رواية دمعات قلب الفصل الثانى عشر 12 بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل الثانى عشر بقلم رباب فؤاد

طرقت(هالة) باب غرفتها المفتوح في هدوء فالتفت إليها(طارق) وعلى وجهه ابتسامة ترحيب عذبة ودعاها للدخول قائلاً ـ"ادخلي يا(هالة), لماذا تقفين عندك هكذا؟"

هزت كتفيها وهي تدخل الغرفة في بطء وقالت بخفوت ـ"لقد أتيت لعرض مساعدتي في ترتيب حقيبتك إذا لم يكن لديك مانع."

اتسعت ابتسامته وهو يقول بمرح ـ"بنت حلال, أنا بحاجة إليك بالفعل. لقد اشتريت مجموعة ملابس جديدة وأريد معرفة رأيك فيها."

تأملت مشترياته الجديدة بدقة قبل أن تقول بإعجاب ـ"ما شاء الله تبارك الله, ذوقك رفيع للغاية, جميعهم قمة في الأناقة."

ثم أردفت في خبث ـ"أهو ذوقك أنت أم ذوق العروس؟"

قال بارتباك خجول ـ"مزيج من ذوقينا. الحمد لله أنها راقتك."

قالها وانهمك في إعداد حقيبته؛ ومضت لحظة من الصمت قبل أن تسأله(هالة)في اهتمام ـ"في أي قاعة ستقيم حفل الزفاف؟"

رفع وجهه إليها قائلاً في دهشة ـ"أي حفل زفاف؟"

هزت كتفيها قائلة ببساطة ـ"زفافك أنت و(سمر)."

أشاح بكفه قائلاً ـ"آه, إننا لن نقيم حفلاً, سأذهب مع أبي إلى بيتهم ونعقد القران ثم نتجه إلى شقتنا مباشرة."

هتفت وحاجبيها معقودان في استنكارـ"ماذا؟! وهل وافق عمي على هذا الكلام؟ بل كيف وافقت(سمر)؟"

قال ببساطةـ"الموضوع ليس بهذه الأهمية, إنها مجرد ليلة مثل أي ليلة أخرى."

رفعت سبابتها معترضة بقولهاـ"لا, ليست كأي ليلة أخرى, إنها ليلة واحدة في عمر الجميع. يكفي أن خطبتكما كانت عائلية ولم يحضرها أي من زملائكما بالمستشفى, ثم إن حفل الزفاف_مهما كان بسيطاً_هو أقل مكافأة لـ(سمر) على انتظارها لك طيلة هذه المدة."

قال بتردد ـ"ومن سأدعو؟ زملائنا فقط؟"

قالت بحماس ـ"دع والدك يدعو أصدقائه ومعارفه, دعه يفرح ولو لليلة. إنه لم يحضر زواجي على(حازم), فليحضر حفل زفافك أنت."

جلس على حافة الفراش وهو يسألها باهتمام طفولي ـ"بالمناسبة, أنت لم تخبريني عن حفل زواجك على(حازم)؛ لقد كنت ضابطاً احتياطياً بالجيش وقتها."

ابتسمت في حرج قائلة ـ"إنها قصة طويلة."

أشار إليها بالجلوس قائلاً بحماس ـ"اجلسي إذاً وقصيها عليّ."

وبعد عدة توسلات من جانبه رضخت أخيراً وجلست على مقعد مواجه للفراش وشردت بذهنها بعيداً, إلى ذلك اليوم قبل أحد عشر عاماً أو أكثر.

كانت في انتظار عودة خطيبها إلى مصر من أجل الزفاف كما وعدها، ولكن مديره الأجنبي بالشركة رفض منحه إذناً بالسفر. واضطر (حازم) حينها إلى توكيل والده في عقد زواجه عليها.
ورغم غياب (حازم)، أصر ’حضرة العمدة‘ على إقامة حفل كبير في قريته بمناسبة عقد زواج نجله الأكبر.
وبعد أن أنهى (حازم) ترتيبات استقدام عروسه، فاجأها بطلبه...
فقد طلب منها أن ترتدي فستان الزفاف وهي قادمة إليه.
يومها نقلت أسلاك الهاتف ضحكتها الجميلة إلى أسماعه وهي تقول بدهشة ـ"كيف أرتدي الفستان دون أن تكون معي؟"

ثم عادت الأسلاك تنقل إليها صوته الهادئ، مشوباً ببعض السعادة هذه المرة، وهو يقول ـ"من قال هذا؟ سأستقبلك في المطار بالطبع...وبصحبتي مفاجأة".

