رواية اية فى الجنون الفصل الثانى و الاربعون بقلم ندى محسن
#آية_في_الجنون
الفصل الثاني والأربعون ☆ما زالت تحبني☆
#الكاتبة_ندى_محسن
#اذكروا_الله.♡
☆لم يكن الأمر سهل بل كان مرعب.. نعم الأنفجار بعد الكتمان مرعب للغاية ومؤلم.☆
#الكاتبة_ندى_محسن
كانت تجلس فوق سريرها وهي تقنع نفسها أن الشيء الذي سمعته هو من أعراض الحمى ليس إلا، مؤكد شقيقتها الآن لا تجلس أمامها وتخبرها أنها وافقت على الزواج من "شهاب" ابن عمة "موسى" والذي يكون في مقام أخيه!
ابتلعت الأخرى ما بحلقها وابتعدت عنها خوفًا من رد فعلها:
-لو سمحتِ يا أية افهميني.
نظرت "أية" لها بعدم استيعاب وهي تدعي أن تكون جنت وبدأت في التخيل أهون عليها من أشياء قادمة لا تعرف من أين لها بطاقة للمواجهة:
-قولتي أيه من شوية معلش؟
رأت "أيات" الجدية داخل بندقية شقيقتها وهي تحدق بها في انتظار الإجابة، اجابتها وقد ابتعدت خطوتين آخريين وكأنها لا تأمن أن شقيقتها لن تنقض عليها من هذا القرب:
-قولت إن شهاب عايز يتجوزني وأنا وافقت يا أية.
وقفت للمرة الأولى بعد اصابتها بهذه الحمى التي جعلتها على وشك مفارقة الحياة، كررت كلمتها وكأنها تسألها:
-وافقت؟! صح الموضوع بسيط جدًا يعني!
خرجت "أيات" من الغرفة وهي تضع يدها أمامها:
-أنا قولت لجدو ولو ضربتيني كدة أنتِ بتكسري كلامه، وبعدين ده ملوش علاقة بعلاقتك مع موسى الله أنا مرتاحة لشهاب.
خرج "نوح" من مكتبته عندما سمع صوت "أيات" وتعجب من ذكرها إلى "موسى" لكن ما جعله ينتبه هو اقتراب "أية" منها بانفعال واضح:
-أنتِ اتجننتِ يا أيات؟ تعرفيه منين ده ولا ارتاحتيله أمتى؟ يا بنتي أنتِ غاوية وجع قلب؟ عايزة أيه مني أفهم عايزة تجلطيني؟
اقترب "نوح" منها ليمسك بيدها ولكنها استندت على ذراعه عوضًا عن ذلك:
-أيات أنا مش قادرة أناهد، كفاية اللي حصل معايا، كفاية وجع القلب اللي كنت فيه وما زلت بتعافى أنتِ عمرك مهتتخيلي أزاي الواحد يحارب في نفسه، ابعدي عنهم بالله عليكِ أنتِ متعرفيش حاجة ولا عمرك حبيتي ولا..
قاطعتها "أيات" وهي تقترب لتواجهها وقد انفعلت:
-أنتِ لحد دلوقتي مقولتليش ليه سيبتيه، ليه بعتي كل الحب اللي بتتكلمي عنه ده؟ ليه مهتمتيش أنه ما زال مالك لأكبر نسبة أسهم في شركة بابا؟ ليه مبتتكلميش معايا؟!
نظرت "أية" إلى "نوح" الذي ينتظر الإجابة أكثر من "أيات" بينما هي اومأت لتبتعد عنه وتقترب لتنظر إلى أعين شقيقتها:
-عايزة تعرفي ليه بعدت؟ ليه دوست على نفسي ومشاعري وحبي الكبير أوي؟ عايزة تعرفي ليه في لحظة اتهدمت محاولاتي وخابت حساباتي؟ وحتى اتجاهلت شراكته وقراراته اللي تدل إني حتى مش قادرة أبص في وشه؟ طيب حلو عايزين تعرفوا؟
تحدث "نوح" وبالفعل بدى له كل شيء واضح بالإضافة إلى هلاوس الحمى التي جعلتها تعترف بأمر خيانته لها:
-أنا هنزل تحت وهسيبكوا تكملوا ك..
لم يكمل حديثه حتى اوقفه حديث "أية" الذي ظهر عليها الألم وجعل صوتها يرتجف دون رحمة:
-متنزلش، قبل أي حاجة أنت ابن عمي، أنا واثقة فيك ومش متضايقة متنزلش يمكن تعرف تعقلها ولو شوية..
