رواية اية فى الجنون الفصل الخامس و العشرون 25بقلم ندى محسن


 

رواية اية فى الجنون الفصل الخامس و العشرون  بقلم ندى محسن


#اذكروا_الله.

☆الحياة لحظة.. هناك لحظة يبدأ عندها كل شيء، بينما لحظة أخرى ينتهي بها كل شيء☆.
#الكاتبة_ندى_محسن.

هبطت من سيارة "عبد الرحمن" وقلبها يكاد أن يخرج من محله، يستطيع أي شخص أن يستمع لصوت أنفاسها العالية كأنها ترغب في رؤيته قبل أن تعلن عن توقف أنفاسها للأبد، رأت سيارة الإسعاف على قرب منها والكثير من الفوضى تعم المكان، سارت وهي تراهم يقوموا بنقل جثمان مغطى الوجه وقد غرق الغطاء بالدماء، حركت رأسها بنفي وأسرع "عبد الرحمن" إليهم من بين بكاؤه ليقوم بازالة الغطاء ولم يكن منها سوى السقوط أرضًا في انهيار تام، وضعت يدها على قلبها بألم واقترب منها "عبد الرحمن" بصوت مرتجف:

-أية قومي..

حاولت السيطرة على نفسها وهي تتمنى أن لا تكون حالة "موسى" مشابهة لهذا الرجل، تمنت أن يكون بخير ولم يمضي الكثير وقد تحققت أمنيتها وهي تراه جالس أرضًا وهو يحتوي جسد بين يديه تبين أنه جسد أخاه "محمد" اقتربوا منه على الفور ليجدوا وجه "موسى" تغرقه الدموع وهو يخبر صديقه:

-أتصل بيا، معرفتش أعمل حاجة، معرفتش أوقف العربية، معرفتش يا عبد الرحمن الحقني..

تحدث "محمد" بصعوبة وهو يجاهد ليأخذ أنفاسه:
-أنا هبقى كويس صح مش هموت؟ مش عايز أموت دلوقتي يا موسى.. 

اقتربت "أية" وقد تبدلت ملامحها لتبدو كفتاة تلفظ أنفاسها الأخيرة، أمسك "محمد" بيدها وهو يضغط عليها كما يفعل مع "موسى" وتحدث لآخر مرة إليهم:

-سامحيني، أدعيلي أنا كان نفسي أكون شخص يستحقك، أنا فعلًا حبيتك بجد.. سامحيني وادعيلي من قلبك.. 

انهارت في البكاء لتلتقي عينيها بأعين "موسى" الذي كاد أن يجن عندما توقف عن الحديث والحركة واقتربوا يضعون له جهاز الأكسجين ليقوموا بنقله، تحدث "موسى" بألم:

-أنا هروح معاه، علي مات خلاص يا عبد الرحمن، هو مات..

اسرعت "أية" لتصعد معه في سيارة الأسعاف دون انتظار وقرر "عبد الرحمن" أن يتبعهم بسيارته، لم يجيب على أي أتصال وهو يعلم أن كل شيء سوف ينقلب رأس على عقب.

انفعل "عز الدين" ومازال يحاول الاتصال على "عبد الرحمن" ولا يجيبه:

-مش راضي يرد ليه الزفت ده؟ أكيد محمد ابنك خاد عربيتي عارفة لما أشوفه بس وادعي ميكونش حصل حاجة لموسى.

ابتلعت "حلم" ما بحلقها وهي تدعو الله أن يتخلص من "موسى" ويريحها بعدم وجوده في هذه الحياة.

في مكان آخر يقف "موسى" أمام غرفة العمليات برفقة كلًا من "عبد الرحمن" و"أية" التي اقتربت منه لتمسك بزراعه قائلة من بين دموعها:

-هيبقى كويس إن شاء الله مش هيحصله أي حاجة.

نظر لها ومن ثم ابتعد عنها وهو يومأ كما لو كان باغض كل البغض للمساتها، كانت تتابع وجهه كيف كان حزين وقد تبدلت وكأن ما حدث قتل كل شيء به عداه.. لا تعلم بماذا يفكر ولكنه شارد تمامًا، همس "عبد الرحمن" إليها بلين:

-سيبيه هو مش هيبقى كويس لو فضلنا نكلمه.