لوهلة شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها حينما أتى على ذكر المفاجأة...
فقد خيل إليها شيطانها أنه متزوج بالفعل، وأن زوجته الثانية_أو بالأحرى الأولى_ ستكون معه في استقبالها.
لكنها سرعان ما نفضت هذه الفكرة عن رأسها وهي تضع سماعة الهاتف بعد انتهاء المكالمة.
وكأي عروس طبيعية، استعدت (هالة) ليوم زفافها، حتى وإن كان زوجها على بُعد آلاف الأميال. فذهبت إلى مصففة الشعر وارتدت فستاناً أبيضاً غاية في الرقة والنعومة، حتى بدت كالأميرة الرقيقة.
غير أنها كانت تذوب خجلاً من نظرات المسافرين في المطار وعلى متن الطائرة، ما بين مهنئ لها ومشفق عليها لأنها وحيدة في هذا اليوم الهام.
وأخيراً هبطت الطائرة على أرض الدولة التي تبدأ بها حياتها الجديدة،
حياة جديدة مع زوج لم تعتد عليه بعد،
زوج لم تره سوى بضع مرات منذ تقدم لخطبتها، ولم تره منذ سفره بعد حفل الخطبة بأسبوع.
ورغم حرارة الجو الشديدة التي استقبلتها لحظة فتح باب الطائرة، شعرت برجفة قوية تهزها لحظة أن رأت بعينيها أضواء صالات المطار عن بُعد.
وبأصابع باردة مرتجفة حملت طرف فستانها قليلاً عن الأرض حتى تستطيع نزول سلم الطائرة وهي تحاول أن تبدو متماسكة وأن ترسم ابتسامة هادئة على شفتيها...فهي العروس التي لا تزال الأنظار تتجه إليها.
وتقديراً من إدارة المطار لوضعها كعروس، فوجئت بتعاون العاملين معها في حمل حقائبها وإنهاء إجراءات الدخول، تماماً مثلما حدث معها في مصر.
وما أن أنهى الضابط المكلف بمرافقتها الإجراءات حتى سلمها جواز السفر وهو يقول بابتسامة ودود ـ"مبروك يا عروس".

تخضب وجهها خجلاً وهي تلتقط الجواز وتشكره بخفوت وهي تنقل عينيها خارج الحاجز الحديدي علها ترى زوجها.
ولم يطل انتظارها...فخلف الحاجز الحديدي لمحت وجهاً مألوفاً والابتسامة تغلف ملامحه وهو يلوح لها بسعادة.
ولوهلة غزت الدهشة ملامحها وهي تتأمله...
فقد كانت تتوقع أن ترى (حازم) مرتدياً ملابس العمل وحذاء رياضي وخوذة معدنية على رأسه...
لا تدري لماذا رسم شيطانها هذه الصورة في خيالها، رغم أنها لم تر خطيبها يوماً على غير مستوى أناقته المعتاد.
ولكنها رأته كعادته...وسيماً بملامحه المصرية المميزة وشعره الأسود المصفف بعناية وابتسامته الجذابة وسترته السوداء الأنيقة ورباط عنقه الزاهي...
كان أوسم رجل رأته في حياتها، نظراً لأن علاقتها بالرجال محدودة.
ولكنه كان الأفضل في نظرها.
وللحظات ظل نظرها معلقاً بوجهه حتى شعرت به يقترب منها ويصافحها هامساً ـ"حمداً لله على سلامتك يا عروسي".

تخضب وجهها خجلاً وهي تشعر بكفيه تحتضنان كفيها قبل أن يحتضن ذراعها ويصحبها إلى خارج المنطقة الجمركية ويشير لأحد أصدقائه بدفع العربة التي تحمل حقائبها إلى حيث سيارتهم.
وللمرة الأولى التقت (هالة) ب(نهى) وزوجها (عمر) وباقي أصدقاء (حازم).
وانطلقت سياراتهم بعيداً عن المطار في زفة صاخبة جابت شوارع المدينة متجهة إلى أحد الفنادق الفاخرة.
وهناك كانت مفاجأة جديدة للعروس.
فقد أقام لها (حازم) حفلاً مع أصدقائه إستمر حتى بعد منتصف الليل في هذا الفندق، قبل أن يعودا إلى منزلهما في زفة صاخبة أخرى، و...

