق فهمست بنبره مرتجفه
    - ازاي ابله سعديه مقالتش حاجه زي دي لا مش معقوله انتي بتهزرى معايا صح
    وقفت ناهد بغضب مما جعل الكرسي التي كانت تجلس عليه يتراجع الي الخلف ويصطدم بالحائط خلفها ورفعت إصبعها الاوسط امام وجهها بتهديد لتصيح بنبره عاليه بقسوه وغضب
    - اسمعي يابت انتي من ساعه مادخلتي وانا مش مرتاحلك ومش عاجبني وازاي جايه هنا ومش عارفه هتشتغلي ايه ولا جايه لمين انتي عبيطه ولا ايه وانا مش بهزر معاكي هنا انا ولا اعرفك ولا انتي تعرفني علشان نهزر مع بعض فقصري احسن الا اقسم بالله وانا عمرى ما حلفت كدب ابدا هتندمي علي اليوم اللي اتولدتي فيه فاهمه

    جلست ناهد وتنفست عده مرات لتهدأ صدرها الغاضب الذي يعلو ويهبط ونظرت اليها من اعلاها لادناها باحتقار وهي تتمتم بكلمات غاضبه لم تسمعها جميله
    فشعرت جميله بأن قدمها لا تقوي علي الوقوف فجلست مكانها مره اخرى وهي تتمتم بعدم استيعاب
    - ازاي ابله سعديه تعمل كدة انا كنت بحسب هشتغل ايه شغل تاني غير الخدامه زي بقيه البنات اللي خرجوا من الدار او اكمل دراستي وادخل الكليه اللي بحلم بيها لكن اشتغل خدامه لا اكيد في حاجه غلط انا هتصل عليها

    نظرت الي ناهد قائله بنبره خافضه بضعف
    - طب هتصل باابله سعديه افهم منها
    تأففت ناهد بنفاذ صبر وهي تحرك يدها بعشوائيه امام وجهها بعد اهتمام
    - اتصلي باابلتك ياختي كأني مش عارفه ايه في كلامي مش مفهوم بس بسرعه علشان مش فاضيلك

    اومأت جميله واخرجت الهاتف من الحقيبه وسارت بضع خطوات بطيئه متثاقله كمن يحمل اوزان ثقيله فوق ظهره مما يجعله غير قادر علي السير، وصلت الي باب الشقه وقفت بجواره ووضعت الهاتف علي اذنها
    -------------------------------------------------
    في نفس التوقيت

    كانت سعديه تستلقي علي الفراش في غرفتها في الدار وهي تغمض عينيها بتعب بعد ان اقنعت سميره بأن لا تتحدث مع جميله الان متحججه بان تتركها تستريح اليوم وتهاتفها في اليوم التالي عندما تكون استقرت في المكان فقالت ذلك لانها تود ان تتحدث مع جميله قبلها كي لا تعلم سميره بالحقيقه

    كما انها استطاعت ببراعه ان تتهرب من اسئله سميره التي نزلت عليها كالشلالات الماء عن مكان جميله واين ستعمل متحججه ايضا بانها تفضل ان جميله هي التي تخبرها عن المكان فبذلك ستستريح اكثر عندما تسمع ذلك من ثغرها وبالاخير استمعت سميره ونفذت حديثها ولكن شاهدت في عينيها الشك وعدم الاقتناع بحديثها واسبابها ولكنها لم تهتم

    كانت تفكر ماذا تفعل مع جميله؟ وماذا ستخبرها كي لا تخبر سميره عن حقيقه عملها وتكذب عليها فهي تعلم لو اخبرت سميره بحقيقه عملها لن تسمح بذلك ولو وافقت ان تعمل هناك لن تصمت سميره وستظل وراء سعديه الي ان تعلم بحقيقه الموضوع كامله

    قطع حبل افكارها رنين هاتفها الذي صدح في انحاء الغرفه، انتفضت وفتحت عينيها سريعا واعتدلت في جلستها واخذت الهاتف وجدتها جميله تنفست بعمق عده مرات لتستعد لمواجهه جميله

    وضعت الهاتف علي اذنها ليأتيها صوت جميله قائله بلهفه
    - ابله سعديه كويس انك ردتي عليا عاوزه اسالك علي حاجه
    ابتلعت سعديه ريقها بصعوبه فهي تعلم انها ستسألها عن عملها كخادمه

    لتكمل جميله
    - انا وصلت وقابلت واحده اسمها ناهد بتقول هتتصل علي واحده اسمها سميه هتيجي تاخدي اشتغل خدامه عند واحد كدة مش فاكره اسمه
    ثم اكملت بنبره خافضه مهزوزه والدموع تلمع في عينيها التي علي وشك السقوط وشفتيها ترتجف بشده
    - بس ايه الكلام دا صح هو انا هشتغل خدامه فعلا
    ضغطت جميله بأناملها بقوه علي الهاتف تنتظر اجابتها علي احر من الجمل التي ستحدد مصيرها وطريقها وقلبها يدعو بأمل بان تأتي اجابتها بالنفي


    اغمضت سعديه عيونها بألم وشعرت بقلبها يعاتبها بقسوه علي ماتفعله ولكن عقلها يشجعها ويحفزها لتكمل ماتفعله وبالفعل سارت وراء عقلها واكملت بنبره جعلتها هادئه لطيفه
    -ايوه ياجميله هتشتغلي خدامه عند واحد اسمه محسن
    استندت جميله برأسها علي باب الشقه وزفرت بضيق فلقد حطمت املها الذي كان يتمسك بيه قلبها فشعرت بالصدمه لتاني مره فتساقطت دموعها علي وجنتيها قائله بصوت مبحوح
    - بس ليه انت.....