لقد علمت هذا من قبل، هو لا يحب تلقي الدعم في حالته تلك، تذكرت حديث "محمد" لها ولا تعلم كيف تبدلت الأمور بتلك الطريقة؟ لقد كان يوم خطبتها يوم تحلم به معه ولم تتخيل أن ينتهي بتلك الطريقة المأساوية.

لا يوجد مفر وقام "عبد الرحمن" بالرد على "عز الدين" واخباره بالعنوان، خرج الطبيب بعد مدة لينتبه "موسى" له ولكن أتى الجواب محطمًا لأماله:

-إحنا حاولنا نعمل اللي يقدرنا عليه ربنا وحاولنا كتير إننا..

قاطعه "موسى" بانفعال:

-أنجز من غير مقدمات..

أمسك "عبد الرحمن" بزراع "موسى" وهو يحاول أن يجعله يهدأ ليدفع يده وقد تحدث الطبيب في هذا الوقت الذي صادف دخول "عز الدين" واقترابه منهم:

-أنا أسف بس أخوك دخل في غيبوبة.

اتسعت أعين "موسى" بصدمة وهو ينظر له ومن ثم نظر تجاه صديقه االذي وضع يده على وجهه ليغطي فمه بصدمة، اتاهم صوت "عز الدين" الذي اقترب مع زوجته الباكية:

-ماله محمد؟ غيبوبة أيه بس ده كان زي الفل و..

صمت وهو يلاحظ نظرات الطبيب المشفقة، تحدث الطبيب وهو ينظر إليه:

-إحنا هننقله لأوضة تحت الأجهزة، أنا عايز حضرتك تكون قوي العمر ده بتاع ربنا، لو عايز رأيي بلاش نعذبه لإن دلوقتي هيعيش بس تحت الأجهزة ولو حصل واتشالت.. أنا أسف.

نظر إلى الأسفل وكأن ما حدث ذنبه وليس قدر كُتب على ابنه، تحدث "موسى" في هذا الوقت:

-لو هيعيش حتى لو تحت الأجهزة متشيلوهاش وإلا بجد تبقوا قتلتوه، هو هيبقى كويس وحتى لو الأمل واحد في المية حتى لو نقطة في بحر أنا عندي ثقة إن ممكن كل حاجة تتبدل.

شعر برأسه تؤلمه، لا يعلم ما الذي يحدث له ولكنه شعر بأنفاسه تتسارع بطريقة مبالغ بها، اقتربت "أية" لتمسك بيده ومازالت دموعها تتساقط:

-موسى أقعد.. أنت مش كويس بالله عليك.. 

انفجرت "حلم" بها وهي منهارة تمامًا:

-موسى أقعد! ده اللي همك؟ يا شيخة منك لله أنتِ وهو أنتو السبب في اللي حصل لأبني أنتِ اللي علقتيه بيكِ وروحتي اتخطبتي لأخوه.

نظر "موسى" لها وللمرة الأولى حديث "حلم" خناجر تطعن به لتجعله عاجز عن الرد، تحدثت بألم حقيقي وانهيار من جديد:

-منك لله يا موسى أنت وهي أنا مش عايزة غير ابني، أنا هموت معاه يا عز لو حصله حاجة، أزاي يسيب الدنيا علشان هما سابوه؟ هو مش عارف إني أكتر حد بيحبه؟! هو مش عارف إني من غيره أموت؟ والله حاسة إني هموت لو حصله حاجة أعمل حاجة يا عز بالله عليك.

ضمها وقد اصابته صدمة أخرى من حديثها الذي لا يعرف شيء عنه، كانت "أية" تبكي وقد كان قلبها يرتجف وهي ترى حالته وتسمع حديث "حلم" التي تضع كل الحق عليهم!

تم نقل "محمد" إلى غرفة، ممنوع الدخول والاقترب منه ولكن الطبيب كان يزيل الستائر عن الحاجب الزجاجي بينهم، كانت "حلم" أكثرهم انهيارًا وذهب "عز الدين" لإنهاء اجراءات دفن "علي" صديق "محمد" بقلب متهشم، لقد كان صديقه الوحيد، لم يكن له في الحياة سوى جده الذي توفى منذ فترة ليتركه وحيدًا.

