رواية أنا لست مريضة نفسياً (كاملة جميع الفصول) بقلم ايه هاني النجار





رواية أنا لست مريضة نفسياً الفصل الاول 


يوماً مهلكاً علي الجميع، ولا طاقة للمناهدة، فالجميع مُهلك، بداخل مستشفي الأمراض العقلية نفرح ونحزن ونبكي ونموت لأسباب لا أحد يعلمها إلا نحن، بداخل كل غرفةً منها، أسواراً محاطة بخيالاً هم صانعيه أسواراً قابلة للهدم هشة، لكنها تجعلهم آمنين، وليس كل ما يحتاج للعلاج النفسي مريض نفسي، فلسنا عقلاء بحتاً


لم يكن حولها سوى الفراغ الذي يملئها، يأكلها قلبها علي ما حدث لها وما سيحدث أيضا، تجلس علي الارض كل من يراها يُشفق عليها.. 

الرعب مرسوم علي ملامحها، تهرش في أقدامها كالمجانين حتي سالت الدماء منها .. ثم دخلت الممرضة عليها كي تُعطيها دواءها 


دخل يونس مكتبه متعباً يُلملم أغراضه ويضعها بداخل شنطته كي يستعد للذهاب إلي البيت ولكن قاطعة دق الباب

_ أدخل 

= دكتور يونس، الحالة الجديدة عندنا رافضه تاخد العلاج عماله تصوت وتقول أنها مش مجنونة وضربت الممرضة ومفيش دكتور غيرك هنا لأن دكتور محمد لسه مجاش

_ غرفة كام؟

= 306

ذهب يونس مُسرعاً متجهاً إلي الطابق الذي به غرفة306 حتي وصل إلي الغرفة

_هات المفتاح بسرعة

أعطاه المفتاح وكان فتحي الممرض سيدخل معه ولكنه اعترض

_ لا خليك انت هنا متدخلش


دخل ولم يجدها لم يسمع شيء سوى صوت أنفاسها التي تعلو وتهبط مُقدر خوفها وعدم الأمان الذي تشعر به .. ولكن عليها أن تتعافى كي تقوى عن قبل، جميع ما بالغرفة مُطاح علي الأرضية والغرفة مُبعثرة تماماً ولكن لن تكون مثل ما يوجد من بعثرة بداخل قلبها!


ألتفت يونس بظهره فوجدها آخذه ركن من اركان الغرفة ومُتكوِرة تحاول السيطرة علي يديها المُرتعشة ولكن لا جدوى .. أقدامها مليئة بالدماء والكثير من الجروح عليها 

نظر لها وحاول ان يُلطف الأجواء وهو يقول بلطف

_ ينفع الي حصل ده!

ردت عليه بصوتاً مبحوحاً 

= أنا مش مجنونة. 

_ طب م انا عارف

= انت كذاب

_ لاء، مش كل الي بيجي هنا يبقي مجنون

= بس أنا في نظركم مجنونة 

_ انتِ مصدقة أنك مجنونة؟ 

صمتت ثم أجابت

= هما بيقولوا، لكن أنا الوحيده الي مش مصدقه عشان انا مش مجنونة

_ وأنا مصدقك مبقتيش لوحدك، بقينا أتنين

= أنتوا كلكم كذابين كلكممم

حاول أن يقترب منها خطوة تليها خطوة 

_ ممكن تهدي، لو ساعدتيني أوعدك أني اخرجك من هنا

= بجد!!


رفعت وجهها لأعلي كي ترى ملامح من يتحدث إليها وكانت الصدمة علي وجه كلاهما وبلأخص يونس

ونطقوا في نفس الوقت

_ مليكة!!

= يونس!!


جرى عليها يونس وهو يتفحصها جيداً جسدها المُهلك والذي به كدمات، عينيها السوداوية الذي بهتت أيضاً علي أسفل عينيها، شفتيها المُتقشرة وبها أثار دماء ناتجة عن أسنانها التي كانت تعض بها علي شفتيها بقوة 

يديها الضعيفة الذي لم تتحمل قبضة يونس عليها 

ادارت مليكة وجهها عن يونس وأخذت تبكي بحرقة شديدة 


تكلم يونس بتعصب قائلاً

_ اية الي حصل لك؟ مين عمل فيكي كدا؟؟


لم تتكلم وفضلت الصمت ولكنه أعاد ما قاله لها بصوتاً أعلي 

= ابعد عنيي 

_ مش هبعد إلا لما تقولي اية الي وصل بيكي لكدا؟ 

في تلك المرة تكلمت دموعها وعينيها بدلاً عنها، نظرت وهي تبكي لكل ما حولها بتشتت إلا هو تجاهلته

امسك وجهها بيده وجعلها تنظر عمداً إليه 

_ أهدي أنا معاكي هنا مش هسيبك 

= انا خايفة اوي

_ متخافيش أنا معاكي، بس أنا لازم أعرف كل حاجة!

