رواية غادة الكاميليا الفصل الثالث 3 بقلم الكسندر دوما



رواية غادة الكاميليا الفصل الثالث 3 بقلم الكسندر دوما





الفصل الثالث

في اليوم المحدد لبيع الأثاث ذهبت إلى شارع "دانتان" فسمعت صوت "الدلال" واضحا كان المنزل غاصا بالناس وبينهم بعض الغواني وعدد كبير من نساء الطبقة الراقية جئن في الظاهر للشراء. وفي الحقيقة للاجتماع عن كتب بأولئك الغانيات اللاتي يتظاهرن باحتقارهن.. وهن يحسدهن سرا.

رأيت الدوقة "ف" واقفة جنبا إلى جنب مع الآنسة "أ" التي أصبح بيتها كعبة للعشاق.. ورأيت المركيزة "ت" تتردد في ابتياع أداة من أدوات الزينة تنافسها فيها مدام "د. أشهر الزوجات الخائنات في باريس. ورأيت الدوق "س" الذي يعتقد الناس في باريس أنه ينفق كل ثروته على غانيات مدريد.. ويعتقد الناس في مدريد أنه يبعثر أمواله على غانيات باريس.. وهو في الواقع لا ينفق معشار ايراده هنا أو هناك... كان الدوق واقفا يتحدث إلى مدام "هـ" الكاتبة المشهورة.. ويختلس النظرات في ذات الوقت إلى مدام (ن) المرأة الرشيقة التي ابتكرت لثيابها اللون الأزرق السماوي.. ورأيت الآنسة ", " الموسيقية البارعة التي احتلت بمواهبها مكانة دونها المكانة التي نالتها أولئك النبيلات بوفرة أموالهن أو نالتها أولئك الغانيات بوفرة مغامراتهن وقد جاءت بدورها - رغم شدة البرد - لابتياع شئ من مخلفات مرغريت جوتييه وغير هؤلاء وأولئك ممن


لا يتسع المقام لذكرهم. وقد اجتذبتهم جميعا رغم تباين مراكزهم في الهيئة

الاجتماعية شهرة المرأة التي يباع أثاثها بالمزاد العلني.

كانوا جميعا مرحين ممتلئين نشاطا وحيوية.. وعلى الرغم من أن بعضهم كانوا يعرفون مرغريت فإن واحدا منهم لم يذكرها بكلمة واحدة. وانبعث من هنا وهناك رنين الضحكات وارتفع صوت "الدلال" فوق جميع الأصوات وعبثا حاول التجار الذين جاءوا بقصد الشراء حمل الحاضرين على التزام الهدوء والسكينة وفي الواقع.. لم أر في حياتي اجتماعا مختلف العناصر ، شديد الجلبة كذلك الاجتماع، ولم أتمالك نفسي من الشعور بالأسى عندما سمعت دوي الضحكات في ذات الغرفة التي لفظت فيها تلك المخلوقة المسكينة أنفاسها الأخيرة منذ أيام معدودة...

وكان غرضي مجرد التسلية لا الشراء. فذهبت أتأمل وجوه الدائنين

الذين يباع الأثاث لحسابهم، والذين كانت أساريرهم تنبسط كلما بيعت

إحدى القطع بثمن أعلى من الذي قرروه لها .

كانوا جميعا من التجار الشرفاء الذين استثمروا أموالهم في "بغاء" تلك المرأة التعسة وربحوا من التعامل معها أكثر من مائة في المائة. ثم أزعجوها في ساعتها الأخيرة بالمطالبة بديونهم المزعومة. وقد جاءوا الآن بعد موتها لجني ثمار مضاربتهم وتحصيل فائدة أموالهم التي استردوا قيمتها مرارا فما أحكم الاقدمين الذين كانوا ينسبون التجار إلى طبقة اللصوص

بيعت الثياب والحلي وأدوات الزينة بسرعة مدهشة.. ولم يكن في هذه

الأشياء ما يهمني الحصول عليه.. فانتظرت صابرا.. إلى أن صاح الدلال

ها هي نسخة من كتاب "مانون "ليسكو" مجلدة تجليدا أنيقا .. وفي

صفحتها الأولى بضع كلمات والثمن الأساسي عشرة فرنكات.

