رواية سته وعشرين كامله جميع الفصول بقلم ساندي عاطف
- ستة وعشرين.
- إيه؟
ابتسَـمت وبصيت لها:
- عدد المرات اللي روحت اتقدم واترفضت فيها كانت ستة وعشرين.
اتنهِـدِت وقعدت جمبي:
- ماكنوش شبهك ولا نصيبك يا حبيبي، عشان خاطري المرة دي، وبعد كِده هسيبك على راحتك.
- يا ماما خاطرِك غالي، بس كفاية رفض لحد كِده!
- عشان خاطري يا آمِن ماتكسفنيش المرة دي، واللهِ بعد كِده هسيبك على راحتك.
بصيت لها بشك:
- توعديني لو اترفضت المرة دي ماتفتحيش الموضوع ده؟
ابتسَـمِت:
- أوعدك.
هزيت راسي بماشي بقِلة حيلة، فخرجت مِن الأوضة وهيَ مبسوطة.
جميل، نختار نلبس إيه المرة دي واحنا رايحين نترفض؟
أكيد مش هبقى متفائل، أنا اترفضت ستة وعشرين مرة لأسباب مختلفة، وغبـ ـية، واحدة مش مرتاحة، وواحدة حست فجأة أنها لسه صغيرة! مُبررات وحجج عبيـ ـطة، ولكِني عارِف السبب الحقيقي، شكلي وجسمي.
حاجة مختارتهاش وبقيت متأقلم معاها عادي،
معنديش مشكلة إني مليان زي ما قُلت، بل بحس أنها حاجة مميزاني واللهِ؛ لأني أنا الوحيد المليان في عيلتي! شكلي مقبولة، وكشغل كويس ومرتبي كويس وفاتح كام مشروع كِده بعيد عن شغلي الأساسي، بس وقت ما بتقدم كل ده ولا بيبقى ليه لازمة، بيفضل بس التركيز على الهيئة الخارجية.
قعدت بليل في بلكونة أوضتي، مِن حُسن حظي إن وقت ما نقلنا في البيت ده كان أحمد أخويا اتجوز؛ فبقى ليّا أوضة لوحدي، وكمان بلكونتها كبيرة، فده سهل عليّا جدًا إني أمارِس هوايتي بحُرية مُطلقة؛ ألا وهيَّ الرسم.
مسكت قلمي وبدأت اشخبط، فضلت اشخبط كتير وأنا مش عارِف برسم إيه أساسًا، بعدين مسكت ألواني وبدأت الون، الرسمة شوية شوية بتوضح،
المشهد بدأ يتجسد قدامي، صوت الأطفال وهُما خارجين مروحين، وكان ديڤيد صاحبي بيلعب مع حسن زميلنا، وأنا كنت قاعِد بعيد مستني أحمد أخويا يجي ياخدني..
كانوا بيلعبوا وبيضحكوا، وفجأة لقينا إيد بتشد حسن وبترمي ديڤيد على الأرض، قام ديڤيد وعينيه مليانة دمـ.وع وبص لأبو حسن وهو بيقول لحسن:
- أنت ازاي بتلعب مع ده؟
رد حسن ببراءة:
- ده صاحبي يا بابا!
زعـ.ق باباه بصوت عالي:
- لأ طبعًا مش صاحبك، أنت مش شايف شكله عامل ازاي! شبه الـ...
غمض عينيه واتنفس بغـ.ـضب:
- استغفر الله العظيم، هيَّ خِلقة ربنا آه بس شكله يخوف حقيقي!
نزلت دموع ديڤيد وهو بيسمع عمو بيقول:
- اوعى تفكر تلعب مع ابني تاني، أنت فاهم!!
كنت واقِف مِن بعيد براقِب المشهد بغـ ـضب، قربت منهم وزقيت عمو بإيدي وحضنت ديڤيد وأنا بقول:
- ديڤيد أصلًا مش عايز يلعب مع حسن، ديڤيد هيلعب معايا.
مسكني مِن القميص بتاعي وهو بيقول بغضب:
- على آخر الزمن يجي عيل شبه البطيخة زيك يزقني أنا؟
- عمو أنت هتروح الـ ـنار.
ضِحك بسُخرية:
- وهروح الـ ـنار ليه يا اخويا؟
- عشان مُتـ ـنمر، والتنـ ـمُر حرام.
