رواية اية فى الجنون الفصل السادس و العشرون بقلم ندى محسن
#آية_في_الحنون
الفصل السادس والعشرون☆تتنازل عن كرامتها☆
#الكاتبة_ندى_محسن
#اذكروا_الله.
☆لا حاجة لي بظروف ملائمة، لقد عشت عمرًا أصنع بيدي ما أريد.☆
#الكاتبة_ندى_محسن
دلفوا إلى الشقة وتحدثت "أية" بضيق:
-ناوي تفضل هنا النهاردة؟
اجابها "نوح" ساخرًا:
-والله المفروض أنتو اللي تتحايلوا عليا أبقى ولا أنا غلطان؟!
كررت "أية" حديثه بانزعاج وهي تمسك بهاتفها لترسل رسالة إلى "موسى" تخبره أنها في المنزل:
-المفروض انتو اللي تتحايلوا عليا أبقى.. أنت فاكره أول مرة يتعرضلنا؟ وبعدين هو مش بيجي في الوقت ده وفي مكان سكني زي ده.
وجدت الهاتف يرن وتعجبت عنما رأت اسم "موسى" اجابته على الفور:
-موسى أنت كويس؟
تحدث إليها بهدوء وكأن صوته غادره الحياة:
-أجيلك؟
تعجبت من هذا وهي تعلم حالته وكيف يمر بفترة صعبة، ابتعدت عنهم وهي تتحدث إليه بحنان:
-لا يا حبيبي أنا كويسة وبعت أطمنك.
تحدث إليها وهي لا تستمع لأي صوت بجواره، فقط صوت الهواء يضرب سماعة هاتفه، تستطيع أن تشعر بهذا:
-شهاب كلمني وقالي في واحد ضايق أيات أنا اتصلت بيكِ على طول و..
قاطعته "أية" وهي تحاول جعله يطمئن:
-أنا كويسة وأيات كويسة ومش ناقصني غير إني أطمن عليك.
اقترب "نوح" متعمدًا اظهار صوته:
-هتفضلي واقفة في البلكونة كتير؟ ادخلي الجو ابتدى يبرد أعمل أيه يعني لو خدتي دور برد؟
رمقته "أية" بغضب ليبتسم لها باستفزاز جعلها على وشك أن تقوم بالقاء الهاتف في وجهه، اتاها صوت "موسى" الغاضب:
-هو مين عندك؟!
وضعت يدها على جبينها وهي تتذكر كم مرة حذرها من "نوح" واخبرها أن تبتعد عنه:
-هو الوقت أخر ونوح وصلنا علشان قلق لخالد يجي.
اقترب ليقوم بسحب الهاتف منها وهو يتحدث إليه:
-ألف سلامة على أخوك يا موسى، عايزك تاخد بالك منه وتهتم بيه الفترة الجاية وسيبك من كل حاجة.
سحبت "أية" الهاتف منه ومن ثم قامت بدفعه واغلاق باب الشرفة عليها، حاول أن يتمالك أعصابه وهو ينظر تجاه الساعة:
-يبقى مين هو علشان تكلمه في ساعة زي دي؟
اتاه صوت "أيات" الساخر:
-أنت بتأفور أوي يا نوح كفاية ياحبيبي توطيلها الضغط.
جلس "نوح" فوق الأريكة وهو يسألها بهدوء:
-مقولتليش بيت خالتك فين يعني بعيد عن هنا؟ ولا قريب من بيتكو.
لاحظ انفعالها الشديد وهي تخبره وتابعت حديثها بغضب:
-قولتلك مبحبش سيرته ممكن تبطل بقى تفكرني بالحيوان ده؟!
وقف "نوح" وأتجه ليقف أمامها قائلًا:
-اللي زي ده ميتخافش منه ولا يشغلك ده يتداس عليه بجزمتك.
ابتلعت ما بحلقها ولاحظ تشنج جسدها الذي ظهر بوضوح على عنقها ليتابع:
-بُصيلي..
حركت رأسها بنفي وهي تنظر إلى الأسفل وقد بدأت الشهقات تغادر صدرها ليشعر بألمها:
-عمر محد ضربني حتى بابا عمره مضربني، هو علشان خناقة بينا وأنا اتعصبت وآه غلطت لما شتمته مع إنه يستحق قفل الأوضة وقلع الحزام نزل فيا ضرب، كنت مرعوبة وموجوعة وعاجزة عن أي رد فعل بس ده مش أسوء حاجة حصلت، تعرف إنه خطفني في مخزن تبع صحابه للقماش؟ كنت بقول مفيش الأسوء بس كان بيفاجأني دايمًا بالأسوء..
