-->

روايه أنا والمجنونة الحلقه الثالثه والخمسون

روايه أنا والمجنونة الحلقه الثالثه والخمسون




    رواية أنا والمجنونة

    الفصل الثالث والخمسون:- المفاجأة


    أتت الخادمة تهرول ناحية غرفة المعيشة الجالس بداخلها مناديه عليه... وملامح وجهها تُنبئ بالكثير والكثير قائلة بلهفة: يا حاج.... يا حاج... الست مهجة جات....!!!


    انتفض إسماعيل في جلسته على الأريكة عندما استمع لصوت سعاد خادمته قائلاً لها بعدم تصديق: إنتِ بتجولي إيــه يا سعاد.

    فأسرعت هاتفة به بسعادة: بجولك الست مهجة جات براة الدار يا حاج وأهل البلد حواليها برة.... بياخدوا بخاطرها.


    ضيق حاجبيه بدهشة قائلاً لها بسرعة: طب شهلي جوام وجولي لستك فاطمة دلوك... فأسرعت تنفذ أوامره.


    نهض إسماعيل بسرعة لاستقبال مهجة... الذي ما أن سقطت عيناه عليها حتى ترقرقت الدموع في عينيه كأنما رأى ولده جلال.


    أقبلت نحوه بخليط من الحزن والأسى وهي تستعيد كل ذكرياتها في المنزل الكبير... وحنين غريب بداخلها يجذبها نحو المكان.


    وقفت أمامه مباشرةً بقلبٍ يخفق بشدة قائلة له بحزن: إذيك يا ابوي اتوحشتك جوي... البقاء لله.. ابتلع ريقه بصعوبة وهو يصافحها قائلاً لها: الله يسلمك يا بتي... تعالي ادخلي جوه.


    دخلت معه إلى غرفة المعيشة وأقبلت عليهم سعاد مهرولة بسعادة تقول: الدار نورت.... يا ست مهجة فينك من زمان يا ستي.


    ابتسمت بحزن قائلة: منور بأهله يا سعاد... أديني موجوده الحمد لله... أومال أمي وينها.


    تنهد اسماعيل قائلاً لها بهدوء: روحي بسرعة استعجلي ستك فاطمة... خرجت سعاد لتناديها مثلما طلب منها.


    تأملها اسماعيل بحنان قائلاً لها: وانتِ كيف أحوالك يا بتي... تنهدت قائلة له بهدوء: آني بخير يا ابوي طول ما انتوا بخير.


    دخلت عليهم فاطمة بخوات بطيئة كأنها غير راغبة بالدخول... والتي تجمدت في مكانها عندما شاهدت مهجة جالسة بجوار زوجها اسماعيل قائلة بصوتٍ هادر، جامد: جايه اهنه ليه دلوك... ها.. تكنيش جايه علشان تشمتي فينا إياك وفي ولدي. 

    لمعت عينيّ مهجة بالدموع عند رؤيتها واقتربت منها بخطوات متلهفة لاحتضانها وضمتها إليها بحنان وشوق قائلة بوجع: آني استحاله أشمت بيكم يا اماي... آني بتك اللي مخلفتهاش... زي ما كنتِ بتجوليلي... أيام المرحوم...


    دفعتها عنها بعنف قائلة لها بقسوة: لاه مش بتي... البت الزينة اللي متدعيش على ولدي بعد ما طلجها ويكون مصيره اكده.


    انهالت العبرات من مقلتيّ مهجة قائلة بصدق: آني استحالة أدعي على جلبي يا اماي مهما كان... ومهما ظلمني عمري ما هدعي عليه واصل... واللي تعبتي فيه وربتيه لغاية بجى أحسن راجل.


    بكت فاطمة بقلبٍ ملتاع قائلة بمرارة حزينة: ووينه أحسن راجل دلوك... جوليلي وينه ... بجت خلاص جثته تحت التراب... جوليلي وينه ولدي من شهور بسببك عيني ما رأته ولا هشوفه تاني واصل.... جوليلي جايه علشان تشمت فيه وبشبابه اللي راح... ولا جاياني دلوك علشان تجلبي المواجع اللي لساتها جايدة نار في جلبي....واللي مش هتطفي لغاية ما أجابل وجه كريم.


