رواية أنا والمجنونة
الفصل الثالث والثلاثون:
ما أن نطق ياسين بعبارته الأخيرة "هتجوزهم هما الأتنين" ، حتى بُهت كل من والديه، وشحب وجهيهما كثيراً ، دون أن يبدو التأثر على ياسين مما قاله، كأنه تحدث بشيء عادي لا يحتاج إلى الذهول أو التأثر بشأنه، هب والده مذهولاً من مكانه ، أما والدته فلم تستطيع الحراك من مكانها مصدومة، وكانت تنظر إليه كأنه غريباً عنها وليس ولدها الوحيد التي ربته وتعبت في ربايته حتى أصبح يعمل الآن في شركة كبيرة خارج مصر.
اقترب والده منه متسع العينين قائلاً بعدم تصديق: انت قلت إيه دلوقتي يا ياسين يا بني ، أشاح بوجهه بعيداً عنها بضيق قائلاً له بجمود : اللي سمعته يا يا بابا.... هتجوز نوال ونُهى....
كان والده مازال تحت تأثير الصدمة قائلاً له بعدم فهم: انت واعي يابني للي بتقوله ده .... فيه حد عاقل يقول الكلام ده.
تنهد بضيق قائلاً له بصرامة : هوه ده أسلم حل.... مادام عايزين تجوزوا نوال أنا هتجوزها ، وهصونها زي ما انتم عايزين.
هز والده رأسه غير مصدق قائلاً له باعتراض: أنا مش مصدق اللي بتقوله ده ، كلامك ده يابني مهزلة .... بكل المقاييس .... ليه تظلم بنات الناس معاك.
ابتلع ريقه قائلاً بصوت متحشرج : فين الظلم ده .... حضراتكم بتقولوا عايزين تجوزوا نوال وأنا أهوه هتجوزها ، أنا مش شايف انها مشكلة كبيرة ولا حاجه، ثم ان ده كان طلبكم من البداية وديني أهوه هنفذه.
فكر والده قليلاً قائلاً له باستنكار : طب بس انت يابني كنت رافض نوال من البداية إيه اللي خلاك تغير رأيك دلوقتي وتوافق بعد ما خطبت واحدة تانية بتحبها كمان زي ما كنت دايماً بتقول.
صمت دون أن يجيبه في البداية لا يعرف كيف يرد عليه ، وبعد تفكير قال باضطراب : معرفش.... بس كل اللي أعرفه اني موافق دلوقتي لأن مهما عملتم، نوال مش هتتجوز أي حد تاني غيري وده آخر كلام عندي .
هنا هبت والدته بعد أن افاقت من صدمتها قائلة له بذهول: طب وحضرتك بقى مين اللي قالك ان الأتنين هيوافقوا على قرارك ده.
صمت برهة وقال بعدها بحزم : هيوافقوا غصب عنهم هما الأتنين ، وممكن أتجوز نوال من غير ما نهى تعرف .... يعني الموضوع مفيهوش مشاكل وخصوصاً ان نوال هتسكن معاكم هنا في شقتي ونهى هأجر لها شقة بره زي ما كانت عايزة وهتفرح أوي اني لبتلها رغبتها.
هزت رأسها غير مقتنعة بما يقول قائلةً له بعدم فهم : طب مين قالك ان نوال هتوافق على دي جوازه من الأساس أصلاً.
زفر بقوة قائلاً لها بضيق غاضب: نوال غصب عنها هتوافق يعني هتوافق.... مفيش حاجه اسمها مش هتوافق، وهتتجوزني غصب عنها.
أمسكته والدته من كتفيه وهزته بغضب قائلة له باستنكار: لا إنت فعلاً مش طبيعي إزاي عايز تفرض على الأتنين حاجه مش قابلينها ، انت اتجننت أكيد.
تنهد بغيظ قائلاً لها : ماما أرجوكي أنا قلت اللي عندي ومن النهاردة نوال خطيبتي واللي هيقرب منها ميلومش إلا نفسه وبس، قال كلماته الأخيرة ثم تركهم وغادر الحجرة.
تهاوت والدته بصدمة أكبر على مقعدها من جديد قائلة بعدم استيعاب : أنا خلاص مخي وقف ابنك هيقضي على عمري بعمايله السودة دي.