فاجأها بثباته وهو يقول من جديد:
-ارفعي راسك وبُصيلي.. راسك متنزلش يا بنت العميري.
نظرت له لتتابع حديثها بانهيار تام:
-كان بيخلي صحابه يضايقوني علشان أتكلم معاه وأخليه يخرجهم من المخزن، بيعمل نفسه مش عارف أنهم جايين وكنت بنادي عليه لما بحسهم بيقربوا، كان بيبقى ضاربني وكنت بستنجد بيه، مش هنسى لما أية جات تفوقني وأنا مفيش حاجة في دماغي غيره، أنا قعدت شهور أتعالج يا نوح مبقتش قادرة وحاسة إنه هياخدني فجأة زي معمل قبل كدة.
صدم وبشدة وهو يتساءل ما لعنة هذا الحقير؟ كيف يكون رجل؟ لقد كانوا بأمان في منزل خالتها وكان هذا اختيارهم، هذا ما كان يردده الجميع ولا أحد يعلم بكارثة ما يحدث لهم! حاول عدم اظهار صدمته وهو يحرك رأسه بنفي:
-فترة صعبة واتعلمتي متثقيش في حد كل الثقة، أنا هنا وهو مش هيعملك حاجة ولا يقدر يهوب ناحيتك، هفاتح أية في الموضوع ويا رب توافق إنكو تيجو تعيشوا معانا بقى.
حركت "أيات" رأسها بنفي:
-مبقاش ينفع حياتنا كلها هنا و..
قاطعها "نوح" وقد شعر بالضيق من هذه الكلمات المعتادة:
-سيبي كل ده لوقته ووعد حقك هيجي منه مهما حصل.
ابتسمت وكأنها تسخر من حديثه:
-اللي زي ده مبيتاخدش معاه حق ولا باطل، ربنا ياخده ويخلصني منه.
خرجت "أية" في هذا الوقت وقد كان الغضب يظهر على وجهها ويبدو أنها تشاجرت مع "موسى" تحدثت "أيات" بتعجب:
-مالك؟ حصل حاجة؟!
اقتربت "أية" لتقف أمام "نوح" بغضب:
-أنا مش عارفة أزاي قادر تكون بالبرود ده! أنت بجد أكتر إنسان مستفز أنا شوفته في حياتي.
علم أن "موسى" تشاجر معها بسبب وجوده هنا ليجيبها ببرود:
-وطي صوتك ومتطوليش لسانك علشان متزعليش مني.
رمقته بغضب واتجهت إلى غرفتها وتبعتها "أيات" ومن ثم سمع صوت مفتاح غرفتهم ليحرك رأسه بفقدان أمل:
-يا ريتها تخشى الغرب زي مبتخشاني كدة.
مر ساعتين ليسمعوا صوت باب الشقة يتم إغلاقه، تعجبت "أية" وهي تصفف شعرها:
-معقولة مشي خلاص؟!
مطت "أيات" شفتيها بعدم اكتراث، كانت شقيقتها تتابعها بارهاق بات يسكن عينيها، اقتربت منها لتجلس بجوارها ويدها اقتربت من شعرها تربت عليه:
-بتفكري في أيه؟
حركت "أيات" رأسها بنفي:
-ولا حاجة، بس قوليلي موسى قالك أيه خلاكِ تقلبي وشك كدة؟
اجابتها "أية" وهي تبتعد لتقف:
-ولا حاجة قالي إني معنديش دم.
نظرت "أيات" لها بعدم استيعاب:
-أيه! ده ليه؟
مسحت "أية" جبينها وهي تحاول أن تتجاهل تلك المشاعر التي تجعلها على وشك البكاء:
-هو مش كويس تخيلي قاعد دلوقتي عند المقابر بتاعة مامته والصبح هيدفنوا علي صاحب محمد اللي مات ومكنش ليه غيرهم فالعزا هيبقى في بيت أبو موسى.
اومأت "أيات" لها بتفهم وقد اجتمعت الدموع داخل عينيها:
-ربنا يقوم محمد بالسلامة أنا عارفة أنه طايش بس ميستحقش كل ده.
تذكرت "أية" ما قاله لها لتشعر بقلبها يرتجف، لا يمكنها أن تلوم "حلم" وهي تشعر أنها كانت سبب في كل شيء حدث.
