![]() |
رواية غادة الكاميليا الفصل الثاني 2 بقلم الكسندر دوماالفصل الثاني عدت من رحلة طويلة دون أن أعلم بموت مرغريت جوتييه، إذ كان من الطبيعي ألا يذكر لي أصدقائي نبأ موتها.. كانت مرغريت جميلة حقا... ولكن على الرغم من شهرة أولئك النساء في حياتهن.. فإن الانسان لا يسمع عنهن بعد موتهن إلا القليل. فهن في الواقع شموس تغيب كما تشرق .. فلا يفطن اليهن أحد إلا وهي ،مشرقة، فإذا ماتت إحداهن في مقتبل العمر. ذاع نبأ موتها بين عشاقها جميعا في وقت واحد.. فيتبادلون عنها بعض الذكريات.. ثم يستأنفون حياتهم.. وفي مدينة لاهية كباريس تصبح الدموع عزيزة على أصحابها، فلا يسكبونها في كل مناسبة.. وبحسب آبائنا أن ينالوا من دموعنا ما يعادل الثمن الذي يدفعونه إلينا في شكل ميراث أما أنا فعلى الرغم من أن الحروف الأولى من اسمي لم تكن منقوشة على شئ من أدوات الزينة في غرفة مرغريت جوتييه.. فإن شفقتي الغريزية على هذا الطراز من النساء.. دفعتني إلى التفكير في أمرها أكثر مما تستحق. تذكرت أنني رأيتها مرارا في حدائق ،الشانزلزيه، حيث كانت تذهب كل يوم في مركبة فخمة يجرها جوادان بديعان.. وتذكرت أنني كنت أميزها بمسحة من الأناقة والنبل.. تفردت بها عن نساء طبقتها. وقد جرت عادة أولئك النساء.. إنهن إذا خرجن للنزهة.. اصطحبن معهن كاننا من كان. ولما كان كل رجل يضن بكرامته أن تلوكها الالسنة.. وبمغامراته الليلية أن تصبح حديث الناس في كل مجتمع. وكانت أولئك النسوة يفزعن من الوحدة.. فإنهن اعتدن أن يصطحبن في مركباتهن زميلة من طبقتهن لا تملك مركبة مثلهن.. أو عجوزا شمطاء لا تخشى منافستها ويستطيع المتبذلون من الرجال أن يلجأوا إليها في طلب المعلومات من كل نوع عن الحسناء صاحبة المركبة. ولكن مرغريت شذت على هذه القاعدة.. فكانت تذهب إلى (الشانزلزيه) وتنكمش في ركن مركبتها .. كأنها لا تريد أن يشعر بوجودها أحد. فإذا كان الشتاء.. التفت في معطف كبير. يحجب فتنتها. وإذا أقبل الصيف شوهدت في ثوب بسيط لا يلفت إليها الانظار.. وإذا وقع بصرها على واحد من أصدقائها العديدين ابتسمت له ابتسامة لا يراها أحد سواه.. كابتسامة أية امرأة شريفة نبيلة في مثل هذه الظروف. كذلك لم تكن مرغريت تتلكأ بمركبتها في ميدان الشانزلزيه كما تفعل مثيلتها .. بل كانت تقصد توا إلى الغابة. وهناك فهبط من مركبتها ... وتسير بين الاشجار ساعة أو بعض ساعة.. ثم تعود إلى بيتها بأقصى سرعة جواديها الكريمين. تذكرت كل ذلك عن مرغريت جوتييه. وأسفت لموتها كما يأسف الإنسان على فناء عمل فني منقطع النظير. والواقع.. إنه يتعذر .. بل ويكاد يستحيل أن يصادف الإنسان امرأة أكمل جمالا من مرغريت .. كانت طويلة القامة صغيرة الجسم. تعرف إلى درجة الاجادة كيف تخفي نحافتها البارزة.. بل وتعرف - بمهارتها في اختيار ثيابها - كيف تجعل من هذه النحافة شيئا فاتنا تحسدها عليه أترابها. وكان