اقترب "موسى" ليستند على هذا اللوح الزجاجي وكل ما يسيطر عليه هو صوت أخيه المازح، لطالما كان أخاه وابنه المهمل، لم يراه سوى ضاحكًا ساخرًا، لقد كان مليء بالحيوية، لا يعلم كيف وصلت بهم الأمور إلى هنا وبسبب من حدث كل شيء؟!

تحدث "عبد الرحمن" إلى "حلم" في محاولة منه لمواساتها:

-هيقوم بالسلامة وهيبقى كويس أكيد، مش ممكن يحصله حاجه.

نظرت "حلم" له وقد انهارت في البكاء:

-لو حصله أي حاجة أنا ممكن أموت فيها، أنا حاسة إني في كابوس، ده أول فرحتي، ده اللي أول ماما اتقالتلي كانت منه، شعور وأنا شيلاه لأول مرة شايلة حتة مني ومش عايزة أسيبه، هو مش ابني هو حياتي يا عبد الرحمن مش هقد.. 

كان "موسى" يستمع لكل هذا ليتذكر جملة والدته التي اعتاد عليها:

-أنت مش ابني أنت العالم بتاعي كله، أنت بتشوفني بحب عز صح؟ هتصدقني بقى لو قولتلك إني بحبك أكتر منه! مين ميتوهش في بحر عيونك يا مسكر أنت؟ ده أنت حتة مني يا ولة! 

نعم هو يريدها الآن، يريد أن يخبرها بظلم هذا العالم إلى عالمها، يريد أن يشكي لها من كل شيء حتى مزاجه المتقلب، يود الهرب الآن بعيدًا عن كل شيء عداها هي.

هم بالرحيل لتتبعه "أية" التي اسرعت بمسك زراعه لينتبه لها كما لو كان ناسي وجودها! نظر إلى فستانها المزين من أجل يوم ظن أنه سوف يكون أسعد أيام حياتهم! تحدثت إليه بألم:

-هيبقى كويس صدقني، الدعاء قادر يغير كل حاجة و..

سحب زراعه منها بقسوة قائلًا:

-مش عايز كلام كتير.. يلا علشان أروحك.

حركت رأسها بنفي وهي تخبره بصدق:
-مش هسيبك حتى لو ناوي تفضل هنا على طول.

قبض على يدها وهو يسير كما لو كان مغيب لتنبهه:

-موسى لو سمحت أستنى، أنت بتوجعني لو سمحت..

توقف صارخًا بها:

-بوجعك! لو تعرفي اللي حاسس بيه مكنتيش اعتبرتي ده وجع.. طيب الوجع اللي حسيتي بيه ده علشان عِندك وعلشان مجادلتك، أنا بقى! قوليلي أنا الوجع اللي حاسس بيه ده بحس بيه ليه؟ علشانك حبيت! علشان حبيتك بجد! 

تساقطت دموعها، بينما هو قرب يده من وجنتيها ليقوم بمسحها قائلًا:

-روحي بدون نقاش أمشي.. 

سارت معه وهي تعلم أنه لن يتركها لتبقى هنا، لكنها صدمت عندما أوقف تاكسي ليجعلها تصعد وهو يخبره:

-هتروحي على الفندق تاخدي أيات وعلى البيت، لما توصلي ابعتيلي رسالة.

أخرج الكثير من المال ليقدمه إلى السائق قائلًا:

-خلي الباقي علشانك وادعي لأخويا يقوم بالسلامة.

لم ينظر لها ولم يعطيها الفرصة ورحل! لم يكن منها سوى الصمت وهي تحاول السيطرة على دموعها، تعلم أن الألم كبير ولا يُحتمل، تعلم أنه تائه وتمنت لو يسمح لها بالبقاء ولكنه لم يعطيها الفرصة لتحاول.

☆☆☆☆☆
كانت "أيات" تجلس في غرفة الفندق وهي تشعر بالكثير من القلق، لقد ذهب الجميع وأصر عمها على اصطحابها معها ولكنه رفضت تمامًا وقابلته ببرود شديد، قالت أن شقيقتها سوف تأتي وإلى الآن لم تأتي وهاتفها هنا.