فقال قائل بعد صمت طويلا

- اثنا عشر فرنكا.

فقلت

- خمسة عشر فرنكا.

ولا أدري لماذا أردت الحصول على هذا الكتاب.. ولعل "الكلمات

التي في صفحته الأولى" هي ما أغرتني بشرائه.

صاح الدلال

- خمسة عشر فرنكا.

فقال الرجل الذي تقدم أولا للشراء:

- ثلاثون فرنكا.

وكان صوت الرجل ينم عن التحدي فقلت:

أربعون

- خمسون

ستون

سبعون

فصحت بعزم

مائة فرنك

فساد صمت عميق. ونظر إلى القوم في فضول ولا شك أن لهجتي قد أقنعت منافسي بأنني مصمم على الحصول على هذا الكتاب مهما كان الثمن.. فأحنى قامته باحترام وقال:

- إنه لك يا سيدي.

وهكذا أصبح الكتاب من حقي، ثم أشفقت أن تسوقني حرارة المنافسة على شئ آخر مثل هذا الاسراف فتركت عنواني للدلال وانصرفت.. دون أن ألقي نظرة أخرى على القوم، لمعرفة مدى التأثير الذي تركه في نفوسهم أقدامي على دفع مائة فرنك ثمنا لكتاب أستطيع ابتياعه من أية مكتبة بمعشار هذا الثمن

وبعد ساعتين أرسلت في طلب الكتاب.. وتصفحته.... ووقع بصري

في الصفحة الأولى على هذا الاهداء مكتوبا بخط أنيق: "مانون تقدم

خضوعها لمرغريت"


وسألت نفسي: ما معنى كلمة "خضوعها؟"

هل رأی مسیو ارمان ديفال أن "مرغريت" تفوق "مانون" في ضروب

الغواية والعبت حتى تقدم إليها مانون فروض الخضوع؟!

أم رأى أنها تفوقها في شدة الحساسية.. ونبل العاطفة. فاستحقت

منها هذا الخضوع؟

كان الافتراض الثاني أقرب إلى الاحتمال .. أما الافتراض الأول فإنه

قحة لا يمكن أن تكون مرغريت سمحت بھا.

وشغلتني شئوني الخاصة عن هذا الموضوع. ورحلت عن باريس. ولكني قرأت كتاب "مانون ليسكو" للمرة الثانية. حتى صار يخيل إلي انني قابلت هذه المرأة شخصيا. وعرفتها حق المعرفة وشعرت بما هنالك من وجوه الشبه بين مصير مانون وخاتمة مرغريت وأحسست بالشفقة. بل والعطف على الفتاة التعسة التي أخذت هذا الكتاب من مخلفاتها.

وقصة مانون - كما وصفها الأب بريفو - هي قصة خالدة لفتاة حسناء. أحبت الشيفالييه دي جريو. ثم كان من ولع الفتاة بمظاهر الترف والنعيم وادقاع الشاب وفقره. ما حمل العاشقين على ابتزاز المال من نبيل فاسق وقع في حبائل مانون ثم شعر النبيل بما هنالك فاستخدم نفوذه حتى أبعد مانون إلى أمريكا. حيث كانت ترسل البغايا والساقطات. وهناك ماتت الفتاة التعسة من شدة البرد والتعب.