ابعدت "أيات" عينيها وهي غير راضية عن حديث شقيقتها لتتسع عينيها بصدمة وتعيد روماديتها لتحدق في وجه "أية" ما إن تحدثت بالحقيقة التي لم تستطيع أن تتفوه بها لشهور مضت:
-علشان خاين، في الوقت اللي أنا كنت..
لم تستطيع أن تمنع دموعها وهي تتابع الحديث بصعوبة:
-في الوقت اللي أنا كنت بحارب فيه في علاقة مش فاهماها وشخص كل يوم بحوار أنا شوفته بعيني بيخوني، في الوقت اللي كنت رايحة لباباه من غبائي وسذاجتي علشان أعرف ليه متغير وليه كان متخانق معاهم شوفته بيبوس واحدة، شوفته بعيوني، ومهربتش أنا واجهته، عارفين قال أيه؟ ولا حاجة..
انهارت في البكاء دون ارادة منها وهي تتألم بألم امتزج بشهقاتها المتقطعة:
-كسرت نفسي وقتها وكسرتي قدام نفسي مش قادرة اتخطاها، مش قادرة أستوعب، مش عارفة أتقبل، بسأل ليه؟ هو مكنش عنده إجابة أنتو عندكو إجابة؟!
تساقطت دموع "أيات" لتتبادل النظرات مع "نوح" الذي لم يتخيل في حياته أن تكون مرت هذه الفتاة بشيء كهذا، كم كان ساذج وهو لا يفعل شيء سوى الضغط عليها، لقد كان أناني عندما ساعد في تمزق قلبها في علاقة لم تكن لتوافق عليها لولا الظروف، اقترب ليضع يده على كتفها بينما هي تحدثت من بين دوموعها:
-فهمت ليه مش هقدر! فهمت ليه أنا مش عارفة أعمل حاجة أساعدك بيها أو أساعد نفسي؟!
اقترب ليقوم بضمها دافنًا وجهها بصدره وهو يهمس إليها:
-عيطي، بس وأنتِ بتعيطي اعرفي أنه مكنش يستحقك، متتردديش في أي وقت تعيطي لو حسيتي أنك عايزة ده، مش همنعك..
لم تجد "أيات" ما تقوله هبطت بصمت وهي تشعر بالصدمة من كل شيء حدث مع شقيقتها دون حتى أن تعلم به!
هدأت "أية" قليلًا وابتعدت لتلتقي عينيها بعينيه:
-مقصدتش أن..
حرك رأسه بنفي وهو يمسح دموعها:
-فاهمك أنا مش مستني تقولي حاجة، خلاص مفيش وجع، كله هيبقى كويس، اللي عايزاه هيحصل مش مضطرة تعملي أي حاجة توجعك كدة مش مضطرة.
تعجبت من حديثه الذي يحمل معنى آخر تريد أن تتأكد من حقيقته ليحدث هذا ما إن تابع:
-مش هقدر أطلقك، مش هقدر انطقها وأنا عارف أن دي الكلمة اللي هندم عليها الباقي من عمري، بس هقدر أعمل اللي أنتِ عايزاه..
لم يكن منها سوى الصمت الذي جعل ألمه يزداد، كأنها تنتظر منه ما سيحررها، تابع حديثه ولم يبعد عينيه عن عينيها:
-أنا فوضتك..
تعجبت مما يقول بينما هو تابع تكوين جملة كانت حروفها الأصعب عليه:
-فوضتك أنك تطلقي نفسك مرة وأنا مش هعترض..
نظرت له بعدم استيعاب ليتابع هو الشيء الذي يعلم أنها ستسأل بشأنه:
-اتأكدت أن ده مسموح يا أية وهيعتبر وقتها أننا.. انفصلنا.
لم يكن منها سوى الذهاب إلى الغرفة وقد كان من الصعب عليها مجاراة كل هذا بينما هو حرك كتفه بإبتسامة:
-بس لو قومتي ولا مشيتي بيعتبر اعتراض ووقتها التفويق بيبطل أنتِ حرة..
لم تسمعه بينما هو تنفس أخيرًا وحمد الله أنها لم تفعلها، جلس على الأريكة وهو يشعر بأن العالم بأكمله يتأمر عليه، ليست قدره هل عليه أن يستسلم لهذا؟!