ضِحك:
- لو اللي بعمله ده تنـ ـمُر؛ فأنتم بالذات حلال فيكم التنمُر.
غمضت عيني وخدت نفس وحاولت افتكر اللي ماما حفظتهوني مِن كام يوم، وبدأت أردد:
- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
أنت متخيل تكون بتتـ.ـنمر على حد وهو عند ربنا أحسن منك أساسًا؟
مسح ديڤيد دموعه ونفض التراب عن هدومه وقال بثقة:
- وعندنا في الإنجيل بنقول "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟"
يعني يا عمو بلاش تدين حد عشان هتدان بنفس الطريقة، وقبل ما تبُص على القشة الصغيرة اللي في عيني، شيل الخشبة الكبيرة اللي في عينك.
سكت شوية ومعرفش يرُد، بعدين قال بغـ ـضب:
- أنتوا مـ...
- هُما ولاد شُجعان.
بصينا لمصدر الصوت وكان أحمد أخويا، قرب مننا وحطني على شماله وديڤيد على يمينه، وابتسَـم لعمو وقال:
- واقِف ليه؟ حابِب تتهـ.زق تاني؟ واللهِ كان نفسي اهزقك، بس العيال العشر سنين قاموا بالواجِب وزيادة، فَلِم الباقي مِن كرامتك واتفضل مِن هِنا.
بص لينا كلنا بغـ ـضب، وشد حسن ومشي.
مسِك أحمد إيدينا وخرج بينا برا المدرسة، وقفنا وهو قعد قدامنا وابتسَـم:
- أنا لو فضلت اقول أنا فخور بيكم قد إيه مش هقدر أوصف.
قُلت أنا:
- يعني مش زعلان مني عشان ضايقت عمو وهو أكبر مني؟
هز راسه بالنفي:
- مش هو اتريق عليك أنت وصاحبك؟
هزيت راسي بالإيجاب؛ فكمّل:
- يبقى يستاهل، وبعدين زي ما ديڤيد قال "وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم" هو ضايقكم؛ فيستحمل بقى.
بص لديڤيد ومسِك إيده:
- ومش عايزك تضايق لحظة واحدة يا ديڤيد، أنت مُميز جدًا حقيقي، يعني أنت عندك حد في دُفعتك بشرته سمرا شوية؟
هز راسه بالنفي، فكمّل أحمد:
- وعشان كِده أنت مُميز عن الكل، ربنا عشان بيحبك أوي أوي؛ فخلاك تكون مُميز عن كل أصحابك.
ضِحك ببراءة:
- بجد؟
ابتسَـم أحمد:
- بجد، وعشان أنتوا كنتوا شُجعان، وعشان بتحفظوا آيات وشاطرين؛ هعزمكم على أكل، تحبوا تاكلوا إيه؟
بصينا لبعض، وردينا بحماس في صوت واحِد:
- بيتزا.
ضِحكت على ذكرى الموقِف اللي عدى عليه فوق العشرين سنة تقريبًا، أعتقد ده كان أكتر وقت قربنا أنا وديڤيد لبعض، وحاليًا هو أقرب حد ليّا في الدنيا، تقريبًا أكتر مِن أهلي حتى!
طلعت ورقة تانية وحطيتها على الاستاند، ورجعت اشخبط مِن تاني، خلصت ولونت الرسمة، والمرة دي كانت مختلفة، طِفل صغير قاعِد تحت بيت قديم، ومجموعة أطفال ماسكين كورة وبيشاوروا عليه وبيضحكوا، المشهد بدأ يتجسد قدامي زي اللي قبله بالظبط..
- هنلعب كورة؟
- آه ياريت.
- طب ما حد يشوفلنا كورة يا رجالة ولا هنلعب بإيه؟
ضِحك ولد منهم وقال:
- ليه ندور على كورة وآمِن موجود؟
كنت قاعِد في رُكن في تحت بيتنا برسم، وسمعت ولاد الحارة بيقولوا كِده، ماشغلتش بالي، عادي يعني، هيَ دي أول مرة يقولوا كده؟
كنت مركز في رسمتي ومش سامع اللي حواليا تقريبًا، لقيت حد بيشد مني دفتري وبيقول:
- إيه بقيت اطـ ـرش كمان؟
اتنهِـدت:
- أنا كلمتك دلوقتِ؟
- بننادي لَك مِن بدري!
- كنت مركز في الرسم ماسمعتش، عايزين حاجة؟
- عايزينك تلعب معانا كورة.