لم يجيبها الأب على الفور انما كان منتبهاً لعينين تتأملانه بعدم فهم هي الأخرى قائلة : ايه اللي سمعته ده صحيح يا بابا...
هز رأسه بالموافقة دون أن يبادلها الحديث لكن والدتها نطقت وهي تندب حظها العاثر في ابنها الوحيد قائلة لها : أخوكي اتجنن خلاص ومبقاش حد قادر عليه غير ربنا وأنا مش عارفه اتصرف ازاي مع البنت المسكينة اللي جوه دي.
قطبت مها حاجبيها قائلة لها : طب ومين اللي هيبلغها بكلام أبيه ياسين ده ، قالت لها والدتها بغضب: أنا خلاص اعتبروني مش موجوده ومحدش يجبلي سيرته مرة تانية ، وتركتهم ودخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بقوة.
نظرات قلقه متسائلة وقلبٍ موجوع يأن من التعب والضعف مما تلاقيه على يد من أحبته وعشقته وهي تراه، يقترب منها جاذباً إياها بين ذراعيه بالقوة بشكل مخيف قضى على ما بداخلها من أمل أنه سيبتعد عنها.
قائلاً لها بغضب: تعالي إهنه إنتي مفكرة نفسيكي هتجدري تضحكي عليه وتهربي مني، إنتي واللي اسمه حوده ده، بس لاه مش هسيبك يا مهجة أصل شكل إكده صبرت عليكي ودلعتك كتير جوي بس فاض بيه بجى ومش هسكت.
شحب وجهها وهرب الدم من وجنتيها قائلة له بتوسل : لاه يا جلال لاه ما تعملش فيه إكده.
فجذبها من شعرها إلى الوراء متطلعاً إلى وجهها بخبث غاضب قائلاً لها بصوتٍ خفيض: إنتي مش عايزة تروحيله وتطلجي جبل ما اللي عايزة يتم... بس لاه يا مهجة حظك عفش معاي إنك وجعتي في طريجي.... طريجي آني جلال المنياوي.
ارتجف قلبها كالطير الذبيح، فأغمضت عينيها من قسوة نظراته لها، وكتمت آهة وجع كادت أن تخرج من بين شفتيها، شعرت بأنفاسه على وجهها، حادة كالنار المتأججة التي تبيد ما هو أمامها.
تلمس بأنامله جانب وجهها كأنه يعذبها من قسوته بالقرب منها، ووصل بأنامله إلى شفتيها التي ترتعد من الخوف، مستسلمة من الهلع التي تعيشه الآن.
تناثرت خصلات شعرها الطويل بين أنامله بانسيابيه بعد أن سحب ما كانت تشبكه به متأملاً إياها بحرية شديدة وبطء، شاعرة مهجة بأنفاس حارة بالقرب من شفتيها.
قائلة لنفسها : صحيح انا كنت بتمنى حبك ليه لكن مش بالطريقة المهينة دي يا جلال.
شعرت بأن شفتيه كادت تلامس شفتيها فوضعت يدها على شفتيه بغته تبعده عنها قائلة له بقوه : لاه إوعاك تجربلي ...!!!
فقال لها بعنف: إنتي مش مرتي بردك ولا إيه يا مهجة زي ما دايماً تجولهالي.... ولا نسيتي دلوك حديتك معاي... وإنتي من البداية خابرة آني اتجوزتك ليه، بس شكلك إكده بدأتي تملي من علاقتنا إكده ومحتاجه تغيريها.
هزت رأسها رافضة بلهفة... قائلة باعتراض: يبجى خلاص خليك على اتفاجك امعاي متغيرهوش واصل، ابتسم ساخراً بقوله لها بصوت خبيث : لاه.... يا مهجة لاه.... إنتي اللي اخترتي وطالبتيني كتير بحجوجك، وآني أهوه جاهز.
لم تستطع الرد عليه ولامت قلبها على كلماته لها قائلة لنفسها بحسرة: يارتني ما جبلتك يا جلال يارتني .
بوغتت به يقبلها بعنف حتى أنها لم تستطع سحب نفسها من بين ذراعيه فقد شعرت انها سجينته للأبد.
