رواية اية فى الجنون الفصل الواحد و الثلاثون 31بقلم ندى محسن


 

رواية اية فى الجنون الفصل الواحد و الثلاثون  بقلم ندى محسن

#آية_في_الجنون
الفصل الواحد والثلاثون ☆يتنازل من أجلها ☆
#الكاتبة_ندى_محسن

#اذكروا_الله
☆ربما لا نلتقي اليوم أو حتى غدًا، ربما لا نلتقي أبدًا ولكن اعلمي أن هناك شخص لم يراكِ كحبيبة، لم يراكِ كبشر بل كعالم لا يوجد به سوى الخير، لا يوجد به سوى الراحة ومن الطبيعي رحيلكِ.. فالجنة بعيدة كل البعد عن أرضي.☆
#الكاتبة_ندى_محسن

الساعة الثامنة صباحًا وهناك طرقات على باب منزل العميري، استيقظ "أمير" وخرج من غرفته ليرى "فيروز" تحمل زجاجات الحليب وتعطي المال لسيدة ابتسمت ما إن رأته وهي ترحب به بحفاوة: 

-ازيك يا حج أمير عامل أيه؟ حمدلله على سلامتك يا رب وأزاي إحنا منعرفش بوجودك هنا؟ نورت مارسانا كلها. 

ابتسم "أمير" وهو يومئ لها باحترام: 

-ربنا يخليكِ يا أم أمير وأزي أمير أيه أخباره وبقى في سنة كام دلوقتي من قبل مسافر بكتير مشوفتكوش؟ 

ابتسمت السيدة وهي تخبره بفخر شديد: 

-ده بقى في تالتة أعدادي وبقى ياخد جوايز في الكاراتيه، ده كان لسة بيسألني عنك مينساش اللي عملته معاه من بعد أبوه. 

حرك "أمير" رأسه بنفي وهو يجيبها بحنان: 

-ربنا يرحمه كان راجل أصيل ويستحق كل الخير كفاية أنه سمى أول فرحته على اسمي. 

تحدثت "فيروز" وهي ترى السيدة على وشك أن تتحدث من جديد: 

-شكرًا يا أم أمير، لو احتجت لبن زيادة هقولك. 

اومأت لها السيدة ومن ثم استأذنت لتذهب، نظرت "فيروز" تجاه "أمير" ولا تعلم ماذا عليها أن تقول: 

-أعملك فطار؟ 

نظر لها بتعجب وقد التقت عينيه بعينيها لأول مرة من بعد مجيئه: 

-هو النظام اتغير وكل واحد بقى ياكل لوحده ولا أيه؟ 

حركت رأسها بنفي وهي تجيبه بسرعة: 

-لا لا أنا بس كنت بشوفك لو حابب تاكل قبل مالكل يتجمع. 

سمعوا طرقات على الباب وفتح "أمير" ليدخل "نوح" وقد بدى أكثر اشراقًا: 
-صباح الفل ده البيت كله منور يا حج أمير والله. 

ضيق "أمير" عينيه وهو يشك في مجيئه إلى هنا بينما ابتسمت "فيروز" ساخرة لتأكد شكوكه: 

-مش من عوايدك يعني تيجي من صباحية ربنا كدة؟ 

غمز "نوح" لها ومن ثم سلط عينيه على جده ليتحدث ببراءة مصطنعة: 

-والله أنا جاي علشان جدو هنا، أنا نايم قايم مش مصدق نفسي وقولت لازم أشوفه وأفطر معاه قبل مروح المدرسة، علشان كمان عايز أعمل أجازة الجواز. 

حرك "أمير" رأسه بغيظ شديد: 
-آه منك يا ابن مهاب أنت آه منك. 

ضحك "نوح" وقد علم أن جده قد كشف أمره ليسأله باستسلام: 
-هي لسة نايمة؟ 

تركتهم "فيروز" وذهبت إلى غرفتها لتأخذ دواء الضغط الخاص بها وهي لا يمكنها تحمل وجود البنتين بل الأسوء أن زوجها وحفيدها لم يعد يشغلهم شيء سواهم! أوشك "نوح" على الدخول إلى غرفتها: 

-طيب أنا هصحيها هي مبتطولش في النوم أصلًا. 

سحبه "أمير" بغيظ وهو يصيح به: 

-هو في أيه؟ أنت داخل زريبة؟ أهدى أنت يا دوبك كاتب كتاب وبعدين أيات نايمة معاها. 

أومئ له زافرًا بغيظ ولم يمضي الكثير من الوقت حتى خرجت "أية" من الغرفة لتتحدث باقتضاب: 

-صباح الخير يا جدي. 

اقترب "أمير" منها ليقوم بضمها مقبلًا جبينها: 

-صباح الجمال يا حبيبت جدك أنتِ. 