كمّل وليد:
- هتكون أنت الكورة طبعًا.
صوت ضحكهم عِلي مِن تاني، فزفرت بملل:
- هات الدفتر يا رائد وحِلوا عني.
بدأ يقلب في الدفتر بمنتهى العشوائية وإيديه مليانة تراب، بدأت اتعـ ـصب وحاولت اشده منه، فمسكوني اتنين منهم، مع كل رسمة كان بيبتسِـم بسُخرية، وفي الآخر قال بقرف:
- أنت مسمي العـ ـبط ده رسم؟
حدف الدفتر على الأرض؛ فوقع في الطينة، فصرحت بصوت عالي:
- أنت عيل رِخـ ـم!
- رِخـ ـم بس بعرف ادافع عن نفسي، مش زيك، مابعملش حاجة في حياتي غير إني باكل لحد ما قربت انفجر.
- هو إيه اللي بيحصل هِنا؟
أول ما سمعوا صوت أحمد سابوني بسُرعة وكلهم جريوا، قرب أحمد مني ونزِل لمستوايا:
- إيه اللي حصل؟
دموعي بدأت تنزِل وشاورت بإيدي على الدفتر اللي في الطينة، طلع منديل مِن جيبه وشال الدفتر مِن الأرض، بدأ يمسحه على قد ما يقدر، ومسِك إيدي وطلعنا للبيت.
أول ما دخلنا ماما جريت عليّا تشوف مالي، وبابا كان قاعِد، قعدنا كلنا سوى وبدأت احكيلهم اللي حصل وأنا متشحتف مِن العياط؛ فقال بابا:
- ولا يشغلك كلام أي حد، أنت قلبّك جميل يا آمِن، وتستاهِل كل حاجة حلوة، وبعدين مفيش راجل بيعيط ولا إيه!
رد أحمد:
- لأ يا بابا، فيه راجل بيعيط عادي، هو الراجل ده مش بشر وبيحس؟
- يابني أنا قصدي أنّه مش ضعـ ـيف عشان يعيط!
ابتسَـم:
- ما هو العياط مش ضـ ـعف يا بابا، كل إنسان في الدنيا ليه قُدرة تحمُل مُعينة، ووقت ما حصونه بتنـ.ـهار تمامًا بيعبر عن حُز.نه ده بطُرق مختلفة، فيه ناس بتلجأ للعياط، وفيه ناس بتكتب، وفيه ناس بترسم، ناس بتـ ـصرخ، ناس بتفرغ حُزنها ده على هيئة كُتلة كبيرة مِن الغـ ـضب، ومش معنى أننا مُختلفين يا والدي إن حد فينا غلط، كل واحد ليه طريقة عادي.
ابتسَـم بابا وطبطب على كِتفه:
- جدع يا أحمد.
بص ليّ وكمّل:
- وأنت يا آمِن، اوعى تسكُت لما حد يجي عليك، أنا مش عايزك تكون عدو.اني وتضـ ـرب عشان كِده غلط، ولا ترد التـ ـنمُر بالتـ ـنمُر؛ لأنك كِده بتغلط زيك زيه برضو، بس دافع عن نفسك بالعقل وبدون غلط، أنت مش ناقِص حاجة يا حبيبي، أنت جميل، أجمل حد في الدنيا كلها.
حضنتني ماما وقالِت:
- ومهما حصل خليك عارِف إنك في عينينا هتفضل أجمل حد في الدنيا كلها، وأننا دايمًا بنحبّك.
.
ابتسَـمت وبصيت لآخر صورة، كانت صورة لماما وهيَ حضناني هيَ وبابا، وأحمد قاعِد بضهره وماسِك إيدي، الصورة دي بالذات أنا رسمتها كتير جدًا؛ عشان دايمًا أفضل فاكِر إن أهلي هما أكبر داعِم ليّا، وكمان عشان مهما حصل أشوف قد إيه هما أحسن أهلي في الدنيا، وإن حتى بعد ما عرفوا اللي بتعرض له مقالوش زي بقيت الأهل "اللي يضــ ـربك اضـ ـربه، واللي يشـ ـتمك اشتـ ـمه" هفضل طول عمري مُقتنع إن ماينفعش نعالِج الغلط بغلط أكبر، وده اللي عملته بعد كِده، وقت كان حد بيفكر يتـ.ـنمر على شكلي كنت بقوله إن كلامه مش هاممني، وإني مُميز، وكفاية إن ربنا وبابا وماما وأحمد بيحبوني.
