رواية قلوب الاحبه لا تتفرق الفصل السابع بقلم جاسمين محمد
تاني يوم الصبح.. الشمس طلعت بنورها الجديد، والبيت عند آسر كان مقلوب رأس عقب، حالة من الاستنفار التام والكل بيتحرك يمين وشمال بيستعدوا لليوم المنتظر اللي هيتكتب فيه عمر جديد. آسر كان واقف قدام المراية الكبيرة في أوضته، لابس طقم شيك جداً عبارة عن قميص وبنطلون متفصلين عليه بالملي، واقف بيبتسم ويهندم في شعره بعناية، وعيونه فيها لمعة فرحة وأمل غابت عن ملامحه من يوم الحادثة المشئومة.
رحمة أخته دخلت عليه الأوضة وهي شايلا فستان وبتبتسم من كل قلبها وسقفت بإيديها:
ـ "إيه الشياكة والحلاوة دي يا عريس؟ يا واد يا جامد، ده أنت ناوي تولع الدنيا وتخطف الأنظار النهاردة بروعتك دي!"
آسر التفت ليها وابتسم ابتسامة عريضة وثابتة كلها ثقة، ومسك إيدها:
ـ "النهاردة مش يوم عادي في تاريخ حياتي يا رحمة، النهاردة يوم استرداد كرامتي اللي اتداست، ويوم رجوع حبي الحقيقي لآسية. مش عايز أي غلطة تفوتنا، عايز كل حاجة تكون كاملة ومثالية وتليق بملكتي."
نزلوا كلهم ومعاهم طنط أماني اللي كانت عيونها مدمعة وهي بتبص لابنها وبتدعي له من قلبها وبصوت واطي بالستر والتوفيق وبقلب مطمئن. ووصلوا لبيت عم خالد. البيت كان مترتب ومتزين بأجمل شكل، وعم خالد وخالتها كانوا واقفين في الاستقبال بابتسامة ممزوجة بشوية خوف وقلق من تقلبات الظروف، لكن بمجرد ما رجل آسر خطت العتبة وشافوا نظراته اللي بتنطق بالحب الصافي والندم الصادق، كل الخوف ده داب واطمئنوا تماماً.
في الأوقات دي، كانت آسية قاعدة في أوضتها، قلبها عمال يدق ويسابق الزمن زي الطبل، حاسة إنها عايشة في حلم ومرعوبة تصحى منه. وفجأة سمعت صوت آسر من بره وهو بيتكلم وبيرحب ب باباها، صوت الرجولة والأمان والشهامة اللي كان وحشها بجد.. الصوت اللي بيحسسها إنها محمية من الدنيا كلها.
أخدت نفس عميق ودخلت الصالة، كانت لابسة فستان بسيط ورقيق جداً بلون هادي، وشها كان منور وزي البدر رغم كل الحزن والكسرة اللي شافتهم الفترة اللي فاتت. أول ما عينيها جت في عين آسر، الزمن وقف، والعالم كله بكل ناسه وضوضائه حواليهم اختفى ومبقاش في القاعة غيرهم هما الاتنين.
آسر أول ما شافها قام وقف علطول، وقرب منها بكل أدب واحترام، ومسك كف إيدها الرقيق وباسه بحنو قدام الكل ومن غير ما يهمه حد:
ـ "آسية.. أنا عارف وواثق إني كنت غايب عن الدنيا وواقف في مكان ضلمة، بس وحق عيونك دي، قلبي عمره ما غاب عنك ولا نسيكي لحظة واحدة. أنا جيت النهاردة بيت عمي، مش بس عشان أقدم اعتذاري وأتأسف على اللي فات.. أنا جيت عشان أطلبك من تاني، وأوعدك قدام ربنا وقدام الكل هنا، إني هكون السند والضهر اللي عمره ما يميل، والحب الأبدي اللي عمره ما ينقص ولا يقل دقة واحدة."
الدموع لمعت وتألق في عين آسية وزاد وشها جمال، وهزت رأسها بالموافقة وهي مش قادرة تتكلم من كتر الفرحة اللي لجمت لسانها. الجو في الصالة كان مشحون بالمشاعر الإنسانية الصادقة، لدرجة إن طنط أماني وخالتها بكوا من الفرحة والـتأثر بالمنظر ده. وفجأة، وبدون أي مقدمات، آسر بص لعم خالد بكل حسم:
ـ "يا عمي، أنا مش عايز أضيع ثانية واحدة من عمرنا في البعد.. أنا عايز نحدد ميعاد كتب الكتاب والفرح فوراً، وعايز أعوض آسية في بيتي عن كل دقيقة وجع وخوف عاشتها بسببي."
وفجأة في وسط الكلام، رن موبايل آسر بنغمة عالية.. بص في الشاشة لقى رقم غريب ومش مسجل، آسر استغرب وضيق عينيه ورد بحدة وصوت رجولي قوي:
ـ "أيوة؟ مين معايا؟"
جاله من الناحية التانية صوت "حور" اللي كان مليان خبث وبيتقطر سم وغل، وكان باين من صوتها إنها بتعيط وبتشهق بتمثيل متقن ومفضوح:
ـ "آسر.. حبيبي أرجوك اسمعني.. أنا عارفة إنك عرفت كل حاجة وفهمت غلط، بس صدقني، عمر هو السبب في كل حاجة! عمر هو اللي أجبرني وعمل الفيديوهات دي وهو اللي هددني ودمرني! أرجوك يا آسر، لازم نتقابل فوراً وبسرعة، عندي حاجات وأسرار مصيرية لازم تعرفها عن عمر، حاجات هتخليك تندم طول عمرك لو مسمعتهاش مني دلوقتي!"
آسر ملامحه اتغيرت وضيق عينيه بغضب عارم وعروق رقبته برزت، وبص لآسية اللي كانت واقفة جمبه وقريبة منه لدرجة إنها كانت سامعة طشاش من صوت المكالمة وظهر عليها التوتر والخوف. آسر جز على سنانه وقفل التليفون في وش حور بقوة وبدون ما يدير لها أي اهتمام، وبص لآسية وحضن إيديها وقال بنبرة قوية تطمن بلد:
ـ "دي الحية حور.. بتحاول بدموع التماسيح بتاعتها إنها توقع بيني وبينك من تاني، وبتحاول تبرر موقفها الزبالة وترمي التهمة كلها على عمر عشان تطلع هي البريئة وتكسب وقت."
آسية الخوف اتسلل لقلبها تاني وقالت بنبرة مرعوبة:
"آسر.. أرجوك بلاش تتورط معاهم تاني، الناس دول معندهمش قلب ولا ضمير وكفاية أوي اللي حصلنا بسببهم لحد كدا."
آسر مسك إيدها بقوة وضغط عليها بحنية وقال وعيونه بتلمع بتحدي وذكاء:
"متخافيش يا قلب آسر وعمره.. المرة دي مش زي أي مرة، المرة دي هتبقى هي النهاية السودة ليهم هما الاتنين، وهما اللي هيدفعوا تمن جرحك وغياب وعيي تمن غالي أوي ومن دمهم.".
وفي اللحظة دي، كل اللي قاعدين في الصالة حسوا إن فيه عاصفة جديدة قوية هتبدأ في الأفق، بس الفرق المرة دي.. إن آسر وآسية واقفين في ضهر بعض، ومستعدين يواجهوا أي حاجة سوا.. بس يا ترى حور وعمر هيسكتوا على كدا؟ ولا الشر اللي في قلوبهم هيخليهم يخططوا لكارثة جديدة تضيع كل حاجة؟
لجميع الفصول من هنا