☆☆☆☆☆
☆أعظم ما بُررت به اللقاءات: جئت أبحث في عينيكِ عن ذاتي.☆
كان يضع قدم فوق الأخرى وزرقواتيه ما زالت تبعث القلق في نفس الرجل المقابل له ليتحدث بابتسامة لا يعرف من أمامه هل هي ساخرة أم متفاجأة، مرر إبهامه على ذقنه وقد قطب جبينه:
-يعني هتتقدملها دلوقتي؟ أنا سمعت صح؟!
سؤال من جديد ليجيبه "شهاب" وآخر شيء توقعه هو قدوم "موسى" في هذا الوقت بهذا الشكل المفاجئ، لا ينكر أنه شعر بالتعجب من بعض أفعاله، لكنه لا ينكر أن ما حدث الفترة الماضية بداية من دخول أخاه للمستشفى وحتى سفر صديقه المقرب يجعل المرء على وشك الجنون:
-أنا مش عايزك تفكر فيها بشكل شخصي لو سمحت يا موسى، أنا بحبها وهي بتحبني، حتى لو هتكابر فأنا واثق أنها متطمنة و..
قاطعه "موسى" وكأنه لم يكن يهتم بإجابة السؤال الذي قام بطرحه:
-خلينا نمشي ونروح نخطبلك.
تعجب "شهاب" وما إن رأى حماس "موسى" حتى تحول هذا التعجب إلى صدمة جعلته ينتفض من مجلسه:
-نروح فين؟ أنا بس اللي هروح علشان أتكلم مع جدها، مش هاخد حد معايا.
نظر له "موسى" بلوم مصطنع:
-وأخوك حبيبك أيه دلوقتي استغنيت عنه؟ متقلقش مش هناخد حد غير حبيبة علشان لو سيبناها هنا سمر هتاكلها، البت دي بسكوتاية خالص ومش حمل أختك.
تحدث "شهاب" بانزعاج شديد وهو لا يمكنه أن يتوقع الشيء الذي سيحدث إن ذهب معه والتقى بشقيقتها، كيف سيكون الوضع ونوح في هذا الوقت بالتأكيد داخل منزله:
-موسى أنت عارف أن وجودك هيصعب الأمور صدقني، علشان أية تكون مرات ن..
قاطعه "موسى" وقد احتدت عينيه بغضب شديد جعل أي مرح يتلاشى:
-إياك تنطقها يا شهاب إياك، أية متجوزتهوش، جرب تحلفها أية مخلتهوش يجي جنبها، أنا واثق مستحيل يكونوا عايشين طبيعي، أية بتحبني دي بتتنفسني فاهم يعني أيه؟ أنا مبتنسيش وهي متقدرش تعمل حاجة مش حساها، هي مش حاسة بالحب ناحيته أنا واثق، هي بتحبني وهتعترف بده، هتخرج عن شعورها وتعترف بده في يوم.
نظر "شهاب" له بعتاب شديد، لا يصدق أنه ما زال يحبها بل ويتحدث بتلك الطريقة عنها وكأنها اعترفت له بحبها، قام بتدليك جبينه وهو يفكر في عائلة العميري، إن سمع أحد هذا الحديث لن يتردد "نوح" في قلب هذه القرية رأس على عقب، شهد الكثير على غضبه ولا يمكنهم أن يجازفوا ولكن ما الفائدة وهو يعلم أن ابن خاله لن يقتنع؟!
اقترب "موسى" من حبيبة التي تجلس برفقة عمته وهي تسمع حديثها المعتاد عن القرية هنا وكيف تحب العيش بها ولم ترتاح في المدن، لا تحب الازدحام والكثير من الأشياء التي لا تخص الأخرى ولكنها كانت تبتسم لها وترد عليها إن لزم الأمر:
-معلش يا عمتي هاخدها منك شوية.
نظروا له وقد اختفت إبتسامة "حبيبة" عندما خمنت أنه سوف يصطحبها إلى منزل "أية" تعلم أنه من الممكن أن يفعلها وهو في هذه الحالة لا تستبعدها عليه، وقفت وهي تنظر له وعلى الفور انتهى من تبادل السلام مع عمته ومع جنة وسمر التي لم تجيبه ولم تنظر تجاهه، ما إن خرج من منزل عمته حتى تحدثت "حبيبة" بقلق:
-ماما اتصلت وقولتلها أني مش فاهمة حاجات كتير وبحاول أفهمها وأنك مش معايا.
ابتسم ساخرًا وهو ينظر لها ويشير على نفسه:
-يعني المشكلة فيا أنا؟
اجابته "حبيبة" بقلق لم تستطيع أن تمنعه:
-طبيعي اللي ماما بتعمله ده يا موسى، هي قلقانة عليا.
