رواية اية فى الجنون الفصل الثامن و الاربعون بقلم ندى محسن
#آية_في_الجنون
الفصل الثامن والأربعون ☆فوزي بدونكِ هزيمة☆
#الكاتبة_ندى_محسن
#اذكروا_الله.♡
☆لا تظني أنني ربحت، فوزي بدونكِ كان أعظم خسارة لي.☆
#الكاتبة_ندى_محسن
كانت على وشك الدخول إلى قاعة المحكمة، لا تعلم كيف مرت هذه الأيام عليها، ما زالت تشعر أنها داخل كابوس لن يغادرها أبدًا، أخذت نفس عميق ولم يترك "نوح" يدها، لكن ما فاجأها في هذا الوقت هو وقوف "عز الدين" أمامها معترضًا طريقهم، هذا الرجل الذي للمرة الأولى تراه بهذا الجمود ولم يعد بشوش الوجه كالسابق:
-عايز أتكلم معاكِ على أنفراد.
تلقى الإجابة العنيفة من "نوح" الذي لم يعد يطيق لشخص أن يتحدث معها:
-مراتي مبتكلمش حد على انفراد اللي عندك قوله، ولو اللي عندك يخص القضية وفره علشان مفيش حاجة هتغير رأيها.
حاول "عز الدين" أن يسيطر على أعصابه وقد جعله ذبول وجهها يتألم:
-أية صدقيني موسى مش فاكر أي حاجة، موسى مريض بمرض نفسي مش منتشر أوي وده السبب في اللي حصل.
ابتسم "نوح" ساخرًا وهو يحدق فيه ويقبض على يد "أية" أكثر:
-حيلة ذكية من المستشار عز الدين وطبعًا ليس على المريض حرج، مأصبتش المرة دي.
انفعل "عز الدين" ولم يكن يريد كشف هذا الأمر أبدًا:
-موسى مريض اضطراب ثنائي قطب وحسب كلام الدكاترة هو كان بيمر بحالة من الهوس شديدة لدرجة أنها اتسببتله في فقدان جزئي للفترة اللي فاتت، موسى مستحيل يعمل حاجة زي دي، فكري يا أية وصدقيني، أكيد عارفة أنه مش كدة، أية أرجوكِ اتنازلي وأنا مستعد لأي تعويض.
سحبها "نوح" دون كلمة وهو يتمنى أن تفوز بهذه القضية ويهدم "موسى" بشكل نهائي، لم يقتنع بحديث "عز الدين" وظن أنه مجرد رجل يحاول انقاذ ابنه المدلل، التقت عينيه بعينيها ليلاحظ تشتتها وهي تسأله:
-يعني أيه مريض اضطراب ثنائي القطب؟ يعني أيه حالة هوس؟ يعني أيه؟!
نعم لقد سألت الشخص المناسب، لقد قرأ "نوح" مئات الكتب المتعلقة بالأمراض النفسية وكيفية التعامل معها، اعادت سؤالها عندما رأته يحدق بها صامتًا:
-يعني أيه الاضطراب ده؟
اجابها بوضوح وهو يعلم أنها لن تصمت أبدًا قبل أن يتحدث:
-باختصار المريض بيمر بحالة هوس بيكون شايف الدنيا وردي، عنده حماس رهيب، رغباته وشهواته بتتحكم فيه لو معندوش سيطرة على نفسه، أما في حالة اكتئابه فهو شخص كئيب، فاقد للحياة، يمكن توصل بيه للأنتحار، ملاحظتش أي حاجة من دي على البني أدم ده، بس طبيعي أبوه يعمل البدع علشان يخرجه منها.
كان يعلم أن "موسى" سيخرج إن ثبت هذا الشيء، لكن يكفيه ما سيتعرض له من فضائح، يكفيه أنه سينجي زوجته من كل شخص اتهمها بعلاقة مع "موسى".
أما عن "أية" كانت ذكرياتها مع "موسى" تمر أمام عينيها، حبه السريع لها، تعلقه الشديد، قربه الزائد، غضبه الغير مبرر عندما تبتعد عنه وتحافظ على الحدود معه، فرقت شفتيها وهي في حالة من الصدمة، نعم لقد وضحت كل الأمور أمامها الآن، تساقطت دموعها وها قد بدأت المرافعة، وجهوا الأتهام إلى "موسى" ولم ينكر الشيء الموجود بالتسجيل، نظر إليها وقد كانت ترى الألم في عينيه الذابلة، كأنه يتوسلها أن تكون بخير..