    انهارت مهجة أمامها بالبكاء وأمسكت بيديها وقبلتهما قائلة بقلبٍ مخنوق: سامحيني يا اماي... سامحيني... آني مظلومة والله ما عملت حاجه ولا عمري ما هشمت فيه ولا بيكِ واصل.


    أبعدت كفيها بقوه عنها فحدجها زوجها بضيق قائلاً لها بصرامة: فاطمة حدتيها بأحسن من إكده...

    تطلعت إليه بغضب: إنت لساتك هتحاميلها وهتدافع عنيها بردك بعد كل اللي حُصل...!!!

    اتسعت عيونه بحدة قائلاً لها بعصبية: دي تعتبر كانت مرت ولدك الكبير مهما كان... ولازم تجابليها وتعامليها بأفضل من اكده علشانه حتى.


    تنهدت بوجع قائلة بحسم: وأني خلاص ما بجاش ليه غير ولد واحد بس والعمدة بجى شهيد ومات،وولدي وكان مطلجها جبل ما يموت يعني ما هياش مرته... يبجى مكنش له لزوم تتعب نفسيها وتيجي لغاية إهنه.


     انهالت دموع مهجة تأثراً مما تسمعه ورغم ذلك لم تحزن بسببها بل تركتها تفرغ ما في قلبها من أسى قائلة لها برجاء: اماي... قاطعتها قائلة بغضب: آني مش امك سامعاني زين... ويالا امشي من اهنه ومشوفش وشك تاني واصل... الصلة اللي كانت تربطنا بيكِ بجت تحت التراب... ولدي آني بجى تحت التراب... ولدي اللي ملحجتش أشوف عوضه وآني عايشه...لكن شفته ميت جدامي...

     ثم صمتت لتلتقط أنفاسها بصعوبة وتشير بيدها نحو الباب لتطردها إلى الخارج قائلة بعصبية حزينة: بجولك يالا من اهنه وولدي ومات خلاص ما عدش يرجع يالا...


    انتحبت مهجة بقلبٍ موجوع تترجاها قائلة لها بألم: لا يا اماي متجوليش اكده اللي خلف مماتش.... آني حبلى بولد العمدة.


    ضم قبضته بغضب وكاد أن يصفعها أمام الجميع جاذباً إياها بيده قائلاً لها بعصبية: إجعدي مكانك أحسنلك، بدل ما هتلاجي نفسيكي مهزجه بين الخلج.

    جلست على مضض هاتفة به: كمان عايز تخليني مهزجة... طب طلجني يا يحيى... طلجني....!!!


    ذم يحيى شفتيه محاولاً ضبط أعصابه قائلاً بحدة: خابرة إن مجفلتيش خاشمك دلوك لهكون مكسر المكان كلاته على نافوخك... ها تحبي أوريكي...

    خشيت من نظرات عينيه الغاضبة والمهددة، فلم تنبس بحرف زائد وقلبها يزداد ارتجافاً من تحديقه بها بهذه الطريقة المخيفة.


    قائلة بنبرة مرتجفة: يبجى روحني دلوك... وقبل أن تستكمل باقي عبارتها أتى النادل قائلاً لهم بلطف: تحبوا تشربوا إيه.


    زفر يحيى بحرارة قائلاً بضيق: هات لنا كوبايتين عصير لمون.... خلينا نهدى.

    انصرف النادل لتلبية طلبهم، أشاحت ببصرها بعيداً عنه كأنها تهرب منه... فوضع أنامله على جبهته مفكراً بضيق قائلاً بحزم: اسمعيني زين يا بت الناس... آني اليومين دول على آخري وبجت خلاص منيش طايج نفسي حتى، هتعملي معاي اللي بتعمليه ده تاني.... قسماً عظماً لأعمل فيكِ اللي عمرك ماشفتيه مني واصل.


    لم تستطع مريم أن تتحداه من جديد... من هذا التهديد الصريح، وأتى النادل بكوبي العصير وانصرف.. 


    زفر يحيى بضيق قائلاً بصوتٍ خفيض: اشربي العصير... يمكن تهدي ونعرفوا نتحدت زين.