ابتسمت وتبعه "نوح" وهو يقوم بفتح زراعه لها: 
-صباح الخير يا آيتي. 

رمقته بتحذير وأمسك "أمير" بيده وهو ينزلها بعفوية: 
-طمنيني يا حبيبتي نمتي كويس؟ 

اومأت له وهي تشعر بالكثير من الإرهاق، مشتتة ولا تعلم لماذا تشعر أنها تحلم وأن كل ما يحدث ليس واقع بل ليس واقعها هي.. 

اجتمعوا حول مائدة الطعام وهبطوا جميعًا دون استثناء، جلس "نوح" على يمين جده بينما "أية" بجواره و"أيات" بجوارها، اقتربت "فيروز" حتى تجلس على يساره وهي تحاول أن تتعامل بلطف معهم، أتى"ماهر" ليجلس بجوارها وأصبح مواجه إلى "أية" التي كلما التقت عينيها بعينيه لم يرى بهم سوى الاستحقار الشديد، كان "نوح" يضع أمامها الخبز: 

-يلا ابتدي كلي سرحانة في أيه؟ 

نظرت له وهي لا تصدق أنه يمثل بهذا اليسر حتى أن وجهه لا يظهر عليه أي شيء وكأنهم يعيشوا قصة حب حقيقية، تحدثت "فاطمة" إلى "نور" بود مصطنع: 
-مالك يا نونة مبتاكليش ليه يا حبيبتي؟ 

انتبهوا إلى "نور" عدى "نوح" الذي لم يلتفت لها، سمع صوتها المرتجف: 

-باكل يا مرات خالي أهو.. 

لاحظت "أية" أن نظراتها موجهة إلى "نوح" بينما هو نظر إليها ليبتسم باهتمام: 

-بتحبي تشربي حاجة جنب الأكل؟ 

حركت رأسها بنفي وهي تراه يتجاهل النظر إلى "نور" تمامًا. 

مرت الأيام سريعًا حتى أتى اليوم الموعود، يوم لا يُنسى أبدًا.. 
أصوات البكاء تسيطر على المكان، الكثير من الأشخاص في منزل "عز الدين" يرتدوا الملابس السوداء القاتمة بينما هو يقف ثابتًا في مكانه عاقدًا يديه أمام صدره وكأنه لا يعي ما يحدث من حوله، اقتربت "حلم" منه في هذا الوقت تلمس زراعه:

-عز الدين.. ممكن تقعد علشان شكلك تعبان!

قام بافلات يدها وتحدث بانفعال باتت تعرفه مؤخرًا:

-أيه لازمته نعمل الأربعين والحوارات دي؟ ملهاش أي أساس من الصحة ولا هترجع اللي راح، ربنا يرحمه والأولى الوقت ده كنا نطلع صدقات على روحه.. بس صح أنا بقول الكلام ده لمين! هو ميهمكيش أصلًا، اطلعي للي قاعدلي في أوضته ده خليه ينزل أحسن مطلعله أنا، أيه خلاص مبقاش عندي رجالة؟

اومأت "حلم" له وقد ظهر عليها الألم:

-هطلعله حاضر بس أهدى بالله عليك.

قامت بضمه لتتساقط دموعها على كتفه وينهار هو بالبكاء:

-خلاص كدة معقول تكون دي النهاية يا حلم، أنا فقدت ابني!!

لم يكن لديها أي إجابة لتبقى صامتة وتشاركه بكاؤه، فها قد مر أربعين يومًا على بقاء ابنها في غيبوبة، بعض الأطباء يعطوهم الأمل أما البعض الآخر ينتشله منهم وينصحوهم برفع الأجهزة عنه حتى لا يتعذب، صعدت هي إلى "موسى" وهي تشعر بالضيق منه ومن حالة الإكتئاب التي لازمته منذ أيام قليلة بعد نوبة هوسه الشديدة، لا أحد يعرف أنه كان يبحث عن "أية" رغم أن "سمر" اخبرته أنها سافرت في رحلة مع شقيقتها بعد أن أنهت شعار الحملة وقررت التواصل معها عبر مواقع التواصل الاجتماعي حتى تعود من جديد، يكاد الجنون يصيبه وهي لا تجيبه، يعلم أنه مخطأ يعلم أن معها كل الحق ولا يوجد لديه شيء ليقوله، لكن ابتعادها سيكون نهايته لا محال.

سمع طرقات على الباب ليأذن لمن بالخارج بالدخول، دلفت "حلم" إلى الغرفة على مضض:

-عز عايزك تنزل، صحابك وصحاب علي الله يرحمه تحت.

