رواية في حب الالماس التقينا الفصل السادس 6 بقلم نورهان ناصر




رواية في حب الالماس التقينا الفصل السادس 6 بقلم نورهان ناصر 







 •الحلقة السادسة • بقلمي نورهان ناصر• في حب الألماس التقينا•

نقل عينيه بينها وبين الطائرة المستمرة في إطلاق الطلقات عليهم بعشوائية ،وقلبه يكاد يهوي أرضًا من الخوف، صرخ بأعلى صوته يحثها على النزول إلى البحر ، ولكنها نهضت فجأة ؛لتستقر إحدى الطلقات بها مصيبة إياها من الخلف ،في لحظة وصوله إلى الصخرة ، لم يفكر في أي شيء سواها ، لا في تلك الطلقات النارية النازلة من السماء كالبرق ، تفتك بمن يتحداها ، ولا في حياته ولا أي شيء سواها .

صعد إلى الصخرة متعثرًا، وكادت تصيبه إحداها ، فنهض مكملاً، عازمًا على الوصول إليها مهما كلفه الثمن ، صدحت ضحكاتها المرحه داخل عقله فجأة ، مبتلعة أصوات تلك النيازك السامة ، ابتسم من بين دموعه وهو يراها تتهادى أمامه بضعف، قبل دقائق فقط كانا يضحكان بمرح والبسمة تعانق شفتيها .

نظرت إليه مبتسمة بألم ،عينيها تبوحان بأشياء ترجمها الفؤاد سريعًا، أغمضت عيناها مستسلمة ، تلقفها بيديه سريعًا ، يخفيها بين أحضانه صارخاً باسمها بهلع :
- لييييييييل .

شعر بثقلها وانزلاق يدها في الهواء ، مرت ثوانٍ يفكر مع نفسه وهو يغمض عينيه:
- لو اخدتها ونزلنا البحر هحميها من الطلقات بس هتموت مني مش هتعرف تتنفس وهي فاقدة الوعي لو فضلنا وقت طويل ،بس ده أفضل الشرين في الوقت الراهن .

نظر حوله كان البحر قد هاج والمياه أخذت تتقاذف مصطدمة بالصخرة بقوة وتلك الرصاصات يزداد صوتها من حولهم ، وضع يده سريعاً حول ظهرها وسرت قشعريرة بجسده بل اهتز قلبه في داخله عندما شعر بدمائها على يديه فضمها إلى صدره بقوة وأخذ يسير بحذر بينما ليل رمت بثقل جسدها عليه تحامل على عرج قدمه وهو يسير بها ينوي القفز في الماء ليس أمامه حل آخر إلا أن اهتزاز الصخرة المفاجئ جعله يترنح في وقفته وكادت يده تُفلتها إلا أنه لف يده حولها بقوة ، نظر بتشتت من حوله البحر واسع وليس هناك مكان يحتمي به من تلك الطلقات اخترقت رصاصة خصره الأيمن كتم ألمه وضمها إليه مالت رأسها للخلف فـ بكا كريم وجثى على الصخرة التي طفت المياه عليها واهتدى عقله إلى فكرة هي الأفضل رغم مخاطرها ،فسطحها أرضًا بحذر شديد ، وجعل من جسده ساترًا لها يحميها ، أخفاها أسفله ، ذراعيه تحاوطان رأسها ، مستقبلاً تلك الطلقات براحبة صدر .






..........
وعلى بعد كم أمتار في السماء كان محمود يصرخ بانفعال عندما وقع الاثنان على الأرض :
- ليييييل لااااااااااااا .

تمتم رئيس الوزراء يناشد الرحمن :
- يارب ، سلم ، يارب .

وقع المنظار من يده ، التقطه هو بسرعة ناظرا إليهم بصدمه ، وهو يرى ابنه يحمي ليل بجسده ، صرخ فجأة بنبرة مهتاجة :
- ابني ، كريييييم .

صرخ محمود بانفعال في الطيار :
- انت لسه واقف هنا ليه ؟ قرب عندهم بسرعه .

هتف معترضًا بحزن :
- مقدرش يا محمود ، اخاطر بحياة رئيس الوزراء ...

قاطعه قائلا بنبرة باكيه مهزوزة وهو ينظر إليه مستنكرا :
- حياة إيه ؟ وابني هيموت قدامي ، معنديش غيره يارب ، يارب أنا راضي أقسم بالله راضي ، بس ده أغلى ما عندي ، أرجوك يا ربي متختبرش صبري بيه ، لأ اخ ولا أخت ولا أم ولا أي حاجه ورضيت بقضاءك ، بس ده ابني احميه يا رب ، مش بعد ما وصلتله هنا .

اتجه إليه محمود بوجه مشتعل وعينان محمرتان بشدة هاتفًا بجمود :
- وقف الطيارة دي بقولك .

هتف أحد ضباط المخابرات والمسؤول عن أمن رئيس الوزراء والذي كان يلتزم الصمت ، بينما ينظر إلى ذاك الشيء الذي يشبه الطائرة الصغيرة ، يقذف الطلقات بلا هوادة :
- يا محمود اصبر ، لو قربنا خطوه منهم البتاع ده هينسفنا كلنا ، أنت مش شايف بيضرب النار إزاي ؟.

بكى رئيس الوزراء وسجد على أرضية الطائرة قائلا بنبرة ترجي :
- يارب احميهم يارب ، كريم ابني الوحيد ، سندي بعدك يارب . 

أخذ الضابط يراقب الوضع بدقة متناهية، وحنكة رجل المخابرات هاتفًا بنبرة هادئة:
- انا درست الموقف المحرك بتاع الطياره لو قدرنا نوقفه هتقف وبكدا نقدر نقرب ...

هتف محمود منزعجًا يقاطعه :
- وأنا لسه هستنى سيادتك .

اتجه إلى الباب ينوي القفز ، فأمسك به الضابط هاتفًا بنبرة متهكمه :
- انت دايما بصلتك محروقه كدا ، أنا قناص يابني أهدى علشان نعرف نتصرف .

أخرج معداته وأداة القنص الخاصة به ، ثم سلط عينيه على تلك الآلة مركزًا ،حتى تمكن من إصابتها عدة طلقات ، أدت إلى اشتعال محركها ، لتنفجر وفور أن رأى محمود انفجارها ، ما كاد يتفوه بحرف حتى أخذ الطيار في وضع الهبوط .

.........

•قبل خمس دقائق•

تعلقت عينيه عليها ، استمع إلى صوت تنفسها متمتمًا بخفوت، بينما يمسك بوجهها بين يديه ، هتف بنبرة منخفضة ضعيفه :
- انتي لسه معايا ؟ ، ليل اوعي تسبيني خليك متماسكه ، هنعدي كل ده مع بعض ، هنخرج من هنا إيدي في إيدك ، إنتي مش ضعيفة إنتي اشجع بنت شوفتها في حياتى وأمهر غواصة ، أوعي تستسلمي ، إنتي متعرفيش الاستسلام أصلا و عنيدة وقوية، لسه قدامك تحدي كبير وأنا مش هتساهل معاكي ، مش هستحمل خسارتك إنتي كمان .

صمت فجأة عندما شعر بتلك الحيه تخترق جسده مصيبة إياه بأعلى كتفه من الخلف فأسند رأسه على جبهتها مرت ثوانٍ ثم هتف بنبرة باكيه :
- فتحي عيونك ، مش هرخم عليك تاني – صمت لثوانٍ ثم تابع بخفوت وألم شديد – موعدكيش الصراحه ههه انتي عارفه إني بحبها يا ليل بس هحاول علشانك ، لو هتمشي هاجي معاكي ، يانعيش سوا يا نموت مع بعض ده اللي شوفته في عينيكي لما اترجيتيني ألبس البدلة علشان نخرج قبل ما ننسحب للدوامة .. 

فجأة دوى صوت إنفجار هائل ، تزامن معه نزول الغيث من السماء ؛ ليمحو أوجاعهم هاتفًا بأن الفرج قريب. 

فتحت ليل عينيها ببطء تنظر إليه مبتسمة بألم هاتفة بنبرة ضعيفه :
- كريم أنت هنا ؟ رجعت ليه ؟. 