قرأت هذه القصة مرارا كما قلت.. ولم أتمالك من المقارنة بين مصير

مانون.. ونهاية مرغريت

لقد ماتت مانون في الصحراء حقا .. ولكنها ماتت بين ذراعي الرجل الذي أحبها بكل كيانه.. فحفر لها الرجل قبرها بيديه.. وأرواه بدموعه.. ثم دفنها .. ودفن قلبه معها. أما ،مرغريت وهي خاطئة ضالة كمانون.. ولعلها اهتدت أخيرا كما اهتدت مانون - فإنها ماتت وسط النعيم.. وفي ذات الغرفة التي كانت هيكلا لفجورها .. ولكنها ماتت وقلبها في صحراء أشد افتقارا واجدابا من الصحراء التي ضمت جثمان مانون. والواقع أن مرغريت كم علمت ممن يعرفونها - لم تجد من يسمعها كلمة عزاء أو ترفية طيلة

الشهرين اللذين قضتهما في فراش المرض قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. وتحولت أفكاري وتأملاتي من ماتون. ومن مرغريت. إلى فتيات أعرفهن.. ومازلت أراهن مسرعات بقلة اكتراث. وهن مغمضات العيون.. وعلى شفاهن ابتسامة.. في الطريق إلى موت محفوف بالتعاسة والوحدة..

فما أشقى أولئك المخلوقات.. إنهن محرومات من الحب والعطف

على السواء.

نحن نشفق على الأعمى الذي لم ير قط ضوء النهار. ونشفق على الاصم الذي لا يسمع قط أنغام الطبيعة .. ونشفق على الأبكم الذي لم يعبر عن احساساته ومشاعره ولكننا ممنوعون - بحكم التقاليد الجائرة

الجوفاء - من أن تشفق على عمى القلب.. وصمم الروح.. وجمود الضمير تلك العاهات التي تذهب بعقول هذه المخلوقات التعسة وتعمي بصائرهن عن الفضائل الانسانية.. وتصم آذانهن عن سماع كلام الله... وتعقل ألسنتهن عن النطق باللغة الطاهرة النقية.. لغة الإيمان والحب الصحيح.

لقد خلق "فيكتور هوجو شخصية ماريون" ديلوم".. وخلق "ديلوم" شخصية (بورتريت).. وتكلم "ديماس" عن (فداندا) ولم يضن المفكرون والشعراء في الأجيال السابقة بالعطف على هذه الطبقة التعسة من النساء. وحدث في كل زمان ومكان أن بعض العظماء ردوا إلى بعضهن سواء السبيل.. بأن أوقفوا عليهن عطفهم ورعايتهم.. بل وأعطوهن كذلك اسماءهم. فعلى الذين يصادفون أولئك السائحات الباسلات أن يبسطوا إليهن يد المساعدة، وأن يذيعوا على الملأ أنهم صادفوهن.. فإنهم بإذاعة هذه الحقيقة يرشدون الأخريات إلى سواء السبيل وليس يكفي أن نضع على طريقي الحياة لوحتين تكتب عليهما (هذا طريق الخير) أو (هذا طريق الشر).. ثم نقول لعابر السبيل "اختر لنفسك ما يحلو" بل يجب أن نهدي العابرين الذين ضلوا وانخدعوا إلى المسالك التي توصل من الطريق الثاني إلى الطريق الأول وأن نعمل بالأخص على تيسير هذه المسالك وإزالة

العقبات منها.

لقد كان السيد المسيح يعطف أشد العطف على النفوس التي جرحتها الشهوات الدنيوية.. وكان يشفي هذه الجروح ببلسم من صديدها.. أفلم يقل لمريم المجدلية سيغفر لك الكثير لأنك أحببت كثيرا"؟ فلماذا نأخذ بتقاليد هذا المجتمع الذي يشتد ويقسو لكي يبدو قويا؟ ولماذا نتنكر لهذه النفوس الدامية التي يمكن تطهيرها من صديد الماضي ولا تحتاج جراحها إلا للمسة واحدة من يد كريمة فتبرأ وتندمل..؟!


الفصل الرابع من هنا 


 

غير معرف
غير معرف
تعليقات