في مكان آخر قام "نوح" بطرق باب الشقة لتفتح له فتاة في بداية العشرينات وهي تحكم وضع الخمار على رأسها، ابتسم ببرود:
-مساء الخير.
تعجبت وهي تطالعه بحيرة واقتربت فتاة لم تتجاوز الثامنة عشر وقد كانت في عمر شقيقته تقريبًا، لاحظ وجههم الباهت وقلقهم الزائد، تحدثت الصغيرة بدفاع:
-لو عايز أبيه خالد هو لسة مجاش.
أومئ لها رافعًا حاجبيه:
-لا ذكية بس أيه يضمنلي ده؟
نظرت له الكبيرة بحيرة:
-هو إحنا اتقابلنا قبل كدة؟!
لم يرد عليها وتحدث بحزم:
-لما خالد يجي هبقى أجيله مش هو مش هنا برضو؟!
اومأت له على الفور وقد رأى الصدق داخل عينيها، لا يعلم متى أشفق على حالتهم ولكنه يعلم أن أخوته من المؤكد هم أكثرهم معاناة مع شخصية بهذا الكم من الهمجية والقذارة، هبط وكان "إياد" بالأسفل ينتظره داخل السيارة كما نبهه، نظر "نوح" إلى ساعته بحيرة:
-بيقولوا مش موجود يا إياد سهران في أنهي داهية ده؟!
انفعل "إياد" وهو ينظر له:
-أنا مش فاهم منزلنا في نص الليل ليه وعاملي فيها سفاح الجيزة؟ عايز منه أيه ده؟! عمل أيه؟
اجابه "نوح" بهدوء لا يتناسب مع النيران بداخله:
-عمل حاجات كتيرة ومخدش حسابه، واجب نديهوله لقيت مكان مناسب؟ مش عايز قلق.
زفر "إياد" بضيق:
-القلق ده أنت عاملهولي أنت محولني لرجل مافيا أو قاتل مأجور حاجة مش مفهومة كدة.
ضحك "نوح" ساخرًا:
-لا والله هو أنت بتعمل حاجة غير إنك بتسوق؟!
☆☆☆☆☆
-كنت عارف إني هلاقيك هنا.
وقف "موسى" بعدم استيعاب وهو لا يصدق أن والده هنا! ابتلع ما بحلقه وهو يتحدث من بين أنفاسه المتسارعة:
-محمد في أي جديد في حالته؟
حرك "عز الدين" رأسه بنفي وقد لمع الألم في عينيه:
-روحت حلم على البيت وجيتلك علشان مينفعش تبات هنا.
نظر "موسى" إلى قبرها المغطى بالزهور:
-يا ريتني أنتهي هنا جنبها.
تجاهل "عز الدين" حديث ابنه ليسأله:
-كنت بتقولها أيه بقى؟
كاد "موسى" أن يتحدث فلم يستطيع، اقترب "عز الدين" ليقوم بضمه لكنه تفاجئ بدفعه له، حتى أن الآخر صدم من هذا، ابتلع ما بحلقه وهو يحاول أن يجعل الأمر يمر:
-يلا نروح.
نظر "عز الدين" له للحظات قبل أن يتحدث:
-هو أنت بتشرب حاجة؟
نظر "موسى" له بانتباه وعدم استيعاب ليتابع "عز الدين" حديثه:
-مش وقته وعارف إننا متدمرين بس عندي أمل في ربنا كبير يا موسى ربنا كريم..
نظر "موسى" له مضيقًا عينيه في محاولة منه لاستيعاب حديث والده الذي أمسك بيده:
-موسى متخبيش حاجة عليا وقولي أنت بتاخد حاجة؟!
بماذا يجيبه وهو يختنق؟ ما الذي يجب أن يقوله وصوته لا يغادر شفتيه؟! بقى ثابتًا ليتابع "عز الدين" حديثه بارهاق:
-موسى أنا بكلمك.
نظرات باردة دون أي إجابة، أعين منطفئة وكأن فصل الخريف يسكنها، علم "عز الدين" أنه لن يحصل على إجابة، لن يحصل على نقاش منطقي، لن يصدر منه شيء سوى الصمت.
☆☆☆☆☆
انفعل "مهاب" وهو ينظر إلى "أيسل" بعد أن فشل في تمالك أعصابه:
-قولنا مفيش حاجة اسمها زي أخواتي، قعادك، لعبك، مذاكرتك يبقوا بُعاد عن عامر وعمار.