وضمها بقسوة فانهمرت دموع عينيها تجري على وجنتيها بغزارة، ولم يعيرها أدنى اهتمام ، وزاد من قسوة قبلته لها، مما أشعرها بالإهانة أكثر.
ابتعد عنها بأنفاس لاهثة بسبب ما يفعله بها فأغمضت عينيه بتلقائية حتى لا ترى منظره المتوحش وتكرهه.
عاد مرةً أخرى إلى تقبيلها بحدة مرة أخرى ، فزادت دموعها أكثر وأكثر وهو ممسكاً بشعرها من الخلف.
رق مرةً واحدة وتحولت قبلته القاسية إلى قبلةً ناعمة فجأة، فاجأتها مما أشعرها بالحيرة والعذاب من جديد.
شعرت أن قلبها بدأ في الاستسلام له في هذه اللحظة، بالرغم منه ولا تريده أن يتركها من جديد.
فوضعت ذراعيها ببطء حول رقبته مستسلمة لمشاعره الجياشة نحوها، مما جعلها تضمه إلى صدرها برقة ونعومة.
شعر جلال باستجابتها لعاطفته المشتاقة تلك، فابتعد عنها فجأة كالمتهم الهارب من قضية، بمشاعر متضاربة مستنداً إلى جبهتها قائلاً بجمود مفاجىء: بَعدي عني يا مهجة ، بلاش آني لا تتحرجي بناري.... وانتي مش جدي… لو جربتي مني... ناري هتحرجك....وانتي لساتك مخبراش حاجه عني.
أغمضت عينيها بقلبٍ معذب منكسر... ولامت نفسها كثيراً على استجابتها له، وكادت أن ترتمي بين ذراعيه وتصرخ به وتعترف له بحبها... حتى يشعر بها ولا يهين مشاعرها أكثر من ذلك... لكنها لم تستطع النطق، شاعرة بإهانة عظيمة بداخلها من جراء كلماته الجارحة لها.
هب جلال بعدها من جوارها مغادراً المكان كله مما جعلها تبكي بكاءً شديداً، بعد انصرافه وتركه لها وحيدة مرةً أخرى.
في منتصف الليل هبت من نومها فزعة على كابوس فبصرت بجوارها فلم تجده بجوارها.
ففزعت فهي تخشى النوم بمفردها، نهضت من فراشها مهروله خارج الغرفة، باحثةً عنه في مكتبه أولاً فلم تجده .
فذهبت للبحث عنه أيضاً في غرفته فلم تجده ، فخشيت أكثروأكثر، فهرب النوم من عينيها.
عادت إلى غرفتها وشاهدت عقارب الساعة فوجدتها الثانية صباحاً ، انزعجت بشدة من هذا التأخر وتساءلت بداخلها، اين هو الآن، لماذا لم يأتي بعد، فتحت النافذه كي تراه ، لكنه ليس موجوداً.
تنهدت بضيق وكادت تبكي هجرانه لها بهذا الشكل الموجع، لكن لولا رؤيتها له من النافذة قد أتى من بعيد راكباً جواده عنتر.
عندها شعرت بالاطمئنان أنه أخيراً قد اتى وهو بخير أيضاً، ابتعدت عن النافذة خوفاً من رؤيته لها.
بعد قليل استمعت إلى صوت فتح الباب فهرولت ناحيته متناسية ما حدث بينهما بالأمس قائلة بقلق : كنت فين ، آني جلجت عليك.
حدجها ببرود متجاهلاً قلقها عليه قائلاً لها بجمود : ايه اللي مصحيكي لدلوك ، تنهدت بتوتر وحاولت تمالك أعصابها قائلة له بارتباك : ما انت خابر زين... منيش بجدر انام من غيرك.... انتبهت لخطؤها فأردفت بسرعة تقول له : جصدي يعني... وآني لوحدي.
زفر بقوة وهو يتمعن في وجهها بعبوس... متنهداً بضيق قائلاً لها بجمود: طب ادخلي نامي دلوك وآديني جيت أهوه، ودت لو تسأله عن ما يشعر به الآن ولماذا يحدثها هكذا.... لكن ملامح وجهه لم تشجعها أبداً على ذلك.