أتى حديث "سامر" الذي وقف واثقًا ليفاجأ الجميع بما فيهم "موسى":
-أنا سامر عبد الله المحامي الخاص بموسى عز الدين، عايز أوضح لحضراتكوا أن موسى فعلًا مش فاكر أي حاجة حصلت في اليوم ده زي مصرح في التحقيق، موسى مريض باضطراب ثنائي القطب والمرض عنده بيتطور بسرعة رهيبة وده تقرير بحالته من أكبر الأخصائيين النفسيين، كمان لازم في أقرب فرصة يخضع للعلاج وبجلسات كربائية لسوء وضعه.
صدم" موسى" الذي لم يذهب إلى أي طبيب، تبادل الأنظار مع والده الذي نظر أمامه وهو على ثقة تامة أنه هو من فعلها، نظرت "ماريانا" إلى "حلم" وهي تحرك رأسها بنفي والدموع داخل عينيها:
-دول بيكذبو، هو مستحيل يكون..
قاطعتها "حلم" وهي حريصة كل الحرص على عدم سماع أحد لهم:
-مش عايزة حرف منك تعرفي تسكتي؟
كانت لحظات صعبة تفوق بها "سامر" ليأتي دور "حلم" التي أتت ب"حبيبة" لتكون الشاهدة على حالته كصديقة مقربة له ومساعدته على التعافي، تتذكر كيف قامت "حلم" باقناعها وهي تخبرها أن هذا خارج عن ارادته وأن مستقبله بالكامل سيتدمر إن حدث وتم سجنه.
تم تحويل "موسى" إلى مصحة للتعافي ولم يكن يظهر شيء على وجه "أية" سوى الصدمة، حاوط "نوح" بكتفيها وقد بدأ يدرك حالة الآخر وما زال الغضب يسيطر عليه، نظرت "أية" له ليومأ لها داعمًا:
-هنمشي، هنروح.
وقفت "أية" واقتربت "سمر" منها وكذلك "ريحانة" المحامية الخاصة بها والتي سألتها بأسف:
-أنتِ كويسة؟
حركت "أية" رأسها بنفي وهي لا تنظر إلى أي فرد منهم:
-لا أنتِ عملتي اللي عليكِ، مش زعلانة، مش..
صمتت وبدأت في السير بسرعة وهي تشعر بالأكسجين يتم سحبه من قاعة المحكمة، أمسك "نوح" بذراعها:
-استني يا أية.
نظرت له بأعين تائهة، استطاع أن يسمع صوت أنفاسها وهي تتحدث إليه بتشتت:
-نوح امسكني.
بالفعل كان يمسك بذراعيها ولكنها تابعت حديثها بصوت مرتجف وقد تساقطت دموعها بألم:
-نوح أنا هقع، امسكني..
لم تمر ثواني وكانت ساقطة بين يديه وهو يحملها، شُل عقله ككل مرة تتعرض فيها إلى أي أذى، اقتربت كلًا من "سمر" وكذلك "ريحانة" التي تحدثت بسرعة:
-تعالى أنا هاجي معاكو ننقلها على المستشفى بسرعة، أكيد من الضغط النفسي، اتطمن هتكون كويسة، حرك "نوح" رأسه بنفي:
-مش هعرف أسوق مش هعرف.
اومأت له وهو يسير بسرعة للخارج وفتحت هي سيارتها ليصعدوا بها، كان يضمها ولم يتوقف عن عمل الاسعافات الأولية لها وهو يتحدث إليها:
-فوقي بالله عليكِ، كله هيبقى كويس، فوقي يا أية أرجوكِ بالله عليكِ، أية حبيبتي، افتحي عيونك.
كانت "سمر" تلاحظ رعبه الشديد عليها، لا تعلم كيف كانت "أية" تخبرها أنها تبغض بقاءها معه، لكنها صدقت هو بالفعل يحبها، حتى أنها شعرت أن قواه قد خارت معها.
☆☆☆☆☆
تحدث "سامر" إلى "موسى" وهو يمرر إبهامه على ذقنه بحيرة:
-مش عايز تقول حاجة؟ تشكرني مثلًا!
لم يبدي "موسى" أي رد فعل، يكفي نظراتها إليه، لقد كانت خسارتها هزيمة كبرى له، يستحق السجن من أجعلها، إن كان حبسه سينزع الحزن من عينيها مستعد أن يفعلها بنفس راضية، قاطعه في هذا الوقت اقتراب حبيبة التي تحدثت إليه بأعين دامعة:
-أنا لأول مرة في حياتي أعمل حاجة وعارفة أن ضميري هيعذبني العمر كله بيه، أنا مصدقاها، بس عرفاك، وعارفة إنك لو متعالجتش عمري مهسامح نفسي ولا هسامحك يا موسى.
