![]() |
رواية غادة الكاميليا (كامله جميع الفصول) بقلم الكسندر دوماأثناء سيري اليومي المعتاد في شارع لافيت استوقفتني لوحة كبيرة تحمل اعلانا عن مزاد علني لبيع قطع أثاث ثمين نادر. لم يذكر الإعلان اسم صاحب الأثاث ذكر فقط أن البيع سيبدأ في يوم ١٦ من ذلك الشهر. بالمنزل رقم ٩ بشارع دانتان وأن راغب الشراء يستطيع معاينة الأثاث خلال يومي ١٣ و ١٤ ولأنني من هواة الأثاث الثمين النادر قررت ألا أضيع الفرصة، إن لم يكن للشراء فللمشاهدة على الأقل، فتوجهت في صباح اليوم التالي إلى العنوان المذكور، فوجدت المنزل حافلا بالزائرين على الرغم من أن الوقت كان مبكرا ... كانت ثيابهم الثمينة ومظاهر النعمة البادية عليهم والمركبات الفخمة التي تنتظرهم في الخارج.. كل ذلك كان يدل على أنهم من ذوي اليسار، ولكنهم مع ذلك كانوا ينظرون في كثير من الدهشة والإعجاب والاهتمام إلى ما يحيط بهم في ذلك المنزل من أسباب الرفاهية، ومظاهر الترف... ولم ألبث أن كشفت سر هذه الدهشة وهذا الاهتمام، فقد فطنت بعد جولة قصيرة بين الغرف إلى أن المنزل كان لإحدى الغانيات الفاتنات ذوات المكانة البارزة في عالم اللهو والعبث ممن يعشن في كنف واحد أو أكثر من النبلاء الأثرياء الذين ليست لهم بأولئك الفاتنات صلة الزوج أو الأب أو الأخ. ولا شك أنه إذا كان في الوجود شئ تتحرق نساء الطبقة الراقية شوقا إلى معرفته، وشهوده، فهو ذلك الجو الخاص والنظام الداخلي في منازل أولئك الغانيات اللائي ينافسنهن في مظاهر الترف والرفاهية... ويناز عنهن الاسبقية في ميدان الأزياء والأولوية في صدر المجتمع ويشغلن مثلهن المقصورات البارزة في دار الأوبرا وسائر المسارح. ويبهرن باريس بجمالهن الجرى.. وحديث فتنتهن ومكائدهن ومغامراتهن. وكانت الغانية التي نحن في منزلها قد توفيت فلا جناح إذن على المرأة الشريفة أن تدخل بيتها وتنفذ إلى صميم مخدعها دون خوف أو وجل لأن الموت ظهر ذلك المخدع الذي كان عشا للغرام ووكرا للرذيلة والاثم وإذا كان لابد من مبرر آخر لوجود النبيلات الشريفات في ذلك الوكر فهو ذلك الاثاث الثمين الذي يباع بالمزاد العلني. والذي يستطيع كل انسان أن يراه ويبتاعه، دون أن يكون لزاما عليه أن يعرف صاحبه. وإذن لم يكن عجيبا أن تمتلى قاعات المنزل بسيدات الطبقة الراقية فطبيعي أنهن قرأن الاعلان وطبيعن أنهن أردن شهود قطع الأثاث واختيار ما يروقهن منها تمهيدا لابتياعها. كل ذلك طبيعي لا عجب فيه ولكن ليس ثمة ما يمنع أولئك النبيلات الشريفات من إشباع غريزة الفضول التي تعتمل في نفوسهن.. والبحث هنا وهناك وسط مظاهر الترف والنعيم التي يرينها حولهن عن شئ من أسرار فتنة تلك الغانية التي سمعن عنها كثيرا، وتخيلن عنها أكثر مما سمعن ولكن من سوء الحظ أن هذه الأسرار قد ذهبت مع ربة الهيكل ولم يبق إلا ما قضى الموت بعرضه للبيع والشراء وما أندر وما أثمن ما كان معروضا... من أثاث منقطع النظير، وآنية ،بديعة، وتماثيل صغيرة وملابس وحلي. أخذت أنتقل بين الغرف في أثر النبيلات الفضوليات اللائي