    اضطرت أن تتمسك بالكوب بيد مرتعشة قائلة له: آني مخنوجه جوي وعايزة أمشي من إهنه... تنهد بنفاذ صبر قائلاً: هنمشي بس لساتنا متحدتناش... ابتلعت ريقها بقلق قائلة له: مليش مزاج أتحدت وياك ومن فضلك بجى هملهني لحالي.


    اتسعت عينيه بغضب قائلاً بتهديد أقوى: شكلك إكده مش هتجبيها لبر معاي ياحرمه إنتِ.

    انكمشت مريم على نفسها بخوف ولم ترد عليه وظهر ذلك في ملامح وجهها تجاهل كل ذلك وتناول كوب العصير في قبضته وبدأ يتناوله هو.

    شعر بأنه هدأ قليلاً وتأملها بصمت، وجد عينيها تحبس بداخلها العبرات... تنهد بغيظ قائلاً لها بصرامة: جومي نمشي من اهنه.... هبت واقفة على الفور.... كأنها لم تعد تطيق سماع صوته حتى.


    ركبت بجواره في داخل عربته وهي تبتعد ناحية الباب... تجاهل حركتها هذه في البداية لكنه بدأ يشعر بالضيق من تصرفها كأنه غريباً عنها.... فركن بعربته بجوار الرصيف قائلاً لها بجمود: ممكن أعرف إنتِ ليه بتبعدي عني إكده ولا كإني جوزك اللي جاعد جنبك.


    حدقت بالنافذة بجوارها قائلة بمرارة: وجوزي مهملني بجاله كتير... تأفف منها بغيظ قائلاً بنفاذ صبر: يا صبر أيوب إيه اللي بتجوليه ده... آني بجالي شهر بحاول اتحدت وياكِ وانتِ جافله تليفونك مني، عايزاني أعمل إيه أكتر من إكده... ده غير المشاكل اللي آني فيها ومرض أمي ووحدة ابوي... وجايه انتِ تزيدي من همي... بدل ما تبجى سندي في وجت أذمتي... تبجي حمل كمان إنتِ التاني عليه.


    شعرت مريم بخطؤها لكنها لم ترد أن تعترف بذلك إنما كابرت قائلة بحنق: ما إنت اللي بتزعلني وبتتعصب عليه طول الوجت.


    زفر بقوة قائلاً بجمود: يعني إنتِ شايفاني رايج أدلعك وأطبطب عليكِ علشان أكون في نظرك إكده راجل مفيش منيه.


    شعرت بالأحراج من حديثه قائلة له بتردد: منيش عايزاك تدلعني ولا حاجه... بس على أجلها يا دكتور تعاملني كيف الراجل ما بيعامل خطيبته، أومال بعد جوازنا هتعمل إيه ويايا.


    تأملها محاولاً السيطرة على نفسه قائلاً لها: آني خابر زين إني بتعصب عليكِ كتير بس بردك إنتِ لازم تعذريني الفترة دي، على الأجل يعني... موت أخوي مش ساهل عليه يا مريم.


    لانت ملامح مريم قليلاً وتأملته بطرف خفي قائلة له: طب وهتفضل إكده كتير تعاملني بعصبية... اقترب منها محاولاً إمساك يدها فأبعدتها عنه بسرعة... شعر بالغيظ من فعلتها قائلاً لها بنفاذ صبر: وعد مني هحاول أتعدل شويه شوي بس أهم حاجه تصبري عليه وخصوصاً إنك شايفة الظروف اللي آني فيها.


    تفحصته قائلة له بضيق: حاضر هصبر... فابتسم لها قائلاً: شكلك اكده لساتك مش مصدجاني... هزت رأسها بالنفي قائلة: لاه مصدجه ويالا بينا بجى... علشان متأخرشي أكتر من اكده.


    زفر بحنق قائلاً لها بسخط: حاضر... بس إبجى افتحي التليفون بدل ما أكسرهولك نصين فاهمة.


    وحتى تطمئنه أمسكت مريم بهاتفها وفتحته أمامه على الفور قائلة بهدوء ظاهري: أديني أهوه فتحته إياك بجى تكون ارتحت دلوك.. 