فضلت ماشي بالقاعدة دي طول حياتي، اللي هو أنتوا شايفيني وحش؟ مش مهم، المهم أهلي شايفني حلو، وزي ما كان أحمد بيقول إني مُميز بشكلي في عيلتنا، كمان لأن عيني ملونة وبشرتي فاتحة على عكس الباقيين قمحاوية، حاولت أكون مُميز في دراستي كمان، كنت الأول على مدرستي في الإعدادية والثانوية، وكنت بجيب تقديرات كويسة جدًا في كُلية الهندسة، وبما إني بحب الرسم والألوان؛ فدخلت هندسة ديكور، ودي كانت حِلمي، حِلمي اللي ماسمعتش لأي حد في الدنيا عشان أحققه، أنا لو كنت سمعت لكل اللي كان بيتقالي ماكنش زماني بقيت هِنا، فترة تالتة ثانوي كنت بطنش كل السلبي، وبركز في الإيجابي بس، ولو مالقتش إيجابي بخلقه لنفسي، كنت بشجع نفسي كل شوية، متعود مِن أولى ثانوي إن طول ما أنا بذاكر بكتب في كشكول مذاكرتي عبارات تشجيعية؛ عشان كل ما افتح اذاكر اشوفهم، ولو في يوم كُنت مُحبط هُما اللي يساعدوني أكمّل.
***
كنت فاتح video call بكلم ديڤيد؛ لأنه في نيويورك حاليًا، بدأت اوريه اللبس اللي بفكر البسه وأنا بقول:
- إيه رأيك في ده؟ قميص بيبي بلو وبنطلون كُحلي، أوتفيت مُناسِب جدًا للرفض.
ضِحك:
- ما تبطل تشـ.ـاؤم يا عم! يمكِن تظبط المرة دي.
- كانت ظبطت في الستة وعشرين يسطا.
- ستة وعشرين إيه؟
ضِحكت:
- اتقدمت لستة وعشرين بنت، واترفضت، هتظبط السبعة وعشرين يعني؟
ضِحك باستغراب:
- أنت بتعدهم يا آمِن؟
هز راسه، فضِحك ديڤيد أكتر:
- مش مُهِـم، بص أنا بتفائل برقم 7، فإن شاء الله تظبط.
- عدى سبعتين على فكرة، لو كان رقم كويس كانت ظبطت.
- التالتة تابتة، وأنا بحب رقم 73 يا عم!
اتنهِـد:
- ماشي، هلبس إيه بقى؟
بدأنا نختار اللبس سوى، واستقرينا على قميص أبيض وفوقيه هيكول رمادي، وبنطلون أسود وشوز بيضة، حطيت برفيوم مُعينة بإصرار مِن ديڤيد؛ لأن هو اللي كان جايبها، ظبط شعري، وبعد ما خلصت قُلت له:
- أحط العدسات؟
- لأ يا آمِن، خليك على طبيعتك خالص، وخليك فاكِر إن دي أكتر حاجة بتميزك.
عيني ملونة بس مش لون واحِد، عيني اليمين رمادي، وعيني الشمال زرقة، دي كانت حاجة بتخوف الناس مني بعيدًا عن شكل جسمي، و... ثواني كِده! ماله شكل جسمي؟ ده هما 105 كيلو يعني، رفعت شعري بغرور وأنا قاعِد في العربية وابتسَـمت في المراية وأنا بقول لنفسي:
- Baby, you are so attractive.
وصلنا لبيت العروسة، بدأت الحكاوي المُعتادة والحقيقة إن أهلها ناس لُطاف جدًا، وخصوصًا أخوها، البيت أساسًا مُريح، مِن أول ما تدخل كِده هتحس براحة نفسيّة كبيرة.
طلعت العروسة بالعصير، سلمت على الكل وقعدت، وبعد شوية سابونا لوحدنا، اتنحنت وبدأت كلام:
- حابة تسألي عن إيه؟
كان باين عليها متـ.وترة جدًا وكانت بتفرُك في إيديها جامد، رفعت عينيها وبصت لي، فضلت شوية بصالي، بعدين ابتسَـمِت وقالِت:
- عينك لونين؟
- في مُشـ ـكلة؟
يتبع..
اكمل
بقلم الكاتبة / ساندي عاطف.
