رواية قلوب الاحبه لا تتفرق الفصل السادس بقلم جاسمين محمد
الهدوء كان مالي المكان في اللحظة دي، كان أرعب وأتقل على النفس، السكون كان مريب، كأنه هدوء ما قبل العاصفة.. وفجأة، الباب اتفتح بكل قوة، ووقف آسر على العتبة.
آسية انتفضت من مكانها بذهول، وجسمها كله اترعش وعينيها كانت مبرقة وهي بتبص له. آسر كان واقف قدامها زي الأسد الجريح، عيونه بتطق شرار حامي، وملامحه اللي كانت دايماً تايهة وغايبة عن الدنيا، بقت في ثانية واحدة مليانة قوة وغضب وعزيمة، كأنه استرد كل هيبته ورجولته وشخصيته الحقيقية في غمضة عين!
عمر وقف مكانه متجمد، الدم اتجمد في عروقه والابتسامة اللئيمة الخبيثة اللي كانت مرسومة على وشه اتبخرت في الهوا. حاول يلملم شتات نفسه ويداري ارتباكه الفاضح بضحكة صفرا مهزوزة وقال وهو بيبتلع ريقه بصعوبة:
ـ "آسر؟ إيه يا بطل.. في إيه مالك داخل كدا ليه؟ خضيتنا يا راجل! وبعدين إيه الكلمة الغريبة اللي قولتها بره دي.. "مراتي"؟ أنت ناسي إنك كنت غايب عن الدنيا والوعي ولا إيه؟ آسية خلاص مبقتش ملكك يا آسر، والكل أصلاً عارف إنك كنت ناسيها وشارب من كأس النسيان، ومبقتش فاكر أي حاجة تخصها من الأساس!"
آسر مكنش مدي أي اهتمام لكلام عمر، ولا كأن الراجل واقف بيتكلم أصلاً. عيونه كانت متثبتة وموجّهة بكل عاطفتها وجنونها على آسية.. آسية اللي كانت بتبص له بدموع محبوسة في مآقيها، دموع ممتزجة بين صدمة رجوعه غير المتوقعة، وبين وجع الجراح القديمة اللي لسه بتنزف.
آسر مشي ناحيتها بخطوات تقيلة، رصينة، وموزونة بالمسطرة. عمر حس بالخطر وحاول يقرب عشان يقف في النص ويمنعه، بس آسر لف وشه وبصله بنظرة واحدة بس.. نظرة حادة وباردة زي حد السيف، خلت عمر يرجع لورا خطوتين لورا تلقائي وكأنه اتكهرب من غير ما ينطق حرف تاني.
آسر رجع بص لآسية، وتجاهل وجود عمر تماماً وكأنه هوا، واتكلم بصوت مبحوح ومليان ندم وتأثر هز أركان الأوضة:
ـ "كان لازم أجيلك يا آسية.. كان لازم أكون هنا قبل الشمس ما تطلع وأنا مسافر.. لإن السفر والبعد عنك من النهاردة كان هيبقى هو موتي الحقيقي اللي مش هقوم منه تاني."
آسية نزلت دموعها غصب عنها، وبصت له بعيون مليانة عتاب وكسرة قلب وقالت بصوت مهزوز:
ـ "جيت ليه دلوقتي يا آسر؟ جيت عشان تكسر فيا حتة كمان؟ ولا جيت عشان تتأكد بنفسك إن حبيبتك القديمة "حور" سابتلي المجال وقالتلك روح ل بنت خالك؟ أنت نسيتني يا آسر.. نسيت كل ليلة وكل وعد بينا، وكلمة "بنت خالي" اللي قذفتها في وشي وأنت في المستشفى، لسه عايشة جوة قلبي وبتقتلني في كل ثانية بتعدي عليا لحد اللحظة دي!"
آسر اتنهد بعمق وطالع من حشا جوفه، وقرب منها خطوة كمان لدرجة إنها بقت سامعة دقات قلبه السريعة. إيده كانت بتمتد وبتترعش وهي بتحاول تلمس كف إيدها، بس تراجع في اللحظة الأخيرة احتراماً لزعلها، وقال ب نبرة صدق تذوب الصخر:
ـ "أنا آسف.. أنا عارف إن كلمة آسف مش هتشفي جرحك، أنا مش بس نسيت يا آسية، أنا كنت تايه ومسجون في ضلمة مالهاش آخر، والناس الحاقدة اللي حواليا كانوا بيحاولوا بكل الطرق يطمسوا الحقيقة ويعموا عيوني. بس أقسم لك بالله يا آسية.. صوتك كان دايماً بيرن في ودني وفي عقلي الباطن زي الترانيم، كان هو الحبل السري الوحيد اللي رابطني بالدنيا ومخليني أتنفس.. رحمة اختي حكت لي كل حاجة، شفت الصور المفبركة، وشفت الفيديو، وفهمت اللعبة القذرة الواطية اللي اتلعبت عليا وعليكي عشان يهدوا بيتنا."
عمر هنا حس إن السكينة سرقته وإن نهايته قربت، ف انفر من الغيظ وحاول يستجمع بقايا شجاعته المزيفة وزعق:
ـ "أنت بتهرف وبتقول إيه يا آسر؟ صور وفيديوهات إيه اللي بتتكلم عنها؟ أنت شكلك لسه مأثر بالحادثة ومخك لسع ومش مظبوط.. اخرج برة!"