قطع ذكرياتها صوت (طارق) وهو يقول بحماس ـ"أين ذهبت؟ أخبريني ماذا فعلتما؟"

عادت إليه بعينيها ومنحته ابتسامة هادئة وهي تقول ـ"كانت أمنية حياتي أن تزفني السيارات المزينة، ورغم أنني لم أخبر (حازم) بهذه الأمنية، فقد حققها لي".

بادلها الابتسامة وهو يقول ـ"لو الأمر يتوقف على زفة السيارات، فزملائنا بالمستشفى لن يبخلوا علينا بهذه الخدمة".

دفعته برفق في كتفه وهي تقول ـ"زفة السيارات كانت المرحلة الأولى من المطار إلى الفندق...ثم إتجهنا بعدها إلى فندق خمس نجوم مع أصدقاء (حازم) وزوجاتهم، وضحكنا ورقصنا وغنينا، ثم قطعنا كعكة الزفاف ذات الأدوار الخمسة.كان إحتفالاً مصرياً بعيداً عن مصر، ولا أخفيك أن أغلب المحيطين بنا من العرب كانوا مندهشين لأن حفلات الزفاف عندهم تختلف كثيراً. المهم أنه عندما أنهينا الحفل ذهبنا إلى شقتنا بزفة سيارات ثانية بعد منتصف الليل بساعتين أو أكثر, وأنت تقول زفة السيارات تكفي؟"

ارتفع حاجباه في دهشة قائلاً ـ"(حازم) فعل كل ذلك؟"

أجابته بثقة ـ"نعم, وكله مسجل على شريط فيديو في المكتبة, لقد كانت ليلة لا تُنسى".

لم يحاول (طارق) إخفاء دهشته وهو يقول "تتحدثين عن (حازم) آخر غير الذي أعرفه".

دافعت عن شريك حياتها السابق في حماس قائلة ـ"لقد كان (حازم) رحمه الله في منتهى الأناقة دوماً، وإن كنت مندهشاً من إبتسامته ومرحه وخفته، فقد كانت نادرة بالفعل ولم يكن يظهرها سوى في المناسبات الخاصة جداً، وهذا ينطبق بالتأكيد على ليلة زفافنا."

هز(طارق) كتفيه قائلاًـ"لن أندهش لو اكتشفت أنك تعرفينه أكثر مني. صحيح أننا كنا شقيقين إلا أنه كان يحب الاحتفاظ بمشاعره وأسراره الخاصة لنفسه دوماً."

قلبت كفيها قائلة في هدوء ـ"أنا لا أنكر هذه الصفات فيه, لقد كان اسماً على مسمى؛ لكنه كان يرخي قبضته عن مشاعره قليلاً بين الحين والآخر, خاصة بعد ميلاد(هيثم)."

تأملها للحظات قبل أن يتنهد هامساً ـ "رحمه الله...كنت أتمنى حضوره زفافي، ولكن قدرنا ألا يرى أحدنا الآخر في هذا اليوم".

شعرت بغصة تعترض مجرى تنفسها فتنحنحت وهي تلتقط نفساً عميقاً وتحاول العودة إلى نقطة النقاش الأصلية قائلة بحماس مصطنع _"المهم هل عرفت لماذا أريدك أن تقيم حفلاً لك ولـ(سمر)؟ كي تبقى ذكراه حية أمامكما مهما بَعُد بكما الزمن."

عقد حاجبيه مفكراً للحظات قبل أن يقول بحسم ـ"حسناً, سأناقش(سمر) في هذا الموضوع وأحجز في أي قاعة متاحة قريباً."

نهضت(هالة) من مقعدها قائلة ـ"هكذا تكون الفرحة, أدعو الله أن يجعل جميع أيامكما سعادة وهناء."

وتركته في الغرفة غارقاً في بحر من حنانها.
تعليقات