رواية بهيه ابنة التاجر الفصل الثاني بقلم كاتب مجهول
#قصة_بهيّة_ابنة_التاجر
الجزء الثاني
سأل عدنان عن النّجار ،فقيل له: دكّانه قرب السّوق، وهو معروف بالبراعة في حرفته ،وله أمّ عجوز ،وإخوة صغار ينفق عليهم . قال في نفسه :بهيّة تحبّ من يشتغل بيديه ،سأرسل من يحرق دكّانه ،ويجعل منه متسوّلا ،فهؤلاء أحسن من يستعملون أيديهم القذرة لطلب الرّزق !!! طلب من أحد عبيده المخلصين أن يتسلّل ليلا ويضع النار في الدّكان لكن أجابه العبد : لا أقدر على فعل ذلك ،فله أهل يرتزقون منه ،عاقبني إن شئت لكن بالله عليك أعفيني من هذه المهمّة .
سخر منه ،وقال : هذا جيّد، الآن يتمرّد عليّ العبيد !!! سأريك ما أفعل بك أيّها الوغد ،وأمر بتعليقه ،وضربه حتى سمع كلّ الحيّ صراخه ،ثمّ قال :الأفضل أن أفعل ذلك بنفسي ،سأقف وأرى النار تلتهم ما في الدّكان من خشب ،وأشفي غليلي من بهية وخطيبها الحقير . لمّا حلّ الليل تنكّر بزيّ العبيد ،وذهب إلى السّوق. و حين وصل بحث عن الدّكان حتى وجده، ودار حوله ،حتّى وجد كوّة صغيرة في الحائط ، فأخذ خرقة غمسها في الزّيت ،ثم أشعلها ،ورماها من الكوّة ،وبعد لحظات إرتفعت ألسنة اللهب، وشاهد الدخان يخرج من تحت الباب ،فإبتسم بخبث ،وقال: سنرى يا بهيّة إن مازلت ترغبين في النّجار بعد أن خسر عمله ؟
في الصّباح كان النّاس يتحدّثون عل الحريق الذي دمّر دكّان النّجار وما حوله من دكاكين التّجار ،ولمّا سمعت بهيّة، قالت :دفع الله ما كان أعظم !!! الرّزق بيد الله . بعد ساعة جاء النّجار ،وقال للبنت : لقد فقدت كلّ ما أملك، وإعلمي أنّي إستدنت لأشتري الخشب ،لا شيئ يجبرك على البقاء معي !!! وضعت يدها على كتفه ،وقالت: هوّن عليك يا عبد الله ،لقد أحسن أبي تربيتي ،وسأقف معك، وأساعدك حتى تدفع دينك ،و تعيد بناء دكّانك .
بكى الرّجل لمّا سمع ذلك ،وقال : بارك الله فيك وأبيك، ورحم أمك !!!سأتذكر صنيعك ،ولن أساه ما حييت . بعد قليل دخل مسعود ،فقال لقد علمت ما حصل، لا تقلق يا إبني، سأشتري لك بضاعة ،فاركب البحر وتاجر مع البلدان ،فبإذن الله تربح ،وتعوّض ما خسرته ،وهذه صرة من المال هديّة لأم عبد الله لكي لا تحتاج شيئا في غيابك .
قبّل النّجار يدي مسعود ،وقال : ذلك المال دين في رقبتي سأرده إإليك لما أرجع ،قال مسعود كل ما أعطيتك له هو هديّة عرسك ،والآن ما هي البضاعة التي تريد شرائها؟ فكّر قليلا ،وقال : أنا نجار ،ولا أفهم إلا في مهنتي ،سأشتري أدوات نجارة من مطارق ،ومسامير ومناشير!!! أجابه الشيخ: فكرة جيّدة ،وهي لا تفسد ولا تقدم ،هيا يا إبني، إحزم أمرك ،فهناك سفينة ذاهبة لجزيرة سرنديب خلال أيام، سندعو لك بالتوفيق !!!