سمعت طرقات على الباب واسرعت بفتحه ولكنها صدمت بوجود "خالد" أمامها، همت باغلاق الباب ولكنه كان الأسرع عندما قام بدفعها وهو يكمم فمها:

-ششش  أهدي كدة علشان متفضحيناش في المكان.

كانت تحاول ضربه وابعاد يده برعب شديد لكنه أحكم يده على عنقها:

-تعرفي تبطلي ولا اشتاقتي للضرب؟ فكراني ناسي اللي عملتوه؟ فاكرة موسى ده هيجري وراكو لا يا حبيبتي هو عمل شو في الأول بس علشان شاف أنكو بنتين هُبل لوحدكوا.

شعر بصعوبة تنفسها وهدوء حركة جسدها ليترك عنقها ومازال يمنع صوتها:

-مش أنتِ اللي رفضتيني؟ ليه ترفضيني؟ أنتِ عارفة كويس إني بحبك إنتِ حتى لو ليا نزوات، حتى لو ليا صحاب بنات أنتِ البنت اللي بموت فيها ومهما حصل مش هتجوز غيرك يا أيات.. أنا بموت فيكِ. 

دفن وجهه بعنقها ليستنشق عبيرها وهو يبتسم لتغمض عينيها بنفور وتقزز وهي تسمعه يتابع:

-أنا بحبك يا أيات، أكتر حاجة ندمان عليها إني سمحت لأختك تمشي من عندنا، أنتِ عارفة أمي اتأثرت أزاي؟ أنتِ عارفة إنها يا عيني ست مشلولة وأي حاجة بتأثر فيها ومع ذلك معملتيش أي حساب لحاجة زي دي؟

لكمته "أيات" بقوة ببطنه ليتركها دون إرادة منه وتبتعد عنه وهي تسعل بقوة وقلبها على وشك التوقف من الرعب، وضعت يدها على عنقها بألم ولا تصدق أنه كاد أن يقتلها حقًا! نظرت له وهي تجاهد لتأخذ أنفاسها، علم أن صوتها لن يخرج الآن، اقترب بحزن مصطنع متابعًا بخبث وهو يحاول تذكيرها:

-مكنتش أقصد أوجعك كدة.. أنتِ فاكرة صح؟ 

دفعت يده التي اوشكت على لمسها لتتحدث بصوت خافت: 

-أنت شخص مريض نفسي، مهما يحصل مش هوافق أبقى مع واحد زيك، أنا بشفق على مامتك وبشفق على أخواتك البنات اللي عندهم واحد ميعرفش ربنا زيك.

ضحك وهو يقترب ليقوم بسحب شعرها بقوة: 

-الله يقوي إيمانك يا حلوة يا بتاعة الكباريهات، فكراني مش عارف؟ لا ده أنا خالد وأعرف كل خطوة بتخطيها بس سايبك بمزاجي.

كانت تبكي وهي تتمنى أن تأتي شقيقتها، نظر حوله وهو يبتسم:

-حلوة الأوضة دي أنا بفكر في شهر العسل بتاعنا نحجز أوضة زيها في أي حتة ساحلية.

كانت ترمقه باشمأزاز بينما هو أرخى قبضته على شعرها واقترب من وجهها لتصفعه بقوة رغم خوفها صارخة به:

-بطل مش من حقك تمد أيدك عليا ولا تقربلي مش من حقي، بطل وسيبني في حالي كفاية اللي عملته فيا، كفاية أنا مبقتش عارفة أتعامل مش عارفة.. 

ابتعدت وهي تراه يلمس وجنته بغضب شديد ويقترب منها بعد أن أخرج سكين من سترته ليهوى قلبها أرضًا: 

-أنتِ شكلك خدتي على كدة وفكراني هعديهالك بجد بقى والله لهوريكي هعمل فيكِ أيه وهسيبك كرهاني بجد حياتك كلها.

سمعت طرقات على الباب لتركض وتقوم بفتحه قبل أن يمسك بها "خالد" رأت أمامها الشاب الذي التقت به في الحفل لتسرع بالأختباء خلفه وهي تمسك بسترته:

-ساعدني بالله عليك.