تركته من بعدها وقد اعتصر الألم قلبها، أما "حلم" اقتربت منه باسمة:
-مبروك البراءة.
أغلق عينيه وهو يتحدث بغضب من بين أسنانه:
-غورو البني أدمة دي من قدامي أحسن مدخل فيها جنايات.
دفعتها "سمية" لتقف في مواجهته ولم يعجبها ما يحدث:
-هتتنقل على المصحة ولا عندك اعتراض في دي كمان؟ مأنت ابن المستشار عز الدين يعني ميهمكش حاجة!
☆☆☆☆☆
في مارسانا علمت "أيات" بما يحدث وبالمحاكمة عن طريق الصدفة، نعم لم تعد مهتمة بأحدث الأخبار ولكنها لم تتخيل كل ما حدث مع شقيقتها في الفترة الماضية والجميع يعرف أنهم في إجازة ترفيهية، لا تعلم ماذا تفعل؟ لا تعلم من تخبر، تحدثت مع شقيقتها على الهاتف ولكنها لم تجيبها، شعرت بأنفاسها تضيق وهي تكاد تموت قلقًا، اتصلت ب"نوح"وكذلك لم يجيبها.
أخذت الشرفة التي تجلس بها ذهابًا وإيابًا وهي تحاول الاتصال على "سمر" التي اجابتها لتعرف منها الأخبار، اخبرتها "سمر" أن كل شيء بخير الآن ولا يجب عليها القلق، لكن "أيات" أصرت على المجيء وارسلت "سمر" العنوان الخاص بالمستشفى لها.
فتحت "أية" عينيها لتلتقي بأعين "نوح" الذي كان يمسك بيدها اليسرى بينما يدها اليمنى تضع بها الكانيولا المعلق بها محلول لا تعرف على ماذا يحتوي، نظرت له باستغراب ليلمس شعرها بحنان:
-أنتِ كويسة، دوختي بس وجينا المستشفى مفيش حاجة، أهدي ومتتخضيش، كله كويس وأنا مسبتكيش خالص، من أول منزلنا من البيت وأيدي في أيدك كدة.
نظرت إلى يده وقد لاحظ ارتخاء جسدها من جديد، ابتلعت ما بحلقها وهي تخبره بحزن وقد شعرت بالشفقة على نفسها:
-حسيت أني مش قادرة أقف، أنا مش بيغم عليا دايمًا، بس فجأة حسيت إني بقع، عارفة إني تعباك و..
صمتت عندما قام بتقبيل جبينها بعفوية وهو يخبرها بحنانه المعتاد:
-أنتِ تعملي اللي أنتِ عايزاه، المهم تبقي بخير، كوني بخير علشان لو حصلك حاجة هموت، لأول مرة معرفش أسوق عربية أنتِ متخيلة؟
كانت صامتة وفي تفكر في كل ما حدث، تحدتث إليه بألم:
-مش عارفة ليه حياتي اتدمرت كدة، أنا مكنتش كدة، مكنتش فاكرة إني همر بكل ده، أنا تعبانة من كل حاجة، أنا بقيت تعبانة نفسيًا يا نوح، هو أنا وحشة للدرجة دي! وحشة لدرجة أن ربنا يعاقبني بالألم ده.
حرك رأسه نافيًا وهو لا يريد لها أن تفكر بتلك الطريقة، قام بضم وجهها بين يديه وهو يتأمل عينيها:
-ربنا بيبتلي اللي بيحبه، بيشوفه هيصبر ولا لا، أنتِ تعبانة وحاسة أن كل حاجة جاية عليكِ، ده ابتلاء من عند ربنا، ومش هيستمر صدقيني.
تساقطت دموعها وهي تضع يدها فوق يده:
-أنا بجد مش عارفة أعمل حاجة، مش عارفة أتصرف، مش قدرة أواجه حاجة.
اجابها بهدوئه المعتاد وكأن بساطة العالم جُمعت داخله:
-عادي أنا معاكِ، علشانك أواجه كل حاجة.
نظرت "أية" له وقد امتلأت عينيها بالإمتنان، اقترب وقام بتقبيل جبينها ومن ثم همس لها بحنان:
-متفكريش في حاجة يا بنوتي بس كوني كويسة وهنمشي.
ابتسمت له بينما هو لم يتحرك وظل يتأمل عينيها، ابتلعت ما بحلقها في ارتباك وهي تبعد وجهها، همس كالمخدر وإبهامه يمر على شفتيها:
-بحبك يا آيتي.