رأسها أعجوبة في ذاته.. فهو صغير جدا بقدر ما هو متناسب التقاطيع... وإذا أردت الاحتفاظ بصورة وجهها فتناول القلم وارسم وجها بيضاويا منتظما.. وضع فيه عينين تتألقان تألقا غير عادي.. ثم ارسم بالقلم فوق العينين قوسين وظلل العينين بأهداب طويلة يترامى ظلها إلى الخدين... وارسم بعد ذلك أنفا دقيقا مستقيما وفما رقيقا يفتر عن أسنان بيضاء كاللبن.. واصبغ الخدين بلون ناعم كلون الخوخة الناضجة التي لم تمسها يد انسان فترى أمامك وجه مرغريت جوتييه. أما كيف احتفظ الوجه - رغم إسراف صاحبته في اللهو والعبث - بتلك النضارة والدعة اللتين تحتكرهما وجوه العذارى والاطفال فذلك ما أسجله.. دون أن أحاول تعليله. وكانت مرغريت شديدة الحرص على شهود العرض الأول في جميع المسارح فهي تقضي كل أمسيتها تقريبا في المسارح والمراقص. وحيثما تعرض إحدى المسرحيات للمرة الأولى، تجد مرغريت جوتييه وثلاثة أشياء لا تفارقها هي المنظار المكبر وحزمة من الحلوى وباقة من زهور الكاميليا. ولم يعرف على مرغريت أنها استعاضت يوما عن الكاميليا بزهور أخرى. فكان أن اشتهرت في كل باريس باسم " غادة الكاميليا ". وقد علمت عنها حقائق أخرى يعرفها سائر المترددين على مجالس معينة. علمت مثلا أنها كانت في وقت ما عشيقة شاب في مقتبل العمر من شباب الأوساط الراقية، وأنها كانت تعترف بذلك في صراحة. وعلمت أنها رحلت إلى (بانير) منذ ثلاثة أيام. وقيل وقتئذ أنها تعاشر هناك دوقا أجنبيا متقدما في السن ولكنه واسع الثراء، وإن هذا الدوق حاول أن يردها عن حياة اللهو والعبث وآنس فيها ميلا وارتياحا إلى تحقيق هذه الرغبة... وفيما يلي خلاصة ما ذاع في هذا الصدد: حدث في الربيع منذ ثلاثة أعوام أن طرأ على سحنة مرغريت من الانقلاب. وعلى صحتها من الضعف ما حمل الأطباء على أن ينصحوا لها بالاستشفاء في بانير).. وكانت ابنة الدوق الذي أشرت إليه تستشفي في ذلك المكان ولم تكن مصابة بمثل داء مرغريت فحسب. بل كان لها كذلك مثل قوامها وسحنتها وبلغ من دقة الشبه بينهما أن كان الناظر يتوهم أنهما توأمتان كانت ابنة الدوق مريضة بالسل في الطور الأخير فما لبثت أن توفيت عقب وصول مرغريت إلى بانير. وقضى الدوق العجوز بضعة أيام متسكعا في (بانير) كما يتسكع الانسان حول القبر الذي يضم أعز أحلامه وحدث ذات يوم أن صادف الدوق مرغريت فخيل إليه أنه يرى ظل ابنته التي انتزعها الموت من أحضانه فذهب إليها والدموع تترقرق في عينيه وضم يدها بين يديه وطبع قبلة على جبينها وتوسل إليها - دون أن يعرف شيئا عنها - أن : تسمح بزيارتها وأن يحبها كما يحب أنموذجا حيا لابنته العزيزة... له وكانت مرغريت وحيدة في (بانير) وليس هناك ما يهدد سمعتها إذا صادقت ذلك الشيخ .. فلم تتردد في إجابة الدوق المسكين إلى سؤاله. ولكن كان في (بانير) أناس يعرفون مرغريت.. فجعل هؤلاء الناس همهم أن يكشفوا للدوق عن حقيقتها.. وكانت صدمة محزنة