نظر لها بجفاء كما اعتادت عليه ليتحدث ببرود شديد:
-تعرفي متورنيش وشك؟

ابلعت ما بحلقها وهي تجيبه بغيظ شديد:
-لولا عز مكنتش اتكلمت معاك أصلًا، أنا اللي مبطقش أشوف وشك.

وقف وعلى الفور ابتعدت هي  بينما هو تحدث وقد ضيق عينيه بترقب ومازالت عينيه مسلطة عليها:
-هو أنتِ قابلتي حسن ليه؟

اتسعت عينيها بصدمة وهي تنظر له بعدم استيعاب، ابتسم هو باستحقار وهو يمرر لسانة على شفتيه كمن يحاول السيطرة على نفسه:
-قابلتيه ليه؟

حركت رأسها بنفي وهي تحاول أن تبقى ثابتة أمامه:
-مقابلتوش يا موسى.

أومئ لها ومن ثم تحدث بهدوء وهي لا ترى بعينيه شيء سوى المكر:
-حلو خليني أقول لبابا اللي عندي وهو يشوف بقى قابلتيه ولا لا.

خرج وعلى الفور امسكت بيده وهي تحرك رأسها بنفي:

-موسى بالله عليك استنى هفهمك، عز لو عرف هتبقى مشكلة كبيرة وأنا كنت بحاول ألاقي طريقة ودية لحل الخلاف بينهم.

ابتسم ساخرًا وقد كانت عينيه منطفئة عكس ما عاهدته عليه في نوبات هوسه:

-أمممم زي مكنتِ بتحلي مع جميل كدة؟ طيب خليني معاكِ يا كابوس حياتي، عايزاني أسكت؟

علمت أنه يساومها الآن، علمت أنه لن يترك هذه الفرصة وسوف يستغلها وعليها أن تحرق كارته الرابح في أقرب وقت بالتحدث إلى "عز" تفاجأت بحديثه:

-أنتِ يا حلم بما إنك بتلاقي طريقة ودية تحلي بيها حاجات ملهاش حل هتحلي موضوع حبيبة، وأشك إنها مقالتلكيش بس هقولك إني غلطت في حقها، معرفش حصل أيه وأزاي بس هتروحي تعتذريلها، وتعملي أي حاجة علشان ترجع من تاني.

ابتلعت "حلم" ما بحلقها وهي تومئ له، لا تعلم لماذا يطلب منها هذا ولكنها بداية مبشرة لها، ظنت أنها نجحت وأنه انجذب إليها، تحدث "موسى" بتحذير إليها:

-لعبة منك كمان وهخلي شكلك وحش ده أكتر مهو وحش قدام بنتك وقدام جوزك اللي فاكرك بجناحات ومش حابة تطيري علشان يا حرام متجرحيش مشاعرنا. 

شعرت بالغضب الشديد بينما هو دفعها لتخرج:
-برة يلا الأوضة دي متدخليهاش مش ناقصة قرف. 

ابتسمت ساخرة وهي تتحدث بغيظ داخلها:
-الله يرحم لما كسرتها ومخلتش فيها حتة سليمة ولولا وجودي كان زمانك قاعد في زريبة.

في هذا الوقت دلف "عبد الرحمن" إلى الفرندا ليجدها تجلس بفستانها الأسود وحجابها القاتم، اقترب ليقف بجوارها:

-انتِ كويسة؟

التفتت له وهي تومئ:
-الحمد لله أنا تمام.

حرك رأسه بنفي وهو يراها حزينة شاحبة: 
-لا مش تمام، ليه متغيرة كدة؟ أنا عارف أنه سؤال غبي في الوقت ده.

اومأت له وهي على وشك البكاء، حرك رأسه بنفي وتحدث إليها من جديد:

-عارف إن في الوقت الحالي في ضغط جبار، بس أنا متطمن عليكِ علشان عارفك بنوتة قوية.

مسحت عينيها حتى لا تبكي أمامه وهي تتذكر حديث والدها عن مرض "موسى" هو يحاول أن يجد طريقة ليقنعه بالذهاب إلى الطبيب:

-شكرًا يا عبد الرحمن.

ابتسم وهو يشعر بالكثير من السعادة لمجرد سماعه لاسمه منها، لا يعلم بأي حجة يجب أن يبقى معها الآن وهي شاردة كما لو كانت بعالم آخر:
-ماريانا صح هو أنتِ عرفتي حاجة تانية عن عادل؟

لا يعلم ما الذي جعله يسألها هذا السؤال وقام بتوبيخ نفسه وهو يراها تنظر له بأعين مستفسرة:
-حاجة ايه؟ من آخر مرة قابل بابا وشد معاه ورماله حاجته مشوفتوش تاني ولا عايزة أشوفه عادي صفحة واتقفلت.