قاطعهم فتح الباب فما كان سوى فتحي الممرض

_ دكتور محمد وصل يدكتور 

= ماشي متقولوش علي الي حصل هنا خليه يستريح

أومئ فتحي وأغلق الباب وراءه 

_ قومي يلا 


مسح دموعها وأمسك بيديها وبيديها الأخرى أتكئت علي الأرض فدخل بعض من الزجاج المتناثر علي الأرض يديها

_ حسبيي الازاز

= آه.. مخدتش بالي

_ اقعدي هنا هبعتلك حد من الممرضين يشوف ايدك

= لاء انا مش عاوزه اقعد هنا .. متسبنيش ونبي

_ هعمل حاجة واجيلك تاني مش هسيبك متقلقيش











خرج يونس وبعت أحد الممرضين لمليكة وبعد ساعة رجع لها فتح الباب، وجدها جالسه تبكي علي الأريكة وعندما وجدته هنا مسحت دموعها ثم نهضت بلهفة وهي تنظر إليه

_ جيت تاني اهو 

= بحسبك مشيت خالص 

_ مش همشي ي مليكة ثقي فيا، مش أنا الي بخلف بالوعود! 


رمي يونس تلك الجملة بدون قصد، ولكن فهمتها مليكة بمعني مختلف حيثُ اتكئت تلك الجملة علي صدرها فأحست بثقلها ونبشه عن الماضي الذي كان بينهم

جلس يونس بجوارها علي الأريكة 

_ خدي جبتلك دي 


أخرج وردة بيضاء من جيبه جميلة تُشبه قلبها وأعطاها لها

= حلوة اووي

_ بصي انا مش هعرف خالص أخرجك أنهاردة، بس أنت لازم تحكيلي كل حاجة عشان اقدر أساعدك

أجابت بكل حرقة

= مش هتقدر تساعدني عشان هو الي مدخلني هنا 

_ هو مين 

= آسر

_ الكلبب دههه؟؟ كملي! 


قصت له مع حدث معها وعن زوجها وحبوب الهلوسة الذي كان يضعها لها في المشروبات والعصائر كي ينصب عليها ويأخذ كل ميراثها الذي ورثته عن عائلتها وبالفعل فعل كل ما كان يُخطط له وتركها بمستشفي الأمراض العقلية كي تأخذ جزائها ..جزائها علي ما لم تفعله من الأساس ..


وما هو جزاء من وثق بلأخرين؟! 

الندم والشك عزيزي القارئ، لن يتروكانك وشأنك! 


وما جزاء من أحب بصدق؟! 

أُعمى عن الحقيقة بأكملها، حقيقة من نحب، لن ترى إلا ما تريده أن تراه 


وما جزاء من خان؟! 

ضاعت جميع مبادئه


لم يكن يتحدث فمها فقط بل شاركت تعابيرتها وعينيها ودموعها في كل شيء 

يقولون الفلاسفة أستحالة اتفاق نفسك وقلبك و جسدك ( أي حواسك) وعقلك معاً 

ما يُريده قلبك لا يُريده عقلك..

وما يُريده عقلك لا تريده حواسك ..

لكني أقول لك وبكل ثقة أنهم حتماً سيتفقوا حين يُدركوا إنكسار صاحبهم سيتفقون بكل شيء


حين أنكسرت مليكة تكلمت بكل ما تملك من حواس ومشاعر وعقل وقلب 


سيتعاونون معاً كي تصبح أقوي عن قبل ذلك الضعف الذي لم تكسب منه شيئ سوى الأنكسار 

سهل كسر العصا الخشبية، ولكن صعب كسر جميع العصيان مرةً واحدة 

لا تصبح ضعيفاً عزيزي القارئ

( أجعل قلبك وعقلك وحواسك و نفسك متفقون ولو علي شيئاً ) 


كن صادقاً ولو لمرةً واحدة مع نفسك


كان صمت يونس أقسى من مئة صخرة علي قلبها لم تتحمل نظراته فأضافت ببكاء

= مكنتش عاوزاك تشوفني كدا

_ أنت عارفة أنا قعدت أستناكي كام سنة!

= أنا أسفة


_ مينفعش الأسف دلوقتي مش هيفيد صدقيني

= هو الي ضحك عليا والله مكنش كدا م..مكنش كدااا


_ أنت مش عيله صغيرة عشاا .... خلاص يمليكة اقفلي علي الموضوع، أنت مدمرة خلقة مش ناقصاني .. المهم المصيبة الي انت فيها، بقالك قد اية بتاخدي حبوب دي؟؟


= معرفش، انا معرفش حاجة .. انا اول م نزلت مصر خدوني يا يونس، ده تاني يوم ليا هنا انا حسه أني بموت ببطىء، أنا مش مجنونة صدقني والله انا مش مجنونة 


_ اهدي انا هتصرف في كل ده بس انا عاوز اطلب منك طلب .. هتفضلي هنا للصبح ومتقلقيش موصي عليكي لحد م نشوف ينفع تخرجي معايا بكرا الصبح ولا لاء


وبحركة تلقائية أمسكت يديها المُرتعشة يدياه الساكنة والدافئة قائلة

= متسبنيش أرجوك يا يونس 

جوزي أتخلي عني وخد كل الي معايا وانل معنديش أهل .. ماما وبابا ماتو وعمي معرفش عنه حاجة أأ .. أنا مليش غيرك هنا ..معرفش حد غيرك كلو أتخلي عني، أرجوك متتخلاش عني أنت كمان .. أرجوك يا يونس!