سبقنني .. ونفذت السيدات إلى غرفة يتدلى على بابها ستار ثمين، فهممت بالدخول في أثرهن، ولكنهن خرجن فجأة، وعلى شفاههن ابتسامة غامضة.. وكان ما شهدنه في تلك الغرفة قد خدش ما يزعمنه لأنفسهن من الحياء والاحتشام... وأثار ذلك فضولي فدخلت الغرفة. كانت غرفة ثياب الغانية التي اخترمها الموت.. وكل ما فيها ينطق بالنعيم الذي كانت ترفل فيها صاحبتها .. رأيت بالقرب من أحد الجدران طاولة كبيرة قد رتب فوقها كنز من أدوات الزينة.. وكلها من الذهب والفضة... وكان من الواضح أن هذه الأدوات قد جمعت بالتدريج فهي ليست هدية عاشق واحد ولما لم يكن ثمة غضاضة في أن أفحص أدوات امرأة ذات سمعة معينة، فإنني ما لبثت أن اكتشفت أن كل أداة من هذه الأدوات الثمينة تحمل اسما وشعارا مختلفين.. نظرت إلى هذه الأدوات التي تمثل كل منها إحدى مغامرات تلك الغانية التعسة.. وقلت لنفسي إن السماء ولا شك قد ترفقت بهذه الفتاة المسكينة، فلم تمد في أجلها وتبسط في أيامها حتى تستوفي العقوبة العادية التي يفرضها الإثم على الخاطئات أمثالها .. بل سمحت لها أن تموت وسط مظاهر النعيم، وفي عنفوان مجدها وجمالها وشبابها.. قبل أن تدركها الشيخوخة التي هي الموتة المريرة الأولى لجميع الغانيات... والواقع أنه ليس هناك ما يدعو إلى الرثاء والاشفاق كشيخوخة الاثم ولاسيما في النساء، فالخاطئة المتقدمة في السن لا تفخر بكرامة، ولا تثير اهتماما .. فهي فيما بقي من أيامها نهبة الحسرة والندم على ما فرط من اعوجاجها، وفساد تقديرها .. وسوء تصرفها فيما انتهى إليها من مآل عن طريق الاثم.... وقد عرفت في وقت ما عجوزا من هذا الطراز لم يبق لها من ماضيها غير ابنة تستمتع بمثل ما كان لها من جمال وفتنة ولم تقل العجوز للفتاة "أنت ابنتي" إلا لتلتمس لشيخوختها مثل المساعدة التي بذلتها للفتاة في طفولتها.. وكانت الفتاة المسكينة - واسمها لويزا - طيعة لأمها، فانقادت الحياة البغاء التي روضتها عليها، كما كان يمكن أن تنقاد لو روضت على أية حياة أخرى. وقتلت حياة الاثم في نفس الفتاة فضيلة التمييز بين الطيب والخبيث. ولست أنسى ما حييت منظر هذه المسكينة وهي تتجول في الشوارع في ساعات معينة، وأمها ترافقها، كما ترافق الأم الشريفة ابنتها، ولكن مع اختلاف الاعراض وكنت في ذلك العهد في مقتبل العمر، وعلى استعداد لقبول نواميس المجتمع على حالها، ولكنني أذكر بأنني لم أتمالك من الشعور بالامتعاض والاشمئزاز لهذا الاستغلال الاثيم لأقدس الصلات الانسانية... يضاف إلى ذلك، أنني لم أر قط على وجه أطهر فتاة عذراء ما كنت أرى على وجه هذه الفتاة التعسة من مظاهر السذاجة والبساطة وشدة الاحتمال .... والظاهر أن العناية الالهية كانت لا تزال تضمر لهذه الخاطئة المسكينة نوعا من السعادة فقد اكتشفت الفتاة في أحد الأيام أنها ستصبح أما .. واستحال كل ما بقى نبيلا وطاهرا في طبيعتها إلى غبطة لا توصف، وأصبح الجنين الذي يتحرك في أحشائها هو الملجأ الوحيد الذي تفزع إليه روحها المعذبة.. وتجد فيه السلوى والعزاء... وكشفت الفتاة لأمها عن سرها... وما حدث بعد ذلك بخجل ..