Ads by Google X

القائمة الرئيسية

الصفحات

روايه نيران الهوى الفصل السابع


 الفصل السابع

هُنالك...
دائما مع نجد بين هذا وذاك، تلك الكلِمة لا أعرف من أين أتت؟ ول كيف تربطُها عِلاقة وطيدة بما يجري لنا، ماضياً كان أو حاضراً؟... ولكن ذا يوم سمعتُ عجوز تُخبرُني بما خطتهُ الزمن على حياتُها أن الرابط هو خفقان الخلاف ... حينها أصابني الذهول فكيف لمن خفق لهُ القلب أو دق العِشق بابُه أن يُرحب بالخِلاف!... لكنها ابتسمت وقالت :حينما يحلُ العِشق بدارٍ فأن الخِلاف يكُن أول مُستقبليهِ من السُكان، وليس من يعشق يُخالف رُبما الكون أراد وعلِما ما لم يعلمهُ العاشق، فهو أعمى بعشقة لمن هوي....
__
مر أولُ الأمس سريعاً، ولحقهُ الأمس في لمح البصر، وبقي اليوم بنفس المنوال السابق فالشد والجذب ما زال قائم ببيته،... زفر بهدوء من تلك الساعة التي تمرُ ببطء على غير السابق، فحينما يحلُ النهار تكُن ببُطء السُلحفاء ، وحينما يزوره الطيف مساء تكُن كصيبٌ من السماء.... وضع ما يعتليهِ جانباً وقرر المرور بغُرفة ابنتُه ، فمنذُ خروجها من المُستشفي وهي لم تبرح البيت، وباتت كثيرة التذمُر، وهو لا يعرف كيف يُرضيها،... طرق باب الغُرفة بهدوء ولم ينتظر الجواب؛ فهي لا تُكلمُه، أطل براسهِ سريعاً، وبسمة حنون تُزين ذقنهُ الحليق :
-ممكن ادخل.... ولكن.
كانت تلعب بالدُمي، وحينما اطل وجه والدها من الباب، ألقت لهُ نظرة غاضبه، وعاودت اللعب من جديد، دون أن تُكلف نفسها عناء الجواب....
رأي غضبها منهُ جيداً، ليُغلق الباب خلفُه، ويجلس بجانبها أرضً ، وبهمس أقرب لرجاء :
-"ريتا".. لكن لا جواب...ابتسم لها بود، وعيناهُ تُقارن رسومها بغريب رحل دون سبب، وصخب قلبهُ يعلي حتى كاد يصمُ الأذان، وانفاسهُ باتت مُتخبطة كحال روحه التائه في البحث، وبنبرة يملاُها الشجن :
-"ريتا" حبيبتي، مش احنا اتفقنا منزعلش من بابي.... وحينما وجد خيط رفيع من الاهتمام يطلُ من عينها، أكمل استرسالُه، و يداهُ تُسافر بين خُصلات شعرها :
-زمان أوي كان في بنوتة قالتلي أن "ريتا" مينفعش تزعلها، عشان عينها هتوجعك، وأنا عارف أني قصرت بس "ريتا" هتسامح بابي... وبوجل.. صح...
لم تستطع فهم كل ما قالهُ والدها، ولكن شيء بداخلها يُخبرها أن تلك الكلِمات لها واقع آخر لم تفهموا بعد...شقت البسمة وجنتيها فأظهرت تلك الغمازات على وجنتيها، أرثُ ابيها في جسدها، لتُلقي بنفسها بين ذراعيهِ....
خفقة صاخبة كادت أن تُصيبهُ بالصُم، من العِناق، تلك الحركة التي تسلبهُ لُبه، وتُعيد إليه روح الغائب، لم يمضي كثيراً في تخبُطه، ليضمها بقوة، ويُلقي سيل من الوعد لها.... لتنقطع الكلِمات مع....