للشيخ المسكين.. فقد انتهت عند ذلك وجوه الشبه بين ابنته ومرغريت.. ولكن تحذير الناس جاء متأخرا بعد أن عرف الشيخ في صحبة مرغريت راحة النفس وهناء القلب.. وأصبحت الفتاة بالنسبة إليه من ضروريات الحياة... لم يعتب عليها .. إذ لم يكن من حقه أن يعتب.. ولكنه سألها إن كانت ترضى عن حياتها الأولى بديلا وعرض عليها ما تشاء لقاء هذه التضحية.. فوعدت بتحقيق رغبته. ويجب أن نلاحظ ان مرغريت كانت في هذه الفترة عليلة سقيمة وقد بدأت تشعر بأن حياة اللهو والعبث والرذيلة هي أساس علتها وسقمها. واستولى عليها نوع من الوهم جعلها ترجو أن ترد عليها العناية الالهية صحتها وتحفظ لها جمالها.. لقاء ندمها وتوبتها.. إذا ندمت و ثابت ... والواقع.. أن المياه المعدنية في (بانير) والرياضة المنتظمة والحياة الهادئة الوادعة والراحة المستمرة .. كل ذلك ما لبث أن رد عليها صحتها.. وقوتها . ثم عادت مرغريت إلى باريس برفقة الدوق.. وراح الدوق يزورها كل يوم كما كان يفعل في بانير. ولاحظ الناس الصلة بينهما .. ولم يعرفوا أصلها أو طبيعتها .. ولكنهم لم يختلفوا في تأويلها، وكان الدوق مشهورا بسعة ثروته.. فأصبح مشهورا بفسقه وتبذله. والواقع ... أن الناس ظنوا في هذه الصلة كل الظنون.. إلا الحقيقة... والحقيقة هي أن شعور الشيخ الثاكل نحو الغانية العاشقة كان من أطهر المشاعر الأبوية وأنبلها فلم يسمعها قط كلمة تخجل ابنته من سماعها . وليس في نيتي أن أجعل من بطلة هذه القصة غير من هي فأقول أنها لم تبر بوعدها للدوق إلا ريثما انقضت أيام الهدوء والسكينة والاستجمام في (بانير) فلما عادت إلى باريس أحست – وهي التي ألفت العبث واللهو والحياة الطروبة الصاخبة - بأن الوحدة والسكينة سيقتلانها ضجرا وملالة.. ثم هبت عليها أنفاس الحياة السابقة. فلفحت وجهها وقلبها. وأيقظت مشاعرها الراكدة. يضاف إلى ذلك أنها عادت إلى باريس أكثر جمالا وأشد فتنة. وأنها كانت لا تزال في العشرين من عمرها وإن داءها الذي هجع ولم يستأصل. كان لا يزال يحرك في أعماقها تلك الغرائز الجامحة التي تلازم أمراض الرئة. لكل ذلك.. تعذر على مرغريت أن تخلد إلى الوحدة أو العزلة والسكينة في باريس... وفي أحد الأيام. علم الدوق من بعض أصدقائه ممن يهمهم إبعاده عن مرغريت أن الفتاة قد عادت سيرتها الأولى وأنها تستقبل الزائرين في بيتها في ساعات معينة بعد انصرافه. وقد تمتد إقامتهم إلى الصباح. ولما سألها عن حقيقة الأمر اعترفت له بكل شئ. وقالت لا تقوى على حياة الجمود والعزلة وانكار الذات كما وعدت، وبالتالي لا تستطيع الاستمرار في قبول الهبات التي يسبغها عليها مقابل وعد عجزت عن الوفاء به. فغادرها الدوق ومر أسبوع دون أن يراها، ثم عاد إليها في اليوم الثامن، واعدا بألا يعود إلى ازعاجها ولومها مهما كانت الظروف. الفصل الثالث من هنا |
رواية غادة الكاميليا الفصل الثاني 2 بقلم الكسندر دوما
تعليقات