    تنفس بعمق قائلاً: أيوه إكده دلوك أعرف اتحدت وياكِ... بس إياك تبجى تجفليه تاني.


    هزت رأسها بضيق قائلة له: لاه منيش هجفله... يالا بجى أحسن أخوي يستعوجني النهاردة.... ضم شفتيه بحدة ثم غمغم بصوتٍ خشن: حاضر هنمشي... خروجه زي جلتها.... حريم عايزة الضرب.


    وقفت نوال تمشط شعرها أمام المرآة... وهي تحدج بنفسها بإعجاب... لم تلاحظ نظرات ياسين العاشقة لها... الذي كان يراقبها طول اليوم منذ وأن استيقظت في الصباح وأعدت لهم طعام الأفطار.

    هب من فراشه ووقف خلفها يضمها إليه قائلاً بخفوت: ماله الجميل بتاعي مش بيكلمني ليه بقاله حوالي خمس دقايق... ضحكت نوال وهي تلتف إليه واضعة ذراعيها حول رقبته قائلة بدلال: للدرجادي بوحشك أوي كده.


    قبلها في جبهتها بنعومة وهو يضمها إلى صدره من خصرها قائلاً لها بعشق: طبعاً يا عمري فيه حد يقدر يعيش من غيرالزهرة الوحيدة اللي بتخلي لحياته معنى وطعم مختلف.


    ابتسمت بخجل قائلة له بحياء: ياسين إنت بتبالغ... أومأ رأسه بالرفض قائلاً لها باعتراض: ومين قال إني ببالغ... ده أنا حابس نفسي معاكِ اهوه علشان ما تبعديش عني ولوخمس دقايق.


    وضعت رأسها على صدره قائلة بنعومة: ربنا يخليك ليه يا يا ياسين... فضمها إليه أكثر قائلاً لها بعذوبة: ويخلي ليه يا قمري ونور حياتي كلها يارب... ثم رفع وجهها إليه بأنامله قائلاً: يالا إجهزي بقى علشان أنا عازمك النهاردة على مكان حلو أوي هيعجبك.


    تهلل وجهها قائلة: صحيح هتوديني فين..؟ ضحك قائلاً: طبعاً المكان اللي يعجبك كمان... بس بشرط الصغنن بتاعي ميشقاش.


    ابتسمت قائلة له: هوه أنت للدرجادي بتعتبرني طفلة.... أحاط وجهها بيديه قائلاً برقة: طبعاً بس أجمل وأحسن طفلة شفتها بحياتي وبعتبرك بنتي كمان.


    فهمست له قائلة بهيام: بنتك يا ياسين...!!! فأومأ برأسه وأنفاسه تلفح وجهها وعينيه تحدقان بشفتيها بشوق قائلاً بهمس عاشق: بالتأكيد بنتي الصغننة اللي من كتر شقاوتها مش بتنيمني الليل.


    أحمر وجهها من هذا الكلام الذي يخترق عقلها واضطربت أنفاسهم معاً وخفقات قلبيهما تقرعان كالطبل من أثر هذا الشوق والعشق في لهفة عيونه عليها... وقبلها بشفتيها بنعومة وهو يضمها بين ذراعيه بامتلاك تام كأنها له وحده فقط غير قادر أن يتركها لتتحدث حتى مع غيره.


    اتسعت عينيّ كل من إسماعيل وزوجته حتى أنهم صمتوا مصدومين وسقطت الصينية الممتلئة بالعصائر من يد سعاد وهي تدلف إلى الحجرة التي صادفت إستماعها للخبر.


    ولم يستطيعا النطق هما الثلاثة.... فقررت مهجة عليها نفس الجملة وهي تتمسك بيديها بقوة كأنها توقظها من ذهولها قائلة بلهفة: أيوة يا اماي آني حبلى بولد جلال... ولساتها الدكتورة مطمناني وجايلالي اكده اني حبلى بولد.


    حملقت بها فاطمة غير مصدقة ما سمعته وخصوصاً أنها تذكرت نفي ولدها بأن زوجته غير حامل وبأنها كانت إكذوبة منها.