كان يُكمل هندمة ملابسهُ قبل الخروج، وعند مروره بغرفة الصغيرة وجد الباب مفتوح، ليتحرك لمُشاكستها، ولكن توقف على باب الغُرفة مع رؤية أخيه وهو يُحاول كسب ابتسامتها من جديد، تلك البسمة التي فارقتها منذُ خروجها من المستشفى، لتنفرج شفتاهُ بمرح :
-قلبي لا يتحمل، البوص بيحضن....
هب واقفاً وهو مازال يحتضنُها، وبلهجة ما :
-على فين؟..
حك مؤخرة رأسهُ:
-أوبس....
انفجر "أيمن" بالضحك، على حال أخية، وبخُبث:
-ابقى سلملي على "ياسين"..... لتنقطع الكلِمات مع...
انهت "فادية" تسخين كوب الحليب الخاص بالصغيرة، ولكنها وجدت أولادها يُشاكسون بعضهم البعض، فابتسمت بحنان :
-تعالي ياحبيبتي نشرب اللبن عشان ننام كويس..
امتنعت "ريتا" أن تترُك عُنق والدها، ليتبرع بالقول :
-سبيه يا هانم وأنا هشربهولها....
حركت رأسها بهدوء، واعطتهُ الكوب:
-لما "ريتا" تنام محتاجة أتكلم معاك... ورحلت بهدوء...
زفر "حسن" بضيق من جمود أخيه مع والدتُه، وبحنق :
-لحد أمتي يا "أيمن"؟...
زفر بيأس فهو لا يُريد الجِدال، وبنبرة تحمل الكثير :
-لما ربنا يريد، يلا عشان متتأخرش على "ياسين"...
حرك رأسهُ باستسلام، واقترب يُقبل الصغيرة فوق جبينها، ليُكمل بإحراج :
-هكلم "ياسين" في الفكرة...
شقت الابتسامة وجهه الشارد، وحرك رأسهُ، ليعاود الدخول للغرفة من جديد، مُحاولاً إقناع ابنته بشرب الحليب ، وضعها برفق على سريرها الوردي، وقدم لها الكوب، ولكنها....
بدأت "ريتا" بإبداء التذمُر، والرفض القاطع لتناول الكوب....
زفر بهدوء، وبمُحايله يشُبها الإغراء :
-طيب، في ناس لو شربت اللبن هيروحوا الملاهي..
صفقت بفرح، والقت تلك القُنبُلة :
-ومامي هتيجي!....
تجمدت اطرافُه، وتلاشت البسمة، ولم يقوي سوي على التكلُم بنبرة خاوية :
-مامي مسافرة، هنروح لوحدنا، ولما ترجع نروح سوا...
حركت رأسها بنفي قاطع :
-لا يا بابي مش مامي، أنا عاوزه مامي "وداد"...
هل سقطت المطرقة فوق رأسه أم هكذا يتوهم؟... حرك رأسهُ وناولها الكوب، وبعد دقيقتان كان يُغلق زر الإنارة، وباب الغُرفة ليزفُر بأسي على حال صغيرتهُ، وتعلُقها بتلك "الوداد"... تحرك لردهة فهُناك جِدال ينتظرُه....
**






صدع صوت الجالسين بصخب، وهم يُراقبون المباره بسعادة، لكنهُ لم يُبالي يُريد فقط موافقة والدهُ على ما يُريد، ظل يُراقب ملامح التفكير على وجههُ بترقُب بالغ....
باتت ملامح وجههُ غريبة، كأنهُ أمام احدي المسائل المُعقدة، أخذ رشفة من كوب الشاي :
-حوار المخروب الي بتقول عليه دا مداخلش دماغي بنكله...
زفر بيأس، فهو يعلم والدهُ جيداً لم ولن يعشق سوي المال، ليُلين نبرتهُ، وبلهجة تحمل الكثير :
-ليه بس يا معلم، الكافية دا مشروع مضمون مية في المية والفلوس مش هتقل، وهتكسب كتير وهناك محدش بيشرب على الحِساب، ولا بيقاوح في تمن الكوباية أم خمسه....