أومئ لها بتأييد:

-معاكِ حق وبعدين أنتِ لسة صغيرة على الجواز والقصص دي مش هتمي واحد وعشرين؟

اومأت له بينما هو نهر نفسه عن اطالة النظر إلى عينيها، شعرت أن هناك شيء يشغل عقله كثيرًا لتقوم بسؤاله:

-عايز تقول حاجة؟

التقت عينيه بعينيها وهو يحرك رأسه بنفي:
-أنا كنت بتطمن عليكِ بس.

اومأت له بابتسامة ممتنة وأتت "حلم" في هذا الوقت وقد شعرت بالضيق:
-بتعملي أيه هنا يا ماريانا؟

نظرت تجاه "عبد الرحمن" بغضب واعادت النظر إلى ابنتها:
-تعالي معايا عايزاكِ.

تبعتها "ماريانا" بينما هو خلل شعره بانزعاج شديد قائلًا بضيق:
-مش فاهم أيه مشكلتها معايا ومبطقنيش ليه بجد!

ارتفع رنين هاتف "موسى" ليتفاجئ ب"جنة" ابنة عمته وعلى الفور اجابها:

-أزيك يا جنة أيه أخبارك؟!

لاحظ ارتباكها وترددها وهي تقول:

-أنا بخير يا أبيه أنت أيه أخبارك؟

اجابها باقتضاب وهو لا يشعر بالراحة:
-الحمد لله بخير، في حاجة حاصلة؟

ابتلعت ما بحلقها وقد حسمت أمرها أنها سوف تخبره وليحدث ما يحدث:

-في الحقيقة هي ماما قالتلي متكلمش علشان محدش يعرف أيه ممكن يكون حاصل بينكو بس أنا مقدرتش النهاردة في فرح في مارسانا.

عقد حاجبيه في انتظار حديثها الذي لم يتخيل عقله أنه حقيقي:

-ابن كبير مارسانا هيتجوز، أقصد مستر نوح ولما سألت أيسل عرفت أنه هيتجوز أية، يعني فرحهم النهاردا بس أنا مش مستوعبة أزاي وهي خطيبتك!

صدمة عصفت بكيانه بأكمله، مؤكد هو أخطأ السمع ولم تنقلب حياته بتلك الطريقة:

-أنتِ قولتي أيه؟

سمع صوت عمته تقترب منها ويبدو عليها الغضب:

-جنة أنتِ بتكلمي مين؟ هو أنا مش قولتلك إياكِ تعملي كدة؟!

ها قد بدأت عمته وصلة توبيخها، أغلق الهاتف بس أن شعر بالعالم يدور به، يتذكر حديث "نوح" الواثق في مرته ما قبل الأخيرة عندما كان في منزلها، يتذكر أنه اخبره أنها لن تكون له، ماذا فعل هو وماذا فعلت عائلته؟ مؤكد قد اجبروها على هذا، هو واثق أنها تحبه، يقسم أنه يسكن قلبها وعقلها ولا تمر دقيقة دون أن تتذكره، أجل لم تجيبه في الأيام الماضية، لكنها كانت تدخل إلى حسابه الشخصي ولحسن حظه كانت تعجب بمنشوراته عن طريق الخطأ وتقوم بازالتها ظنًا منها أنه لن يعرف.

اتجه للخار وهو كالمغيب تمامًا، لا وجود للمال معه، لا وجود لإثبات شخصيته، فقط هاتفه ومن ثم استقل سيارة شقيقة لحين أن يأتي بواحدة، كان يشعر أنه في سباق مع الزمن، ساعتين بحد أقصى وسيصل إلى مارسانا، تلك القرية التي ستشهد عذاب أحدهم اليوم أو كلاهما لا محال.

☆☆☆☆☆
☆طاردني حلم الاستقرار، طاردتني أحلامي الوردية التي تبعث بقلبي السلام، تمنيت أن أحظى بكل شيء في يوم ما، تمنيت أخذ نصيبي من السعادة وعندما حان الوقت ايقنت أن السعادة لم تتلخص في شيء.. سواك أنت.☆
#الكاتبة_ندى_محسن

نظرت إلى وجهها في المرآة وقد اجتمعت الدموع داخل عينيها، تنظر إلى فستان الزفاف التي ترتديه، حركت رأسها بعدم استيعاب وهي تتساءل كيف تكون هذه النهاية، هو رحل وهي لرجل آخر! من الأكيد أنها ليست حياتها بل هو كابوس تعيشه..

قام أحدهم بفتح الباب لينتفض جسدها ليضع الآخر يده أمامها:

-أهدي متخافيش..

نظرت له بأعين ارتسم عليها الخوف، اقترب الآخر ليقوم بتقبيل يدها هامسًا:

-مبارك يا أجمل بنت.