ابتسم ملء شفتيه ، ناظرا داخل عينيها بعمق هاتفًا بنبرة عابثه يشوبها الضعف :
- ايوه أنا معاكِ مش هاسيبك أبدا ، رجعت ليه والله بتسألي لأن في تحدي كبير بيناتنا ولا عايزه تتراجعي مثلا مش هاسمحلك على فكره ،– صمت فجأة مكملا بألم – شكلي انا اللي هانسحب ، ليل محمود هياجي وينقذك و لازم تعيشي أنا دوري خلص ، في ناس غاليه على قلبي وحشوني ولازم اروحلهم لو قابلتي ابويا قولي له كريم بيحبك أوي وبيعتذر منك أنه زعلك .

كسى الألم معالم وجهها فضيقت مابين حاجبيها قائلة بدموع :
- مش هاتسيبني أنا جايه معاك أصلا بطل كلامك المتخلف ده لو ربنا كتبلنا نخرج من هنا هنخرج سوا ولو لأ فأنا مش هرجع أنا هموت هنا أهلي وحشوني .

همس كريم بنبرة خافته يناديها:
- ليل اسمعيني محمود أكيد ....

تأوهت بألم وهي تفتح عينيها تقاطعه وهي تبتسم بألم مغيرة الموضوع :
- شوفت مضربتكش المره دي بس ما تقلقش أول ما نخرج من هنا هعلمك الأدب .  

ابتسم من بين ألمه وهو يقول بنبرة ضعيفه عابثه:
- امممم طيب من جملة العقاب بقى ما تجيبي بوسه ؟.

تخضبت الحمرة الشديدة سائر وجهها وهي تزجره بنظره حادة تقول في استنكار :
- والله جرب كدا وهتلاقيني قلبت شيتا دلوقت وعطتهملك احنا في إيه ولا إيه انت التاني ؟ قال بوسه قال هنموت وبيقولي هاتي بوسه اقسم بالله مجنون .

فضحك كريم متألمًا فسألته ليل في حزن تعلم أنه فقط يمزح معها :
- ليه مخلتكش في المايه ليه حاميتني مش أنا شخص غريب متعرفوش ودي حياه واحده ؟.

- لأني ببساطه مقدرش أسيبك ولأن عندي يقين إن الوضع لو معكوس مكنتيش هتترددي لحظه يا ليل علشان تحميني كدا جاوبتك.

ابتسمت مغلقة عينيها مرة أخرى ، أغمض عينيه هو الآخر ، ولازال يحميها بجسده ، كان يستند برأسه على رأسها ،يتنفسنان أنفاس بعضهما ، عندما وصل إلى مسامعه صوت لطائرة أخرى تقترب منهم ،فجأة اخترق آذانه صوت ضعيف باكي يعرفه قلبه قبل أذنيه :
- كريم ، ابني حبيبي .

ابتسم كريم بسمة لم تتعدى ثغره ،وضع والده يده على فمه باكياً، عندما وقعت عينيه على ظهره يغرق في بركة من الدماء ، وهناك طلقتان تتخذان موقعهما من جسد ولده ،فاقترب أكثر وجثى بقربه مربتًا على شعره ودموعه تسبقه هاتفاً بنبرة باكيه:
- كريم ، حبيبي سامعني ، أنا أبوك ، رد عليا . 

هبط محمود مُسرعًا ، واتجه إليهم وقد هاله المنظر ووقف متصنما بضع لحظات حتى صدح صوت آخر آفاقهم من صدمتهم قائلا بنبرة حادة:
- انتوا كدا بتضيعوا وقت من حياتهم ، ابنك مصاب بطلقة أسفل رقبته 

انحنى محمود وكاد يبعد كريم عنها فتمتم الضابط قائلا :
- محدش يحركه من مكانه .

نظر محمود له بذهول ثم قال ساخرا :
- اومال نعمل ايه سيادتك نسيبه كدا فوقيها؟.

أخذ رئيس الوزراء يربت على شعره وهو يبكي بضعف مناديا عليه ، فنظر له كريم وهو يبتسم متألمًا ثم حاول مد يده ليمسح دموع والده ولكنها سقطت بجانبه وغيمت عليه سحابة سوداء راقب الضابط حركته تلك ، هاتفاً بنبرة حازمة :
- انا كان قصدي على طريقتك غلط ، سيادتك تيجي قصادي هنا ونشيله بحذر شديد واهم حاجه رأسه وكتفه محدش يحركهم ده لمصلحته الرصاصه أسفل رقبته من عند الكتف أي حركه غلط ممكن تضره 
– صمت ثم وجه حديثه إلى رئيس الوزراء – لو سمحت يا سيادة الوزير ترجع مكانك في الطيارة .

ختم حديثه واقترب من كريم ورفعه عنها بحذر في ذات الوقت لأن الطلقة قريبة من فقراته الرقبيه ، اسنده محمود معه بحذر شديد في حين اهتزت الصخره أسفل أقدامهم بقوة وغمرتها المياه فكادوا يوقعوه أرضًا إلا أنهم تماسكوا بصعوبة ، قرب الطيار الطائرة منهم أكثر فساروا بخطوات حذرة حتى تمكنوا من إدخاله الطائرة وتبعهم رئيس الوزراء ، الذي فتح باب إحدى الغرف وأشار لهم إلى ذلك الفراش ، سطحوه على بطنه ووضعوا رأسه ببطء على الفراش ، أخذ والده يردد بدعاء خافت بينما يضع جاكيته على خصره يكتم النزيف قليلا ومنشفة صغيرة وضعها على كتفه ببطء :
- يارب ، أحمي لي ابني ، يارب .

خرج محمود من الطائرة سريعًا ثم توجه إلى ليل التي غطتها المياة ما عدا رأسها في حين ازدادت تلك الاهتزازات فتمتم الضابط بحدة :
- محمود مفيش وقت يالا إنت جمدت كدا ليه ؟.

حرك رأسه بيأس واتجه لكي يحملها هو فلا وقت يضيعونه وتلك الصخره تهتز بقوة ، فدفعه محمود بعيدا عنها واتجه إليها حملها برفق كأنه يحمل طفله وهنا وقعت عينيها على حقيبتها فقال بنبرة حزينة :
- هات الشنطة دي معاك !.

طالعه الضابط بنظرات مستغربة كأنه يقول له حقا أهذا وقته ؟ فقال محمود بإصرار : 
-هاتها إذا سمحت أختي متعلقه بيها أوي دي آخر حاجه عطهالها أبوها مش هاتسمحني لو مجبتهاش.

أومأ الضابط برأسه بتفهم ثم صعد محمود إلى الطائرة ويديه تغرقان في بحر من الدماء ، كان يقف حائرا لا يدري ماذا يفعل لاحظ رئيس الوزراء حالته تلك فأشار إلى الفراش الذي يستلقي عليه ابنه وقال :
- حطها هنا يا محمود مش هينفع تقعدها على رجلك .

أومأ برأسه وهو يشكره بامتنان ثم وضعها بقرب كريم وجهها في مقابل وجهه ،دخل الضابط وبيده تلك الحقيبة وضعها قرب محمود الذي نظر له بامتنان ،ثم أدار الطيار المحرك هاتفًا في الجهاز اللاسلكي متصلاً ببرج المراقبة :
- تمت المهمة ، والاتنين متصابين جهزوا عمليات فورًا .
................................

ومن داخل الغرفة نزع محمود سترته الجلدية ووضعها على ظهر ليل ، ويده على رقبتها يستشعر نبضها، هتف بنبرة قلقه في جهاز اللاسلكي مخاطبا الطيار :
- قدامنا قد إيه ونوصل؟ .

أجابه الطيار بنبرة عملية :
- مش أقل من ساعتين .

همهم بحزن شديد ناظرًا إليها :
- ساعتين كتير أوي ، سرع أكتر من كدا هنستحمل لكن هما لأ دمهم هيتصفى لازم نوصل بأسرع وقت .

وافقه رئيس الوزراء الذي هتف بنبرة صارمة:
- أحمد أنا اللي بقولك خالف القواعد وطير بأسرع سرعة عندك ، لازم في أقل من ساعة نكون واصلين انت فاهم .

أومأ برأسه ثم انطلق يقود الطائرة بسرعة كبيرة كادت تقتلع قلوبهم من مكانها .