وضع الأرجيله من يده، وأكمل :
-وأنا إيش يضمني المكسب، المخروب دا عاوز شيء وشويات، وأنا مش هدفع في حاجة الله أعلم هتصيب ول هتخيب...
رد مُسرعاً :
-هتخيب ليه بس، دا زي القهوة بالظبط بس الفلوس أكتر، وفي مكان نضيف...
ظهر التفكير جلياً على وجهه، وحك ذقنهُ ليُردف:
-سيبني يومين كده أقلبها في دماغي، وسبلي عنوان المخروب...
ابتسم لهُ بفرح، وأخذ الورقة وبدأ يُدون عليه عنوان الكافية، وخلال ثواني كان يُعطيها لهُ، مُكملاً :
-روح بنفسك وهتلاقى ناس كتير والمكان مش محتاج أي حاجه، وصدقني المكسب مضمون أوي....
اكتفي "فرج" بتحريك رأسُه، واكمل أخذ أنفاسُه من الأرجيله دون أن تنبث شفتاهُ بادني كلمه....
زفر بارتياح فوالدهُ قاب قوسين أو أدنى من الموافقة، لتنفرج رئتيهِ بأقصى قدر للامتلاء بالهواء، و التحرُك لما عزم عليهِ، وعقلهُ يُصيغ الكلِمات التي سيُخبرُها بها، سيستخدم كُل ما يملُك من فنون الكلام لينال رضاها، حينها خفق قلبهُ كنهرٍ يشُقُ اليابس، وهو يعلم أنها ستوافق، فهروبها الدائم منهُ، واحمرار وجنتيها اللذيذ عندما يُحدثُها يُظهر مكنون قلبها نحوه... أكمل تحركهُ نحو مُقدمة الحارة، حتى أن خُطواتُه كادت أن تبتلع ذرات التُراب؛ من فرط السعادة....
**
أعلنت الساعة الجدارية تجاوز التاسعة، وهو مازال مُنهمك في عمله أو كما يدعي منذُ يومان، يأتي منذُ بزوغ الصباح ويرحل قُرب العاشرة، والعقل لا يُفكر في شيء سواها، زفر ببطء وكأنه يُخرج نيران قلبهُ المُشتعل، لتبدأ يداهُ بالنقر على جهاز الحاسوب للخروج من المشروع الذي يعمل عليهِ ، لتقع عيناهُ على ذاك الفولدر المُخصص لها، لتنهزم جنود قواه الظاهر، وتبدأ يداهُ في حركة سريعة لنقر على الفولدر قبل أن يتراجع كالعادة، وما هي الا جُزء من الثانية وكانت الشاشة تعرض صورها، ليبدأ بتكبير تلك الصورة التي سلبت لُبه، بفستانها الارجواني وخيوط الليل تنسدل بنعومة جعلتهُ يفقد صوابه،... ليزفر باستمتاع، وبسمة عجز عن فهمها هل هي عاشقة لها أم ساخرة من حالُه، لا يهُم يكفي أن عيناهُ تبتسم برؤية رسومها، لتقفز أصوات ترانيم شفتاها في مُخيلتُه ليفر هارباً عازماً على رؤيتها، فالساعة لم تتجاوز العاشرة والتأكيد في بالمحل الخاص بهم، ليبتسم بثقة، فهو سيُثير غيظها كالمُعتاد ، و يُراقب بتلذُذ ضحكاتُها، وهذا ما يكفيهِ للبقاء على قيد الحياة.....