نامت بالفعل في فراشها نوماً قلقاً طوال الليل، وبعد مرور الوقت شعرت به يتمدد بجوارها فتنهدت بارتياح شاعرة بالأمان من جديد لمجرد وجوده بجوارها.
في صباح اليوم التالي استعدت مريم بالذهاب إلى المشفى بصحبة شقيقها في نفس الوقت الذي حدده لها يحيى، لكنها كانت قلقة كيف ستتصرف بوجوده ولن تكون على حريتها كما تريد.
فقالت له بتردد: آني هتصل على ولاء تروح امعاي المستشفى ... انزعج من قولها بشدة... قائلا بضيق: كيف يعني تروحي لحالك إكده.
اضطربت أعصابها بشدة قائلة بتوتر : يا اخوي ما آني مش هبجى لوحدي بردك ومعاي ولاء، فتدخلت والدتها تقول : آني كمان هروح وياها بدالك يا ولدي ، ما انت مش هتبجى فاضي كمان.
زفر بحنق قائلاً لها بجمود: خلاص يا اماي بس تخلي عينيك التنين مفتوحة عليها هناك ، ابتسمت والدته تقول : متجلجش يا ولدي .
تنهدت مريم بارتياح على موافقة أخيها، على الذهاب للمشفى ، شاعرة بأملٍ جديد يتجدد بداخلها.
خرجت ولاء من كليتها، من الباب الخارجي ، وفوجئت بعادل ينتظرها ، وهو مستنداً إلى سيارته.
تجمدت ولاء في مكانها مصدومة فهي إلى الآن خائفة من رسائله الذي يبعثها دون أن ترد عليه، ابتعدت عنه مسرعة بخوف .
لكن عادل لاحقها وأمسكها من ذراعها بقوة ، قائلاً لها بغضب : انت مفكرة نفسك هتهربي مني على طول ولا إيه ، يعني علشان مش بتردي عليه هتفتكري مش هعرف أجيبك .
هزت رأسها بخوف وقلق قائلة له بتوتر : من فضلك ……. بعد يدك بعيدعني.
ابتسم ساخراً منها بقوله : أنا مش قلتلك تعاليلي ومجتيش يبقى لومي نفسك بقى
حاولت دفعه من صدره لتبعده عنها لكنه تمسك بها بقوة وجذبها بعنف ناحية سيارته .
فصرخت به قائلة له : سيبني يا مجرم …. سيبني… لم يرد عليها إنما أدخلها داخل سيارته عنوةً.
وصلت مريم مع والدتها فقط إلى المشفى وهناك كان يحيي بانتظارها ، سمع يحيي صوت طرقات على الباب ... فكانت الممرضة تبلغه بوجود مريم خارج الغرفة فناداها قائلاً لها : خليها تدخل بسرعة.
دخلت مريم ببطء ولم تدخل والدتها معها فكانت بانتظارها في الخارج مثلما طلبت منها ذلك.
تلاقت الأبصار والقلوب عندما خطت بقدميها إلى داخل الغرفة، اقتربت منه ببطء وتوتر شاعرة بارتجاف قلبها بقوة، حاول يحيى أن يتمالك نفسه بالرغم عنه أمامها قائلاً لها بهدوء ظاهري: إزيك دلوك ، همست له قائلة بتوتر: الحمد لله بجيت أفضل.
رمقها بنظراته الحائرة... لا يعرف بأي شيء يبدأ حديثه معها فضمت قبضتيها متوترة فقال لها بجمود : اتفضلي اجعدي إهنه.
جلست مريم وراءها على مقعدٍ وتير قائلاً لها : احنا هنبتدي العلاج الطبيعي إهنه كل كام يوم لغاية ما تجدري ترجعي وتجفي على رجلك زي الأول.
أومأت برأسها ببطء دون أن تتفوه بأي حرف آخر، وقام ببعض التمارين الخفيفة لها على بعض الأجهزة الطبية الخاصة بذلك.
اثناء تمارينه الرياضية الخفيفة كانت بصحبتهم ممرضة تساعدها، فكانت تتقابل نظراتهم بين الحين والحين فتشعر مريم بمزيج من الحيرة والتساؤل في نظراته لها.