نظر إليه ودموعه تسبقه لتهبط على وجهه ، بينما يستشعر نبضات قلبه مرددًا بصدق :
- الحمدلله يارب على كل حال.

هتف الضابط بنبرة متسائلة مخاطباً الطيار:
- في هنا اكسجين صح للحالات الطارئة؟.

هتف بهدوء يجاوبه :
- هتلاقي أنبوبة عندك ومعاها كل ملزماتها .

تمتم بنبرة حزينة وهو ينظر إلى محمود :
- تسمح احطها ليه هو ؟ تنفسه ضعيف ؟.

أومأ برأسه مؤكدًا وبداخله يستغرب تصرفات هذا الرجل الطيب ثم هتف بنبرة ضعيفه:
- حطهاله طبعا ، ده حمى أختي بحياته وبعدين حضرتك بتستأذني ليه ؟، ده ابن حضرتك وأنا متفهم. 

ابتسم له بامتنان ،مضى بعض الوقت ، كان كريم يستعيد وعيه ببطء ، نظر إلى وجهها باستغراب ، حتى اتضحت الصورة له ، متمتمًا بخفوت وعينيه تنظران لها :
- لـ..يـل ؟ .

تنبه له والده وابتسم بشكر للإله ، ثم أجابه بنبرة هادئة :
- ليل كويسه، متحركش كتفك خليك ثابت بقى علشان الرصاصة متتحركش من مكانها .

لم يستمع إلى أي كلمة تفوها بها والده ، نظر لها بطرف عينيه ، وابتسم ، سرعان ما تبدلت ابتسامته للعبوس عندما أكمل والده حديثه :
- ليل بخير وهي جنبك أهي مع محمود .

نظر إلى محمود الذي يضع يده أعلى ظهرها بينما يكتم الدماء بسترته ورغم انزعاجه إلا أنه ابتسم فأكمل والده حديثه
- أهدى بقى وبلاش حركة زيادة متوجعش قلبي عليك أكتر من كدا.

تمتم بنبرة متقطعة ضعيفة، وهو يغيب عن الوعي مرة أخرى لم يفهم والده حديثه بسبب خفوت صوته وتقطعه في الكلام ، فابتسم وأخذ يردد أذكاره وهو يشكر ربه ثم نظر إلى محمود الذي يستشعر تنفس ليل من وقت لآخر بينما يكتم الدماء بسترته الجلدية.

مد يده يؤازره قائلا بنبرة هادئة :
- قدر ولطف ، ربنا رحيم الحمد لله إننا جينا في الوقت المناسب .

مسح دموعه مرددًا بصدق:
- ونعم بالله ، الحمد لله على كل حال.

ابتسم هاتفًا بنبرة هادئة كعادته :
- خد حطهولها شويه كريم تنفسه انتظم الحمدلله هما الاتنين ساعدوا بعض وهيتنفسوا من أنبوب واحد ، أول مرة أشوف ابني بالحالة دي وإنه يضحي بحياته علشان حد ، بس من كلامك عن ليل فهمت هو عمل كدا ليه ؟ ليل بنت شجاعة وقوية ومش بتتخلى عن حد وبتضحي علشان اللي قدامها حتى لو متعرفوش .

ابتسم له مؤكدًا بهزة بسيطة من رأسه ، ثم أخذ منه القناع ووضعه على فمها هاتفاً بنبرة فخورة :
- معاك حق هي فعلا كدا .

........

طرق على باب مكتبه ، فأذن للطارق بالدخول ، نهض عن مكتبه هاتفًا بنبرة قلقه :
- ها الأخبار إيه؟ عرفت تتواصل مع برج المراقبه حولولك الاتصال ؟.

زفر الهواء بحزن ، مجيبًا إياه :
- قدروا ينقذوهم .

حمد الله ثم هتف بنبرة متسائلة ، بينما ينظر إلى عبوس ملامحه مستغربا :
- ومالك قالب وشك كدا ليه ؟ دي اخبار كويسه ؟ .

تمتم بنبرة متقطعة:
- اتعرضوا لهجوم مسلح والاتنين متصابين وحالتهم خطيرة ، وقدامهم على الأقل ساعتين لما يوصلوا .

تهاوى على كرسي مكتبه بصدمه متمتمًا بحزن :
- اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه .

...........

زفر الهواء بضيق مرددًا بنبرة متهكمه:
- مقربناش يا أحمد ؟ .

تنفس الصعداء هاتفًا بنبرة هادئة مقدرًا وضعه :
- لسه شويه يا محمود ، قربنا أنا طاير بأقصى سرعة عندي وده خطر على المحرك وحياتنا والله ، أنا مش خايف على حياتي ، بس اللي بعمله ده هيكلفنا كتير ربنا يستر .

تمتم رئيس الوزراء قائلا بنبرة قلقه :
- عارف يا أحمد بس معلش أسرع اكتر من كدا .

• بعد مرور نصف ساعة•

وأخيرًا هبطت الطائرة في المكان المخصص لها ، وكان في استقبالها فريق طبي على أعلى مستوى ، وتقدم المسعفين يحملون كلا منهما على سرير متنقل بحذر .

بعد مرور بضع دقائق ، خرجوا مسرعين من المصاعد الكهربائية ،متجهين إلى غرفة العمليات الجراحية.

هتف الطبيب ينظر إلى الوضع هاتفًا بنبرة صارمة :
- دخلوهم بسرعه .

هتف محمود مستغربًا : 
- الاتنين في أوضة واحده ؟.










تمتم الطبيب مجيبا بإيجاز :
- هنحتاج الطاقم كله معانا متقلقش الاتنين هيبقوا بخير إن شاء الله وكل حاجه جاهزه ومعمول حسابها ودلوقتي دعواتكم ليهم .

ختم حديثه ثم دلف إلى غرفة العمليات وساد الصمت في الخارج ، وهنا خارت قواه أرضًا راميًا بثقله يستند على الحائط خلفه يدعو لها بقلبه ولسان حاله يهتف بتضرع :
- الله أكبر ، الله أكبر من كل مخاوفي ، الله أكبر وارحم يارب لا تريني فيها بائسًا .

صدحت أصوات الهواتف قاطعة الصمت ، ابتعد رئيس الوزراء للخلف وأخذ هاتفه من الحارس ، نظر إلى الإسم ، زفر الهواء قبل أن يقرر الرد :
- ايوه يا معتز ، لسه واصلين بقالنا عشر دقائق دخلوهم العمليات ، مش عايز أي صحافة على باب المستشفى ولا أنا فاضي اصلا لوشهم ولا غيره اتصرف وآه أنا هحاولك الاتصالات رد أنت أنا مفييش حيل أرد على حد .

أغلق معه ثم اتجه إلى محمود الجالس على الأرض بلا حول ولا قوة ، استوى جالساً بقربه ثم ربت على يديه وهو في أمس الحاجة إلى من يؤازره ، قائلا بنبرة هادئة :
- ربنا اسمه اللطيف يا محمود تعرف معنى اللطيف إيه ؟ .

نظر له بحزن مغمغمًا بتقطع :
- يعني إيه ؟ .

ابتسم هاتفًا بنبرة هادئة عينيه تلمعان بصفاء :
- يعني ذو لطفًا وإكرام خفي، شوف الهمك إزاي بفكرة التغطية الجوية دي؟ ، ووصلنا ليهم في وقت مناسب إزاي ؟ مسألتش نفسك ليه الوقت ده بالذات وصلنا؟ ، واحنا عاملين حسابنا إننا قدامنا بحث طويل ويلاقيناهم يا ملاقينهمش ، و كان ممكن نمر من عليهم من غير ما ناخد بالنا أصلا منهم أو تحصل أي حاجه ونوقف أو نتضطر نرجع ، ولكنه سبحانه لطيف خبير بعباده خلاك تبص للجهة اللي هما فيها فجأة مع إنها مش وجهتنا أصلا واتجاه الطيارة معاكس ، كل ده مش لطف وإكرام وعناية ربانيه ؟ ،وقدرنا ناخدهم الحمد لله بلطفه ورحمته ، ووجود الضابط ده رغم إني رفضت كتير بس مدير المخابرات أصر عليا للأمان، مش كل دي تدابير اللطيف الخبير ؟ ، قدر البلاء أيوه واتصابوا إصابات خطيرة بس البلاء مصحوب بلطفه ورحمته واكرامه لقلوبنا كان ممكن الرصاص ده يصيب دماغهم لكن ربنا لطف بيهم هما الاتنين ده يبقى لُطف ورحمه ولا لأ ؟، وزي ما قال الشاعر 
وکم لله من لطفٍ خفي * يدق خفاه عن فهمِ الذكي 
وكم أمر تُسـاء به صباحا * فيـأيتك المـسـرة بالعشيّ
إذا ضاقت بك الأحوال يومًا * فـثق بالواحد الفرد العليّ. 