**
أعلنت ذرات الهواء صوت لحنها الدائم من البرد، فسارعت "فاطمة" بإغلاق نافذة المطبخ، وعينها تُراقب الشاردة بجوارها في عالم آخر، فمنذُ يومان وهي على تلك الحالة الغريبة من الصمت التام، حتى أنها أصبحت صامتة كالجماد.... زفرت بتخبُط لتعقد أمرها وتصُب كوب من الحليب الدفء وتضعهُ أمامها على مائدة المطبخ المُستديرة، وتجلس بجوارها، وما هي الا ثانية وكانت يداها تربُت بلُطف على كتفها، والأخرى تُقرب الكوب من يدها، وبتساؤل ينهمر من عيناها قبل أن تنبثق شفتاها بهِ :
-مالك يا بنتي؟....
فاقت من شرودها، و اغتصبت بسمة مهزوزة بقدر انهزام روحها :
-مفيش...
ابتسمت لها بود، واردفت :
-عارفة أنا حبيتك زي "ياسين" و"ياسمين" ،... لتلمح الاستغراب ينبثقُ من عينها، فتُحرك رأسها بهدوء، وتُكمل :
-عارفه لما عرفت بوجودك لما مات خوفت، وكرهت كُل حاجة، وقلت أكيد هشوفها فيكِ بس... زفرت بشجن... لما شوفتك لقيتك نُسخة منها في الشكل لكن يعلم ربنا قلبي حبك من أول ما دخلتِ من باب البيت، شوفت تواهان من سنين شفتوا في عين أبوكى، وقتها قلب دق وحسيتوا قدامي مامتش...وقبل أن تُكمل كلامها كان صوت ابنتها يشقُ الصمت.... وبمهس مُضحك، قبل أن تُزيل يدها العبرات العالقة :
-برعي جه...
امتلئ المطبخ بضحكاتُها، وهي تربت بامتنان على يد "فاطمة"، ولكن قبل أن تبعد يدها، كان.....
دخلت "ياسمين" البيت بسعادة، وهي تحمل قالب كبير من الحلوى، وبصياح، وعينها تبحث عن والدتها :
-بطة..... طمطم.... يا سُكان البيت....
ارتفع صوت "فاطمة" من الداخل :
-تعالي يا "ياسمين" احنا في المطبخ....
عندما التقطت أُذنيها صوت والدتُها، وضعت قالب الحلوى على مائدة الطعام، وفرت هاربة إلى المطبخ، والابتسامة تشقُ ثغرها، لتردُف بأداء مسرحي، وحاجبيها يرتفعان بدهشة :
-أنتو بتعملوا أيه بالظبط....
شقت ضحكات" فاطمة" البيت :
-أتوكسي يا ميلة بختي، ونزلي الي طالع...
زمت شفتها بعبوس :
-بقى كده يا بطة، لكن هقول أيه أكيد أنتِ مش أُمي صح....
لتُحرك رأسها وتُجيب :
-لا يا موكوسة لقيت على باب جامع.... ليعلن جرس الباب عن وجود طارق....
نظرت لولادتُها بتساؤل :
-هو "ياسين" نسي المُفتاح؟...
ضربت كلا كفيها بالأخر، وتحركت لتُشغل الموقد، وهي تُتمتم:
-واحنا هنعرف منين والباب بيخبط والهانم مفتحتش....
لتتبرع "فريدة" بالقول:
-هفتح، وأشوف تليفوني... وتحركت خارجة من المطبخ تُقاوم الامطار من حدقتيها، وخلال دقيقة كانت تفتح الباب لطارق وبتساؤل :
-أيوه؟...
تعجب "حسن" من رؤيتها، وظهر البؤس على وجهه؛ فقد كان يتمنى آخر يفتح لهُ الباب، ليُردف :
-"ياسين" موجود؟...
وقبل أن تُجيب بالرفض، كانت "ياسمين" تخرج من المطبخ وهي تحمل أطباق الطعام :
-بتكلمي مين يا "فري"... لتتجمد من الصدمة من رؤيته، ويبدأ قرع الطبول بداخلها، لتُسرع بوضع الأطباق قبل أن تسقُط من يدها، وهي تلتقط البعض من أنفاسها، وبابتسامة شاحبة :
-أتفضل يا "حسن"...
