رواية دمعات قلب الفصل الرابع عشر14بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل الرابع عشر بقلم رباب فؤاد

اقترب (طارق) من باب الشقة وألقى نظرة سريعة عبر العين السحرية قبل أن يلتقط نفساً ثانياً ويرسم ابتسامة واسعة على وجهه وهو يفتح باب الشقة ليرى وجه والده وحماته وزوجها وابنيه الشابين، فقال بدهشة وهو يدعوهم إلى الدخول ـ"أهلاً وسهلاً...هل حضرتم معاً"؟

ضحك والده وهو يجيبه ـ"لقد التقينا على باب الشقة".

صافحته السيدة التي تشبهها زوجته وكأنها نسخة بالكربون قائلة ـ"صباحية مباركة يا عريس...هل أزعجناكم"؟

ضحك (طارق) وهو يفسح الطريق لهم قائلاً ـ"البيت بيتكم يا جماعة...تفضلوا بالدخول".

دلفت السيدة التي لم يتجاوز عمرها الخمسين عاماً، ولم تفقد جمالها بعد، وتبعها زوجها الذي لا يبدو مريحاً، وابناه اللذان جالا ببصريهما في أرجاء الشقة قبل أن يتخذا مقاعدهما في صدر الردهة وأعينهما لا تزال تجوب الشقة.

لم يعرهما (طارق) اهتماماً وهو يلتفت إلى والده وينحني ليقبل ظهر يده باحترام قائلاً ـ"نورت بيتي يا والدي".

ربت والده على ظهره بحنان قلما يظهره، وهو يقول ـ"بارك الله لك يا ولدي".

صحبه (طارق) إلى الداخل بعد أن أغلق الباب، وما أن التفت حتى راعه ما رأى.

إتسعت عيناه في دهشة وتصاعدت دماء الغضب في رأسه أمام هذا المشهد، حتى هيئ إليه أن دخاناً يتصاعد بالفعل من رأسه وأن الدماء ألقت بغشاوة على عينيه فأصبح ما حوله مصبوغاً بلونها.

فأمامه كانت عروسه مرتدية قميص نوم أحمر وعليه معطفاً شفافاً من نفس اللون، وقد تركت شعرها الناعم منسدلاً على كتفيها وزينت وجهها بمختلف مساحيق الزينة وهي تتجه مبتسمة لتحتضن والدتها في سعادة.

كان يشعر بأصوات التهنئة من والدة زوجته وزوجها وابنيه السخيفين وكأنها تأتي من بئر سحيق، لأن انتباهه كله كان مع تلك التي يلتهما بأنظارهما اثنان من غير محارمها.

وبالرغم من الغليان الذي يشعر به في عروقه، اتجه إلى زوجته وسحبها من ذراعها بابتسامة جاهد ليزرعها على وجهه وهو يقول لحماته ـ"عذراً يا جماعة...البيت بيتكم طبعاً. لو سمحتي يا(سمر)، أريدك دقيقة".

قالها وهو يجذبها خلفه إلى حجرتهما التي دخلها وسمح للقليل من غضبه بالظهور وهو يقول من بين أسنانه وقبضته تضغط على ذراعها ـ"ما هذا الذي ترتدين؟ ألم أحذرك منذ قليل؟ لقد منعتك أن تفتحي الباب فكيف تخرجين إليهم بقميص النوم؟"

أدهشها غضبه، الذي لم تر له مبرراً، وهي تقول بهدوء ـ"حبيبي، إنهم أهلي ووالدك...لا يوجد أغراب".

هتف بها وهو يحاول ألا يعلو صوته قائلاً ـ"والله؟ وماذا عن أبناء زوج أمك؟"

ارتفع حاجباها في دهشة قائلة ـ"(طارق) إنهم أخوتي وأصغر مني، لقد نشأنا معاً".

هتف بها من بين أسنانه ـ"كلا ليسا إخوتك...وليسا من محارمك حتى تخرجي إليهم بهذا الشكل. لقد كانا يلتهمانك بأنظارهما".

أدركت بذكائها الأنثوي أنه يغار عليها فلمست وجهه بأطراف أصابع يدها الحرة قائلة بدلال ـ"أتغار يا حبيبي؟"

أبعد أصابعها عن وجهه بغضب قائلاً ـ"الأمر لا علاقة له بالغيرة. إنها عاداتنا التي نشأنا عليها وتعاليم ديننا التي تصف الحياء بأنه شعبة من الإيمان. حتى (هالة) لا تزال تجلس أمامي بالحجاب أغلب الوقت رغم أنني زوجها".

لم يكد يذكر اسم زوجته الثانية أمامها حتى شعر بملامحها تتغير وهي ترمقه بنفس النظرة التي حار في تفسيرها في الصباح قبل أن تجذب ذراعها من قبضته في قوة وهي تقول من بين أسنانها ـ"أعتقد أنني أوضحت من قبل أنني (سمر)، ولا يهمني ماذا تفعل (هالة)".

شعر بالضيق الذي اعتراها وبالجو الذي بات مشحوناً بينهما، فتنهد في عمق وهو يخلل شعره بأصابعه قائلاً بكل الهدوء الذي وجده داخله ـ"حبيبتي...أنا رجل شرقي وأصولي ريفية، ولا أحب أن ينظر الأغراب إلى زوجتي. سميها غيرة أو تشدد أو حتى رجعية، لكني لا أحب أن يراك غيري...ممكن؟"

تنهدت هي الأخرى ولانت ملامحها ونظرتها العدائية وهي تقول بهدوء تشوبه السخريةـ"أمر سي السيد...خزانة الملابس أمامك...اختر ما تريدني أن أرتديه".

منحها ابتسامة عذبة وهو يطبع قبلة سريعة على طرف أنفها المستقيم قائلاً ـ"لا لن أختر لك، فأنا أثق فيك وفي رجاحة عقلك. سأخرج إليهم ريثما تبدلين ملابسك".

قالها والتفت يغادر الحجرة قبل أن يستدير إليها ثانية ويباغتها بدغدغتها قائلا بجدية مفتعلة ـ"ثم أين كان هذا القميص بالأمس؟"

ضحكت من دغدغته قائلة ـ"خلاص تبت إلى الله...لن أرتديه لغيرك".

قبل جبهتها بحب قائلاً ـ"لا هو ولا غيره...هيا لا تتأخري".

منحته ابتسامة سريعة وهو يخرج قبل أن تلتفت إلى خزانة الملابس وتقف واضعة كفاها حول خصرها، وهي تتأمل ملابسها في حيرة قائلة بسخط ـ"يا ربي...أين كان هذا الوجه الرجعي من قبل؟" 

تعليقات