سألها وهو يتأمل عينيها وملامح وجهها البريئة:
-وأنتِ؟ قلقانة!
ابتلعت ما بحلقها وهي تكره هذه النظرات لتبعد عينيها عنه، أمسك بيدها لتقوم بسحبها فيبتسم قائلًا ببراءة:
-أنا بس كنت بشوفك سقعانة ولا لا إحنا في شهر 11 دلوقتي.
حركت رأسها بنفي وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
-مش بردانة.
خرج "شهاب" في هذا الوقت وهو يدعو الله أن يمر هذا اليوم على خير ومن ثم نظر لهم:
-هنعدي على محل هنا بس أجيب منه حاجة وبعدين نروح إن شاء الله.
نظرت "حبيبة" إلى "موسى" بتعجب ليشير لها على سيارة "شهاب:
-اركبي ورا يلا علشان نتكل على الله.
صعدت ولم تشعر بالراحة وصعد هو بجوار مقعد السائق ليقوم "شهاب" بقيادة السيارة ولم يتوقف عن تلاوة الأيات القرءانية سرًا، قاطع صمتهم صوت "حبيبة" التي قامت بسؤال "موسى" بحيرة:
-هو إحنا رايحين فين؟
اجابها وهو ينظر لها في المرآه الأمامية للسيارة:
-رايحين نخطبله.
تعجبت "حبيبة" وهي لا تشعر بالراحة لوجودها معهم، لا تعلم ما الذي يجب عليها أن تقوله لكنها التزمت الصمت، بينما "موسى" لم يتوقف عن التفكير بها ليغمض عينيه ويرجع ظهره إلى الخلف باسمًا وهو يتذكرها ولا يصدق أنه اليوم سوف يتمكن من رؤيتها، يتساءل هل سيتبدل شيء يا ترى؟ كانت جميلة ومميزة وهو على ثقة تامة أن هذا لن يتغير.
☆☆☆☆☆
في هذا الوقت كان هاتف "نوح" لا يتوقف عن الهتاف من أشخاص عدة بينما هو ينظر تجاهها وهي ترتدي الحجاب على عجلة من أمرها:
-بس أنتِ تعبانة يا أية هتتعبي أكتر كدة.
حركت "أية" رأسها بنفي وهي تلتفت لتنظر له:
-أنا لازم أشوف شهاب، ليه عايز يتجوزها ومن أمتى يعرفها، أنا مش هسيبها كدة وأنا عارفة أنها في الآخر هتعمل اللي في دماغها لازم المرة دي تسمع مني.
أومأ "نوح" لها ومن ثم أخذ هاتفه بانزعاج شديد:
-أنا مش عارف أيه كمية الأتصالات دي! أكيد في حاجة.
انتبهت له وهي تومأ له بحيرة:
-أيوة بقاله كتير بيرن ملاحظة، لو وراك حاجة روح أو رد عليهم.
أجاب أحد أصدقائه في القرية ليعقد حاجبيه بعدم استيعاب:
-أنت بتقول أيه يا أدهم؟ لا مشوفتش حاجة تليفوني مرمي من الصبح، طيب طيب أنا هتصرف.
لاحظت اغلاقه الخط وبحثه عن شيء ما في هاتفه، علمت أن هناك شيء قد حدث تسبب في ازعاجه كثيرًا:
-في أيه يا نوح؟ حاصل حاجة؟
نظر لها ورأى القلق ظهر على وجهها، وقف مبتعدًا عن الأريكة وهو يبتسم لها إبتسامة لم تصل إلى عينيه:
-متقلقيش عندي مشوار وهصلي برا لو محتاجة حاجة رني بس عليا.
اومأت بينما هو أمسك بيدها ليطبع قبلة عليها ومن ثم يخرج من المنزل، لا تعلم ما الذي حدث له ليقوم بسحب حديثه بتلك الطريقة هل نسى أنه قام بتفويضها لطلاق نفسها؟ هذه فرصتها سوف تبحث عن هذا الأمر الآن..
مر الوقت وقد انتابها الغيظ عندما علمت بحقيقة ما حدث، لقد ذهبت دون كلمة ولم تستغل الفرصة، لكنها تتساءل هل كان هذا الوقت المناسب لطلاقهم؟ حاولت أن لا تفكر حتى لا تزعج نفسها أكثر من هذا وهبطت لتلتقي بعهود التي كانت تتحدث مع شقيقتها وعلى وشك الهبوط:
-أزيك يا أية عاملة أيه دلوقتي؟
اومأت "أية" لها ولم تتحدث معها، اوشكت على الهبوط لتمسك بذراعها:
-أنتِ ليه بتعامليني كدة يا أية؟ أنا والله م..