التقطت عينها تُوتر اختها، و معرفتها بهذا الرجل، فتمتمت باعتذار ورحلت للغرفة....
مرت دقائق وكلٌ منهُما ينظُر إلى الآخر، لتُقرر "ياسمين" قطع النظرات، بصرامةَ :
-تشرب إيه؟...
اكتفي ببسمة :
-كاكاو باللبن... وتحرك ليجلس على احدي الكراسي، و جسدهُ يلتقط الذبذبات من الوقفة خلفهُ بصدمة.... ليجلس ويرسم بسمة استفزازيه :
-يلا يا "ياسمين".... وقبل أن يُكمل إثارة حنقها...
عندما تهادى إلى أُذنيها صوت "حسن" وضعت الوشاح سريعاً، وبلهجة مُرحبة :
-نورت يا "أبو علي"، وبعتاب... إيه الغيبة دي كلها يا بني؟...
ابتسم ببشاشة لها:
-معلش مشاغل يا بطة، عاملة أيه؟..
-الحمد لله، أنت هتتعشى معنا بقا.....
**
كادت "رقية" أن تتعثر في إحدى الخيوط، لتزفر بضيق وهي تُغلف الطارات؛ من أجل تسليمهم غدًا، ولكن ورق التغليف نفذ من جوراها لتُقرر التحرك لجلب آخر، ولكن قبل أن تصل للمكان المُخصص كان صوت ما يشقُ جدران الصمت، وبذهول :
-"رامي"!....
دخل المحل، وعيناهُ تبحث عنها، وبصوت يشوبه الفرح، من التمني بما يُريدُ القلب :
-"رقية"....
لم تتلاشى معالم الذهول، بل أُضيفَ إليها التساؤل :
-خير يا "رامي"؟...
كاد أن يتراجع عن إخبارها بما يعتلى قلبُه؛ إشفاًق على حالتها، ولكن قد قُضى الأمر :
-ممكن نتكلم شوية؟..
شعرت بالضيق، وبلهجة صارمة :
-"رامي" دا مكان شغل مش كلام...، ووجودك... لتمتنع الكلِمات مع....
حرك رأسهُ بهدوء، ورفع يداهُ لها، في إشارة للوقت....
زفرت باستسلام، واشارت لهُ بالجلوس :
-ممكن أعرف في أيه؟...
جمع القليل من الهواء، ليبدأ بتفجير قُنبلتُه :
-تتجوزيني.... ولم ينتظر ردها.... أنا عارف أن في حاجات كتير منعرفهاش عن بعض بس أنا بحبك يا "" رقية "وبدأت أسس شُغل خاص بيا عشان.... لتتلاشى الكلِمات مع....
وصل أمام المحل، وهو يحمل كيس من الشكولاتة، يعلم حُبها لها، وأختهُ المجنونة ستدعوها لتناول، لترتسم بسمة جذابة على وجنتيهِ قبل الدخول، ولكن قُتلت البسمة في مهدها؛ مع انطلاق سِهام النار من شفتي رجُل يُريد الزواج منها، وهي صامتة، بل الذهول يتفنن في الظهور على رسومها، ليصدُر القاضي الحُكم، بأنها موافقة، لتنفرج شفتاهُ بغضب، وكأن شيطانً تلبسهُ :
-أيه المسخرة دي؟.... وفين "ياسمين"؟...
حاول "رامي" تهدئتُه :





-في أيه يا "ياسين"؟... أهدى...
يطلُب منهُ الهدوء، وهو يغلي كالمرجل :
-أنت تُسكت خالص، وبلهجة ما.... هو المحل بقا كازينو غرميات، لو اخوكِ هيرضا بالوضع دا، فأنا مش هقبل على "ياسمين" دا....