سحبت يدها من بين يده بعنف ليتجاهل فعلتها ومازال يحتفظ بابتسامته بينما هي اغمضت عينيها لتتعمق بكل شيء مضى وتعود لتستمع إلى صوته:

-وحشتيني يا حلويات.

استفاقت على صوت الآخر ينبهها وهو يقترب منها:

-وبعدين يا أية هتفضلي واقفة كدة كتير؟ يلا ننزل .. بالمناسبة الفستان أجمل بكتير عليكِ بس التاج عايز يتظبط أكتر.. بتبعدي ليه؟ قربي.. 

انتبهت أنها تأخذ خطوات مترددة للخلف، قرب يده من رأسها ليقوم بضبط التاج وهو يبتسم باعجاب شديد:

-شوفتي أنا ليه وافقتك لما قولتي مش هتروحي الكوافير وهتجهزي في شقة بابا وماما، علشان أنتِ مش محتاجة أي حاجة أصلًا، سيبك منهم كلهم.

ابتلعت ما بحلقها وهو يقرب زراعه منها، كانت نظراته تحثها على التشبث به ولكنها بقيت ثابتة في مكانها، أنزل زراعه وهو يسألها بهدوء:

-مالك؟ حاسة بأيه؟

بماذا تشعرين، ما الذي تريديه، هل أنتِ بخير؟ كلمات وأسئلة تبغضها عن ظهر قلب، تحدثت بصوت بدى وكأنها تختنق:

-مليش، بس بفكر في كل حاجة، أنت عارف الجواز ده علشان أيه صح؟

حاول أن يداري ضيقه من هذا الحديث وتحدث باقتضاب وهو يومئ لها:

-علشان نخلص من كل حاجة، علشان عمي ماهر مش هيقدر يعملكو حاجة من بعد النهاردة، علشان ندي علاقتنا فرصة..

قاطعته وهي تحرك رأسها بنفي:

-آخر حاجة هماني علاقتنا، متنساش إنك قولت إنك هتساعدني ولإن عمي ماهر مش هيلمس شعرة من أيات ولا يفكر يخطفها ويساومني عليها، لو حصلها حاجة فأنت متعرفش أنا ممكن أعمل أيه علشانها يا نوح.

ابتسم ساخرًا وهو يحرك رأسه بعدم استيعاب:

-أنتِ بتهدديني؟ أيه هتخليه جواز تحت التهديد؟!

رمقته بغضب وهي تتحدث إليه بحزم:

-أنا بس بفكرك أني مش هتهاون لو حصلها حاجة، فاكر أول مرة طلبت مني الجواز لما كنا في العربية بعد معمي مد أيده عليا وبهدلني؟

انتبه لها وهو بالفعل لا ينسى هذه الذكرى الذي جمعته معها بمفردهم لأول مرة، تابعت هي حديثها بابتسامة لا يعرف هل هي ساخرة أم متألمة:

-يومها أنا رفضت علشان كان قلبي وعقلي مع شخص تاني وعلشان أحلام كتير كنت فاكراها من حقي، بس لما عمي ماهر خطف أيات وبعت يساومني ومكنش في أيدي أي حاجة أنت أثبت أنك قد الثقة دي وعلشان كدة أنا أدتهالك مش أكتر.

زفر "نوح" بضيق وهو يراها تقف أمامه رافعة وجهها في كبرياء، أومئ لها وهو يسألها مضيقًا عينيه:

-فهمنا الكلام وبعدين عايزة توصلي لأيه؟!

اجابته بثبات ظاهري عكس مشاعرها التي تعصف بداخلها:

-أقصد ببساطة كدة إن البنت اللي كانت زمان بتفكر بقلبها عرفت أزاي تشغل عقلها، أنا مبفكرش في استقرار أنا عايزة بس أريح دماغي.. هديك كل حقوقك واحترامك وهكون فعلا قد المسؤولية بس المقابل منك الأمان وأنك متدخلش في اللي يخصني. 

أومئ لها ولم تتغير ملامح وجهه، تعجبت من هذا ولكنها لم تجعله يلاحظ بينما هو كان يحترق داخله وهو يعلم أن "موسى" حولها إلى شخص آخر عكس ما كانت عليه، لا مشكلة لديه بأن تعطي الأهمية إلى عقلها، لكنه لم يكن يريدها يومًا أن تكون منعدمة المشاعر بتلك الطريقة! لا بأس هي تفكر في شقيقتها وهذا الأمر جيد.. سوف يجعلها تفكر في نفسها من نفس الطريق. 

انتهت "مريم" من ارتداء فستانها البنفسجي وشرعت في ارتداء حجابها وهي تشاهد "سيف الدين" في المرآه يرتدي الزراع الاصطناعية أسفل البذل، ابتسمت وهي تتأمل هيئته بينما هو رفع حاجبيه باستفهام لتحرك رأسها بنفي:

-مفيش بتأمل في قرة عيني.