وجد نفسه يبتسم من بين حزنه،اندفع إليه يجهش بالبكاء في صدره ، ربت على كتفه بحنان قائلاً بنبرة هادئة :
- قعدتك دي ملهاش أي لازمه احنا ننزل مسجد المستشفى نتوضىء ونصلي نشكره على لطفه وكرمه وندعيلهم وأنا قولتلهالك قبل كدا ، ربنا الحامي يا محمود هو سبحانه الحفيظ ، متفكرش الواقي اللي الظابط حاطه على صدره حماه وفداه من الرصاصة لا ده هو سبحانه الحفيظ الرحيم بعباده ولا لما نبه أم على طفلها اللي ماشي باتجاه ازاز حاد على الأرض ، إنها هي اللي حمت ابنها لا هو اللي الهمها تبص على الأرض وتشوف ابنها في اللحظه دي بالذات ، ولا المزارع اللي بيحرث أرضه وقبل ما يمد أيده وقف وتراجع لأنه شاف حية فقال لنفسه كويس إني شوفتها ،لأ ربنا اللي الهمه الإحساس ده وجعله يتأنى قبل ما يمد أيده ، مينفعش نقول إن الأسباب دي اللي قولتلهالك أنها هي اللي حمتنا غلط ده الحفيظ العليم بعباده اللطيف ، وأنا واثق وكلي ثقة في رحمته وإنه هيحفظ ابني وهيحفظلك اختك اللي حماهم وهما في عمق البحر لمدة أربع أيام وفي وسط المد والدوامة ومن غير أكل ولا شرب ومن البرد هيحميهم من ده كمان ، ارمي حمولك على الله الاختبار بيزيد صعوبة بس احنا مؤمنين بعدل الله ورحمته ربنا رحيم بعباده فالحمد لله على ما قدره الله .

ابتعد عنه هاتفًا بشكر وامتنان :
- مش عارف أقول لحضرتك إيه بجد؟، أنا برتاح حقيقي في الكلام معاك ، بحسك مننا أوي وبسيط جدا مع انك صاحب تاني اكبر منصب في الدولة بعد الرئيس بس حضرتك مختلف خالص وغيرت نظرتي لذوي السلطة أغلبهم يعني زي ما سيادتك عارف المهم أنا ليا رجاء عندك ينفع من وقت للتاني اجيلك إن شاء الله بعد ما يخرجوا بالسلامه محتاج أفهم اكتر عن ربنا وأسمائه محتاج أقرب من ربي أكتر .

توسعت ابتسامته لتملء ثغره مرددًا بصدق:
- في أي وقت يا محمود تشرفني ودلوقت يا بطل يالا نقوم نصلي.








.........

تجلس على سجادة الصلاة تدعو الله بتضرع أن يحمي صديقتها وخطيبها وأن تسمع ما يسرها ، أنهت صلاتها ثم أمسكت هاتفها في محاولة للتواصل مع محمود وأيضاً الهاتف مغلق .

زفرت الهواء بضيق مرددة بنبرة قلقه :
- يارب ، رحمتك .

فتحت التلفاز بملل تقلب بين قنواته بفتور شديد ، عندما وقعت عينها على حديث إحدى مذيعات الأخبار
" نجل رئيس الوزراء "كريم عبد الرحمن المحمدي" والذي فُقد منذ أربعة أيام في غياهب البحر بعد غرق السفينة التي كان على متنها وتناقل الأخبار بوفاته ، تم العثور عليه أخيرا برفقة إحدى غواصات الإنقاذ البحري الخاص بشاطئ الأسكندرية ، الشهيرة بـ " عاشقة الألماس " ابنت الغواص المنقذ محمود صبري الملقب بالحوت الأزرق ، ليل محمود صبري ، هذا وقد تم العثور عليهما في وضع يرثى له ، بعد أن تعرضا لقذف جوي مجهول ، والآن هما في المستشفى العسكري بداخل غرفة العمليات ، وسنوافيكم بأهم الأخبار فابقوا معنا " 

انفلتت شهقاتها تبكي بشده ، سقط من يدها جهاز التحكم ، اتجهت من فورها إلى خزانة ملابسها أخرجت إحداها بعشوائية وارتدته على عجل ثم خرجت مسرعة .

.................

•بعد مرور ساعتين بداخل غرفة العمليات•

مسح على وجهه بإرهاق ثم عاد ببصره منهمكًا في عمله، توقف مخاطبا إحدى الأطباء يستشيره :
- الرصاصة مستقرة أسفل الرقبه بكم ملي بس دي اللي هتتعبنا وفيها خطر كبير حركه غلط ممكن تكلفه حياته .

هتف آخر قائلا بنبرة متسائلة :
- في إصابات في الفقرات ؟ مخترقه حاجه منهم ؟.

تقدم آخر ونظر إلى الوضع بتفحص هاتفًا بعملية :
الإشاعة اللي عملناها اظهرتلنا مكان الرصاصه بدقه بس للأسف اتحركت من مكانها نتيجة حركة منفعلة تقريبا رفع أيده أو حرك رأسه ، أنا هعمل اللي أ قدر عليه بس حرفيا محتاج معجزة .

نظر رئيس الأطباء إلى جهاز القلب متمتمًا بهدوء وعملية:
- وضع القلب مستقر ، وجميع مؤشراته الحيوية ممتازة حتى الآن اتوكل على الله و خرج الرصاصة بحذر وانتبه مش محتاج اقولك ده يبقى ابن مين ؟ابذل كل جهدك .

هتف بنبرة هادئة موجهاً حديثه إلى الممرضة :
- عارف وحتى لو كان ابن مين أنا بعمل شغلي يا دكتور ناوليني الأدوات يا مريم .

- تمام ربنا معاكم أخبار الرصاصة التانيه ؟.

هتف طبيب آخر يجاوبه بنبرة هادئة :
- الرصاصة التانية مكنتش في شيء عضوي وخرجناها وكمان بعيده تماما عن الكليتين وخيطنا الجرح ، ربنا بيحبه أوي وعالم بحال أبوه الرصاصة أسفل الكلية اليمين بكم سنتي وإصابة رجله متخيطة بعناية أعتقد البنت اللي معاه خيطتها وبكدا يا دكاتره نقدر نقول إن العمليه ناجحه إن شاء الله ....

قاطعه قائلا بتريث:
- لسه بدري على الكلام ده يا دكتور أول رصاصة خرجت الحمدلله بدون أضرار ودي أصلا مكنتش موضوع خطوره دي زي ما قولت خدش بسيط ، المشكله كلها في الرصاصة اللي في كتفه من ورى؛ لأنها بزاوية حادة وكمان قريبه على فقراته الرقبيه، وتحركها ده في حد ذاته الخطر بعينه . 











تنفس الصعداء قائلا بنبرة هادئة :
- إن شاء الله هتخرج من غير أضرار ، المهم أخبار البنت اللي معاه إيه ؟.

تمتمت إحدى الممرضات قائلة بنبرة هادئة:
- هشوف يا دكتور لحظه بس .

اتجهت إلى آخر الغرفة ، فتحت الستار هاتفة بنبرة متسائلة :
- ايه الأخبار عندكم ؟ وضعها إيه؟.

همهم الطبيب مجيبًا إياها بنظرة متوتره :
- وضعها أسوأ الرصاصة في ظهرها و العملية خطيرة وفي احتمال يبقى فيه شلل .

اقترب منه رئيس الأطباء ، هاتفًا بنبرة هادئة بينما يربت على كتفه :
- اتوكل على الله يا دكتور احنا هنا مجرد أداة ، واللي ربنا كتبه هيكون فاعمل كل اللي تقدر عليه وربنا يستر .

تمتم بنبرة هادئة :
- ونعم بالله أنا بحاول أهو . 