حُلت وثائق لسانها، وتلاشت تعابير الذهول، ليحل الغضب، وبنبرة هادرة :
-أخرس يا "ياسين "...ورفعت يداها بلهجة تحذيرية :
-إياك تتكلم عن أخويا فاهم، ويلا برا أنتو الأثنين.... لتتحرك أمامهم وتفتح الباب الزُجاجي، بقوة لم تعلم من أين امتلكتها، ولكن أن تُهان، وأخيها فهذا ما لم ولن تقبل بهِ قط....وبلهجة حادة :
-يلا برة، ومش بنت المعلم حلاوة، وتربية منصور الي هتتكلموا عليها يلا وروني عرض اكتافكوا... وعقدت يديها أمام صدرها مانعه شهقات مُلتاعة من التجلي....
مرت دقيقة، وخرج الرجلان وعيني كُل منهما تنظرُ إليها بمزيج من الضيق والشغف والولع بها، ومع خروجهم صفعت الباب الزُجاجي بقوة، واستدارت موليه ظهرها، وحبات من نار تقطرُ من حدقتيها، وكأن جمرٌ مُشتعل يُلقي بداخلها......
وقف كلاهُما أمام المحل لثواني، لتبدأ حرب النظرات، كُلاً منهما يشتعل غيظاً من الآخر...
كاد "رامي" أن يُبرحهُ ضربًا ، ولكن تحرك في الاتجاه المُخالف للمنزل، وهو عازمًا على إعادة الحديث مرة أُخري.....
خرجت أنفاسهُ باشتعال، ولكن قناع الجمود يعتلي وجهُه، ليُلقي نظرة لداخل، قبل أن يُقرر الرحيل مُشتعلًا كحال قلبه.....
**
نزل على الدرج، وعيناهُ تبحث عن والدتُه، إلي أن وقعت عيناهُ عليها بالرُكن المُخصص لها، ليرسم قِناع الهدوء، ويجلس بالكُرسي المُجاور :
-أيوه يا هانم...
حركت "فادية" رأسها بلا فائدة، وعدلت من وضع شالها، لتبتسم برزانه :
-وبعدين يا "أيمن"؟....
قرر التحلي بالجهل، فهو يعلم تلك الكلِمات إلى أي مُنحني ستنتهي :
-بعدين في ايه؟..
لمحة من الإعجاب أطلت من عينها على بلاهة ولدها ، التي يُجيد استعمالُها جيداً، لتُكمل :
-بعدين في حياتك، هتفضل واقفه لحد امتى سنة ولا سته زي الي فاتو؟...
ببرود :
-اظن يا "هانم" الموضوع دا مُنتهي عندي، وجواز مش هتجوز.... لتنقطع الكلِمات مع....
بنبرة شبه هادرة :
-بنتك محتاجة أم، وأنا مش هعيش ليها العمر كلوا، وأنت راجل مش هيفهم احتياجات بنت في سن المراهقة، ياريت تُحط دا في اعتبارك.... وتحركت صاعدة لغُرفتها....
غضة مريرة تجلت بحلقه؛ عند ذكر رحيلها، لتتردد الكلِمات بعقله من جديد، ابنتهُ هل حقًا تحتاج إلى أُم؟.... لتتجلي ذكرى خافته ليوم المستشفى عندما طلبت رؤية "وداد" قبلُه..... زفر بتمهُل... ليُفكر مليًا فيما قيل قبل دقائق، واضعًا مشاعرهُ في بئر سحيق جفت مائه، ليتحرك مُسرعًا مع انبثاق أمرًا بحنايا عقله.... لتمُر دقائق وكأن يغلق باب البيت خلفُه.....
**
توتر، شُحنات كهربيه تسري بينهم، لتظل جالسة بقنوت بجوار والدتها....
كانت "فاطمة" تضحك بقوة من مزاح "حسن"، لتُردف :
-كفايا يا بني قلبي وجعني...