ابتسم إليها وهو يتحدث بصدق:
-كل مرة بتبقي أحلى، قوليلي مين العروسة علشان شكلي اتلغبطت.

ابتسمت وهي تلتفت لتنظر له، من الممكن أن يكون هذا اليوم هو يوم تعاستها إن كان وافق وتزوج بها، لكنها تحمد الله ان الأمور لم تصل إلى هذا الحد:

-تفتكر أيه اللي حصل خلى كل حاجة تتقلب في لحظة؟

علم انها تقصد زواج "نوح" الذي يمتاز بعقله الكبير ودهائه الشديد:

-علمي علمك يا مريم، نوح مش سهل، مش عارف هو بيفكر في أيه بس اللي أنا عارفه وواثق منه أنه مبيعملش حاجة غصب عنه حتى لو كانت سيف على رقبتي.

ابتلعت ما بحلقها وهي تشعر بالقلق:

-هو ممكن يكون اجبرها على الجواز يا سيف؟

انتبه لها وهو لا يريد أن يصدق هذا الحديث؛ فهو يعلم أن نوح لن يحدث ويفرض نفسه على أي فتاة:

-مظنش يا مريم لا، في حاجة مش فاهمينها بس أكيد كل حاجة هتبان ومفيش حاجة هتفضل مستخبية.

☆☆☆☆☆☆
-شكلك لطيف أوي.

رفعت وجهها باسمة وهي تنظر إليه واضعة شعرها خلف أذنها:

-شكرًا يا شهاب، أنا بجد متشكرة أوي لوقوفك جنبي الفترة اللي فاتت، لولاك مكنتش عارفة أزاي هتخطى القلق والانهيار اللي كنت فيه ده أزاي.

ابتسم "شهاب" وهو يتأمل فستانها الملون باللون البينك وقد كان شبيه بزي الأميرات وقد لائمه كثيرًا شعرها المنسدل وقد جمعت خصلتين من الأمام لتثبتهم بالخلف عن طريق دبوس شعر من نفس لون الفستان:

-العفو، هو إحنا مش اتفقنا هنكون أصدقاء؟

اومأت له وهي تبتسم إليه بامتنان بينما هو قرب يده خلف رأسها لتتعجب وتراه قد أزال دبوس الشعر، حدقته بروماديتها ليبتسم باعجاب:

-كدة أحلى، خلي شعرك ينزل على كتفك لأنه مش متغطي.

لقد كان الفستان ذات أكمام طويلة ولكن الكتف مكشوف وها قد أمسك بخصلاتها بلطف ليداري كتفها:

-الأحسن تحطي شال أو حاجة، يعني علشان مش حابب حد يبصلك بصة مش حلوة.

ابتعدت عنه وهي تحرك رأسها بنفي قائلة بجفاء:

-عاجبني كدة.

لمحت الانزعاج بوضوح داخل عينيه ولكنه حاول أن يجعل الأمر يمر:

-براحتك يا أيات، أنا هروح بقى قبل مأختك تنزل ويتجمعوا.

اقتربت وهي تتحدث إليه باندفاع:

-مش هتحضر الفرح؟

حرك "شهاب" رأسه بنفي وهو يتابع كيف أن القرية بأكملها تحتفل بالزفاف! لقد استعدت جميع المنازل وامتلأت الشوارع بمصابيح تم رصها على جميع الأرصف وكأنه زفاف ملكي، استبدلوا الأغاني الشعبية بصوت هادئ لأغنيات تلائم الأجواء:

-مينفعش، أنا عارف أن في حاجة مش طبيعية، مش هقدر أبقى ومش عايز اجرحه.

اتسعت عينيها وهي تنظر إليه بقلق:

-موسى!

أومئ لها لتمسك بزراعه وتجعله يلتفت ليرى "موسى" يهبط من سيارته وقد بدى على وشك الأنفجار وهو ينظر حوله غير مصدق أن هذه الاحتفالات من أجل زفافها على "نوح"! هم"شهاب"  بالاقتراب منه ولكن لا يبدو أنه رأى أحد أمامه بل أتجه إلى منزل العميري مباشرة، ما إن دلف من الباب حتى وجد "أية" تهبط وهي ترتدي فستان الزفاف وبجوارها "نوح" الذي ابتسم عاقدًا حاجبيه بتعجب شديد: 

-أنتِ عزمتيه؟ 

نظرت له وقد بدى وكأنه لا يمزح بل يسألها لتحرك رأسها بنفي فيتابع هو ناظرًا تجاه "موسى": 
-منا بقول برضو لو كنتِ عزمتيه كنتِ هتقوليلي، أنا برضو معزمتهوش! 