اقترب أحد الأطباء هاتفًا بنبرة متسائلة :
- الرصاصه بالظبط فين مخترقة الفقرات القطنيه أو أي فقرات من فقرات العمود الفقري ؟.

أجابه بنبرة عملية :
- حسب الأشعة اللي عملناها لأ بس واقعة في النص مابينهم لأن الرصاصه كانت من على مرتفع بعيد ، فغرزت في الوسط مابين الفقرات القطنيه وعظام القفص الصدري من الطرف محشورة هنا والعملية خطيرة أنا نفسي مش ضامن النتيجه إيه ؟.

ابتسم في وجهه مرددًا بتفائل:
- ما دام مش لامسه الفقرات القطنية يبقى خير اعمل اللي عليك ، وربنا يستر .

...........................

دلفت بخطوات بطيئة تمشي كالمحكوم عليها بالإعدام ، تنساب العبرات مغرقة وجهها ،حتى رأته يجلس في آخر الرواق بيده مصحف صغير يقرأ به .

أجلت صوتها هاتفة بنبرة مبحوحه من أثر البكاء :
- محمود .

رفع رأسه ونظر إليها ود في تلك اللحظة لو يستطيع أن يلقي نفسه بين أحضانها يواسي كلا منهما الآخر ، وكأنها علمت فيما يفكر ، فأخذت تجري باتجاهه ، نهض محمود وضمها إليه بحنان يهدهدها هامسًا بنبرة حاول جعلها طبيعية قدر الإمكان :
- غزل ، حبيبتي ، متعيطيش ليل كويسه هتخرج إن شاء الله من هنا على رجلها وتقولك هروح للالماس تاني انتي عارفاها بتحب البحر أوي.

تمتمت بنبرة منخفضه باكيه ، بينما تتشبث في ملابسه بقوة :
- مش هسمحلها أصلا توجع قلوبنا كدا تاني .

أخرجها بهدوء ثم جعلها تجلس بجواره هاتفًا بنبرة هادئة:
- هنحبسها احنا الاتنين وأنا عن نفسي هقدملها على طلب إجازة ونقعدها في البيت ولا نشوف لها حد يتجوزها ، جوزها بس اللي هيعرف يشكمها ههههه.

ابتسمت من بين دموعها هاتفة بنبرة مرحه:
- مش هيستحملها زينا يومين على بعض ، بس لازم ندور على حد فعلا البت دي مينفعش معاها إلا كدا .










رفع محمود رأسه للسماء هاتفاً بنبرة هادئة:
- تخرج بس بالسلامه الأول .

مدت غزل يدها تمسح دموعها بسرعه قائلة بتساؤل:
- محدش خرج يطمنكم ؟.

نفى برأسه قائلا بنبرة قلقه :
- لا لسه اصلهم الاتنين مع بعض .

قطبت حاجبيها بعدم فهم قائلة بنبرة مستغربة :
- يعني إيه؟.

استنشق الهواء قائلا بنبرة هادئة:
- هي وكريم مع بعض في غرفة واحدة وعندهم فريق طبي كامل المستشفى كلها مستنفرة علشان ابن رئيس الوزراء وعلشان يشوفوا شغلهم صح حطوهم سوا فهمتي .

حركت رأسها بإيجاب قائلة بنبرة ضعيفه :
- وكريم حالته إيه ؟ .

تمتم محمود متذكرًا كيف حماها بجسده :
- واخد رصاصتين تخيلي حماها بجسمه أنا مش مصدق اللي شوفته بعيني .

ضيقت عينيها ، ترفرف باهدابها سائلة إياه:
- بجد عمل كدا ؟ هما اصلا مين هجم عليهم في البحر ؟.

......................

•الساعة العاشرة ليلاً• 

نزع الطبيب كمامته الطبية وهو يزفر الهواء بقوة :
- الشاب ده بجد ربنا بيحبه . 

هتفت الممرضة مبتسمة بذهول :
- ليه قولت كدا ؟.

رفع رأسه للسماء هاتفاً بنبرة شاكره :
- الحمد لله يارب – تنهد بعمق مجيبًا إياها بهدوء –
الرصاصة لما خرجتها من كتفه كانت قريبه على الفقرات الرقبيه بكام ملي بس كان هيبقى فيها شلل رباعي وكمان مع اهتزازها من مكانها لمست بين الفقرة الأخيرة وبين عظام كتفه واتحشرت هنا ، بس ربنا حماه وحفظه أنها ما انحزتش لأي جهه منهم وفضلت في النص وقدرنا نخرجها ،دلوقت خدوا لغرفة العناية المركزة وأنا هخرج اطمن أهله .

..................

اقتحمت الغرفة بقوة ، جعلت الأخرى تنتفض مذعورة في مكانها ، حدقتها بغيظ شديد هاتفة بنبرة حانقة:
- نفسي مرة تخبطي قبل ما تدخلي ، في مرة هتموتيني على فكره ، المهم جايه ليه في الوقت ده الساعه 10 ملكيش بيت يابت ؟ أشوفك مرتين في اليوم ليه يعني ؟.

تقدمت منها جالسة على فراشها مبتسمة بغيظ قائلة بنبرة متهكمه:
- علشان بتحبيني يا صبايا وبعدين اصلا احتمال ابات معاكي هنا .

لوت شفتيها متمتمة بحنق :
- يخربيت دي لمه .

تصنعت رانيا الحزن هاتفة بنبرة معاتبة :
- وانا اللي جيت أقف جنبك في محنتك يا صبا وقولت صاحبتي ولازمن ولابد اقف معاها ومسبهاش للمناديل تبهدل نفسها وهي لسه في زهرة شبابها.

زفرت صبا الهواء بضيق من حديثها الغامض بالنسبة لها ثم تمتمت بنبرة حادة:
- محنة إيه دي ؟ أنا صاحبة المحنة ومعرفهاش ؟

استرخت في جلستها هاتفة بضحك بعد تمثيلها نبرة الحزن :
- أما انتي طلعتي مبروكه يا صبا اقسم بالله مش سهله، الواحد بدأ يخاف منك والله ويعملك حساب كدا إنتي ابواب السما مفتوحالك .

جزت على أسنانها بغضب قائلة بنبرة متهكمه:
- رانيا اتعدلي وبطلي كلامك اللي كله ألغاز ده ؟ وفهميني انتي بتتكلمي عن إيه؟.

حدقتها بذهول ضاحكة بجلل:
- دايما قاعده كدا في الجلاشه ،مانتيش عايشه في الدنيا ، خطيبك –ضغطت على حروف كلماتها تستفزها ، قلبت عينيها بضيق ، فتابعت غير مكترثه بنظراتها – رجع هو والغواصة اللي معاه بس حالتهم حرجه الاتنين متصابين بطلق ناري.

همهمت بلا مبالاة :
- وأنا أعمل إيه؟ ، أحسن أصلا ده ربنا بيعاقبه على اللي عمله معايا .

تبدلت ملامحها للصدمه هاتفة بنبرة متسائلة :
- صبا إنتي شمتانه ؟.

حركت رأسها تعترض ولكن وجدت نفسها تبتسم قائلة بتأكيد :
- ايوه يستاهل واسكتي بقى .

طرق على باب غرفتها فاذنت للطارق بالدخول ، هتفت والدتها مبتسمة بترحيب :
- اذيك يا رانيا ؟.

أجابتها مبتسمة باحترام :
- الحمدلله يا طنط .

اتجهت ببصرها إلى الجالسة بكل برود منهمكة في تقليم أظافرها ، هتفت بنبرة ساخرة من برودها :
- صبا انتي معرفتيش أن كريم رجع وفي المستشفى ؟.

همهمت بلا اهتمام ، حدقتها بذهول ، فتمتمت رانيا قائلة بتوتر :
- كنت لسه بقولها يا طنط ، تروح تشوفه .








رفعت رأسها وحدقتها بنظرات متهكمة ، قائلة بنبرة حازمة :
- ماما ، انتوا ليه مش فاهميني كدا ؟ أنا مش عايزاه هو الجواز بالعافيه يعني ؟.

تحدثت والدتها تزجرها بعينيها هاتفة بنبرة حادة رافضة لحديثها :
- صبا اتكلمنا في الموضوع ده ، اكتر من مرة قولتلك مش من مقابله واحده .....