    فقالت لها بحدة: إنتِ كدابة... كدابة... ولدي جالي انك مش حبلى جبل ما يسافر من اهنه بعد ما طلجك.


    بجملتها هذه ذكرتها بكل ما عانته في ذلك اليوم من عذاب وظلم فهتفت بلوعة: أيوة فعلاً مكنتش في الأول بس، لكن بعد إكده طلجني... طلجني من غير ذنب، وطردني من حياته كلاتها بدون رحمة أو شفجة منيه، في نفس اليوم اللي كنت لساتني إتأكدت إني حبلى وكنت كمان هخبره بس ملحجتش من إهانته ليه.


    صمتت مهجة وانهارت بالبكاء أمامها لتذكرها هذا اليوم الأليم والصعب من حياتها... ولتثبت حديثها أمسكت بكفيّ حماتها ووضعتهم على بطنها الواضحة المعالم والتي تغير شكلها وحجمها كثيراً مردفة : حاسه يا اماي بنبضاته وحركته تحت يدك... هوه ده ابن جلال ولدك.


    لمعت الدموع في عيني فاطمة وإسماعيل الذي تهلل وجهه بمزيج من السعادة والحزن قائلاً لها بدهشة: يعني آني هيبجى ليه ولد زين كيف العمدة.

    فالتفتت إليه قائلة له بثقة: أيوه يا ابوي.... ثم التفتت إلى فاطمة مرةً أخرى قائلة لها: حسيتي بيه يا اماي.... حسيتي بابنه اللي هيكون بأمر الله زين الرجال كيف ابوه.


    اجهشت فاطمة في البكاء واحتضنتها بقوة وانتحبت مهجة هي الأخرى بلوعة وحزن قائلة لها بقلبٍ موجوع: صدجتي يا اماي إني حبلى من العمدة... تنهدت والدته وهي تربت على ظهرها بين وهي ذراعيها قائلة لها بحنان: أيوه صدجتك يا بتي صدجتك... بس يا عيني عليه هيتولد مش هيلاجي أبوه جدامه زي باجي الخلج...


    مدت مهجة يدها ومسحت دموع فاطمة وهي تقول لها بعطف: متجلجيش يا اماي عليه... ليه رب يجف وياه زين وانتم أهوه أهله وناسه مش اكده.


    ابتسمت فاطمة بحزن قائلة: طبعاً يا بنيتي آني كنت خابره زين ان ربنا هيعوض عليه بعد وفاة ولدي العمدة والحمد لله ده أحسن تعويض من ربنا لينا كلاتنا.


    وقف اسماعيل بالقرب منها قائلاً لمهجة بحنان: مبروك يا بتي ده أحسن خبر سمعته بحياتي وربنا عوض عليه بيه بعد موت ابوه.... صمت قليلاً محدقاً بها وبزوجته ثم هتف بسعاد قائلاً لها بلهفة: جوام يا سعاد لمي الصينية اللي وجعت دي منيكِ وجهزي شجة العمدة من تاني لولده.


    أسرعت سعاد بسعادة تقول: مبروك يا ست فاطمة مبروك يا ست مهجة اللي خلف مماتش يا حاج.... وأسرعت بتلبية طلباته.


    أخذتها فاطمة بالداخل لتهتم بها أكثر وهي تشعر بسعادة بعد حزن عميق داخل قلبها... أتى بعد قليل يحيى من الخارج ورأى والده ووجهه يشع من السعادة فاستغرب قائلاً بتعجب: كيفك يا ابوي... فقال له بسعادة: تعالى يا ولدي عجبالك... فاندهش قائلاً لها: عجبالي في إيه.


    فابتسم له قائلاً له بفرحة طاغيه: مهجة طليجة جلال أخوك اهنه... وخبرتنا إنها حبلى بولد من أخوك العمدة كام شهر.


    صُدم يحيى قائلاً له بعدم تصديق: بس يا ابوي انت متأكد ده كان جايل انها مش حبلى... هز رأسه بالرفض قائلاً لها: جولتالها إكده جالت صوح لكن في نفس اليوم اللي طلجها فيه كانت لساتها خابره بحبلها وملحجتش تجوله لأن أخوك مشاها وكان ظني باخوك وطلاجها اللي من غير سبب كان صوح.