آسر لف لـ عمر في أقل من ثانية، وفجأة هجم عليه زي الإعصار ومسكه من ياقة قميصه بكل عزم قوته، ورفعه لفوق لدرجة إن عمر خبط في الحيطة ورا منه وضهره اترزع جامد. آسر قرب وشه منه وصرخ فيه بفحيح مرعب:
ـ "أخرس خالص يا عمر.. أخرس واقطع لسانك، عشان لو نطقت اسم "آسية" على لسانك القذر ده تاني، أو مجرد فكرت تقرب من عتبة بيتها، أنا اللي هنهي حياتك بإيدي دي.. حياتك اللي بتمثل فيها دور "السند والمنقذ البطل". أنا عرفت كل حاجة عنك، وعرفت دورك القذر أنت وحور في اللعبة دي.. والشرطة والمحاكم من النهاردة هي اللي هتحاسبك على كل صورة وتزوير ولعب في الأعراض عملته عشان تفرق بيني وبين مراتي."
عمر في اللحظة دي وشه بقى أبيض زي الملاية الفاضية، وحس إن الأرض بتدور بيه وسيطر عليه رعب حقيقي، ملقاش قدامه أي حل ينقذه غير إنه يفك إيد آسر بصعوبة ويجري يخرج من الأوضة ومن البيت كله وهو بيجر أذيال الخيبة، والغل والندم بياكلوا في قلبه.
آسر استنى لحد ما المكان هدي تماماً، ولف وبص لـ آسية اللي كانت قاعدة بتعيط بصوت مكتوم وجسمها كله بيترعش. قرب منها بكل حنان الدنيا، وقعد قدامها على حرف السرير، ورفع عيونه وبص في عينيها بعمق ولهفة:
ـ "آسية.. أنا عارف ومقر إني أذنبت في حقك كتير، وعارف إن غياب الذاكرة مش عذر كافي يشفع لي الوجع اللي عيشتيه، بس والي خلقني وخلقك، قلبي عمره ما نسي دقة واحدة كانت بتدق باسمك. أنا راجعلك يا سو، ومستعد أحارب الكون والجهاد كله عشان أرجع ثقتك فيا من تاني.. أنا آسر بتاعك، اللي بيحبك وميت فيكي، ومستحيل يسيبك لغيره حتى لو اضطريت أبدأ حياتي معاكي من الصفر وأبني الطوبة فوق الطوبة من جديد."
آسية حطت إيديها الاتنين على وشها، والدموع كانت بتنزل من بين صوابعها زي الشلال الغزير، قلبها كان بيتقطع في صراع رهيب بين حبها القديم اللي متجذر في روحها، وبين الخوف القاتل من إنه ينسى تاني ويرجع يعيد الكابوس.
آسر ببطء شديد وبكل رقة، مد صابعه ومسح دموعها النازلة على خدها، وأول ما لمس بشرتها حسوا هما الاتنين بكهرباء سارية في جسمهم صحت كل الذكريات. آسية رفعت عينيها وبصت في عمق عيونه، ولأول مرة من شهور تحس بالأمان الفعلي، وتحس إن آسر "آسرها وحبيبها" رجع لها بجد.
آسية قالت بصوت واطي ومبحوح من كتر العياط:
ـ "خايفة يا آسر.. خايفة أصدقك وأتعلق بيك تاني، وتيجي الحقيقة أو حادثة تانية تكسرني وتضيعك مني."
آسر مسك إيدها الإثنين بين كفوفه وباسهم بلهفة وشغف:
ـ "مش هيحصل تاني أبداً.. أوعدك بدمي وعمري. بكرا الصبح، أنا هاجي هنا أنا وأمي وأختي ومعانا كل الترتيبات، وهطلب إيدك من عمي خالد رسمي وعملي تاني، وهنعمل الفرح اللي حلمنا بيه طول عمرنا، وهنبدأ حياة نظيفة مفيهاش مكان لـ حور ولا لعمر ولا لأي حد مريض.. موافقة يا آسية تديني الفرصة الأخيرة دي؟
آسية بصت في عيون آسر، شافت فيهم الصدق واللمعة القديمة اللي كانت بتدور عليها في كل مكان، هزت رأسها ببطء مع ابتسامة خفيفة وصافية طلعت من وسط الوجع اللي بدأ يشفى ويتلاشى.
آسر وقف وفرحة الدنيا مش سايعاه، وبص لها نظرة أخيرة كلها حب وهو بيودعها عشان ينزل يجهز لكل حاجة:
ـ "بكرة الصبح يا قلب آسر.. بكرة كل حاجة هترجع لمكانها الصح والعدل."
وخرج آسر من الأوضة ومن البيت، وساب خالتها وعم خالد في حالة من الذهول والصدمة من التحول ده، بس آسر كان جواه نار تانية قايدة.. نار الانتقام من اللي حاولوا يسرقوا منه حب عمره، ونار العشق اللي ولعت من جديد وبقوة تهد جبال.
لجميع الفصول من هنا