لا تعلم ما الذي يجب عليها أن تفعله ولكن نبضات قلبها بدأت تسارعت، شعرت بالأكسجين يتم سحبه من الغرفة بأكملها وعقلها يعطي الأشارات الخطر، لم تستطيع النطق ومع ذلك تريد الصراخ فيه حتى يبتعد، اقترب وبشكل مفاجئ قام بتقبيلها وهو يضم رأسها إليه.
لا تعلم ماذا يحدث وكيف تجرأ على هذا، شُل عقلها وبقيت ثابتة، لاحظ صعوبة تنفسها ليبتعد وهو يحاول تنظيم أنفاسه، التقت عينيهم ليرى الصدمة ترتسم على وجهها بينما هو لا يعلم ماذا يقول لها، حاول التحدث من بين أنفاسه المتسارعة:
-أنا كنت.. مقصدتش أني.. هشوف الدكتورة بتاعتك.
خرج من بعدها ليهرب من عينيها التي لم تدرك ما يحدث بعد، أما هي لمست شفتيها بأصابع مرتجفة وقلبها يزداد في النبض:
-أيه القرف اللي هو عمله ده!! هو مجنون، أكيد أتجنن.
دلفت الطبيبة إليها بعد قليل لتطمئن على حالتها وهي مشتتة، انتهت من اجراء الفحوصات ومن ثم خرجت، دلفت من بعدها "سمر" إليها لتقوم بضمها:
-كنت قلقانة عليكِ أوي.
بادلتها العناق وهي تربت على ذراعيها:
-أنا كويسة متقلقيش.
وفي هذا الوقت دلف "عز الدين" إلى الغرفة بشكل مفاجئ لتُصدم "أية" وبعفوية تحدثت إليه بانفعال وهي تحكم الغطاء عليها وقبعة المشفة على شعرها:
-أنت أزاي تدخل فجأة كدة ومين سمحلك؟ حضرتك جاي تاني ليه؟ أنت نجحت تطلعه براءة وبراڤو عليك أب مثالي، بس أزاي هتكون مرتاح فهمني وأنت جيت على حقي أنا؟
تحدث "عز الدين" بنفاذ صبر وهو ينظر إلى "سمر":
-عايز أتكلم معاها لوحدنا، تقدري تستني برة.
ما إن خرجت "سمر" حتى اقترب "عز الدين" منها ليلقي أوراق على قدمها، تعجبت وهي تمسك بها وتفاجأت أنه تنازل من "موسى" عن الأسهم الخاصة به داخل شركتها، نظرت له بعدم استيعاب:
-يعني أيه؟
اجابها رافعًا حاجبيه:
-يعني ده كان عقاب ابني، ببساطة الورق ده كان في أوضته وسط أوراقه المهمة، الواضح أنه كان متنازل فعلًا بس مقلكيش أي حاجة! هو ميعرفش أني هديهولك ويعتبر ده عقابه، مفيش سبب يخليه يقرب منك ومش عايزك تقربي منه من النهاردة سيبيه في حاله، هو مبقاش ليه أي حق في أي حاجة تخصك.
ابتسمت "أية" ساخرة وهي تحرك رأسها بعدم استيعاب:
-أسيبه في حاله؟ أنت تعرف حاجة عن ابنك أو اللي بيعمله؟
اجابها "عز الدين" بحزم ولم يعد يتحدث سوى أب أناني سيفعل أي شيء من أجل ابنه:
-ابني تعبان، ابني في نوبة من نوبات هوسه كان فاكر أنه حبك، إنما هو عمره محب ولا يعرف يعني أيه حب، أظن اللي عمله أثبت كلامي، لو كان حبك بجد مكناش هنوصل للمرحلة دي، أنتِ بنت جميلة وحلوة وهو مجربش يدخل في علاقة قبل كدة وأظن أنكِ عاقلة كفاية تفهمي قصدي!
كادت أن تبكي ولكنها تماسكت أمامه وهي تتحدث بصوت خرج مرتجفًا من بين شفتيها:
-فلوس الأسهم هتكون عندك في أقرب وقت.
ابتسم كمان لو كان يسخر منها:
-اعتبريها تعويض بسيط عن اللي حصل، وأننا ننسى ونقفل الصفحة دي، الصحافة بتحب الكلام الكتير، بس متقلقيش أخبارك أنتِ وموسى من النهاردة مش هتبقى موجودة في أي حتة.
خرج من بعدها وهي تنظر إلى الأوراق في يديها وتشعر بالغضب الشديد من هذا الرجل، لا تعلم لماذا عليه أن يكون قاسي إلى هذا الحد، يعاملها كما لو كانت المخطئة!