ابعدت "أية" ذراعها ونظرت لها بتحذير:
-متتكلميش في الموضوع هنا يا عهود، نوح وافق وهيقنع جدو وإن شاء الله الأمور تبقى تمام..
همت بالهبوط لتتبعها "عهود" حتى وصلوا أمام شقة "أمير" في الطابق الأرضي وقبل أن تدخل "أية" التفتت لتنظر لها:
-عايزة أنصحك نصيحة بسيطة وأنا بعتبر نفسي أختك الكبيرة، مش صح تحضني ولا تبوسي حد مش من محارمك يا عهود.
نظرت "عهود" لها وقد احمرت وجنتيها وهي تعلم قصد "أية" لتقترب منها لتمسك بيدها وهي تتحدث بصدق:
-والله العظيم مقصدتش أبوس نوح، أنا بعتبره أخويا والله عمري مشوفته غير أخ، أية بالله عليكِ متزعليش وأنا في الطبيعي أنا..
قاطعتها "أية" وهي تبعد يدها ولم تعد تستطيع البقاء أمامها بعد كل شيء قامت به على الأقل في هذا الوقت:
-أنا بتكلم في صح وغلط في حرام وحلال، كلنا غلطنا وبنغلط بس المهم نفهم غلطنا ومنكرروش.
قاطعها صوته التي تحفظه عن ظهر قلب حتى ظنت أنها قد جُنت:
-اسمعي كلامها دي عمرها متقول حاجة غلط.
التفتت بصدمة لم تستطيع السيطرة عليها لتلتقي عينيها بزرقاوتيه وابتسامته التي حفرتها داخل ذهنها في الكثير من الأوقات، تصلب جسد "عهود" ما إن تعرفت عليه ونظرت إليها بعدم استيعاب، اقترب ليقف أمام "أية" مباشرة وعينيه لا ترى سواها، لا يمكنه أن يضيع هذه الفرصة من بين يديه، قام بمد يده أمامها:
-أزيك!
نظرت إلى يده وهي تحاول أن تدرك العالم من حولها، يقف أمامها الآن! بلا أي ترتيب يظهر كما كان يفعل دائمًا، سحب يده قائلًا:
-مبتسلميش عارف..
عادت لتنظر إلى عينيه وتحدث "شهاب" في هذا الوقت وهو يدعو الله أن لا يأتي "نوح" ويرى هذا المشهد ونظرات "موسى" كافية أن تجعله يقتله دون الشعور بالذنب:
-إحنا جايين للحاج أمير، موجود فين؟
انتبهت "عهود" له وهي تقرر الانسحاب:
-اتفضل.
دلفت وانتظر هو لدقيقة ليتحدث إلى "موسى" وهو يحاول جعله ينتبه:
-موسى يلا..
ابتلعت "أية" ما بحلقها وهي تشعر بالصداع عاد ليهاجمها بعد أن هدأ، أما عن "حبيبة" كانت عينيها متعلقة به، تراجعت للخلف وقررت الانسحاب قبل أن تراها ويعود لذاكرتها ما فعله "موسى" بالسابق، ليته اخبرها أنه سوف يصطحبها إلى هنا، ليته لم يفاجأها بتلك الطريقة.
أشار "موسى" له بالدخول وهو منتبه كل الانتباه لها، دلف "شهاب" وهو يريد أن تنتهي مقابلته مع "أمير" في أسرع وقت ممكن، همت "أية" بالدخول إلى الشقة ليقف أمامها بسرعة وهو يحرك رأسه بنفي:
-لا استني..
ابتعدت خطوة للخلف وهو يلاحظ ضيق أنفاسها:
-لو سمحت.. عديني.
تجاهل طلبها، تجاهل ما يمكنه أن يحدث بمجرد وقوفه معها في منزل عائلي كهذا:
-أنتِ متغيرة، فيكِ حاجة متغيرة، بس حلوة، حلوة دايمًا، عيونك بتلمع لسة زي مهي..