ودع النجار بهية وأباها مسعود،و صعد إلى السّفينة وبعد شهر وصل إلى ميناء جفنة في سرنديب ،فرأآه مليئا بالخشب ،والنّجارون يصنعون مراكب الحرب ،وقد علت الجلبة وصوت المطارق ،فتعجّب وسأل شيخا ماذا يحدث ؟ كأنّكم تستعدون للقتال !!! أجاب الشيخ: إنّ سلطان "ما دراي" الهندية قد عظم أمره ،وسيطر على جنوب الهند ،وهو الآن يستعدّ لعبور البحر وغزونا ،لهذا نصنع سفننا!!! المشكلة أنّ الوقت ضيق ،وتنقصنا أدوات النّجارة ،و النّجارين ،قال له دلني على والي المدينة ،قال له في آخر الطريق ستجد بناية عالية هي قصر الوالي ،
شكره وبحث عن البناية حتى وجدها ودهش من جمالها ودقة الزخارف على جدرانها .أذن له الوالي بالدّخول ورحب به ،سأله من أي البلاد أنت أجابه من البصرة ،قال حسنا لقد طلبت مقابلتي خير إن شاء الله !!! قال له معي حمولة كبيرة من أدوات النجارة وأنا نجار، وإن اتّفقنا بعتكم البضاعة ،وساعدتكم في صناعة سفنكم !!!
بدا الاهتمام على الوالي ،وقال : السّلطان يشتري منك البضاعة ،ويدفع لك بسخاء ،لكن كيف يمكنك مساعدتنا ؟ قال :رأيت مراكبكم، وهي كبيرة وثقيلة ،ولن تصنعوا منها عددا كافيا .في بلدنا مراكب أصغر حجما لكنها قوية وسهلة الصناعة ،وستفاجئون بها أسطول عدوّكم !!! قال الوالي: لا أفهم كثيرا في أنواع السفن ،المهمّ أن يكون لدينا ما نواجه به عدوّنا ، لقد عيّنتك رئيس للّنجارين ،وسنذهب الآن إلى الميناء .لما وصلا، تكلم النّجار عن فكرته ،فاستحسنها القوم، وقالوا هيا إلى العمل ،فلدينا الآن ما يكفي من الخشب وأدوات النجارة ،فككوا الأخشاب التي كانت على السفن الكبيرة وبدأوا في صناعة واحدة أصغر حجما لها شراع ومجاذيف بعد عشرة أيام مرّ الوالي واندهش لرؤية مراكب ذات أشرعة رمادية اللون كلون البحر، وعلى جوانبها صفّ من المجاذيف.
لمّا لمحه النجار أتى إليه ،وقال: لقد أتممت عملي ،لم يبق إلا أن تضعوا خطة مناسبة !!!جاء قائد الجيش ،ورأى تلك المراكب، فقطّب حاجبيه ،وقال: هي جيّدة ،لكن لا يمكنها حمل عدد كبير من الرّجال، وسيتفوّقون علينا إذا التحمت السّفن معا في القتال !!! كان النجار يستمع في أحد الأركان ،فتقدّم ،وقال هل يأذن لي سيدي في الكلام ؟ أجابه : هات ما عندك!!! قال: أرى أن نفاجئهم في الظلام ، تقتربون بأقصى سرعة بفضل المجاذيف،ثم تلقون عليهم مشاعلكم المغموسة بالزّيت ،وترمونهم بالسّهام الملتهبة ،وتنسحبون بعد أن تشتعل النّيران في سفنهم .
صاح القائد : خطة مدهشة لا تخطر على بال أحد . في الليل أبحرت المراكب،وإقتربت من العدو دون أن تصدر صوتا ،ثم زادت في سرعتها ورمت نيرانها ، كان البحارة نياما ، إستيقظوا في فوضى ،ورمى كثير منهم بنفسه في البحر ،ولمّا طلع الصباح كان كل شيئ قد إنتهى ..
سمع سلطان سرنديب بأمر الّتاجر البصري،فإستدعاه،وبالغ في إكرامه ، ثم أعطاه سفينة مليئة بخشب الصندل والأبنوس والأعشاب العطرية وقلادة ثمينة من اللؤلؤ وأثواب الحرير هدية لبهيّة، وقال له ستكون كل تجارة الخشب لك وحدك ..
...