سرده وربما كان من الأفضل ألا نسرده، لو أننا نعتقد بأنه من الخير في بعض الأحيان أن نميط اللثام عن ضروب الشقاء والتعاسة التي تعانيها هذه المخلوقات البائسات اللاتي نحكم عليهن دون أن نسمع دفاعهن. ونحتقرهن دون أن نتغلغل في حياتهن.. قالت الأم لابنتها كلاما يحمر له وجه الأمومة، قالت لها أنهما لا يجدان قوت يومهما، فكيف إذا جاءهما ثالث وبعد.. فما فائدة الأطفال؟... أفليس الاحتفاظ بالجنين مضيعة للوقت..؟ وفي اليوم التالي جاءتها بعجوز تعرفها، فقضت العجوز مع (لويزا) ساعة أو بعض ساعة... ولزمت (لويزا) فراشها بضعة أيام.. ثم عادت إلى الشوارع ضعيفة شاحبة... وبعد ثلاثة شهور تقريبا عرف بعض الخيرين بهذه القصة المحزنة فأخذته الشفقة بالفتاة وقرر أن يعني بها. وإن يرد إليها الصحة ويردها إلى سواء السبيل.. ولكن ما استهدفت له الفتاة قبل ثلاثة شهور كان قد أثر على صحتها .. فلزمت الفراش بضعة أسابيع. ثم قضت نحبها. أما الأم.. فلا تزال حية ترزق.. ولكن كيف؟ ذلك ما لا يعلمه إلا الله عادت هذه القصة إلى ذاكرتي وأنا أتأمل أدوات الزينة.. ولابد أنني استغرقت في التفكير وقتا طويلا، لأنني عندما أفقت من ذهولي وجدتني وحيدا في الغرفة وليس معي إلا أحد الرجال المكلفين بحراسة الامتعة. وكان الرجل ينظر إلي خلسة. ويرمقني بين الفينة والفينة بعين الحذر والريبة.. فدونوت منه. وسألته: هل لك يا سيدي أن تذكر لي اسم الشخص الذي كان يقيم في هذا المنزل؟ فأجاب: - هذا بيت الآنسة مرغريت جوتييه وكنت قد رأيت هذه الفتاة مرارا فهتفت - ماذا تقول؟ هل ماتت مرغريت جوتييه؟ نعم.. منذ ثلاثة أسابيع. ولماذا فتح بيتها لكل عابر سبيل؟ ذلك لأن الدائنين يعتقدون أن هذه هي أفضل وسيلة للحصول على أضخم ثمن لا متعتها ومخلفاتها والواقع أن عرض الأمتعة في مكانها الطبيعي وسط هذه المظاهر الخلابة.. من شأنه أن يضاعف اقبال المشترين. - الدائنون وإذن فقد كانت مدينة! - نعم .. .. كانت مدينة بمبالغ طائلة... - وهل يكفي ثمن أمتعتها لسداد ديونها؟. بل يكفي ويزيد على قيمة الديون. - وإلى من تؤول الزيادة؟ إلى أسرتها. - وإذن فلها أسرة؟ - أظن ذلك. فشكرت الرجل لأدبه.. وزالت شكوكه في نواياي فحياني باحترام. وانصرفت. مسكينة تلك الفتاة لابد أنها ماتت موتة محزنة.. فإن مثيلاتها لا يستمتعن بصداقة الأصدقاء إلا بشروط.. أهمها الصحة والجمال امتلات بالشفقة على مرغريت جوتييه. وقد يبدو ذلك للكثيرين غريبا. ولكني في الواقع أشفق على هذا النوع من النساء فذات يوم رأيت شرطيين يقودان فتاة إلى قسم الشرطة. لا أعلم ماذا جنت؟ كل ما أعلمه أنني رأيتها تبكي.. وتقبل طفلة صغيرة يوشك اعتقالها أن يفرق بينهما. ومن المحتمل أن تكون قد اقترفت اثما.. ولكن شعرت أنها تحمل في أعماق نفسها أنبل عواطف الأمومة. فقررت من يومها ألا أصدر حكمي على أولئك النساء اعتمادا على المظاهر. الفصل الثاني من هنا |
رواية غادة الكاميليا(كامله جميع الفصول) بقلم الكسندردوما
تعليقات