تعجب "شهاب" من هذا وقد أتى من أجل الأطمئنان عليها كما قالت والدته:

-أهدي في أيه؟

نظرت "أيات" تجاه الغرفة ولم تجد "خالد" علمت أنه قد اختبأ لتشعر بالرعب من فعل شيء لهم:

-خدني من هنا، أنا خايفة وأية مش هنا.

التفت لها لتمسك بزراعه والخوف يظهر على وجهها وهي تقوم بسحبه، كادت تسقط أكثر من مرة ولكنه ساندها وهو يشعر بالقلق عليها: 

-أهدي أختك هتيجي متخافيش.

خرجوا من الفندق بأكمله وابتعدوا عنه قليلًا وهو يلاحظ ضيق أنفاسها:

-مالك؟ نشوف دكتور طيب؟!

نظرت له بأعين قد اكتسبت اللون الأحمر بفعل الدموع:

-لا أنا هكون كويسة، أنا خايفة.

حرك رأسه بنفي وشعر بالحزن تجاهها وهو يرى أنفاسها تتسارع أكثر، لقد كانت تتذكر "خالد" كلما تذكرت اقترابه ويده تحيط بها كادت تفقد أنفاسها، لقد كان يحدث لها هذا ولكنها كانت تختبأ بحضن شقيقتها لتشعر أنها بأمان أخيرًا:

-أنا عايزة أية..

أمسك "شهاب" بيدها وقد شعر بالقلق:

-أيدك زي التلج، يا بنتي بصيلي أنتِ مالك؟ تعالي طيب هنشوف دكتورة .

اقتربت منه فجأة لتصطدم به وتعجب هو من هذا ليسمعها تقول بخفوت:

-احضني.

تسمر في مكانه ولا يعلم ماذا يفعل، ابتعد لينظر لها ويراها تتلاشى النظر له ومازال صدرها يعلو ويهبط وكأنها تجاهد لتأخذ أنفاسها، اقترب ليقوم بضمها وشعر برأسها التي تقوم بدفنها داخل صدره بقوة، شعر بالإحراج ولكنه لاحظ أنها تهدأ شيئًا فشيئًا، كان يلاحظ نظرات الناس المتعجبة وهذا جعل شعور الإحراج يزداد:

-أيات!

رأى شقيقتها تهبط من سيارة أجرة وقد شعرت بالتعجب وهي تراه يضم شقيقتها أمام الفندق بتلك الطريقة، ابتعد عنها باحراج لتلتقي عينيه بعينيها وقد لاحظ ابتعادها المفاجئ هي الأخرى وكأنها ادركت قربهم للتو، امسكت "أية" بيدها وهي تسحبها بغضب:

-أيه اللي بيحصل هنا؟ أنتِ اتجنننتي ولا أيه؟

لم تكن "أية" ترى أمامها لتخبرها "أيات" وقد أحمر وجهها:

-أنتِ مش فاهمة هو..

قاطعتها "أية" وهي تقبض على زراعها بغضب:

-مش فاهمة أيه يا أيات!

اقترب "شهاب" ليتحدث إلى "أية" بهدوء:

-أنا شهاب ابن عمة موسى، الظاهر إن أخت حضرتك عندها مشكلة في التنفس وأنا حضنتها لإني سبق وقرأت أنها حاجة بتقلل من التشنجات يعني.. أقصد إن ده ساعدها.

انتبهت إلى "أيات" ولم تعطي إهتمام له:

-في أيه؟ حصل حاجة خوفتك؟!

تشنج جسد "أيات" لتنهار في البكاء وهي تخبرها بصوت خافت:

-جالي تاني، هو جه وحسيت إني بموت مقدرتش أواجهه، حسيت إنه هيخطفني ومحدش هيقدر يتكلم معاه، أنا مرعوبة وهو مش هيسيبني في حالي، المرة دي خنقني ومسابنيش إلا لما حس إني بموت بجد يا أية، هو حضر بدعوة خالتو أكيد، بصي أنا لقيت شهاب خبط وجاي يتطمن عليا، خوفت يعمله حاجة والله مقدرتش أقوله كان معاه مطوة

كانت تلاحظ صعوبة الحديث عليها لتقوم بمحاوطة وجهها:

-خالد ده حيوان، أزاي قادر يرعبك كدة؟ مرة تانية متخافيش أنتِ مش فاكرة موسى عمل فيه أيه؟! ده مش راجل ومبيتشطرش غير على البنات لما يحسك خايفة هيتجرأ عليكِ، لو في أي لحظة حاول يضايقك صوتي.