    قاطعتها سعديه وهي تهتف بنبره مطمئنه رقيقه
    - جميله انا عارفه انك مصدومه ومكنتيش متوقعه حاجه زي دي بس الشغل دا مش عيب ولا حرام هم نظره الناس وكلامهم عن الخدامين خلي الكل يحتقرهم ويبصوا لهم بصه وحشه صحيح في منهم مش كويسين بس في كل شغل وفي كل مكان في الكويس والوحش وانتي هتبقي من الكويسين وانا سمعت ان الناس هناك طيبين وكويسين
    وانا مش هوديكي عند ايه حد برضه ولو حد منهم تخطي حدوده وقفه عند حده او قوليلي

    تنهدت جميله براحه وشعرت بارتياح جعل جسدها يسترخي ويعود اليها حراره جسدها المناسب التي طردت البروده التي اجتاحتها لن تنكر ان حديث سعديه طمئن قلبها ولكنها قالت وهي تضيق عينيها باستغراب
    - بس اكيد كان في شغل تاني غيره اشتغل في ايه حته مطعم في محل او اكمل دراستي بمنحه من المنحات اللي بتيجي كل سنه للدار

    لم تجيبها سعديه ظلت صامته بشرود استسلمت لموجه الاسئله التي دلفت الي عقلها
    كيف كذبت عليها؟ وهل ستظل تكذب؟ هل ستكون قادره علي الصمود وعدم قول الحقيقه لايه شخص؟ هل ستكون جميله بخير هناك؟ هل هم طيبين كما قالت؟
    قالت جميله بقلق عندما طال الصمت
    - ابله سعديه روحتي فين انتي معايا

    نفضت سعديه رأسها لتتطرد هذه الموجه
    لتقول بنبره هادئه
    - كان في شغل تاني فعلا زي ماقولتي بس دا احسن شغل فيهم، مرتبه عالي وهيكفيك وهيكفي مصاريف جامعتك هتقدرى تذاكرى وتشتغلي في نفس الوقت لو كان في منح جت للدار كنتي هتبقي اول واحده تروحي بس انتي عارفه حال الدار السنه دي مافيش كثير بيتبرعوا زي الاول حتي المنح

    اخذت تمسح دموعها بكف يديها وهي تبتسم بثقه وحنان
    - اتا واثقه فيكي ياابله سعديه وبدل انتي مرتاحه وواثقه في الشغل والناس اللي هشتغل عندهم يبقي خلاص هعوز ايه تاني

    فرت من عينيها دمعه هاربه شعرت انها خذلت ثقه جميله بعدم قولها للحقيقه فقررت ان تتراجع وتطلب منها عدم الذهاب ولكن تذكرت امر صرخ به عقلها جعلها تتراجع وتكمل ما تفعله
    قائله بنبره خافضه محاوله ان تكبت دموعها
    -مش انتي واثقه فيا عايزاكي متقوليش ل ابله سميره ولا فريده حاجه

    رفعت جميله حاجبيها بتعجب والاستغراب احتل وجهها
    -مش فاهمه مقولش ليهم اني هشتغل خدامه بس ليه
    سعديه قائله مبرره بكذب
    - ايوه علشان فريده وسميره بذات هتقلق ومهما فهمتيها وانا فهمتها هتقلق ومش هتوافق انك تكملي في الشغل فمتقوليش حاجه لحد ماتستقري في الشغل ولو ارتحتي وكنتي مبسوطه قوليلها وهي لما تعرف انك مرتاحه ومبسوطه في الشغل دا مش هتقول حاجه وهتوافق

    صمتت جميله لدقائق لتفكر بتركيز
    قائله بتساؤل
    - طب هقولها ايه لما تسالني
    تنهدت سعديه بتعب فلقد ملت من الكذب فهي تشعر بأنها قالت اكاذيب العالم كله
    فكم ستظل تكذب؟
    - قوليلها انك بتشتغلي في محل من محلات المول بتساعدي صاحبه محل ملابس حراميه هناك وانا هبعتلك عنوان المول وعنوان المكان اللي هتقوليلها انك عايشه فيه وقوليلها انك مش عايشه لوحدك عايشه مع البنات اللي بيشتغلوا في المحل دا وصاحبه المحل هي اللي جايبلهم الشقه دي