    تنهد يحيى قائلاً بدهشة: طب ليه مبلغتناش بوجتيها... تنهد اسماعيل قائلاً: أخوك طردها وماشاها زي ما آني ظنيت بيه ساعتها.


    صمت يحيى غير قادر على استيعاب الأمر فقال له والده: مالك يا ولدي انت مش مبسوط... هز رأسه بشرود: لاه يا ابوي آني بس متفاجئ بالخبر...


    ربت على كتفه قائلاً بحنان: معاك حج يا ولدي.. آني كمان كنت إكده ومكنتش مصدج بس هيه شرحت كل اللي حصلها ويا أخوك.... بس آني فرحان جوي جوي يا ولدي.


    تطلع إليه يحيى قائلاً له بشرود ذهن: صوح يا ابوي ده أحسن خبر سمعته من ساعة أخوي ما مات.


    ابتسم اسماعيل قائلاً بأمل: لامتجولش مات... لسه فيه حته من صلبه هتيجي على وش الدنيا... 


    وفي المساء صعدت مهجة بصحبة نعيمة التي أرسلت فاطمة في طلبها من جديد لخدمتها في حملها.


    دخلت إلى المنزل وهي تتأمله بأعينٌ حزينة وقلبٌ موجوع كأنها ترى حياتها معه في كل شبر بالمنزل حتى غضبه وعصبيته تتخيله أمامها...


    أيقظتها نعيمة من شرودها قائلة: آني سعيدة جوي برجوعك تاني يا ستي... ابتسمت لها ابتسامة باهته قائلة لها: وآني سعيدة اني شفتك من تاني تعالي يالا معاي علشان عايزة آخد حمام وأنام وارتاح.

    جلست مهجة خلف عجلة القيادة وقبل أن تديرها... بوغتت بمن يركب بجوارها من الناحية الأخرى قائلاً بجمود: يالا امشي بسرعة.


    اتسعت مقلتيها بعدم تصديق وضربات قلبها تخفق بعنف مع شحوب وجهها الذي كسى محياها قائلة بصدمة: جلال... إيه اللي جابك هنا.


    تجهم وجهه قائلاً لها بصرامة: جولتلك امشي من اهنه بسرعة.... حمدت ربها بأن سيارتها كانت في مكان بعيد عن مركز الشرطة قائلة بغضب: إنت كنت بتراقبني ولا إيه.


    عبس وجهه أكثر قائلاً بحدة: أيوة ويالا من اهنه بجولك من سكات.... اضطرت أن تستمع إلى كلماته وحتى تُثبت أنها ستذهب لطبيبتها... ذهبت بالفعل.

    قائلة بضيق: ممكن أعرف انت بتراقبني ليه... تنهد بغضب قائلاً لها بحدة: علشان حاسس إنك بتكذبي عليه.


    امتعضت ملامح وجهها قائلة له: بقى كده طب وأنا هكدب عليك ليه منا قايلالك إني رايحة الكلية وعند الدكتورة بتاعتي.


    صمت برهة قائلاً بضيق مضطرب: ما خبرش لكن كل اللي حسيته.... حسيت اني لازم أراجبك وابجى وياكِ كمان عند الدكتورة.


    تطلعت إليه بدهشة... متسائلة هل هذا حقاً هو جلال الذي يقول لها ذلك أم شخص آخر غيره، وسيطرت على مشاعرها التي تهفو إليه وهو يتأملها باهتمام لم تعهده به من قبل.


    وصلت عند الطبيبة وانتظرها جلال بالخارج وشيء ما جعله يريد الدخول معها عند فحص طبيبتها لها.


    فأمسك قبضته بقوة ليسيطر على هذا الشعور الذي ينمو بداخله فرأى الممرضة تدخل إلى غرفة الفحص... وقد واربت الباب قليلاً فاقترب أكثر من الحجرة بخطواتٍ بطيئة.


    وشاهد الجنين على شاشة الأشعة فنبض قلبه بعنوة دون معرفته للسبب... فمد قبضته ليزيد من مواربة الباب ليستمع إلى حديث الطبيبة مع مهجة... ووجد نفسه يزيح الباب على مصرعيه ويدخل إلى الداخل بسرعة.