ألقت المبرد من يدها قائلة :
- أهو انتي قولتيها مقابله واحده طيب أنا ارتبط بواحد لأني شوفته مرة واحده ليه ؟ ، أنا عايزه انسان يحبني وأحبه وكريم ده انسان سخيف .

ضحكت صديقتها قائلة بنفي :
- لا ده جامد يا طنط لو كنتي شوفتي البث اللي شوفناه أكيد كنتي هتغيري رأيك لأنه مش معقد زي ما صبا بتقول أبدا ده مز كدا في نفسه.

ضربتها على معدتها هاتفة بنبرة ساخره :
- انتي معاهم ولا معايا ؟– صمتت تنظر لها باستنكار – انتي صاحبه إنتي؟ ، مش عارفه اقولك ايه ؟ خديه ياختي إنتي واشبعي بيه .

ضحكت بشده قائلة بتمني :
- ياريت ، بس أنا مخطوبة يا ختي مسعودي مكفيني ههههه .

حركت رأسها بيأس هاتفة بنبرة ساخره :
- اممم لا واضح انه مكفيكي مفيش داعي توضحي .

هتفت والدتها بنبرة صارمة تقطع ثرثرتهم :
- ابوكي اتفق مع رئيس الوزراء وقاله إنك موافقه وبعدين هو في المستشفى لسه ، اطمني مش هتتجوزي بكرا هيبقى قدامكم وقت كافي تتعرفوا وهيحبك وانتي هتحبيه بردو ودلوقت زي الشاطرة كدا تقومي تلبسي علشان نروح نشوفه ونقف جنب والده .

دبدبت بيدها على الوسادة تكتم غيظها ، فهتفت والدتها بينما تتجه نحو الباب مغادرة :
- عقلي صاحبتك يا رانيا وعرفيها مصلحتها .

..................

تعلقت أعينهم بالطبيب الواقف أمامهم ، الكل يضع يده على قلبه منتظرا سماع ما يسره ، فهتف الطبيب مبتسمًا بهدوء :
- الحمد لله يا جماعه ، العملية نجحت و أوضاعه مستقره – صمت موجهاً حديثه إلى والده – ربنا بيحب ابنك اللي شوفته جوا في غرفة العمليات معجزة وعناية إلهية ، الرصاصتين خرجناهم ، الرصاصة اللي في كتفه من ورى كانت أكتر حاجه مخوفانا لتكون أصابت الفقرات الرقبيه بس ربنا لطف بيه والرصاصة اللي في خصره الأيمن سطحية مجرد خدش بسيط متعمقتش ولا لمست أي شيء عضوي اطمن يا سعادة الوزير ابن حضرتك محاوط بعناية ربانيه وهنخرجه دلوقت للعناية المركزة وأول ما يفوق من البنج هنتاكد أكتر من نجاح العملية و هتقدر تشوفوه إن شاء الله وجودكم دلوقت ملوش داعي روحوا ارتاحوا وتعالوا الصبح لانه كدا كدا مش هيفوق دلوقت .

التقط عبد الرحمن "رئيس الوزراء" أنفاسه مبتسمًا شاكرا لله بعد أن أنهى الطبيب حديثه ، تقدم محمود ببطء هاتفًا بنبرة قلقه :
- وليل ؟.

أخفض الطبيب رأسه للأرض ، فصرخت غزل ببكاء نافية ، أجلى محمود صوته واعاد حديثه بنبرة ثابته :
- مقولتش يا دكتور وبالنسبة لـ ليل ؟.

زفر الهواء مجيبًا إياه بعملية :
- ليل حتى الآن وضعها مستقر والعملية خلصت بس ..

نظر إلى شفتيه منتظرا تكملة حديثه سائلا إياه وقلبه يكاد يهوي أرضًا :
- بس إيه كمل لو سمحت ؟.

تمتم الطبيب بهدوء :
- الرصاصة كانت في وضع صعب واحنا عملنا اللي نقدر عليه لكن في الاول والاخر النتيجة بيد الله ، كل اللي اقدر أقوله ليك إن بعد ما تفوق من البنج هنعرف العمليه نجحت ولا .

....................

|• اليوم التالي الساعة الثامنة مساءا • |

فتح عينيه ببطء ، سرعان ما عاود إغلاقها عندما هاجمته الاضاءه العالية ، جالت صورتها أمام عينيه وهي تصرخ ببكاء واضعة يديها أعلى رأسها بذعر ، ففتح عينيه سريعًا ، شعر بتصلب جميع أطرافه حاول رفع يده لينزع الجهاز عن فمه إلا أنه لم يقدر ، حرك رأسه للجانبين يريد أن ينهض ولكن ألم شديد أسفل كتفه جعله يسترخي مرة أخرى ،أخذ ينادي عليها بتقطع :
- لـ..ـيل ...

حرك إحدى يديه بعشوائية مما أوقع المحلول المغذي الموصول بيده ، تحامل على الٓامه وحاول أن يعتدل ، ولكن ألم كتفه لا يحتمل ، في تلك الأثناء دلفت الممرضة برفقة طبيبه الخاص ،فـ نظر له الطبيب يفحص مؤشراته الحيوية ، هاتفًا بنبرة هادئة يزفر الهواء براحة عندما رآه يحرك يديه بشكل ملحوظ ويبدو متوترًا للغاية:
- أحسن بكتير يا بطل ، ربنا بيحبك أوي العملية نجحت ودلوقت هنتأكد اكتر ركز معايا بقى .








أشار إلى الممرضة أن تناوله الدبوس الطبي ثم اقترب من قدميه رفع الغطاء عنهما وغرز الدبوس بباطن قدميه إلا أن كريم لم ييدي ردة فعل بل كان نظره مصوبًا تجاه باب الغرفة ، فتسرب القلق إلى الطبيب الذي زاد من غرز الدبوس وهو يقول في خوف :
- كريم أنت مش حاسس بحاجه ؟.

طالعه كريم بتوتر وهو يسأله عن ليل :
- البنت اللي معايا اخبارها ايه ؟

- رد على سؤالي الاول خلينا نطمن عليك انا ملاحظ إنك بتحرك ايدك حتى لو حركه بسيطه بس رجلك حاسس بيها ولا لا .

تمتم كريم بضيق وهو يجز على أسنانه:
- جاوبني الاول ليل اخبارها ايه انقذتوها صح ؟.

زفر الطبيب الهواء وقال :
- اطمن هي كويسه وخرجنا الرصاصة ، هاطمن عليك واروح اشوفها ودلوقت بقى ممكن تقولي حاسس بأي؟.

تنهد كريم براحه الآن فقد يمكنه التنفس ثم رد عليه :
- كنت حاسس بألم شديد في أطرافي زي ما تكون متنملة اول ما فوقت بس قدرت احرك أيدي آه بألم وصعوبة بس قدرت احركها و لما شكيتني بالدبوس حسيت أنا الحمد لله كويس ممكن بقى تطمني عليها اكتر . 

- حاضر ، كدا أقول إن العملية نجحت وبامتياز كمان ده غير إن مفيش أي أضرار جانبيه خطيره الحمدلله ، وضعك مستقر خوفتنا عليك يا بطل باباك كان هادي بشكل مع إنك أنت ابنه واحنا هنا طاقم المستشفى كله كان حاطط ايده على قلبه مستني أما تفوق .

ابتسم كريم وهو يقول :
- هو ده بابا عنده ايمان ويقين هو وضعني وديعة عند الله وعند الله لا تضيع الودائع ، ربنا بيحفظني دائما بفضل دعواته ليا رغم إني كتير بضايقه غصب عني ممكن تناديلي عليه أشوفه .

أومأ برأسه ببطء ، دخل والده ينظر إليه ودموعه تسبقه هاتفاً بنبرة باكيه:
- كريم ابني حبيبي .

حاول الاعتدال ، فأسرع والده إليه واضعًا يده على صدره يعيده لمكانه هاتفاً بنبرة باكيه:
- خليك مستريح اوعى تجهد نفسك .

أخفض كريم رأسه مغمغمًا بأسف:
- انا آسف يا بابا لأني صرخت عليك ومشيت بالطريقة دي .

أمسك بيده وقبلها بحب هاتفاً:
- أنا مسامحك يا حبيبي المهم انك رجعت – قبَّل جبينه قبلة طويلة مكملاً – الف حمد وشكر لله .