انتبهت له ليتابع حديثه بإبتسامة لمعت من قلب حزين:
-عيونك لسة بتلمع بالحياة، بس عيوني محدش بقى يقول إنها بتلمع، عارفة أيه اللي حصل وأنتِ مش موجودة؟ قالوا عليا مريض، قالوا إني بعمل حاجات مش منطقية، أنا معترف بس ده بيحصل وأنا معاكِ فهماني؟
حديث عشوائي، لا تعلم ماذا يعني، لكنها تعلم أن عليها الهرب، هو بارع في الحديث، عليها أن تتذكر هذا، هو يستطيع أن يجعلها تميل له ببضع كلمات، هو يعلم هذا ويستخدم أسلوبه المناسب لها:
-عايز أتكلم معاكِ كتير، عمرك مكنتِ قاسية، فاكرة لما كنّا سوا؟ كنّا أزاي! أنا عارف أنك بعيدة عن نوح، مستحيل تكوني مراته بجد، عارف إنك بتحبيني، عارف أنك عانيتي بسببي، بس كان غصب عني، عارف أنك تستحقي الأحسن بس أنتِ أحسن حاجة أنا ممكن أستحقها.
همت بالصعود على السلم وهي تحاول الفرار وحسب، لم يعد يفرق معها سوى الابتعاد عن حديثه، فقط تحاول أن تبتعد، قاطعها بسحب ذراعها بسرعة وهو يتحدث إليها برجاء:
-استني، مش هعمل حاجة تضايقك، عايز أتكلم معاكِ وبس، أنتِ لسة بتحبيني يا أية؟ أنتِ بتدخلي على صفحتي وبتعملي لايك بالغلط على فكرًا بشوفه قبل متمسحيه.
لا تعلم كيف كانت بهذا الغباء وقد ظنت أنه غير مهتم بحسابه الشخصي وهو يتجاهل الرد على الجميع نساء ورجال، فقط يقوم بالنشر دون الظهور في شيء آخر، دفعت يده وارتجف قلبها عندما تخيلت أن "نوح" سوف يأتي الآن، ربما إن رأته يدخل إلى المنزل سوف تفقد وعيها وهي تعلم ما سيحدث:
-أبعد عني، أنت بأي حق تقرب ولا تتكلم معايا؟ أنا معرفكش، أنا بجد معرفكش..
لا يفهم الشيء الذي تعنيه بالضبط ولكنها اومأت لتتابع:
-حبيت شخص بجد، منكرش بس اللي حبيته ده لا كان استغلالي ولا إنسانه مبيفكرش غير في نفسه وممكن يمد أيده علشان رافضة وضع حرام مينفعش يحصل غير بين المتجوزين ولا خاين.. أنت فيك كل الصفات دي، أنا محبتكش أنت أفهم، أنا تقريبًا حبيت شخص مش موجود، يعني الحنين اللي كان..
صمتت وقد اعتصر الألم قلبها وهي تحاول أن لا تتذكر هذا الشخص الذي كان معها منذ البداية، حركت رأسها بنفي وهي تبتعد عنه:
-ملكش دعوة بيا، أنت أزاي بجح كدة؟ أنت أزاي كدة؟
اسرعت بالدخول إلى الشقة ولم يمنعها بل هم بالدخول خلفها وهو يعلم أنها ستكون حاضرة في مجلسهم، سيكفيه هذا بشكل مؤقت، لم تنفي ما قاله، لم تخبره بحبها إلى زوجها والعيش معه كما تحاول أن تظهر.
دلف إلى المنزل وهو يلقي التحية، انتبه له الجميع وانتبه هو لعدم وجود "حبيبة" مع "شهاب" ليسأله بعفوية:
-أومال فين حبيبة؟
شعرت "أية" بالصدمة وهي لا تصدق أنه بات يصطحب هذه الفتاة معه في أي مكان يذهب إليه، من الصعب عليها أن تدرك هذا الكم من الوقاحة! خرج بعد أن أشار له "شهاب" على الباب وعلم أنها تنتظر في الخارج، بينما الآخر تابع حديثه إلى "أمير" وهو يتمنى أن لا تتوتر الأجواء أكثر من هذا:
-زي مقولت لحضرتك يا عمي أنا هنا ماسك شغل الأراضي بتاعة بابا بس عايز أروح أشتغل في القاهرة في شركة خالي مع موسى، اللي هيناسب أيات هنا أو هناك أنا مستعد لأي طلب تطلبه.
كانت "أيات" تشعر بالتوتر بالأخص وهي تفكر في حديث "أية" الذي يجعلها تريد الصراخ بالرفض وهي تخبره أنها لا تقبل بشخص من الممكن أن يخونها! تحدثت "أية" في هذا الوقت بعد أخذها للإذن من جدها:
-ليه أيات؟ ليه عايز تتجوزها؟!