هبط "عز الدين" وصعد إلى السيارة لتتحدث إليه "سمية" بقلق شديد:
-عملت أيه؟
تحدث بانفعال إليها:
-تعرفي تسكتي بقى؟ طلعت واتكلمت معاها زي مطلبتي خلاص خلصنا.
انفعلت هي الأخرى وهي تتحدث بغضب شديد:
-متزعقش أنا قولت اللي لازم يتقال ابنك غلط حتى لو مريض بس هي مكنش ليها أي ذنب تدخل في كل ده، سيبوها في حالها بقى.
☆☆☆☆☆
دلف "نوح" إلى الغرفة ليرى "سمر" بجوارها، شعر بالراحة ولم يعد يريد مواجهتها الآن بعد الشيء الذي بدر منه بشكل عفوي، التقت عينيه بعينيها لتسرع بابعادها وقد بدى عليها الغضب الشديد، بجانب نظرات أخرى لم يستطيع أن يقوم بتفسيرها، مر الوقت ووصلت "أيات" ليتفاجأ بها "نوح" وهو ينظر لها ومن ثم إلى "أية" بحيرة:
-دي جات لوحدها؟ أنتِ قولتيلها تيجي؟
حركت "أية" رأسها بنفي واسرعت شقيقتها بضمها:
-أزاي متقوليش؟ أزاي تردي عليا وتكذبي وتقولي أنك مشغولة في الشغل وتقفلي معايا بالسرعة دي، أزاي يا أية قدرتي تعملي كدة؟!
قامت "أية" بضمها وهي على وشك البكاء بينما "أيات" تابعت حديثها بألم:
-أنا عمري متخيلت موسى يعمل كدة، عمري مصدقت أنه..
قاطعها "نوح" يحزم والغضب يسيطر عليه:
-مش عايز كلمة عن الموضوع ده، بالنسبالكوا كله انتهى.
ابتعدت "أية" عن "أيات" لتسأله بجدية:
-يعني أيه بالنسبالنا مش فاهمة؟ وبالنسبالك أنت أيه؟
ابتسم "نوح" ساخرًا:
-وهو بأسلوب أهله الرخيص اللي حصل في المحكمة ده فاكرني هعدي وأنسى كل حاجة حصلت و..
قاطعته "أية" وهي تعلم أنه ينوي على فعل شيء بالتأكيد لن يرضيها ولن يرضي أحد سواه:
-ده واحد مريض، واحد أثبت أنه فعلًا مريض والمحكمة نفسها حولته لمصحة يتعالج، أنت لسة عايز أيه؟
مط شفتيه باقتناع زائف:
-أمممم المفروض نشفق عليه صح، معاكِ حق، أيه رأيك أخدله بنتين حلوين وأنا رايح أزوره في المستشفى؟
انفعلت "أية" وهي تضع يدها على رأسها بألم:
-نوح لو سمحت بقى كفاية، أنا تعبانة، لو تكرمت سيبني بقى أخد نفسي.. سيبني.
لاحظ نظرات الجميع وبالفعل قرر الخروج.. لتتحدث بانفعال شديد:
-أنا حاسة أني مش هخرج من القرف ده بقى، أنا تعبت وشكلي هموت من قهرتي دي.
(لنذهب إلى يوم مضى عليه سنتين كاملتين!)
-كانت أحلى فترة تقريبًا بس أنا اللي مستغلتش اللي بيحصل صح، كنت غبية.
هكذا قالت "أية" وهي تبتسم وتعود برأسها للخلف وبيدها كأس ممتلئ بعصير الرومان المفضل لها، قاطعها صوت أنثوي اعتادت عليه في الآونة الأخيرة وهي تتحدث بالإنجليزية (سيتم ترجمتها إلى اللغة العربية الفصحى):
-وما الذي حدث من بعدها؟ هل هذا الشخص من كان معكِ في الفندق وينتظركِ اليوم؟
نظرت "أية" لها لتقف من بعدها وهي تقوم بسحب المعطف الخاص بها واضعة الكأس على الطاولة الزجاجية:
-أوه تيانا لقد تحدثنا معًا في الكثير من الأمور وكدت أنسى موعدي معه، دعكِ من هذا يجب أن أذهب، لدي موعد خاص لا أرغب في التأخير وسنتحدث في كل شيء فيما بعد.