تمتم كريم بنبرة خافضه والقلق يغزو معالم وجهه :
- ليل ، طمني عليها يا بابا حسيت الدكتور مخبي حاجه ومش راضي يقولي.

ربت على شعره بحنان مبتسمًا يطمئنه:
- ليل كويسه ، متقلقش محمود مش بيسيبها .

قطب حاجبيه بغضب لاحظه والده ، وقبل أن يتكلم تمتم كريم بتهكم:
- بابا عايز ليل هنا معايا في نفس الأوضة دي مش هي فاقت بردو ؟.

اتسعت حدقة عينه بذهول يصحبه استغراب هاتفًا بنبرة هادئة:
- مينفعش يا كريم ، عايزها هنا بأي حق ؟ ....

قاطعه هاتفاً بانفعال ، جعله يتأوه بألم كسى وجهه مقطبًا حاجبيه:
- لأ أنا عايزها هنا معايا ، أتصرف ، ليل ما سبتنيش لحظه يا بابا كانت معايا وساعدتني أول مرة نفترق كدا ، وانا عايزها معايا ، يا توديني عندها .

نظر له والده باستغراب من إصراره إلا أنه فسر ذلك بأنه ممتن لإنقاذها حياته ولكنه هو أيضاً أنقذ حياتها إذن ما سبب كل هذا الإصرار في عينيه .

هدأت معالم وجهه قليلا وقال بأسف:
- اسف اني انفعلت كدا بس انا عايزها هنا ارجوك .

ضم والده حاجبيه باستغراب ثم هتف بينما يتجه إلى الباب :
- اللي بتقوله ده مينفعش قولتلك ممكن بقى تريح نفسك وأناهروح اطمن عليها واشكرها وراجعلك .

- بس يا بابا ....

نظر له بطرف عينه وهو يقول :
- كريم اسمع الكلام بقى ومتتعبنيش قولتلك مينفعش اللي اقدر أعمله اطمنك عليها .

...................

نظر الطبيب إلى مؤشراتها الحيوية واتجه إليها فتح عينيها فلاحظ سكون بؤبوئيهما ، التفت إلى الممرضة وهو يتمتم بنبرة هادئة:
- مفقتش ليه لدلوقت – نظر إلى ساعته التي تشير إلى التاسعة إلا ربع مساءا – كان المفروض تفوق....

استخرجته الممرضة من شروده قائلة بمغزى :
- يمكن دخلت في غيبوبه يا دوك .

وكأنها نبهته لتلك الحقيقة التي أدركها للاسف الشديد ، زفر الهواء في ثقل قبل أن يردف :
- ربنا يستر خليك متابعه حالتها من هنا لـ بكره ما فقتش يبقى دخلت في غيبوبه دكتور مراد فيـ...

- أنا هنا آهو لسه ما فقتش ؟.

تمتم بها وهو يدلف إلى الغرفة حيث أتى للاطمئنان عليها ، فحرك رئيس الأطباء رأسه بالنفي قائلا :
- مؤاشراتها طبيعيه وده معناه أنها هي اللي رافضه تصحى فين عيلتها ؟. 

أجابته الممرضة بعملية :
- مفيش حد معاها غير شاب وبنت بس تقريبا هي يتيمة .

أومأ برأسه ثم قال:
- تمام أنا هطلع اتكلم معاهم .

.........

- إيه غيبوبه ؟.

قالتها غزل في صدمه وهي تضع يدها على فمها فقال محمود وهو ينفي برأسه :
- طب ليه مش قولت العملية نجحت .

تنهد الطبيب قبل أن يقول:
- ليه دي عندكم انتوا احنا عاملنا اللي علينا ومؤاشراتها كويسه وتنفسها منتظم .

همست غزل في حزن بائن :
- قصدك إنها هي اللي رافضه تصحى؟.

- آه .

قال محمود بنبرة ضعيفة من شدة حزنه عليها :
- هي طول عمرها قوية وعمرها ما استسلمت برغم كل اللي حصل معاها ، أكيد فيه حاجه غلط ليل مش ضعيفة كدا ارجوك يا دكتور اكشف عليها تاني اديها حقنه أو اي حاجه تفوقها ....

ابتسم الطبيب وحاول أن يطمانهم :
- مينفعش نعمل اللي بتقوله ده لان المخدر مفعوله خلص يا محمود والمفروض كانت فاقت بس هي مش راضية وده لأسباب نفسية بالمريضة هي اللي رافضة تعرفوا السبب في كدا ؟.

- هي يتيمة !.

قالها محمود بحزن فسأله الطبيب :
- أهلها متوفيين عن قريب ؟.

- لا من وهي صغيرة بس تقدر تقول إن ليل محمله نفسها فوق طاقتها وشايفه أنها هي اللي قتلتهم.

قالت غزل بدموع :
- والعمل ايه دلوقت ؟ .

أجابها الطبيب :
-مقدمناش غير أننا نستنى .

سألته غزل في بكاء :
- طيب هي ممكن تقعد قد إيه ؟ .

حرك الطبيب كتفيه قائلا بقلة حيلة:
- ده شيء في علم الغيب بس في ناس ممكن تقعد يوم أو يومين على حسب رغبتها في الحياه وفي اللي ممكن شهور أو سنيين.

اجهشت في البكاء هاتفة بوهن:
- ينفع أشوفها طيب ؟اكيد لو سمعت صوتي هاتفوق احنا زي التؤام.

أومأ الطبيب برأسه:
- تعالي معايا الممرضه هتجهزك وتدخلي تشوفيها لأنها في العناية المركزة لسه .

..........

فغر كريم فمه في صدمه وهو لا يصدق ما سمعه قائلا :
- غيبوبة !. 

أكد الطبيب بحزن :
- للاسف احنا كدا مش عارفين العملية نجحت أو لأ لأن إصابتها كانت قريبه من فقرات العمود الفقري خصوصا الفقرات القطنية .

- عاوز أشوفها.

قالها كريم بلا وعي ، فنظر له الطبيب باستغراب ثم نفى برأسه:
- ده مستحيل انت ممنوع من الحركه مش أقل من شهر علشان جرحك يلتئم وبعدين نبدأ في الجلسات العلاج الطبيعي إن شاء الله. 

كرر كريم وهو يجز على أسنانه:
- أنا مابخدش رأيك أنا هشوفها أكيد لما تسمع صوتي هتفوق.

تمتم الطبيب بنبرة تحمل التهكم بلا قصد :
- وده ليه بقى ؟ حضرتك مين بالنسبالها؟.

صمت كريم فهو محق إلا أنه رفع رأسه ونظر لعينيه مرددًا بتصميم :
- في إن بيناتنا تحدي وهي وعدتني بيه وهي مش من النوع اللي بيهرب سيبني أحاول اتكلم معاها .

كلمتان قالهم الطبيب ينهي بهم النقاش :
- مستحيل يا كريم باباك قالي إنك عنيد بس متوقعتش كدا ولأنه حظرني منك فأنت مسبتليش غير الطريقه دي.

انفعل كريم عندما فهم مغزى حديثه المبطن وحاول النهوض إلا أنه صرخ بألم من كتفه فوضع الطبيب يده على صدره يعيده مكانه ثم أشار إلى الممرضه أن تحقنه بإبرة المسكن والتي بها نسبة مخدر فقد حان وقتها ، صرخ كريم بهم بانفعال :
- لا لا مش عايز أنام ، سيبوني ، لييييييل ، لييـ...

خفت صوته وهو يغلق عينيه ببطء وصورتها تبرز أمام وجهه تذكر ضحكاتها وكثرة ثرثرتها ونظرات عينيها ، عينيها التي غاص بهما بلا وعي وادمنهم أدمن النظر إليهما . 

.............

مر شهر والحال كما هو عليه لم تستيقظ ليل بعد من غيبوبتها ، بينما كريم يعاني وهو يحاول الوصول إليها، ولكنه مقيد وغير قادر علي الحركة لعنهم جميعا لإصرارهم على إبعاده عنها ، يا الله كم يود رؤيتها كثيرا يمعن قلبه قبل عينيه برؤيتها ، برؤية ضحكتها العذبة التي أسرت قلبه واحمرار خديها وقت انفعالها وغضبها .