اجتمعت الدموع بأعين "أيسل" وهي تنظر له بخوف:
-بس دول أصحابي وأنا بحبهم.
اقتربت "كريمة" لتمسك بيد زوجها:
-مهاب لو سمحت أهدى..
حاول الهدوء واقترب ليلمس شعر "أيسل" قائلًا:
-مفيش صداقة بين ولد وبنت يا حبيبتي، فاطمة دماغها سم وبتعرف تجيب عيالها أزاي، لو حد فيهم ضايقك مش هسكتله ومش عايزك تدي الفرصة لده.
تحدثت "أيسل" باصرار:
-هما مش زيها ولا زي عمي وأنت عارف كدة يا بابا هما بيحبوني وبيحبو نوح و..
قاطعها "مهاب" بحزم هذه المرة:
-كلامي يتسمع، لو شوفتك معاهم مرة تانية هتشوفي تصرف ميعجبكيش.
نظرت له بلوم من بين دموعها وذهب هو إلى غرفته لتتحدث "كريمة" بهدوء:
-معاه حق يا حبيبتي وأنتِ مبقتيش صغيرة.. العيال دول أصلًا بتوع مشاكل ومش عايزاهم يأثروا عليكِ.
تركتها وهي تشعر بعدم الرضا ولم يقنعها حديثهم، لكن كالعادة ستحترم رغبتهم ولن تعاندهم.
☆☆☆☆☆
انتهت "أية" من صلاة الفجر وجلست لتقرأ في كتاب الله، سمعت طرقات على الباب ونظرت تجاه شقيقتها وهي تشعر بالقلق:
-أيات أنتِ صاحية؟
كالعادة لم تجد رد من شقيقتها ومن الصعب أن تستيقظ ذهبت تجاه غرفة "نوح" الذي ينام بها لتجد الباب مفتوح والغرفة فارغة، سألت من الطارق وكان هو لتفتح في انفعال:
-أنت لو بتتعامل على أنها قهوة مش هتتعامل على الأساس ده، كنت فين لحد دلوقتي؟!
اجابها ببراءة مصطنعة:
-بصلي الفجر أيه مش بتصليه أنتِ كمان؟
رمقته بغضب واوشكت على الذهاب إلى غرفتها ليوقفها صوته:
-أنا جعان.
نظرت له بتعجب ليتحدث بسخريته اللاذعة والتي تبغضها كثيرًا:
-أيه قولت حاجة غريبة؟ مش مستغرب والله شكلك محتاجة تغذية أصلًا.
ذهبت "أية" تجاه المطبخ وهي تشعر بالجوع هي الأخرى ولكن لم يكن لديها شهية، اقترب ليقوم بغلي الماء:
-أعملك شاي معايا؟
تحدثت بعدم راحة:
-أخرج وأنا هعمل كل حاجة بس أخرج علشان متلخمنيش.
اقترب منها لتشهق بصدمة وقد انتفض جسدها بينما هو سحب خيارة من يدها ناظرًا لها بعدم استيعاب:
-أنتِ قلقانة مني؟!
رأى الخوف داخل عينيها لتتغير ملامحه ولم يعد يمزح، ابتعد متحدثًا بهدوء:
-أول مالنهار يطلع مش هتلاقيني، اقفلي الكاتل ونامي وأنا هدخل الأوضة مش هطلع منها اتطمني.
رفع الخيارة أمامها قائلًا:
-شبعت تسلم أيدك.
خرج وهو يتناولها بينما هي استطاعت أن تأخذ أنفاسها ولا تعلم لماذا ينتابها هذا الشعور في حضوره؟ تشعر بخوف غير مبرر!
أما عن "أيات" فكانت غارقة في كوابيس تُعيد واقعها السيء، ترى نفسها مقيدة لا تستطيع الحركة، هذه المرة لا يوجد حبال حولها أو شيء يعجز حركتها ومع ذلك لا تستطيع التحرك، رأت شابين يقتربوا وهم يسخرون منها:
-أنا مش عارف أيه اللي جابرها؟ مش أحسنلها تلين دماغها وتسمع كلامه؟
رد عليه الآخر وهو ينفث دخان لفافة تبغه أمام وجهها:
-حظنا حلو إننا نشوف الحلاوة دي.
قرب الآخر يده منها يود أن يلمس شعرها وهي ترى اقترابهم لتصرخ بكل صوتها:
-خالد ساعدني، بالله عليك تعالى متسيبنيش.. خالد.