نظرت لها بألم وهي تتحدث بصوت مرتجف:

-هو كتم نفسي خالص ومكنش سامحلي والله.

ضمتها "أية" وهي تتحدث إليها بأسف:

-أنا أسفة إني مكنتش هنا، أنا بجد أسفة.

تساقطت دموعها دون إرادة منها واقترب "شهاب" منهم:

-أية لو سمحتِ قوليلي فين القذر ده وأنا والله هربيهولكوا.

حركت "أية" رأسها بنفي وهي تمسح دموعها:

-شكرًا يا شهاب، أنا هتصرف، بعتذر بس الحالة دي لما بتجيلها بحضنها زي مالدكتور بتاعها قال، هي بتفكر كتير وساعات فعلًا مش بتقدر تاخد نفسها.

قاطعهم صوت "نوح" الذي اقترب واضعًا يده اليمنى في جيب بنطاله وقد بدى في مزاج جيد:

-في أيه؟ تبقى مين أنت كمان؟!

تعجب "شهاب" من طريقته وابتسم ساخرًا:

-أنت اللي تبقى مين؟ أنا قريبهم.

رمقه "نوح" بغضب ظهر في نبرته الممتزجة بسخريته:

-ولما أنت تبقى قريبهم أنا أبقى أيه؟ جوز أمهم؟!

تحدثت "أية" بانفعال:

-نوح ممكن تبطل بقى! ده شهاب ابن عمة موسى وده نوح ابن عمي يا شهاب بس هو عصبي شوية.

رمقها "نوح" بغضب وتحدث بحزم:

-طيب يلا لموا حاجتكوا علشان العصبي مسافرش مع أهله لحد ميتطمن أنكو في البيت.

نظرت "أية" له بضيق ومن ثم سحبت شقيقتها لداخل الفندق بينما "نوح" رمق الآخر بغضب وتبعهم وهو يتمتم بغضب:

-ناقصنا أهله كمان مش كفاية هو بتقل دمه.

وقفت "أيات" أمام الغرفة وقد تحدثت بانفعال:

-بقولك مش هدخل يا أية، مش عايزة.

تحدثت "أية" وقد شعرت بالقلق هي الأخرى:

-أنا معاكِ.

ابتعدت "أيات" وهي تحرك رأسها بنفي:

-ادخلي أنتِ هو كان مستخبي مش هدخل..

انفعلت "أية" وقد شعرت أن كل شيء يتعمد أن يضغط عليها:

-يا أيات كفاية تضغطيني قولت أنا معاكِ يلا علشان نغير هدومنا أنا حاسة إن الفستان بيخنقني بجد مش طيقاه.

اتاهم صوت "نوح" من جديد:

-متنجزي يا أيات! هتخلي الفندق كله يسمع صوت أختك.

ابعدت "أية" عينيها عنه بضيق شديد ليبتسم بسخرية:

-وآل أنا اللي عصبي خفي بس ضغط على سنانك بدل متتكسر.

تحدثت "أيات" ودوعها تتساقط:

-يا نوح هي مش فهماني أنا خايفة خالد ممكن يكون جوة.

دلفت "أية" وهي تسمع صوت "نوح" يسألها من يكون "خالد" بينما "أيات" تقص عليه كل شيء حدث في غياب شقيقتها وتطلب منه الدخول معهم ليستجيب لها قائلًا بهدوء تعجبت له:

-متشغليش بالك بيه.

لم تتخيل رد الفعل هذا لتبتسم ساخرة:

-أنت الظاهر عليك إنك عصبي في التفاهات بس.

نظر لها وهو يومئ عاقدًا حاجبيه بتعجب مصطنع وقد أخذت "أيات" ملابسها وهي تقترب منه:

-لو سمحت اتأكد إنه مش في الحمام.

تعجب "نوح" من رعبها الزائد وهو يعلم أن هذا ليس طبعها، لكنه استجاب لها قائلًا:

-متخافيش مفيش حد جوة أنا مش هتحرك من هنا اتطمني  مش هسيبكوا.