كاد أن يُجيب، ليُفتح الباب، ويدخُل "ياسين" بملامح لا تنُم عن خير مُطلقاً، وبذهول :
-"حسن"!.. ليتحرك ليجلس على الاريكة، وكأنهُ يُلقي اعبائه عليها... ليتوجه بالسؤال :
-في حاجه في الشركة؟..
حرك "حسن" رأسهُ، برفض، ليُكمل بمرح :
-ابنك بيطرودتى يا "بطه"...
-يطرود مين بس؟... أنا هقوم اجهز العشا...
حمدت "ياسمين" ربها انها ستهرب من حِصار والدتها :
-طب عن أذنك... ولكن وكزه من يد والدتها، جعلتها تبتلع المُتبقي من الكلِمات، بترسم بسمة صفراء لهم، وتضع يدها أسفل خدها بضيق....
لم يُخفي عليهِ ما فعلتهُ حماتُه، ليبتسم بقوة، وكان يُريد أن يشكُرها، فقط لو تُقدم لهُ جميلًا وتأخذ صديقُه، وعندها صدع صوتها من المطبخ تُنادي على "ياسين"...
التقطت عيناهُ ما فعلتهُ والدتُه، وتلك الكذبة الصريحة بدعوتُه إلى المطبخ، ليزفر قبل أن يتحرك لها....
شعرت انها مُحاصرة، من فعلة والدتها، وقبل أن تنفجر ساخطة، ابتلعت حنقها وسخطها مع رنين هاتفهُ....
كاد "حسن" أن يُلقي سيلًا من اللعان عن من يتصل، ولكن فتح الهاتف بلهفه ليُجيب، والبسمة تُزين ثغرهُ، فقد قرر إثارة غيظها:
-عنيا ياحبيبتي، ساعة واكون عندك... ليُغلق الهاتف ولكن....
تحولت عينها لجمر مُشتعل، وبنبرة مُخفيه :
-مين دي؟..
قرر التحلي بالغباء :
-هو أنا بتسئل ليه؟..
زفرت نيرانها المُشتعلة، وبابتسامة صفراء، قررت إشعال النيران بعقلُه:
-عادي يا "أبو علي" هو أنت مش زي اخويا ول ايه، دا أنا كُنت هعملك هدية ليها، واهو تنفع في التثبيت....
انقلب السحر على الساحر، وبدلًا من إثارة غيظها، اشتعل غيظُه، فهي تلعب معهُ بلا انصاف :
-لا متقلقيش على التثبيت، هي بتموت فيا... ليرفع قدماهُ فوق الأُخرى... حتي هنحدد ميعاد الفرح قريب..
تشبثت بذراعي المقعد، وكأنهم طوق النجاة، وبنبرة مُميته :
-حاضر يا ماما جايه.... لتفر هاربه قبل أن تقتُلهُ... وتفتح باب غُرفتها بانفعال، وتبدأ بالحركة كأسد حبيس داخل قفصُه، وهي تهمس لنفسها:
-ماشي يا "حسن" أن ما وريتك...
كادت "فريدة" أن تنفجر ضاحكة على حالتها، ولكنها التزمت الصمت، فملامح وجهها قاتمة من الغيظ....
رج صوت انغلاق الباب جُدران البيت، ليتحرك "ياسين" بغضب من المطبخ، و بتساؤل :
-عملتها إيه يا "حسن"؟.
رفع يداهُ باستسلام، وبنفي قاطع :
-أنا متحركتش من مكاني، يدوب لسه بقولها ايه رأيك تشتغلي معانا في الديكور، وعينك ما تشوف الا النور...
كاد أن يقتلع شعرهُ من منبته، وجلس على الكُرسي بجوار صديقُه، و بتساؤل من رعونتُه :
-شغل اية؟.... وأختي لا يا "حسن" ولآخر مرة بقولها بذوق...