نظر "شهاب" لها ولاحظ نظراتها الثاقبة والغضب الذي يستطيع قراءته بوضوح عليها ويبدو أن هذا بسبب "موسى" اجابها بهدوء:
-لأني معجب بيها جدًا، أيات شخصية فريدة من نوعها.
ابتسمت "أية" بتهكم وهي تسأله كما لو كانت تحاول صيد خطأ واحد:
-مش فاهم يعني أيه شخصية فريدة من نوعها دي؟ عرفتها أمتى أصلًا؟!
وضع "أمير" يده على يدها في محاولة منه لايقافها لتستجيب وتهدأ قليلًا وما زالت توجه الكثير من النظرات المترقبة إلى "شهاب" الذي أراد لو يتبرأ من "موسى" الآن على الأقل لحين خروجه من هنا، تحدث "أمير" بحزم:
-أنا عارف أن أيات شخص عفوي جدًا، بتثق في الناس بسرعة، بتنسى توضح الأمور شويتين.
ختم جملته وهو يرمقها بنظرة متعودة وهو يكاد أن يجن ولم يجد تفسير لعدم اخباره أن "شهاب" هو قريب الخطيب السابق لحفيدته! تابع حديثه بجدية:
-أيات محتاجة معاملة خاصة، محتاجة عيشة خاصة، محتاجة اللي يفهمها بجد، مش مجرد عيشة في شقة أنت فاهمني؟ دي حياة هتتشاركها عمرك كله مع واحدة و..
قاطعتهم "أيات" بتردد:
-هو أنا ممكن أقول حاجة؟
أومأ "أمير" لها وهو يتمنى أن لا تخجلهم لكنها فعلت وهي تنظر إلى "فيروز" الجالسة ومن ثم إلى "شهاب" واضعة قدم فوق الأخرى:
-وشرط في القسيمة مفيش زوجة تانية.
أراد "شهاب" أن يضحك وهو يرى جدها على وشك أن يفقد أعصابه لكنه يحافظ على مظهره ومظهرها، أومأ لها قائلًا بترحيب:
-وهو كذلك.
أمام منزل عائلة العميري تحدث "موسى" بغضب وهو يقبض على ذراعها:
-هو أنتِ عايزة تجننيني؟ يعني أيه هتستني هنا؟ هتقفي في الشارع؟!
اوشكت على البكاء وهي تسحب ذراعها منه بألم وتحاول الابتعاد:
-موسى!
أخذ نفس عيمق وهو ينظر لها ساحقًا أسنانه:
-هندخل نقعد شوية ونمشي يا حبيبة، أنا بجد مش عايز مناهدة.
حركت رأسها بنفي وهي تسحب ذراعها برفض ليقوم بسحبها إلى السيارة ويدخلها بها:
-تقعدي هنا ومتتحركيش فاهمة؟
ابعدت وجهها لتتساقط دموعها ودلف هو إلى المنزل من جديد لتسمح لنفسها بالبكاء وقد شعرت بالإهانة، تقارن تعامله معها وتعامله مع "أية" الأمر لا يتعلق بمرضه بل برؤيته! هو لا يراها شخص يُحترم ويعاملها كما لو كانت طفلة فاقدة للنضج!
اقترب "موسى" ليجلس بجوار "شهاب" ويكون في مواجهة "أية" التي لم تنظر تجاهه وقد تجاهلت وجوده تمامًا، تحدث "موسى" على أمل أن يثير انتباهها له:
-أنا بعتبر شهاب أخويا الصغير، لولا إني واثق أنه يستحق مكنتش فكرت أجي معاه وهو بيخطب بالذات حفيدة حضرتك.
نظر "أمير" له ولم يرتاح لنظراته أبدًا:
-في فترة الخطوبة هنعرفه أكتر ده لو فيه نصيب ونشوف قرار أيات بعد متصلي إستخارة وتدي لنفسها فرصة تفكر.
أومأ "شهاب" بموافقة:
-ووقتها إن شاء الله أجيب بابا وماما علشان حضرتك تشوفهم ويبقى الكلام قدام الكل.
نظر "موسى" إلى "أية" ليجدها كما هي تتجاهل تمامًا النظر تجاهه:
-أية!
يبدو أنه فقد عقله يناديها الآن دون الإهتمام بأحد، انتبه له الجميع بما فيهم هي ليسألها بحيرة:
-أنتِ ليه مش بتيجي الشركة؟ ليه اهملتِ الشغل كدة؟ ناويتي تبقي ست بيت بس ولا أيه؟
نعم يحاول استفزازها ولكنها ستربح في حربه:
-آه عقبالك..