ابتسمت وقد شعرت بالكثير من الراحة وفكرة أن يكون أمام منزلهم الآن لا تغادر عقلها، دلفت لتستحم وتبدل ثيابها وجلست "أية" فوق السرير ليقوم "نوح" بالجلوس بجوارها:

-حصل أيه؟ إصابة موسى خطيرة؟

حركت رأسها بنفي وهي تخبره بصوت غلبه الالم:

-محمد اللي متصاب، دخل في غيبوبة وكل حاجة اتقلبت.

تحدث "نوح" قائلًا:

-مينفعش ترتبطي بواحد أخوه بيحبك أو كان بيحبك يا أية.. مينفعش.

كأن كلماته القشة التي قضمت ظهرها لتضع كلتا يديها على وجهها وتنهار في البكاء:

-كانت نظراته بتلومني قبل كلماته، كأن عقله بيصرخ إني السبب، قالي إنه ضرب محمد علشاني تخيل بعديها يعرف إنه اتقلب بالعربية، محمد صعب يقوم منها وموسى هيتدمر.. عيلته كلها بتتدمر، والله مكنتش أعرف إنه أخوه مكنتش أعرف إن السعادة كتيرة عليا للدرجادي.

بدأت شهقاتها في التعالي:

-كنت بحس ساعات إني بحلم، كنت بقول لنفسي معقولة السعادة الكبيرة دي هتدوملي، كنت بستكترها وبستكتره عليا، طلع إحساسي صح وفعلًا طلعت كل حاجة  كتيرة عليا.

شعر بالألم لرؤيتها منهارة بتلك الطريقة، قرب يده ليحاوط كتفها وهو يريد أن يزيل دموعها لكنه نهر نفسه ليتراجع مذكرًا نفسه أن هذا الأمر لا يصح، لقد أخذ القرار لن يفعل شيء لا يصح مادام ليس ضروري:

-يوتي.. حاسس إني شايف البنوتة الصغيرة اللي باباها كان بيحكي عنها دايمًا، حاسس إن دي مش نفسها اللي مسؤولة عن شركة باباها وعن أختها المجنونة والطايشة، كله هيتحل، أي علاقة طبيعي يحصل فيها مشاكل والجدع اللي يسند طوله ويواجه.

تحدثت "أية" بألم يعتصر قلبها:

-عمري مقولت حاجة زي دي لحد بس أنا محتاجة بابا أوي يا نوح، حاسة إني خلاص مش قادرة أكمل، عارف في وجوده مكنش فيه كل ده، كنا مبسوطين، تخيل.. تخيل إنه رفض يتجوز بعد مراته اللي عاشت معاه أربع سنين بس، تخيل إنه عاش عمره كله يسعدنا ومن أول ممات وإحنا في دوامة ميعلمش بيها غير ربنا! روحنا عند خالتو علشان قالو ميصحش نقعد لوحدنا وجدو كان عايز ياخدنا بس أنا مرضتش لما لقيت أيات رافضة كمان وكان أكبر غلط.

تساقطت دموعها بألم:

-كنّا مكسورين ومع إن خالد كان في حكم خطيب أيات بعد مبابا مات لآنه كان رافض بسبب فرق السن إلا إنه اتحول تمامًا وبقيت ألفت نظر أيات تخلي بالها في وجوده متتعاملش زيادة، سمعته بيتكلم في التليفون مع واحدة وبيتغزل فيها وأنت عارف أيات اتعصبت أوي ودخلت أوضته تتخانق معاه كنت نايمة وصحيت على صوت خالتي بتعيط هي وبناتها الأتنين وبيخبطوا على الباب وصريخ أيات مسمع في الشقة كلها، كنت مرعوبة، كنت منهارة وأنا بترجاه يفتح الباب ويسيبها.

وضعت يدها على رأسها بألم وهي تكمل حديثها تحت نظرات "نوح" المصدومة:

-مسابهاش إلا بعد مأغم عليها، فتح الباب وخرج من الشقة  كلها وأنا قربت وعقلي بيقولي إنها ماتت كان جسمها كله دم، إن كانت شتمته وغلطت فيه وأشتد الخناق وقتها مسك الحزام ومهتمش حتى بالتوكة بتاعته اللي كانت بتشرح حرفيًا في جسمها، خالتي أغم عليها هي كمان وكانت ليلة بشعة وكنت منهارة أنا وأخواته وخالتي حلفت منمشي لحد متقوم أيات بالسلامة، جه وكنّا مرعوبين وأتأسف كتير وقال إنها استفزته وشتمته وقالت إنه مش راجل.