ضمن يونس يديه بيديها لكي يجعلها تطمئن

_ حاضر


عم الصباح علي الجميع كانت نائمة بالرغم من تعبها الواضح لكنها جميلة حتي في نومها 


أستيقظت ولم تجده علي الأريكة المُقابلة للسرير، فركت عينيها بشدة ثم أعادت النظر ولكنها لم تجده، أتعتقد بأنه كان حُلماً أم لا؟؟ توترت بشدة وأتخذ الخوف مكاناً بقلبها نهضت من علي السرير واتجهت لفتح الباب لكنه مغلق بأحكام


أيُعقل بأنه تخلي عنها ؟!! 

قطع وعداً ولم يوفي به! أيقطع الرجال وعوداً مُتناثرة في الهواء! 

_ أكيد لا .. أنا بثق فيك يا يونس 


سمعت أصوات مفاتيح تفتح الباب فتراجعت إلي الوراء وهي خائفة وتهرش في رقبتها حتي دخلت الممرضة عليها 

_ صباح الخير يمدام مليكة


لم ترد مليكة عليها فأكملت الممرضة 

_الفطار والدواء بتوعك اهم .. اتمني تاخديه عشان تبقي احسن

= فين دكتور يونس! 

_ اه اه زمانه جاي متقلقيش، هو بس وصى انك تاخدي العلاج علي طول بعد ما تكلي


قالت الممرضة ذلك الكلام ثم ابتسمت لها وخرجت وأغلقت الباب خلفها بأحكام 

ركضت خلفها لتفتح الباب ولكنه محكم الغلق جيداً، جلست مكانها بيأس واستندت علي الباب 

_ أكيد مش هتتخلي عني يا يونس


وبعد دقائق سمعت صوتاً يقترب من الباب فنهضت وأزاحت اثار التراب بيديها ثم تراجعت للخلف وهي تنتظر الآتي حيث كان يونس

_ أخبارك اية

اجابته بأمل 

= كويسة

_ مفطرتيش ليه وأخدتي الدواء

= ءء أنا كنت مستنياك تيجي، مش بثق في حد غيرك

_ متقلقيش خدية هيساعدك 

= حاضر هاخده 

_ شاطرة 

= هخرج امتي؟؟

_ للأسف مش هينفع تخرجي دلوقتي علي الأقل ولو بعد أسبوع تكوني اتحسنتي حبه ي مليكة 











غضبت مليكة من كلام يونس وقالت بصوتاً مرتفع

= بس أنا مش عاوزه اقعد هنا ..ليههه!!!

_ أولاً عشان أنت بقالك شهرين بتاخدي حبوب الهلوسة دي وده مأثر عليكي وكل ورقك بيقول كدا 

= انت كذبت عليااااا، أنتوا كلكممم كذابين 

_ لا مكذبتش انا قلتلك هفضل جنبك ومش هسيبك 


أطاحت مليكة أثناء غضبها صنية الطعام والدواء بيديها فسقطوا ارضاً

قائله:

_ أخرج برااااا انا بكرهكككك، طلعت زيهممم وبتقول أني مجنونه

حاول أن يقترب منها 

_ اهدييي الي بتعمليه ده مش حل، أنا مقلتش أنك مجنونة انا خايف عليكي حقيقي، لازم تتعالجي وترجعي مليكة بتاعت زمان 


= مليكة بتاعت زمان ماتت

_ ممتتش هترجع، أنا مش هسيبك غير لما ترجع، زمااان لما سيبتك شوفي حصلك أية .. أنا مش مستعد اسيبك ولا أخسرك تاني


كان صوتها يملىء الطرقة بأكملها 

دخل الممرضين مُسرعين باتجاه مليكة وهم يكتفنوها جيداً 

_ سيبونييي .. خليهم يسبوني يا يونس .. سيبونييييي


رَبط يونس علي شعرها بلطف محاولاً تهدئتها 

_ اهدي يمليكة، زي م قلتلك انا استحالة اسيبك


قالت ببكاء

= ممكن توعدني تاني ارجوك، انا مش عاوزه فلوسي ومش عاوزه حاجة أنا عاوزه ابقي كويسة و .. و عاوزاك معايا


كان الخوف يتملكها جيداً وكأنه يعرف نقاط ضعفها

وقوتها، مسكينة تلك الفتاة فما حدث لها بسبب الحب 

حبها ليونس وآسر معاً لم يكن بحلاً بل بكارثة

كانت تعلم أنها ماضياً كانت تحب يونس للغاية ولكن مُلعبات آسر لها أضعفتها، أضعفت تلك التي تجهل مبادئ الحب، أصبحت الآن تتشبث بأي وهماً قد يوهمها بالنجاه ..


أحببتك لكي انجو .. 

فلما اغرقتني بك!! ..


           الفصل الثاني من هنا 

تعليقات