رواية بهيه ابنة التاجر الفصل الثالث بقلم كاتب مجهول
#بهيّة_إبنة_التاجر
الجزء الثالث
قمقم العطر الفضّي ....
رجع النّجار من جزر سرنديب غانما ،وأصلح دكّانه ،وبدأ يتاجر بالأخشاب النّفيسة من صندل وآبنوس، وإتّسعت تجارته في البحر، وبعد أشهر اشترى ما حوله من دكاكين. لما كثر لديه المال ،باع داره، وأسكن إمرأته بهيّة في قصر فخم وسط المدينة،وصار الناس يتحدّثون عن ثرائه ،بعد أن كان نجاّرا فقيرا في طرف السّوق .
لمّا سمع عدنان بالنعمة التي أصبحت عليها إبنة التاجر زاد حقده عليها، وإمتلأت نفسه بالرّغبة في الإنتقام، ثم دخل حجرته ولم يبرحها سبعة أيام، وهو يفكر ،وقال في نفسه: لا أقدر أن أتلف تجارة ذلك النّجار ،فلقد عظم أمره ،لكن يمكنني أن أدسّ له شيئا فيمرض !!! ثم طلب من أحد الخدم أن يذهب إلى السّوق، و يسأل عن عطار نصراني إسمه موسى ، و يقول له أنّ عدنان يريده في أمر فيه منفعة له .
لمّا سمع االخادم خرج من حينه يبحث عنه، وجاء به ، ولمّا استقر به المقام مع الفتى ،ودارت أقداح المدام و ، حكى عدنان للعطار عمّا جرى ،فلمّا سمع حديثه قال: و الله إنّ أمر هذا النّجار شديد العجب !!! ليته يكون لنا شيئ من حظه ،لكن كيف لي أن أخدمك يا سيدي؟! ما أنا إلا عطارلا قوة لي ولا حيلة، فردّ عدنان: ما ناديتك يا موسى، إلا لمّا سمعت أنك عالم بأسرار النّبات، فأردت أن تصنع لي شيئا بمعرفتك، يتسلل إلى الجسم فيذهب صحته ورونقه ، ثم أني أريدك أن تجعل رائحته زكيّة كالعطر، فلا يفرّق المرء بينه و بين الورد أو الياسمين .
لقد اقسمت أن ينتهي بخت بهية ،ويمرض زوجها ،وتفسد تجارته ، ويرجعان فقيرين يأكلان اللقمة من عند أبيها ،ستذهب إلى دكّان النجار وتتحايل عليه لتبيعه ذلك العطر ، وسأغرقك بالنّعم، وأعطيك من الذّهب ما يغنيك، وأولادك !!! فلمّا سمع العطار ما وعده به عدنان أغراه الطّمع ، و قال: لك ما أمرت يا سيّدي.
أحضر موسى أعشابا سامّة ،وصنع منها عطرا زكيّ الرّائحة ،ولمّا فرغ منه ،وضعه في قمقم من الفضّة ،ثم تنكّر في هيئة بائع متجوّل، وملأ قفّة بالعطور ،رماها على ظهره ، واتّجه إلى السّوق ،فصادف صعلوكا أحدب مرقّع الثّياب، فلمّا راى العطّار تجهّم وجهه ، وقال : بئس ما تفعله يا نصراني ،ايّ شرّ تضمر ؟ لتعلم أنّ الشّر إذا زرعته، يرتدّ على صاحبه بالسّوء ،وإن طال الزّمان ،ومضت الأيّام .
لما سمع موسى كلام الصعلوك، قال في نفسه: صدق والله الرجل،و همّ بالرجوع ،لكّنه تذكّر وعود عدنان بالعطاء والنوال ،فواصل طريقه ،ولمّا إقترب من دكّان التّاجر صادفه صبييان يركضون، فصدمه أحدهم، ووقعت قفّة العطور على الأرض، وتناثرت القمائم ،وكانت كلّها من نفس الشّكل والحجم .أمّا القمقم المسموم ،فقد تدحرج ،ودخل تحت جبّة شيخ جالس على حافّة الطّريق دون أن ينتبه له
أرجع العطار القمائم إلى القفّة ،وقال : الآن لا أعرف أيّ واحد منها يحتوي على السّم !!! فقد كنت أضعه في مقدّمتها ،والحلّ هو أن أبيعها كلها إليه ،لا بدّ أن أقنعه بشرائها ،وإلا ضاع الذّهب ،ومعه كلّ ما بذلته من جهد لصناعة ذلك العطر ، تبا !!! ألم يجد الصّبيان إلا هذا الوقت ليخرجوا للعب ؟هل وجب عليّ أن أتعب اليوم ؟
وأخيرا وصل موسى أمام دكّان النّجار ،وبدأ يمتدح في بضاعته ،ويتملق ،حتى رضخ الرجل ،وقال له: حسنا، سأشتريها منك بنصف ثمنها ، هذا كل ما أقدر على دفعه ،هل أنت موافق ؟ لم يصدّق العطار نفسه ،وأجابه: إنّها من أصناف متنوّعة من الأزهار ،أنصحك أن تجرّبها كلها ،لترى أيّها يناسبك ،وسأمّر عليك بعد أيّام، فلي الكثير منها !!!
جلس النّجار ،وفتح القمائم، وشمّ ما بها من عطر ،فأعجبته كلها ،وقال في نفسه: إنّها غالية الثمن، وتساوي الكثير من المال ،لقد كانت حقا صفقة مربحة أمّا الشيخ فلما هم بالنّهوض، تعثرت قدميه بالقمقم المسموم ،فأخذه ،ونظر يمينا وشمالا ،فشاهد قربه دكّان عطار يرصف بضاعته ،فقال: لا شك أنها سقطت منه ،فقام، ورماها في صندوق العطور ،و إنصرف ، ثم جاء التّاجر ،فأخذ القمقم ،ورصفه مع غيره، وهو يعتقد أنّه بضاعته !!!
...
يتبع