لم تكن تشعر بالذي يجاورها وكيف كان الغضب ينال منه حتى أوشك على الإنفجار وهي تتابع:

-أيات بقت غير متزنة، بتعمل حاجات غريبة أوي ودايما بتطلب أحضنها، الطبيعي يعني مبقتش طيقاه وهو مش قابل يسيبها في حالها، خطفها لما نزلت تجيب حاجة من السوبر ماركت، تخيل نزل وراها ورجع كأنه ميعرفش عنها حاجة؟!

ازداد بكاءها وهي تخبره بألم:

-استغربت بروده وعدم قلقه وشكيت إنه عارف مكانها وكان رده اللي عندنا نعمله وإنها محتاجة تعديل سلوك ومش هيسيبها قبل ميربيها!! طبعًا مقدرتش أبلغ البوليس لإنه حلف إنه هيتجوزها غصب عنها وقتها ومش هيعرفوا يعملوا حاجة معاه وخوفت عليها، ليه صاحبه المقرب أبوه يبقى ابن لواء مهم في الداخلية وده كان مخليه يتفرعن، وراها عذاب عمر حد مهيشوفوا، مستحيل يكون بيحبها هو عايز يكسرها عايزها توطي راسها قدامه ده شخص مختل، أنا بقيت أراقبه وأخواته ساعدوني وعرفت المكان واتصلت بكذا حد من اللي في الشركة بتاعة بابا وجالي، عرفنا نكسر الباب بتاع المخزن بعد ممشي ودخلت لقيته رابطها جامد في عمود وباين عليها أثار ضرب معرفتنيش يا نوح! كانت خايفة مني وكانت بتنطق اسمه! أنا لحد الآن مش عارفة هو كان عاملها أيه مخليها ترفضني أنا وتطلبه هو؟!

سمعت صوت باب الحمام  يُفتح لتزيل دموعها سريعًا وتحاول التظاهر أن كل شيء بخير، اقتربت "أيات" بارهاق:

-كنت محتاجة للمية الدافية دي جدًا هتدخلي يا أية؟

أومأت "أية" واسرعت بأخذ ثيابها ودلفت إلى الداخل، نظرت "أيات" إلى "نوح" بحيرة:

-مالك بتبصلي كدة ليه؟ شايف واحدة بتشحت ولا واحدة أكلها قطر؟

حرك رأسه بعدم استيعاب:

-عليكِ لسان مشوفتش ولا هشوف زيه.

اجابته بابتسامة واثقة:

-نادرة طول عمري ربنا يخليني ليا.

ابتسم لها "نوح" بحنان قائلًا:

-ربنا يخليكي لينا ويا رب تبطلي خوف من الحيوان ده.

علمت قصده لتختفي إبتسامتها:

-أنا مش بحب سيرته، هو قادر يعمل أي حاجة مش كويسة، على فكرًا أنا عملت كل حاجة كان بيطلبها مني واعتذرت وبوست أيده علشان يسيبني في حالي بس هو كان بيتمادى، كان بيطلب أكتر وأكتر لحد مرجع يطلب إنه يتجوزني، عارف يعني أيه يتجوزني؟ يعني هيسجني العمر كله أنا كدة بالنسباله مش متربية وعايزة أتأدب هو حلف لو حد فكر يتجوزني ولا وافقت هيحسرني عليه بس أنا بالنسبالي عادي مش هتجوز كدة كدة بس لا هو ولا غيره.

حرك "نوح" رأسه بعدم استيعاب:

-لحد أمتى هتبقي خايفة منه؟!

اجابته بابتسامة باهتة:

-لحد مدفنه بأيدي وأتأكد إنه مبقاش موجود، خالد عنده 36 سنة ومتجوزش علشان مستنيني مش هيستسلم.

اكملت تجفيف شعرها كأن شيء لم يحدث وسألته من بعدها:

-وأنت بقى مفكرتش تتجوز من بعد مراتك؟!
تعليقات