- يا عم اهدي بس، بجد شغل، إحنا كده كدة بنسلم الشقة على المفتاح وتفاصيل الديكور البسيط هتبقى هاند ميد، مدلية المُفتاح، لوحة كلها تطريز، وهكذا....
بلهجة قاطعة :
-لا يا "حسن"...
زفر بيأس :
-لا أيه؟... دا شُغل وأقسم أني هبقى برا الليلة خالص، دي فكرة جديدة، وأنت عارف "أيمن" كويس...
بنظرة غير مُطمئنة :
-وعارف أخوة... ماشي يا "حسن" هبلغ "ياسمين" بس ورحمة أبويا لو قربت منها هقطع علاقتي بيك وبالشركة وهولع فيك قبلها...
حرك "حسن" رأسهُ باستسلام :
-خلاص يا "ياسين"، عن إذنك... وتحرك للخارج....
آتت "فاطمة" مع صوت انغلاق الباب وبتساؤل :
-فين "حسن"؟...
تحرك من أمامها، وبقلق :
-مشي، أنا هدخل أنام، تصبحي على خير....
زفرت خلفهُ باستسلام وتحركت، لتُدخل الأطباق لداخل من جديد..
**
جلس مُستلقيًا على سريرُه، ينظُر لنفاذة تارة، و للهاتف تارة، وصراع بداخلُه يتزايد، والسؤال الذي يُرق مضجعهُ منذُ يومان، بات أشد قوة، ليهب واقفًا وقد حسم الأمر، ليُرسل لها رسالة.... ثوان وقد عض أناملهُ من الغيظ على إرسالها، ولكن قبل أن يتحرك كان رنين الهاتف يلعوا باسمها... توسعت حدقتاهُ من الذهول، ليُجيب بصرامة :
-أيوه يا استاذه..
بنبرة تحمل الامتنان :
-شكرًا يا منصور، هنتقابل بكره فين؟..
شعر كأنه مُذنب، ولكن بجمود :
-بكرة بإذن الله، هبعتلك العنوان... وأغلق الهاتف دون انتظار ردها، وكأنه يهرب من أفعى سامة، ليبدأ بتقريع حالُه، ليُجري اتصالًا وينتظر الجواب.... ليتهادى إلى أُذنيه صوت انغلاق الباب، لينتظر إنهاء المُكالمة قبل الذهاب للاطمئنان عليها.....
تحركت بإنهاك شديد، والقت بنفسها على السرير وعيناها شاخصه في السقف، تُراقب خيوط الضوء المُتسربة من الردهة، بصمت مُخيف،... لتبدأ الدقائق المُنصرمة بالطفو من جديد...
أغلقت باب المحل، وقبل أن تتحرك قيد أنمله...
تنحنح "رامي" بخفوت :
-"رقية"...
ارتفعت وتيرة أنفاسُها من الغضب:
-في ايه تانى...
-أنا عاوز أتجوزك....
بصدمة :
-تتجوزيني.... مستحيل، من فضلك يا "رامي" أنت زي أخويا....
لتغوص في أحلامها والانهاك مُرافقًا لها....
**
انهت جلي الأواني بصمت، وعينها من آن لآخر تنظُر للموقد تنتظر أن يغلي الشاي، ليرتفع صوت نداء الجرس، فتبدأ بتجفيف يدها، وإغلاق الموقد لتُجيب النداء، لكن ذهول تام اعتري وجهها، وبهمس لم يُفارق شفتها :
-"أيمن"...
كانت ملابسهُ مُبعثرة وكأنهُ خرج من عِراك لتو، و بهدوء :
-ممكن ادخل؟...
حركت رأسها، وافسحت المجال، و بتساؤل :
-تشرب أيه؟..
لم تنفرج شفتاهُ سوي بقنبُلة مُسيله للأفكار :
-تتجوزيني؟....


تعليقات