    ثم اكملت بتحذير
    - اوعي يا جميله تخلي سميره تجي هناك بايه شكل من الاشكال وعلشان تمانعي دا قولي صاحبه الشغل شديده حبه ومش بتحب ان حد يجي يزور الزباين الا كدة يتقطع عيشه وقوليلها لو هي فكرت يعني تزورك في الشقه لازم تقولك قبلها علشان ممكن متكونيش موجوده وقوليلها برضه علشان متفكرش تزورك خالص انك هتيجي تزورينا في الملجأ كل شويه ماشي

    اومأت جميله بطاعه
    لتكمل سعديه بقلق
    - جميله لو مش مرتاحة هناك قوليلي وانا هاجي اخدك فاهمه
    جميله بابتسامه خفيفه
    - حاضر ياابله سعديه متقلقيش هقفل انا بقا سلام
    اغلقت سعديه الهاتف وتركت العنان لدموعها لتتساقط بغزاره علي وجنتيها وهي تحدث نفسها بندم وهي تشهق
    - سامحيني ياجميله انتي وسميره عارفه اني بكدب عليكم سامحوني
    -------------------------------------------------
    - كل دا ارن علي سميه ولا لا اخلصي يلا
    قالتها ناهد بحدة وهي تتنهد بنفاذ صبر
    اقتربت جميله منها وجلست مكانها مره اخرى قائله بهدوء
    - اه رني عليها
    ابتسمت بسخريه وهي تمضغ العلكه
    - ما كان من الاول ولا لازم تعملي الشويتين دول
    جميله بابتسامه خفيفه قائله بأسف
    - اسفه لو ضايقتك
    لم تجيبها ناهد بل رمقتها بسخريه واحتقار ثم امسكت الهاتف

    لم تستمع جميله لما تقوله في الهاتف فكانت منهمكه في افكارها
    تفكر ماذا سيحدث لها هناك ومن ستقابل هناك؟ وهل ستستطيع ان تعمل هناك؟ ظلت بهذا الوضع فتره قصيره
    حتي قاطع تفكيرها نبره امراه
    -انتي جميله

    رفعت جميله رأسها وجدتها امراه في اواخر الأربعينات قصيره القامه سمينه نسبيا ذات اعين سوداء كالفحم، بشره خمريه ترتدي طرحه سمراء وعبايه سمراء
    وقفت جميله وهزت راسها
    قالت بابتسامه طفيفه هادئه
    -انا سميه اللي هاخدك علشان الشغل
    شعرت جميله بالراحه تتخللها
    فملامحها ونبره صوتها تظهر انها طيبه القلب

    ابتسمت جميله باشراق قائله وهي تمد يديها لتصافحها
    - اذيك ياابله سميه
    صافحتها سميه قائله وهي تبتسم باستنكار
    - بلاش ابله دي قوليلي خالتي او عمتي او ممكن ماما

    تلاشت ابتسامتها وارتسم علي وجهها الحزن والألم بوضوح كوضوح الشمس فهي لم تخاطب احد بهذه الكلمه وتعلم انها لن تقول هذه الكلمه طوال عمرها
    لاحظت سميه تغير ملامحها فربتت علي كتفها قائله بحنان وهي تبتسم ابتسامه دافئه
    - خلاص خالتي حلو اللي بشتغل عندهم واللي بشتغل معاهم في منهم بيقولوا خالتي وفي ماما انتي قولي خالتي

    ابتسمت جميله واومأت براسها وشعرت بان من حديثها بان جميع من هناك يحبها
    - احنا هنقضيها تعارف يلا ياسميه خديها اصل زهقت منها ومش طايقه ابصلها دي مش عاجبها شغل الخدامين
    قالتها ناهد بحزم وضيق وهي ترمقها باحتقار وغضب
    كادت جميله ان تتحدث لكن قاطعتها سميه قائله بهدوء مبرره الوضع
    - اكيد مش تقصد الا كانت مجتش تشتغل ولا ايه ياجميله

    اومأت جميله باابتسامه طفيفه
    بينما اشاحت ناهد بوجهها عنها بغضب واستنكار
    لتكنل بقسوه
    - لو عملت ايه غلطه اطردوها وانا هجيب مليون غيرها
    اخفضت جميله راسها بحزن واحراج
    بينما نفت سميه برأسها وهي تتنهد بقله حيله
    فقالت وهي تبتسم بحنان وتمسك ذراع جميله
    - يلا جميله علشان مانتأخرش

    اومأت جميله وخرجوا من الشقه ودلفوا الي سياره اجره
    لم يتحدثوا طوال الطريق فجميله كانت تنظر من نافذه السياره بشرود تفكر وتفكر
    ماذا ينتظرها هناك

    بينما سميه ظلت تنظر إليها فهي شعرت بشعور غريب نحو جميله شعور لا يجب ان تشعره فحاولت جاهدة ان تطرد هذا الشعور الذي لن يفارقها ابدا ولكنها فشلت

    توقفت السياره فعلمت جميله انهم وصلوا هبطوا من السياره فنظرت جميله امامها وهي فاغره الفم فتوسعت عيونها بدهشه وصدمه

    إرسال تعليق