    فصُدمت مهجة والطبيبة من فعلته وقبل أن تنطق مهجة كانت الممرضة تصرخ به قائلة له: إنت مين اللي سمحلك تدخل هنا... من غير إذن.

    عضت مهجة على شفتيها من الموقف المحرج التي تعرضت له بسببه ولم تستطيع التفوه بأي كلمة أخرى.


    قائلاً لها بغلظة: بجولك إيـه بَعدي عن طريجي آني جاي معاها... فهبت الطبيبة من مكانها قائلة له: طب تقدر حضرتك تستنى بره فقال لها بضيق: لاه مهستناش برة ولازم اطمن عليها بنفسي.


    حدجتها الطبيبة بتساؤل: هوه قريبك أوي كده يا مهجة... كانت هذه هي المرة الأولى الذي يعرف بها اسمها وردده بشكل غريب داخل نفسه.

    وتلاقت أبصارهم بشيء عجيب داخل نفوسهم قائلاً لها برجاء: جوليلها يا مهجة إني لازم أكون واجف وياكِ.


    ازدردت لعابها بالرغم منها قائلة بتوتر: خليه يا دكتورة معلش... تأففت الطبيبة من طبعه الغليظ واستكملت فحص مهجة.... وعيني جلال تتنقل إليها وإلى جهاز كشف الأشعة.


    أحس جلال بمشاعر غريبة تجتاحه وهو ينظر إلى الجنين في الشاشة الصغيرة وانصت إلى الطبيبة وهي تقول باهتمام: مبروك في بطنك ولد.... هتفت مهجة بسعادة: زي ما أنا كنت حاسة.... طب وصحته.


    فضحكت الطبيبة قائلة لها: شايفه بقى احساسك طلع في محله ازاي... ولازم بقى تهتمي بنفسك أكتر من كده.... زي ما بقولك دايماً.... وصحته زي الفل قدامي أهيه.


    اطمئنت مهجة وجلال لحديثها كثيراً وسألها الأخير باهتمام قائلاً لها: هيه اكده حبلى في الشهر الكام... احمر وجه مهجة من الخجل فأجابته قائلة له: حامل في الشهر الخامس وقرب كمان يخلص.


    تفحص مهجة التي تتهرب من نظراته لها قائلاً: طب جوام اكتبيلها على العلاج وآني هجيبه ليها.


    استعجبت مهجة من تصرفاته هذه وهبت من فراش الفحص الطبي تُعدل من ثيابها... وأخذت الورقة وانصرفت بصحبته ومائة سؤال حائر دون إجابه في داخلها.


    طوال الطريق لم تنبس ببنت شفه وعندما وصلت إلى المنزل قالت له بحدة: حلو كده تكسفني قدام الدكتورة.

    وقف أمامها قائلاً بضيق: ودي فيها إيه يعني... لما بطمن عليكِ ابتسمت بسخرية قائلة: واللي عايز يطمن على حد يصرخ في وشهم كده.

    تنهد بغيظ غاضب قائلاً: بجولك إيه همليني لحالي دلوك يالا امشي من جدامي روحي ذاكريلك كلمتين ينفعوكي.


    انصرفت من أمامه متذمرة من تصرفاته قائلة له بغيظ: أووف منك أووف... أنا أكيد عملت حاجه وحشه بحياتي علشان أقابلك.


    لم يجيبها وإنما تركها تستشيط من الغضب والغيظ.... قائلة لنفسها: حتى وهو فاقد الذاكرة هيجنني بكلامه ياربي... صبرني يارب... هيجبلي جلطة بسبب بروده ده. 


    أيقظتها نعيمة من شرودها هذا قائلة لها: العشاء جاهز يا ستي، أومأت برأسها قائلة لها: حاضر جايه يا نعيمة.

    مر اسبوع على مكوث مهجة في منزل جلال... وانشغلت قليلاً والدة جلال بها وأخذت تدللها وتهتم بها هي ونور وحتى الحاج اسماعيل... كثيراً ما كان ليجلسها بجواره ليعرف ماذا أحل بها بعد طلاقها.