مرت دقائق وهو يستشيط غضبًا منها داخل الغرفة، يتساءل ماذا رأت منه لتتصرف بتلك الطريقة معه؟! سمع طرقات على الباب ليأذن لها بالدخول وعينيه مسلطة أمامه، اقتربت منه وبين يديها حامل معدني وقد وضعت الطعام فوقه:
-أنا عملتلك أكل وشاي كمان، نام قبل متسافر حتى لو هتنام لبليل.
هل تداركت فعلتها الغير مناسبة أمامه يا ترى؟ لم يتحرك ولم ينظر لها وهو يحاول أن يجعلها تطمئن تجاهه:
-شكرًا.
سمعوا في هذا الوقت صراخ "أيات" المستنجدة ب"خالد"! دلفت إليها "أية" وقد ظهر القلق عليها وتبعها "نوح" الذي تحدث بحزم:
-أيات فوقي لنفسك، أيات!
صرخ بها لتستفيق شاهقة وأنفاسها تتسارع كما لو كانت في سباق عنيف، نظرت لهم لتحيط برأسها بغضب شديد في رد فعل غير متوقع:
-اعملكوا أيه يعني؟ كلامكوا كله عنه؟ المفروض أعمل أيه؟!
حاوطت "أية" كتفها:
-أهدي متفكريش فيه.
تحدث "نوح" بهدوء مريب تعجبوا له:
-اللي بيضايقك خلاص مبقاش موجود.. مش هتتكرر.
مرت الأيام باردة خالية من كل ما يعطيها معناها على الجميع، كانت "أية" تحاول الأتصال به كعادتها ولم يجيبها، ارسلت له رسالة بألم يعتصر قلبها:
"لو سمحت رد عليا ضروري، أنا مبقتش عارفة أعيش، اليوم بقى صعب، كله هيعدي بلاش نسمح لكل حاجة تضيع، لو سمحت رد"
وصلت الرسالة إليه ليشتعل الأمل بداخلها وحاولت الأتصال به من جديد فلم تجد أي إجابة، وصلت إليها رسالة مختصرة:
"أنا في البيت"
لا تعلم بماذا تجيبه، ابتلعت ما بحلقها وكأن أشواك متواصلة إلى قلبها، حاولت أن تتمالك نفسها وارسلت له من جديد:
"وحشتني، عايزة أسمع صوتك، عايزة أشوفك لو سمحت يا موسى، بالله عليك توافق"
خمس دقائق كاملة وهي داخل محادثته ليأتيها الرد عكس توقعاتها:
"تعالي"
هل يقصد منزله؟ هل هذا طلب لمجيئها إلى منزله يا ترى؟ هي لم تفكر في هذا، اخبرت نفسها أن عائلته هناك ولا يوجد داعي لمجادلته في هذه الحالة، قررت أنها سوف تترك شركتها وتذهب إليه، لعلها تستطيع أن تخرجه من تلك الحالة، وصلت إلى منزله وهاتفته فلم يجيب، ارسلت له رسالة من جديد:
"أنا برة، افتحلي"
عشر دقائق وهي في الانتظار لتجد الباب يٌفتح وقد ظهرت "حبيبة" التي ابتسمت لها وقد كسى الحزن عينيها:
-اتفضلي.
اومأت "أية" لها وتبعتها وهي تشعر بالكثير من التشتت، عشرة أيام يرفض مقابلتها، عشرة أيام ولم تستمع إلى صوته، لن يصدق أحد أن كل يوم كان يمر ببطء شديد كما لو كان عام، قاطع شرودها صوت "حبيبة" تقول:
-هو في حالة اكتئاب دلوقتي وصعب التعامل معاه شوية.
لم تتخيل "أية" قصد "حبيبة" التي تظن أنها تعرف بالفعل عن مرض "موسى" الذي يتطور الآن بسرعة غير عادية:
-أنا هنا مخصوص علشان أكون معاه، هو مش هيبقى محتاج حد قدي.
تحدثت "حبيبة" ببعض القلق:
-هو في أوضته مش بيخرج منها.
صعدت "حبيبة" وتبعتها "أية" التي تشعر بعدم الرضا عن وجودها هنا بالقرب من "موسى" لكنها تجاهلت هذا سريعًا وقامت بطرق باب غرفته لتنسحب الآخرى، سمعت صوته الغريب:
-ادخلي.