اقترب"موسى"  منه وهو على وشك لكمه وعينيه تكاد أن تطلق شرارًا فيمسك الآخر بيده: 

-تؤتؤ أنا عريس ومعنديش استعداد أتخدش خدش واحد، وآه صح معنديش وقت أمد أيدي عليك مش عايز أتعب نفسي ولسة ليلتنا طويلة، أظن شايف التحضيرات! 

قبضت "أية" على فستانها وهي تشعر بالكثير من التشتت، تحدثت بانفعال وهي تنظر تجاه "موسى"  الذي قام بدفع "نوح" بقوة: 

-موسى لو سمحت أنا مش عايزة مشاكل، كفاية لحد كدة. 

ابتسم ساخرًا وهو يحرك رأسه بعدم استيعاب واقترب منها: 

-هو أيه اللي كفاية؟ أنتِ بتعملي أيه فهميني؟ أنتِ بتحاول تضايقيني يعني؟ طيب يا ستي ضايقتيني وعصبتيني وغيرت وحاسس إني عايز أجيب رقبته، أيه اللي أنتِ لبساه ده؟ قوليلي أنتِ بتعملي أيه؟ 

صرخ في آخر حديثه واقترب "نوح" ليقف بجوارها وهو يتحدث بحدة وغضب بدأ في تملكه: 

-أطلع برة وملكش دعوة بيها. 

تجاهله "موسى" وعينيه مسلطة عليها وهو يحاول أن يجعلها تتحدث بما يجعله يهدم هذه القرية بأهلها: 

-اجبروكِ صح؟ أنتِ ليه مكلمتينيش؟ يولع أي سوء فهم، أولع أنا كمان بس أنتِ مش صح تستسلمي ليهم، أية أنا مش همشي غير وأنتِ معايا. 

ابتسم "نوح" ساخرًا وهو يحرك رأسه بذهول مصطنع: 
-لا وواثق من نفسه! الثقة حلوة مفيش كلام. 

أمسك "موسى" بيدها وهو يراها تائهة: 
-تعالي معايا، أنا مش هضايقك بأي طريقة، سيبك من كل حاجة وتعالي معايا. 

قبض "نوح" على يده واختفت السخرية ليحل محلها الغضب الشديد وهو يقوم بلكمه بقوة صارخًا بغضب: 
-أنت اتجننت ولا أيه؟ أبعد أيدك عنها. 

اغمضت "أية" عينيها وهي تشعر أنها بكابوس وليس حقيقة، جعلها صراخ "نوح" تعود إلى أرض الواقع لتتحدث بانفعال: 

-موسى أنا اتجوزته برضايا، لو سمحت أمشي بقى وافتكر أننا سيبنا بعض من قبل ميكون في أي حاجة بيني وبين نوح. 

شعر "موسى" أن هناك شيء خاطئ ولم ينتظر ليهجم على "نوح" الذي قام بدفعه واشتبكوا مع بعضهم البعض لتصرخ بهم: 

-كفاية بقى أنا مبقتش مستحملة، موسى أمشي أنت مبقتش تعنيلي حاجة، نوح لو سمحت كفاية أنا مش هستحمل. 

دفعه "نوح" واقترب ليمسك بيدها ليشعر بها تبعدها لكنه لم يتركها وعينيه مثبتة على "موسى" الذي يرغب من أعماق قلبه أن يبرحه ضربًا بل يقوم بقتله، علمت "أية" أنه لن يذهب وربما يصل به الأمر لقتل "نوح" دون مبالغة، تحدثت بانفعال وهي لا تريد للأمور أن تزداد سوء ومن حسن حظها أن الضوضاء منعت أحد من السماع لهم: 

-موسى أمشي وكفاية اللي بتعمله ده إحنا مش عيال صغيرة. 

اقترب منها وهو يحرك راسه بنفي: 
-مش همشي غير وأنتِ معايا، محدش هيقدر يجي جنبك، مش هسمح لحد يقرب منك، محدش يقدر يغصبك على حاجة أنتِ هتيجي معايا حالًا. 