    أخبرته بعدة أمور مرت بها وحتى كليتها التي تدرس بها... فكان يصمت عند هذه الأمور ويشرد كثيراً.


    وفي اليوم التالي أتى يحيى من عمله في المساء مرهق بعض الشيء فوجد أبيه بانتظاره.

    اندهش يحيى قائلاً له: أبوي إيه اللي مجعدك لوحديك إكده... امي لساتها زعلانه منيك... تنهد قائلاً بهدوء: أمك آني مجدر موجفها زين لكن آني كنت جاعد اهنه مستنيك لمصلحة اكده.


    جلس بجواره على الأريكة قائلاً بتعجب: مصلحة إيه يا ابوي دي خير ان شاء الله....!!! تنهد اسماعيل بحرارة قائلاً له بجدية حازمة: عايزك تتجوز مهجة يا دكتور...!!!


    قادت مهجة السيارة عائدة إلى القاهرة وعقلها في عالمٍ آخر مما استمعت إليه قبيل سفرها من قرار والد جلال.... فها هو بَعَثَ في طلبها قبيل سفرها قائلاً لها: يابتي لازم أتحدت وياكِ في موضوع اكده مهم جوي ولازم تبجى خابراه زين.


    استغربت قائلة بدهشة: موضوع إيه يا ابوي... زفر بحزم قائلاً لها: يابتي إنتِ لساتك صغيرة وحلوة وأي حد ممكن يبجى عايز يتجوزك وآني بحكم اني زي أبوكِ بردك.... فابطلب منيكِ تتجوزي الدكتور يحيى.


    طوال طريق سفرها تفكر بالأمر الجلل الذي تحدث به والد جلال... لا تدري كيف وصلت مهجة إلى المنزل... وهي بهذه الحالة الجديدة عليها.


    فتحت باب المنزل... بشرود تام وعندما أقفلت الباب خلفها... وجدت من يقول لها بصوتٍ يملئه الاشتياق: مهجة أخيراً جيتي... تطلعت إليه وقلبها ينبض بعنف فها هو يقف أمامها كأنه شخص آخر... وتريد أن تلقي بنفسها بين ذراعيه... فكيف يفكرون بأنها ستتزوج غيره... حتى وإن لا قدر الله فقدته بالفعل.


    ابتلعت ريقها بصعوبة تجاهد نفسها بألا تلقي بنفسها على صدره قائلة بتوتر: إيه في حاجه حصلت وأنا غايبة وأنا معرفش.... إنت بخير ولا لأ...


    اقترب منها بخطوات سريعة متأملاً لوجهها طويلاً... فلمعت الدموع بعينيها وهو يتفحصها بنظرات حائرة مشتاقة وأمسكها من كتفيها ببطء قائلاً لها بصوتٍ هامس: اتوحشتك جوي... يا مهجة.


    حبست دموعها من شدة تأثرها فقد أصبح من دونها كالطفل الصغير التائهة بانتظار عودة والدته إليه من جديد... وهذا ما شعرت به الآن قائلة له بجمود: ده اسبوع واحد بس اللي بعدته عنيك مش مستاهلة يعني كل ده.... أسند بجبهته فوق جبهتها شاعره بأنفاسه المضطربة على ملامحها.


    قائلاً لها بصوتٍ متهدج أذاب قلبها: متبجيش تعمليها تاني.. يا مهجة وتبعدي عني إكده، كاد قلبها يختنق من صوته التي اشتاقت إليه ومن شدة هذا القرب الذي يعذبها به الآن قائلة ببرود: حاضر... ممكن بقى تسيبني علشان تعبانــ.... قاطعها جلال بغتةً وهو يضمها بين ذراعيه بقوة ولهفة.

    قائلاً بهمس يكاد يكون مسموعاً: تتجوزيني يا مهجة....!!!!  


    فتحت أم مصطفى باب منزلها فاتسعت عيونها بصدمة كبيرة قائلة بذهول: نوال بنتي... وياسين... إيه المفاجأة الحلوة دي...!!!


    الحلقه الرابعه والخمسون من هنا

    إرسال تعليق