دلفت إلى الغرفة وهي تشعر بالكثير من التعجب، لقد رأت أمامها شخص لم تعتاد أبدًا على رؤيته، لقد كان جامدًا، اكتسبت ذقنه بعض الطول وكذلك شعره، لم يتحرك ويبتعد عن السرير بل اقتربت هي :
-موسى.. أنا جيت أتطمن عليك.
نظر إلى عينيها وشعرت هي ببرودة مشاعره، كأنها أمام كتلة من الجليد، ظلت تنظر له لبعض الوقت وقد اشتاقت له كما لو لم تشتاق من قبل:
-مش صح تفضل في الحالة دي ومش هيغير حاجة صدقني.
لاحظت جروح على يده وحول معصمه كما لو تعمد أذية نفسه! شعرت بالاختناق واقتربت تمسك بيده في حالة من الذهول ليسحبها بانفعال ويقف أمامها:
-وبعدين؟ جاية دلوقتي ليه؟ وكنتِ فين الأيام اللي فاتت؟
ابتلعت "أية" ما بحلقها:
-أنا كنت بحاول أتكلم بس معاك و..
قاطعها "موسى" وهو يقبض على فكها بغضب شديد:
-و.. وأيه! استنتيه لما يسافر الأول؟
تعجبت "أية" وهي تحاول أن تبعد يده:
-قصدك مين؟
كان باردًا بينما عينيه يندلع منها الغضب:
-تفتكري مين؟ مين اللي كان بايت معاكِ الأيام اللي فاتت قوليلي؟!
اتسعت عينيها بصدمة ومازالت تحاول أن تبعد يده بألم:
-بايت معايا؟ محدش والله مكنش حد عندي.. موسى هو في أيه سيبني.
قرب وجهها منه وهو يحرك رأسه بنفي:
-بتكذبي ليه؟ مش نوح كان معاكِ؟ مش بيحاول يوريكِ قد أيه هو سند وقد أيه مستعد يعمل أي حاجة مش كدة؟!
أحمر وجهها وهي تشعر بأنفاسه لتحاول الابتعاد:
-مكنش معايا، مفضلش عندي ده مش صح، لو سمحت..
قاطعها من جديد وهو يمرر إبهامه على شفتيها وقد لمعت عينيه:
-أسكتِ أنا مش عايز أسمع حاجة، أنا مبحبش الشخص ده أبدًا، بتجنن لما يقرب منك، سبق وقولتلك ده، سبق وحذرتك ومن ساعة مخد تليفونك ورد عليا وأنا مش طايق، ليه بتعذبيني؟ ليه بتزوديها عليا؟!
تساقطت دموعها وهي تبعد وجهها:
-موسى أنت بتخوفني، بلاش تتعامل بالطريقة دي لو سمحت.
حرك رأسه بنفي:
-أنتِ مش بتخافي مني، معندكيش مبرر يخليكي تخافي مني، عايزة تبقي جنبي؟ طيب تعالي إنما لا أنا اللي لازم أطلب ده صح؟
انفعلت وهي تبعد يده عنها:
-أنت اللي مش سامحلي أكون جنبك، أنت اللي رافض، مش بس أنا أنت رافضني ورافض صاحبك ورافض العالم كله.
نظر لها بتركز قبل أن يقول:
-علشان أنانيين كلكو، شوية أنانيين بابا وحلم وعبد الرحمن و.. وأنتِ.
لا يعلم أن والده يستمع إلى هذا النقاش ويشعر أنها تتحدث إلى شخص آخر وليس ابنه الذي يعرفه! تحدثت "أية" إليه بصوت مرتجف:
-أنا أسفة ليك على كل حاجة، أنا بجد بحبك.
لم يتخيل "عز الدين" أن تكون هذه الفتاة بهذا اللين معه، تعجب من تحملها حديث ابنه اللاذع وصدم أكثر برد الآخر:
-بتحبيني! أنتِ مصدقة نفسك؟ لو بتحبيني ليه قبلتي بقرب محمد ليه معرفتينيش؟ لو بتحبيني ليه تبقي مع الشخص الوحيد اللي قولتلك عليه لأ؟ لو بتحبيني ليه رفضتي نكتب الكتاب؟ أنتِ بأمارة أيه بتقولي بحبك؟!
تساقطت دموعها وهي تراه لا يعطي لنفسه الفرصة ليفهمها:
-والله مكنت أعرف إن محمد أخوك إلا يوم الخطوبة وأنا موافقة نكتب الكتاب.