إلى أن انتهى وأخرج الممرضة خارج الغرفة... وشعرت أنه يتجاهل أن يحدثها فيما يخص موضوعهما معاً عمداً ، فشعرت بالإحباط بداخلها فحزنت بشدة كأنه يريد ان يستكمل عقابه لها كما وعدها من قبل... ونفذ إحداهم من قبل.
عندما أصر على إخبار أهلها بأنها هي من رفضت إطلاعهم بالحادثة، لهذا شعرت بإهانة داخل قلبها لهذا الصمت المطبق من جانبه.... فقد كانت تتوقع منه أن يُحدثها... طالما أخرج الممرضة عن عمدٍ كما كان الواضح عليه، لكنه لم يتفوه بأي شيء بعد.... وكانت تود أن تحدثه لكنها تنتظر... هي أن يبدأ هو بالحديث معها كما هي العادة فهو الرجل ولابد من أن يبدأ بنفسه أولاً.
جلس وراء مكتبه قائلاً بآليه : يومين كمان وتيجي .... هزت رأسها بالموافقة بصمتٍ كبير، نظر إليها بطريقة مبهمة لم تفهمها بعد.
عندما طال الصمت بينهما نهضت مريم من مكانها، لتهرب من نظراته المتفحصة لها ، دون أن تدري ما معناها.
وقفت مترددة لتتجه صوب الباب دون أن تستأذن منه، وقلبها يريد البقاء بقربه.... لكن وجهه المتجهم... جعلها تنصرف من أمامه مستسلمة لقدرها المحتوم.
وقبل أن تفتح الباب لتغادر الغرفة ، سمعته يناديها بلهجة آمرة، قائلاً لها بغلظة: مريـــ م ...!!!
ارتجفت قلبها وتوقفت مكانها دون أن تلتفت إليه، هبّ هو من مقعده مقترباً منها بخطواتٍ سريعة غاضبة.
أمسكها من ذراعها بقوة وأدارها لمواجهته قائلاً بحدة : ماشية إكده من غير ما تستأذني الأول وتجولي إنك ماشية.
هرب الدم من وجنتيها، وتجمدت أطرافها قائلة بتردد : مادام خلصت علاج هجعد ليه إهنه، ألصقها بالحائط التي بجواره.... ممسكاً إياها من كتفيها.... بعنف متمعناً في وجهها.
قائلاً لها بقوة متسائلاً: جوليلي إيه اللي في وشك ده، أطرقت بعينيها للأسفل بصمتٍ مطبق، ولا تعرف كيف السبيل إلى إخباره بأن معظم جسدها ممتلئ بالكدمات نتيجة ضرب شقيقها حسين لهاولن يقتصر فقط على وجهها.
هزها بقوة من كتفيها... قائلاً لها بعصبية: ما تنطجي إيه اللي في وشك ده..... لم تستطع إجابته مرةً أخرى ، وامتلأت عيناها بالدموع دون أن تستطع أن تنظر إليه وتواجهه.
فهزها بعنف أكبرمرةً ثانية .... فانخلع عنها حجابها منسدلاً بحرية على الأرض ، فاتسعت عينيّ جلال بصدمة عارمة، وغضب من رؤية العديد من الكدمات على رقبتها وأسفلها قليلاً وجانب وجهها من الناحيتين وخلف أذنيها فزاغ بصره قليلاً, مما جعله يُسرع ويُمسك ذراعيها .... ورفع عنها كوم ثوبها... فوجد كدمات أخرى لونها ما بين أزرق وأحمر على ذراعيها.
فقطب حاجبيه بحدة عارمة، تلمست أنامله برفق مكان كدماتها على رقبتها ووجهها فتأوهت من الألم وزاد بكاؤها الشديد، وارتجف قلبها للمسات يده التي تعذبها من الداخل... فاهتز قلبه لحزنها بقوة.
واشتعلت عينيه من الغضب أكثر وهو يتفحصها بقوة فصرخ بها وهو يمسك بيديها بين قبضتيه قائلاً بصوت هادر: إنتي هتجولي مين اللي عمل فيكي إكده.... ولا أحبسك إهنه ومنتيش خارجه إلا لما تجوليلي على كل حاجه.