نظر لها بغضب لتتابع حديثها بإبتسامة ماكرة:
-عقبال متستقر أنت كمان، مع البنت اللي تستاهل زي.. زي منا ملقيت الشخص اللي يستاهل.
لا تعلم كيف استطاعت العثور على هذا الكم الهائل من القوة بداخلها التي تجعلها تنطق بتلك الكلمات، اقسمت أنها إن عادت للخلف واخبرت نفسها أنها ستقول له هذا الشيء لم تكن لتصدق أبدًا!
سمعوا في هذا الوقت صراخ وأشياء تُكسر، وركض تجاه الباب ليدخل "عامر" إلى الشقة، وجهه شاحب ويبدو عليه القلق، وملابسه ملطخة ببعض الدماء:
-جدو.. ألحق نوح.
اقتربت "فيروز" منه ووقف الجميع:
-ماله نوح يا عامر؟
نظر "عامر" لها وهو يحاول ترتيب كلماته:
-في مشكلة كبيرة، نوح في خطر أكيد، جدو الحراس مش عارفين يتدخلوا و..
خرجوا جميعًا معه عدا "موسى" الذي ما زال يجلس كما هو لاحظ وقوفها وشحوب وجهها ليبتسم ساخرًا:
-أيه قلقتِ عليه ولا أيه؟
نظرت له وهي تستمع إلى صوت "نوح" يتردد في أذنها:
-لو في يوم بعدتي وعرفتي أني بموت متحرمنيش من شوفتك، صدقيني هتكون أكتر حاجة عايزها وأكتر حاجة عارف أن هيبقى صعب أطلبها.
لا تصدق هل من الممكن أن يكون قد شعر باقتراب أجله؟ دماء وصراخ، خطر يلاحقه لماذا يبدو كل شيء ككابوس، ربما هي بكابوس حقًا، وقف الآخر ليقترب منها:
-مالك؟ أية أنتِ قلقانة عليه؟
نظرت له بعدم استيعاب وهمت بالخروج ليقوم بسحبها:
-رايحة فين أنتِ في خناقة هتفضلي فيها؟!
دفعت يده وهي تنظر له بغضب:
-روحلها وملكش دعوة بيا زي منا مليش دعوة بيك، فاهم؟
ركضت للخارج ولم يكن منه سوى أن تبعها، خرجت وهي تسير بشكل عشوائي تشعر بالبرودة الشديدة، لماذا تشعر بأنها ستتجمد؟ هي ترتجف، صوته يلاحقها، يقترب كأصوات الصراخ وتبتعد هي، ها هي ترى "سيف الدين" يركل هذا ويلكم هذا بينما "عامر" و"عمار" يحاولوا ضرب من يقترب من "نوح" الذي يمسك شخص غريب من عنقه ويسقطه أرضًا وهو يصرخ بشيء ما لم يصل إليها، هو مجروح، قميصه ملطخ بالدماء وصوته يتعالى:
-أقسم بالله اللي هيجيب سيرتها ولا سيرة مراتي لكون ماسحه من على وش الدنيا فاهم؟!
لماذا قد يأتي أحدهم بسيرتها في سوء؟ لم تفعل شيء! شعرت بلمساته على ذراعها لتبتعد وهي تنظر له بينما هو انفعل:
-أية أنا بكلمك، دي خناقة رايحة فين؟
رأت شخص ما يختبأ بسكين بين الناس وعينيه موجهة على "نوح" لتقترب دون تفكير صارخة:
-نوح حاسب وراك..
التفت ليمسك بذراع الآخر ويطرحه أرضًا، كاد أحدهم أن يصيب "شهاب" الذي أصبح طرف في شجار يزداد عنفًا، لكن لم يسمح "موسى" وقد هجم على هذا الرجل ليسقطه على الفور ضاربًا جانبه بقسوة، بدأ يندمج في الشجار وهي تشعر بأنفاسها تضيق ليجبرها ما يحدث على الابتعاد وهي تدعو الله أن ينتهي كل هذا.
اصطدم ظهر "نوح" بظهر "موسى" ليلتفتوا وهم على وشك لكم بعضهم البعض ليتوقف كلًا منهم وسؤال وحيد يسيطر على عقل "نوح" الآن الذي صاح بعدم استيعاب:
-أنت أيه اللي جابك هنا؟!!!
اجابه "موسى" وهو يضرب شخص ما على وشك ضربه:
-لقيت نفسي فاضي قولت أجي أحرق دمك...