انفعلت "أية" وهي تنظر له بغضب ومن جديد عادت صورته وهو يقوم بتقبيل "حبيبة" أمام عينيها: 

-أنت مبقاش ليك أي وجود في حياتي يا موسى أفهم بقى، أنا هتجوز نوح بكامل رضايا، أنا مش مستنياك تيجي علشان تعمل دور البطل وتنقذني، نوح يستاهل إني أسيب كل العالم علشانه، يستاهل فاهمني؟ 

حرك "موسى" رأسه بنفي وهو لا يقبل حديثها، الشخص صاحب شعار الإنسان كرامة يتنازل اليوم من أجلها، فقط من أجلها، ظهر الرجاء على عينيه وهو يتحدث بصوت مرتجف كمن أوشك على البكاء ليصرخ بها: 

-مشاكلنا وكل حاجة حصلت كوم وجوازك من الحيوان ده كوم تاني، بالله عليكِ متدمريش نفسك، أنا حيوان، مستاهلش، محستش بالنعم اللي في أيدي، مفكرتش في ربنا وأنا بغلط أنا معترف، أنا هصلح كل ده بس بالله عليكِ بلاش تهدميني وتهدمي نفسك، أرجوكِ يا أية، أنا مستعد أعمل أي حاجة علشانك. 

تساقطت دموعها دون إرادة منها وازداد قبض "نوح" على يدها وقد شعر بالقلق من ميلها إلى هذا الشخص، تابع الآخر حديثه وقد امتلأت عينيه بالدموع: 

-أنا أسف يا حلوياتي، أنا غلطان من ساسي لراسي ومحتاج تعديل كلي، بس مستاهلش أبدًا تقتليني بالشكل ده، مستاهلش تموتي نفسك في العلاقة دي، عمرك مهترتاحي يا أية صدقيني. 

مسح دموعه التي تمردت لتهبط على وجنتيه وهو يحرك رأسه بنفي ويراها تبكي أكثر منه وصدرها يعلو ويهبط: 

-بلاش تقتلينا يا أية، أنتِ كدة بتحكمي عليا وعليكِ بالموت صدقيني.. مش هنقدر نعيش. 

خرج صوتها مرتجف كمن يتمزق قبل أن تقوم بسحب يدها من يد "نوح" وتخرج من المنزل بأكمله: 

-خلاص يا موسى.. إحنا كتبنا الكتاب وبقيت مراته. 

اتسعت عينيه بصدمة وهو لا يصدق أنها قامت بتلك الخطوة حقًا، وقف ثابتًا في مكانه ونظر إلى "نوح" الذي لم يتحرك ووقف ثابتًا: 

-فاكر آخر مرة شوفتك فيها قولتلك أيه؟ بيتهيقلي حاجة زي دي متتنسيش يا موسى لإنها بقت واقع.. ولا أقول كابوس أنت بتعيشه؟! 

احتدت أعين "موسى" بغضب واقترب ليقبض على رقبة "نوح" الذي قام بدفعه بعنف: 
-علاقتك بيها أنت دمرتها بأيدك، بس فهمني أيه اللي عملته خلاها تنفر منك بالشكل ده؟ 

تحدثت "موسى" بغضب وهو يحرك رأسه باستحقار: 
-أنت لو عندك كرامة هتطلقها، أية بتحبني ومستحيل هتقبل تكون ليك، أية قلبها وعقلها معايا، أنا وبس اللي امتلكت كل حاجة فيها، أية بتتنفسني أنت فاهم؟ 

ابتسم "نوح" ببرود شديد رغم أن حديث الآخر كان يطعن به دون شفقة، تحدث وهو يتذكر يوم خطبتهم واقترابه منها وعينيه التي كانت تتعمد استفزازه وهو يغني معها ويديه تحاوطها: 

-أنا اتجوزت أية وأنا عارف إنك موجود في حياتها، بس زيك زي الصفر على الشمال، ملوش أي لازمة، أية قطعت صفحتك خالص من كتابها قبل مفكر اتقدملها وتوافق عليا.. افتكر يا شاطر أن بطل الرواية الحقيقي هو اللي بيفوز في النهاية. 

لم يعد هناك مجال للكيد والاستفزاز الخاص بموسى بل اطبق أسنانه وهو يتحدث بغضب من بينهم: 

-على أساس إنها أول مرة تتقدملها؟ أية كانت بتحكيلي على كل حاجة، أنت بالنسبالها مش أكتر من حيوان حاولت تستغل حاجتها والفرح ده مش هيكمل يا نوح وههده في دماغك. 

يتعالى رنين هاتفه حتى فقد السيطرة على أعصابه ليجيب بغضب: 
-في أيه يا ماريانا عايزة أيه؟ 

للمرة الأولى يصرخ بها بتلك الطريقة التي جعلتها تنسى للحظات لماذا كانت تريده ولكنها تحدثت بقلق: 
-محمد فاق يا موسى لازم تيجي.. 

أغمض عينيه وهو لا يدري ما تلك المشاعر التي انتابته، تذكر أخاه وهو يمسك بيد "أية" وبيده، تذكر الكثير من الأحداث وحديثه الذي لم يفعل شيء سوى أن يتهمه، هل اتفقت عقولهم على الفراق ليعاونهم القدر؟ أم مازالت لحكايتهم بقية؟! 

تعليقات