أغمضت عينيها بحزن وقهر، ودموعها تنهمر بغزارة، وبدأ صوتها يعلو بالبكاء، فعقد حاجبيه بضيق وهو يتأملها بجزع، فأمسك بذقنها ورفع رأسها إليه.
تطلع إليها بمشاعر كثيرة حائرة، فتأملته مريم بأعين دامعه تنتحب قائلاً لها بتوسل : إنطجي يا مريم متخافيش وأني اللي هدفعه التمن غالي جوي .... بس جولي.
همست له باضطراب قائلة له بأنفاس مضطربة : أخوي حسين هوه اللي عمل فيه إكده ، بُهت يحيى من قسوة شقيقها معها وهتف بها بعدم تصديق قائلاً لها باستنكار: وأخوكي يعمل معاكي إكده ليه.
تأملت عينيه بقلبٍ موجوع قائلة بعذاب: علشان .... علشان .... اتجوز ابن عمي عتمان، هز رأسه غير مستوعب ما يسمعه بالرغم من معرفته السابقة بالأمر... لكن لم يكن يعرف انه أهانها وضربها بهذه الطريقة البشعة.
فقال لها بحدة قاسية: وآني بوعدك من دلوك إني هدفعه التمن غالي جوي يا مريم ، فهزت رأسها رافضة قائلة بحزن : ده أخوي مينفعش أنتجم منيه، تأثر بكلماتها قائلاً لها بعدم فهم : طب إزاي ... يا مريم عايزاني اتفرج عليكي وانتي بالشكل ده كيف.
هزت رأسها بأسى مغمضةً عيناها وهي مطرقة برأسها للأسفل قائلة له بألم: آني تعبانة .... تعبانة ... جوي... جوي يا يحيى.... وحاسة إني في دوامة ملهاش آخر.... وحاسه إني كمان لوحدي ..... مليش حد واصل غير ربنا.
ما ان استمع إلى كلماتها المعذبة تلك حتى وجد نفسه بتلقائية، يضمها إلى صدره بقوة، فبكت على صدره أكثر... فربت على رأسها بحنان دافق قائلاً لها بخفوت : أني جنبك يا مريم ومش هتخلى عنيكي واصل ، فهمست له قائلة بأمل : يعني إنت مصدجني دلوك.
فهمس بجانب أذنها قائلاً لها بحزم: أيوة يا مريم وعادل الحيوان ده آني مش هسيبه غير لما يتعاقب إلا باللي يستحقه.
فرفعت رأسها إليه قليلاً قائلة بأمل جديد: يعني مش هتسيبني يا يحيى ، هز رأسه ببطء قائلاً لها بهمس: لاه... منيش هسيبك ولا هتخلى عنيكي... واصل ، فابتلعت ريقها بصعوبة قائلة له بتوتر: طب وحمدان.... زفر بقوة عند ذكره قائلاً لها بجمود : متجلجيش يا مريم آني هتصرف وياه.... بس مفيش كلية بعد إكده تاني واصل.
وقبل أن يكون لها ردة فعل على عبارته الأخيرة، أتى اتصال رنينه متواصل على هاتفها فلم تنتبه له من كثرة صدماتها المتوالية وصدمتها الأخيرة من كلمات يحيى.
قلق يحيى من عدم ردها على الهاتف فقال لها بتساؤل غاضب : مش عايزة تردي ليـــه ....!!!
ارتبكت مريم للحظات ولا تعرف بأي شيء تجيبه فلم تكن منتبهه بعد، فقالت له بتوتر : مش مهم أرد دلوك.
هتف بها بحدة قائلاً لها بضيق وتوجس: لاه ردي دلوك .... ثم صمت برهةً بضيق قائلاً بسخرية : ولا تحبي أرد آني عنيكي.
فقالت له بسرعة : لاه هرد آني .... تناولت هاتفها من جوارها فوجدته رقماً غريباً فقطبت حاجبيها بتساؤل، وكان يحيى يراقب حركاتها باهتمام زائد.
أمسكت الهاتف وفتحته وقالت بقلق: ألو.... فأجابها الطرف الآخر قائلاً بخبث واضح: والله ووحشني صوتك يا حلوة.....!!!
يتبع
الحلقه الرابعه والثلاثون من هنا