ظنت أن بتنازلها عن رغبتها سوف يتفهم أنها لا ترفضه بل كل ما في الأمر أنها لم تجد هذا مناسبًا، لم تكمل حديثها لتتفاجئ برده:
-شوفتي بقى إنك أنانية؟!
لم يتحمل "عز الدين" ما يحدث واهانته لتلك الفتاة التي لم تفعل شيء سوى مواساته تدخل قائلًا:
-إزيك يا بنتي عاملة أيه؟
مسحت دموعها سريعًا وهي تجيبه دون النظر إلى عينيه:
-كويسة يا عمي المهم إيه أخبار حضرتك؟!
أومئ لها في هدوء:
-الحمد لله ربنا كريم.
نظر إلى "موسى" وهو يسأله:
-مش ناوي تنزل معاها؟
أتته الإجابة غير متوقعة منه كالعادة:
-خدها في أيدك علشان هنام.
نظرت له بعد استيعاب ولم تسمح لها كرامتها التحدث بكلمة واحدة، خرجت من غرفته وهبطت والغضب يملأها بجانب حزنها وصدمتها به، لم تصدق أنه سوف يتعامل معها يومًا بتلك الطريقة وهذا الجفاء! خرجت من المنزل لتصعد في سيارتها وتسمح لدموعها أن تنساب من جديد، حاولت السيطرة على نفسها وهي تشعر بأنها قد هانت، انفعلت كأنها تخاطب شخص آخر:
-أهدي علشان تعرفي تسوقي، أهدي..
بدأت في القيادة بالفعل وهي تحاول أن تشتت نفسها، قامت بتشغييل الراديو داخل السيارة وهي تغلق النوافذ حتى لا يرى أحد دموعها، سمعت كلمات الراديو التي لم ترأف بحالها أبدًا:
وأنا غلطان عشان حبيت وبينت إهتمامي بيك
عشان كدة يعني بقيت ما أنفعشِ ومن نظرك نزلت مابقيتش لايق ليك
وكان مفروض ما أحبكشِ ولو حبيت ما أبينشِ ودلوقتي خلاص همشي..
أنا وقلبي اللي دايب فيك وليه طيب عشان طيب عشان يعني اللي في قلبي على لساني
بتكسرني وتخسرني، بتخسر حب مش سهل تلاقيه تاني...
مفيش أسباب أنا اللي اختارت من الأول أعيش في عذاب ألومك ليه وأقولك إيه ما أنا اللي جريت ورا وهم وطلع كداب
تعبت كتير وبتألم، يا رب أفوق وأتعلم ومن بكرة أنا وانت هنتقابل ولا الأغراب...
لا تعلم ما الذي جعلها تكمل في السماع، لطالما كانت تبغض الموسيقى التي تعبث بعواطفها، اوقفت السيارة لتضع يدها على فمها وتنهار في البكاء، لا تعلم كم مر من الوقت وسمعت طرقات على الزجاج لتفزع وهي تنظر بجوارها وها هي تنصدم به! ظنت أنها فقدت عقلها، لكن حتى وإن كان سيساعد هذا في عودته هي لا تمانع، خرجت من السيارة وعلى الفور قامت بضمه ودفن نفسها به، لن يصدق أحد أنها نفسها الفتاة التي لطالما احتفظت بمبادئها، الآن تقف وهي تضمه بتلك الطريقة غير مهتمة بأحد، لم يكن منه سوى احاطتها، لم تشعر بنبضات قلبه المتسارعة، لم تشعر بشيء سوى جفاءه الشديد معها!
نظرت له لتلتقي عينيها الباهتة بعينيه، انتظرت حديثه، تمنت لو يقول أي شيء لكنه صامت تمامًا، ابتعدت وقد شعرت بالكثير من التشتت، قرب يده ليمسح دموعها التي تسبب بها:
-متعيطيش.
لا تعلم ما الذي حدث لتنهار في البكاء من جديد وبدأت شهقاتها في مغادرة صدرها:
-مش عايزاك تبعد عني، حاسة إني هيحصلي حاجة، خليك جنبي ومعايا.. بالله عليك متسيبنيش مش هقدر كل حاجة هتتدمر لو بعدت عني، صدقني مش هعرف أكمل مبقتش أنا مبقتش البنت اللي هتقدر تواجه من غيرك، مستعدة أعمل أي حاجة علشانك، لو عايزنا نكتب الكتاب حالًا أنا موافقة.