اسرعت "تيانا" بالوقوف أمامها وقد ظهرت ساقيها من خلال هذا الفستان الحريري:
-لكننا لم ننتهي بعد من حديثنا، لدي فضول شديد لمعرفة ما الذي حدث من بعدها؟ كيف اصبحتِ بهذه الشخصية الرائعة؟ وعدتيني أن تساعديني تتذكرين؟
اجابتها "أية" والإبتسامة تزين ثغرها لتغمز لها:
-بالطبع سأفعل، أنا أفضل من يعطي النصائح هنا، هذا العالم لديه قوانينه الخاصة إما أن تكوني خارقة أو تصبحين أية لتنجي.. أمر مستحيل!
زفرت "تيانا" بتذمر وتركتها "أية" لتهبط إلى قاعة الفندق وهي ترجع طرف حجابها إلى الخلف ومن ثم اوقفها من قام بسحب ذراعها لتصيح فيه بغيظ:
-خضتني، متأخرتش زي مقولتلك أهو.
ابتسم غامزًا لها وهو يحيط كتفيها ممازحًا:
-متتأخري يعني واحدة بالحلاوة دي كلها مش هيبقى مسموحلها تعمل اللي هي عايزاه؟
ضربت يده ليبعدها بينما هي تحدث من بين ضحكاتها:
-علشان كل مرة بنتفهم غلط أرحمني.
(عودة إلى واقع من يسقط داخله يظن أنها النهاية، يظن أن حان دوره لجحيم أبدي.)
وصلت إلى المنزل وهي تتمنى أن يتجنبها بعد الشيء الذي بدر منه ولم يكن هناك الوقت لتقوم بصفعه، هل كانت ستصفعه حقًا؟ هل قام بتقبيلها؟! وهل يعد هذا الشيء جيد بالنسبة إليه؟
-أية بكلمك سرحانة في أيه؟
انتبهت إلى "أيات" لتزفر الأخرى:
-قولت لجدو إني جتلكوا وهو هزقني طبعًا إني مشيت من غير أذنه بس مقولتلهوش السبب، محدش متابع أخباركوا وكلهم في عالم موازي بيحضروا لخطوبتي وفرح عهود ناويين تعملوا أيه؟ أصل كدة كدة هيعرفوا و..
قاطعها "نوح" وهو يلاحظ تشتت "أية" ويحاول منع إبتسامته كلما فكر في أول قبلة تشاركها معها:
-بكرة نتكلم في الموضوع ده، روحي أوضتك علشان ترتاحي ومتقلقي هفضل جنبها.
اومأت "أيات" له وبالفعل كانت ترغب في النوم وبشدة، لقد جعلها جدها تعتاد على النوم باكرًا بعد أن كان السهر قانونها الأول:
-طيب تصبحوا على خير.
خرجت من الغرفة ولم تستطيع "أية" النطق بكلمة، جلس "نوح" بجوارها ليمسك بيدها:
-حاسة بأيه دلوقتي؟
لاحظ احمرار وجنتيها التي كشفت بماذا تفكر، ضحك حتى ادمعت عينيه لتنظر له باستنكار ولا تعلم ما المضحك في هيئتها، سألته بعدم رضا:
-أيه المضحك؟
غمز لها باسمًًا وقد لمعت زرقواتيه:
-اللي بتفكري فيه.
سحبت يدها من يده بعنف وهي تتحدث بانفعال وجدية:
-مبفكرش في حاجة والقرف اللي عملته ده لو اتكرر تاني أنا مش هقدر أسيطر على رد فعلي وقتها و..
قاطعها رافعًا حاجبيه:
-قرف؟
انتبهت إلى تعابير وجهه ولا تعلم لماذا انتابها هذا الشعور بالخجل، نعم هي على وشك البكاء ولا تعرف ما الذي يحدث وقد تسارعت نبضات قلبها، وضع يده على وجنتها وهو يلاحظ حزن ملامحها:
-مش هتتكرر خلاص أهدي في أيه؟ متزعليش أنا مقصدتش حاجة وأكيد لو كنت بفكر في حاجة مش هيكون في المستشفى يعني، أهدي خالص أنا اتصرفت بعفوية وحسيت إني عايز أخفيكِ عن العالم كله في عيوني، مفيش حاجة أهدي.
اقتربت "أية" وعلى الفور دفنت وجهها بكتفه، علم أنها تريده أن يتوقف عن التحدث، قرر مناغشتها وهو يحاول السيطرة على ضحكاته:
-بس طلعت سيدة الأعمال الجامدة وزوجتي الشرسة بتتحرج أوي وهتعيط من الكسوف.
ابتعدت عنه على الفور وهي تحرك رأسها بغيظ:
-ملكش دعوة بيا أصلًا، أنا مش عايزاك تنام في نفس الأوضة معايا أساسًا، سيبني بقى ويلا أمشي.