تنهد بثقل وهو يتذكر كيف كان يضمها إلى قلبه يبعث لها بعض الدفء ، تذكر استماعه لدقات قلبها وعن إحساسه في تلك اللحظة ، بينما كانت هي تهزي في نومها وتنساب دموعها وهي تنادي على والديها ، أخفى وجهها بصدره وأخذت يديه تمشيان صعوداً وهبوطا على ظهرها كي يُدفئها ، مشاعر عديدة اجتاحته وقتها لا يدري ماهيتها ولكن كل ما يعرفه أنه تعلق بها وبشدة .

............

•وفي أحد الأيام •

كانت تنظر لهما بحب ودموع تفيض بالحنين والاشتياق دموع تنساب بشدة تهتف بكلمات الاعتذار تعلقت بحضن والدتها وهي تقول :
- ماما سامحيني حبيبتي أنا كنت السبب .
قبلت والدتها خديها وهي تبتسم بصفاء أثناء مسحها على شعرها بحنان أموي :
- لا يا حبيبتي مش انتِ السبب ده قدرنا .

أشارت ليل إلى والدها الذي يجلس بعيدا عنهما وهي تقول بألم :
- شوفتي بابا زعلان مني لاني قتلـ.ت أخويا وقتلتـ.كم بس أنا خلاص تعبت وانا بدور عليكم في الألماس أنا عايزاك تاخديني معاك ِ .

حركت والدتها رأسها بنفي قائلة بنبرة حنونه :
- لا لا تاجي فين مش دلوقت خالص عايزه تسيبي كريم لوحده .

طالعتها ليل بنظرات منصدمه :
- انت عارفه كريم منين ؟.

ضحكت والدتها وهي تقول بينما تضع يدها على قلب ليل :
- قلبك حكالي عنه هو عايز يشوفك متسبهوش لوحده باباك متطمن عليك معاه .

افلتت يدها فجأة ثم سارت مبتعدة عنها تقدم والدها وأمسك بيد زوجته وحانت منه ابتسامه صافية لابنته ثم اختفوا في غياهب البحر تاركين ليل تبكي بمفردها ثم فتحت عينيها وهي تبكي تنادي عليهما ، إلا أنها أغلقت عينيها وهي تقوس بين حاجبيها عندما هاجمتها الإضاءة العالية ،حاولت الحراك ولكنها لم تقدر ، دارت عينيها في أنحاء الغرفة باستغراب أين البحر وأين كريم أين أنا ؟ دارت تلك التساؤلات على عقلها وفجأة تذكرت ما حدث معها ،دلفت في تلك الأثناء الممرضة ثم هتفت بدهشة يتخللها فرح :
- انتي فوقتي أخيرا ؟

أكملت الممرضة وهي تتجه إلى الباب :
- ثواني بس هنادي للدكتور .

همست هي بخفوت :
- ك...ـر....يـم.

ثوان وامتلئت الحجرة بأكملها بالأطباء فقد تلقوا أوامر خاصة بشدة الاعتناء بها بأمر من رئيس الوزراء وبالطبع لا ننسى كريم ، اتجه إليها الطبيب الذي أجرى لها الجراحه وقام بفتح عينيها وسلط الضوء عليها فلاحظ تشنج وجهها وانزعاجها من الإضاءة فزفر الهواء بقوة قائلا :
- فاقت الحمد لله .

فتحت عينيها ببطء تنظر إلى الطبيب والرؤية غير واضحة ، أغلقت عينيها مرة أخرى ، فأخذ الطبيب يفحصها جيدًا ثم نادى عليها بهدوء :
- ليل ، ليل سمعاني ؟.

فتحت عينيها هاتفة بنبرة منخفضه :
- كر ..يم فين؟ .

ابتسم الطبيب بخفوت قائلاً:
- بتقولي ايه ؟.

هتفت الممرضة التي تقف بقربها تجاوبه :
- بتسأل عن كريم .

- كريم كويس وبيسأل عليكي قلقتينا عليكي جدا والمستشفى كلها مستنفرة علشان خاطرك شكلك مهمه جدا عنده بقاله شهر واكل دماغنا كل يوم فاقت ولا مفاقتش – صمت لثوانٍ ثم أكمل بمرح – " بيقولنا سيبوني عليها وانا هخليها تقوم بس مرضيش يقولنا ازاي؟".

ابتسمت بوهن وهي تفهم ما يقصد إليه يقصد أن يغرقها بالماء ، همست بتقطع :
- أنا نايمه بقالي قد إيه؟

- شهر وتلت أيام حمد لله على سلامتك خوفتينا عليكِ .

أطبقت جفونها هامسة في إرهاق :
-عا..وزه أشو...فه .

نظرت الممرضة إلى الطبيب مبتسمة :
- واضح أن الاتنين متعلقين ببعض اوي .

أكد حديثها مبتسمًا ثم هتف بنبرة هادئة:
- حاضر هخليكي تشوفيه بس ممكن تركزي معايا هسألك كم سؤال بس وهوديك عنده عايزين نتطمن عليك .

هزت رأسها ببطء ، فتمتم بهدوء وترقب :
- حركي إيدك كدا حتى لو صباع واحد أي حركه بس ولو خفيفه ؟.

بصعوبة شديدة حاولت رفع إصبعها الصغير ،حتى تمكنت من رفعه ببطء ثوانٍ فقط واعادته إلى وضعه بجانب أخواته ، فزفر الطبيب الهواء بارتياح ، ثم ابتسم بحنان قائلا بينما يحمل في يده دبوس صغير قام بوضعه في باطن قدمها : 
- حاسه بيه ؟.

قوست حاجبيها بألم عميق ثم هزت رأسها بإيماءه بسيطه ،وهنا اتسعت ابتسامة جميع الأطباء لتملء محياهم ، هاتفين بنبرة سعيدة :
- الحمد لله على سلامتك يا آنسه ومبروك العملية نجحت ربنا بيحبكم انتوا الاتنين .

..........

استوقفه هاتفًا بنبرة قلقه :
- إيه الاخبار طمني الله يباركلك ؟.

وضع يده على كتفه هاتفًا بنبرة هادئة:
- الحمد لله على سلامتها فاقت ومؤشراتها الحيويه ممتازة وكمان استجابتها سريعه وكدا اقولك إن العملية نجحت وهي هتفضل فترة لحد ما نطمن أن مفيش أي مضاعفات وخلال اسبوعين بالكتير هنبدأ جلسات علاج طبيعي متقلقش .

حمد الله ثم هتف بنبرة متسائلة:
-أقدر اشوفها يا دكتور مش كدا ؟. 

ابتسم بخفوت مجيبا إياه :
- تقدر بس هما خمس دقائق مش اكتر مش عايزين نرهقها .

ابتسم محمود بسعادة ثم اتجه إلى غزل انتظرها حتى خرجت من المسجد الملحق بالمستشفى وأخبرها بما أعلمه به الطبيب ، واتجها سويا لرؤيتها وتوبيخها بذات الوقت توبيخ المحبين .

...................

|•عند الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل•|

اقترب منها ينظر إليها بعمق ، كم اشتاق إلى ملامحها الجميلة ، عينيها اللتان تحدقانه بنظرات متهكمة حانقة أغلب الوقت وابتسامتها الخجولة ، واحمرار خديها عندما تخجل، اشتاق إلى سماع صوتها ، إلى ضحكتها إلى كل شيء بها ، انتبه على لون شعرها الأسود ، أول مرة يراه ، لم يستطع منع نفسه من أن يمد يديه يتلمس ملمسه الناعم مثلها، أنزل يده ممسكًا بيديها يشعر بهما بين كفتيه مال عليهما يقبلهم بشوق وأعين دامعة ، هاتفاً بنبرة مشتاقة:
- وحشتيني يا ليل ،وحشتي قلبي وحشتي عقلي كل ذرة فيا كانت مشتاقلك، شهر مش عارف أشوفك مع إنك قريبه مني هنا ، ربطوا أيدي وعجزوني، كنت هاتجنن واشوفك صدقيني حاولت والله وما استسلمتش .

صمت لثوانٍ ثم قرب وجهه من أذنها هامسًا بشغف :
- بحبك يا الماستي . 

يُتبع ......

#في حب الألماس التقينا.
#نورهان ناصر.



الفصل السابع من هنا 




غير معرف
غير معرف
تعليقات