☆هي مرة واحدة فقط.. مرة واحدة يميل فيها القلب كل الميل، مرة واحدة يتحكم في كيانك بأكمله، مرة واحدة ولا تعود أنت كما كنت أبدًا.☆
#الكاتبة_ندى_محسن
لم تجد منه سوى الصمت، شعرت بأن العالم بأكمله فوق كتفيها، تضررت كرامتها لأقسى درجة ومازالت مستمرة، ربما لو كان في حالته الطبيعية كان سيكون الأسعد على وجه الأرض، ربما لو كان في نوبة من نوبات هوسه كانت ستندهش من ردود أفعاله ورغبته في البقاء بالقرب منها، لكن هذه هي علته، هذا هو مرضه التي تجهله بكل ما فيه، لا تعلم أن لا ذنب له، لا تعلم أن عقله يتشتت ولا يدرك كل حديثها، يرغب بطلب البقاء بجواره ومع ذلك لا يشعر بأي شيء! كان عليها أن تفهم أن عقله ليس معها وليس معه! كان عليها أن تدرك هذا عندما رأت جروح يده وكيف أن جسده لم ينجو منه..
_موسى متفضلش ساكت بالله عليك، حتى لو كلامك صعب هتحمله بس أتكلم، أنت جيت علشاني، جيت علشان مهونتش عليك، علشان مش بتحب دموعي، علشان أنا الحلويات بتاعتك..
حاولت المزاح في نهاية حديثها ولم يكن منه سوى مسح دموعها، تحدثت بصوت مرتجف:
-متعملش كدة، لو سمحت قول حاجة، أنا بحبك.
أومئ لها وما إن انتهى من تجفيف دموعها حتى رحل! بقيت في مكانها تتابعه بعدم استيعاب، هل من الممكن أن ينهي كل شيء بتلك الطريقة؟!
-ده مشي! من غير ولا كلمة.. مشي!
☆☆☆☆☆
تحدثت بانفعال وهي تقترب لتقف بجواره أثناء شربه لكوب الشاي بالنعناع:
-هو أنت ناوي يوم أجازتك تنزل القاهرة برضو؟!
نظر لها رافعًا حاجبيه بذهول مصطنع:
-لهو أنا كنت المفروض أخد الإذن ونسيت ولا أيه؟ وأنتِ مالك؟!
نظرت "نور" له بلوم وهي تقترب لتنظر إلى عينيه مباشرة:
-هو أنت ليه بتعاند نفسك؟ أنت معجب بيا وأنا حسيت بده، ليه قاسي كدة؟!
مسح "نوح" على وجهه وهو يحاول أن يتمالك أعصابه:
-مشاعري ليكِ متعدتش الأخوة ولو بتسألي ليه صريح ومش بتسلى بيكِ حتى أظن أنك عارفة إني مش حقير ولا خاين ولا قذر! متطفحنيش كوباية الشاي اللي بشربها بعد مبرجع من وجع دماغ العيال بقى وسيبيني علشان كمان شوية عندي مجموعة ووالله لو ملقتكيش عاملة الواجب هضحكهم عليكِ حلو الكلام؟
امتلأت عينيها بالدموع وهي تحاول جذب انتباهه:
-بابا أمين كلمني.
قبض "نوح" يده ليعض على سبابته في محاولة منه للهدوء:
-وبعدين؟
اجابته وهي تنظر له بقلق:
-قال عايز يتكلم معايا مرة واحدة بس وأننا وحشناه أوي.
حرك "نوح" رأسه بنفي وهو يفكر في محاولات "أمين" لاستعطافهم، لقد كان يعلم أن الأمر لن يمر مرور الكرام وسوف يحاول أن يصل إليهم، تمنى لو كان والدهم بجوارهم، كان سيختلف كل شيء حتى سلوكهم، لكن طباع جدته وحبها في السيطرة على كل شيء حتى ابنتها المتزوجة قد خسرهم الكثير.
وجد هاتفه يرن في هذه اللحظة وتعجب أن الفتاة التي تطلبه هي "أيات" تمنى لو يكون كل شيء على مايرام رغم أن قلبه يخبره أن هناك كارثة خلفها ولكن من ماذا وقد تخلص من كل ما يزعجها!
-خير يا بنت العميري؟!
أتاه صوتها الباكي وهي تتحدث باندفاع:
-نوح الحقني أية مغم عليها ومش بتتحرك خالص، حاولت أفوقها كتير ومش بتفوق، وقعت من طولها في الحمام بعد مرجعت من برة وبتنزف، مش عارفة أشيلها وموسى مش بيرد وأنا مرعوبة أعمل أيه؟!