قوس حاجبيه وهو يشير على نفسه وتدعي البراءة:
-ويهون عليكِ نوح يترمي على الكنبة برة؟ أختك تقول أيه بنمثل أننا متجوزين مثلًا؟
تأففت "أية" بينما هو حرك رأسه بعدم استيعاب:
-والله لو حلفتي للكل إننا صحاب بس محدش هيصدقك، أنتِ عارفة بقالنا كام شهر متجوزين؟ ده أنا طلعت جبل يا شيخة.
نظرت له بترقب:
-والقصد؟
رفع يده مستسلمًا:
-ولا حاجة اللي صبر شهور يصبر سنين مش كدة برضو؟
اعطته ظهرها وهي تحكم الغطاء عليها بينما هو ابتسم مقتربًا منها ليضمها إليه:
-فاكرة أول يوم اتقفل علينا باب واحد؟ كنتِ مستحقراني أوي يا أية، كفاية إنك بقيتِ بتطمني وأنا معاكِ، موصلتش للي أنا فيه ده بالسهل.
ابتسمت ولكن سريعًا ما اختفت ابتسامتها لتقوم بتحذيره:
-سيبني أنام لأن الواضح أنك مش مظبوط النهاية وأنا مش رومانسية نهائي.
ابتسم "نوح" وهو يسترخي وما زال يضمها:
-تصبحي على كل الحلو اللي يشبهلك.
☆☆☆☆☆
في اليوم التالي في قرية مارسانا..
صرخت "عهود" متألمة وهي تلمس وجنتها باكية:
-أنتِ بتضربيني ليه؟ أنا مش موافقة يا ماما ومينفعش اللي بتقوليه ده.
ابتسمت "فاطمة" ساخرة وهي تقوم بسحب شعرها:
-مينفعش إنما ينفع تروحي تعملي علاقة مع واحد وتحملي منه عادي؟ أنتِ يا بت عايزاني أموتك في أيدي؟
سمعوا طرقات على الباب وظهر الزعر على وجه "فاطمة" وشعرت "عهود" بالقلق من سماع أحد لهم، فتحت والدتها الباب وتفاجأت ب"أنور" وبعفوية اسرعت لتلقي بنفسها بين يديه وهي تنهار باكية، ربت على ظهرها وهو يشعر بالحيرة وتحدثت والدتها بغضب:
-أنتِ يا بت أنتِ اتخبلتي في عقلك؟
قامت بإغلاق الباب خوفًا من رؤية أحد لهم، تحدثت "عهود" وهي في حالة من الانهيار:
-مشيني من هنا، أنا مش عايزة أفضل هنا، أنت قولت هنتجوز على طول، أعمل حاجة وخدني من البيت ده، مش عايزة أقعد معاهم.
ربت "أنور" على شعرها وهو لا يعلم ما الذي حدث لها:
-هو في أيه؟ أنتِ قولتيلها أيه ولا اتخانقتوا علشان أيه؟
لوت "فاطمة" فمها وهي تتحدث بغيظ شديد:
-ولا حاجة بس هي عيلة متعبة ومبتسمعش الكلام، بتكبر الأمور وبتحب تعيش في دور المظلومة.
انفعلت "عهود" وهي تبتعد عن "أنور" وتتحدث إليها:
-لا مبكبرش الأمور، أنتِ عايزاني أقنع أية أن فيه حاجة بين نوح ونور، عايزاني أشرب نوح حاجة علشان أية تشوفه مع نور وتفضحيهم، أنا مستحيل هعمل كدة، أنا مش هسمح ده يحصل وحرام.
شعرت "فاطمة" بالغضب وكادت تفتك بها لولا "أنور" الذي وقف في مواجهتها قائلًا بانفعال:
-بس متمديش أيدك عليها دي خلاص في حكم مراتي، ادخلي يا عهود اغسلي وشك وفوقي، مينفعش حالتك دي.
بالفعل تركتهم وتحدثت "فاطمة" بغضب شديد:
-لو فاكرني مش عارفة باللي حصل بينك وبين الزبالة اللي جوا دي تبقى غبي، أنا بس ساكتة بمزاجي علشان مش عايزة أعمل فضايح.
ضحك "أنور" وهو ينظر لها:
-ها وأيه كمان؟
صمتت وهي تشعر بالغيظ الشديد ليتحدث هو بمراوغة:
-أفكارك حلوة بس التنفيذ عندك ميت، عهود الشخص الخطأ والوحيدة اللي مستحيل توافقك على الكلام ده، خصوصًا أن أية تعرف اللي بينا وساعدتنا كمان واقنعت نوح يوافق من غير متفضح الدنيا، بنتك مش نكارة جميل لا.
انتبهت "فاطمة" إلى حديثه بينما هو تابع حديثه بمكر:
-عايزة اللي يساعدك؟ أنا هساعدك، ده أنتِ هتبقي حماتي يعني تؤمري بس.
تعجبت "فاطمة" ولكنها صمتت ما إن وجدت "عهود" تقترب لتتركهم وتذهب إلى المطبخ وهي تتساءل هل يعرف "أنور" بكراهية "فاطمة" إلى "مهاب" وابنائه ومحاولاتها ليتركوا هذا المنزل وبالتودد إلى "فيروز" سيتم كتابته باسمها أو باسم زوجها في النهاية؟!
على السطح كان "عامر" يتحدث بانفعال شديد مع "أيسل" وهو يشعر أنه على وشك الموت مختنقًا:
-مكنش ينفع تروحي لبيت ورد وكلنا عارفين أن أخوها الكبير مش كويس وبتاع بنات، برضو مسمعتيش الكلام ومن غير أذن حد روحتي، فكراني مش هعرف؟
تعجبت "أيسل" وهي تشعر بالقلق:
-مكنتش بفكر أروح ولو سمحت متجيبش سيرة لبابا، هي كانت تعبانة وروحتها ولما سألتني أنا مكذبتش.
سألها "عامر" والضيق الشديد يظهر عليه:
-وبعدين حصل أيه؟ أكيد استخف دمه التاني وفضل لازقلك؟
حركت "أيسل" رأسها بنفي وهي تسأله بتعجب:
-هو أنت بتزعق؟ هو في أيه يا عامر أنا مش بحب حد يزعقلي وهنزل.
اوشكت على الهبوط ليمسك بذراعها وهو يسحبها بعفوية لتبقى، لكنها تعثرت لتسقط وقد صرخت بألم، في هذا الوقت اقترب "عمار" الذي كان سيلحق بهم بعد قليل عندما ترجاه "عامر" أن يتركهم ليتحدث معها على راحته:
-أيسل في أيه؟ أيه اللي وقعك كدة؟
ساعدها على الوقوف وهو ينظر إلى "عامر" بغضب، وقفت الأخرى وهي على وشك البكاء لتتحدث إلى "عامر":
-متتكلمش معايا تاني ولما نوح يجي هقوله.
هبطت بينما شقيقه حرك رأسه بضيق شديد:
-بوظت كل حاجة أكيد، حرام عليك والله يا عامر دي كانت جاية فرحانة وعايزة تلعب معانا، أنت اتضايقت بس مش من حقك تكلمها كدة أنا كنت برة على السلم وسمعتك وبجد مكنش ينفع.
قررت "أيسل" الهبوط إلى منزل جدها وما إن وصلت إلى باب شقة عمها حتى خرج "أنور" الذي كان على وشك المغادرة، ابتسم فور رؤيتها:
-أزيك؟
حاولت الابتسام وهي تتجاهل ما حدث من "عامر" وكيف تحدث معها بهذا الكم من الغضب:
-كويسة وأنت؟
سألها من جديد بحيرة:
-مال وشك؟ حاسك هتعيطي!
بالفعل اوشكت "أيسل" على البكاء ولكنها تمالكت نفسها:
-لا بس متضايقة شوية.
سألها وهو يلاحظ احمرار وجهها وضيقها الشديد:
-لا عاش ولا كان اللي يزعلك، مالك بس مين اللي قدر وعمل الجريمة البشعة دي؟
كادت أن تتحدث ولكن قاطعهم صعود "سيف" الذي توقف ما إن رآهم وتحدث إلى "أنور" بغضب:
-أنت بتعمل أيه هنا؟!
اجابه "أنور" وما زالت الابتسامة تزين ثغره:
-أصلي جاي اتطمن على مراتي المستقبلية، كمان حماتي كانت عايزاني في كام حاجة كدة، وبعدين الأمورة دي لقيتها نازلة متضايقة فكنّا بندردش شوية، ده اللي بعمله هنا يا سيدي.
تحدث "سيف" إلى "أيسل" بتحذير:
-متقفيش مع حد بعد كدة، يلا شوفي هتنزلي ولا هتطلعي.
اجابته "أيسل" أثناء هبوطها:
-كنت نازلة عند جدو أصلًا وهشتكيله من أخوك كمان خليه يحرموا من المصروف.
ضحك "أنور" وعينيه مسلطة عليها ليتحدث إلى "سيف" بابتسامة يبغضها الآخر كثيرًا:
-سكر أوي البت دي مش شبه أخوها خالص..
