رواية دمعات قلب الفصل الخامس عشر 15بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل الخامس عشر بقلم رباب فؤاد



وقف (طارق) في شرفة غرفته بالفندق في الإسكندرية والتقط نفساً عميقاً من هواء البحر المنعش أمامه قرب منتصف الليل وتأمله قليلاً، ثم أخرج هاتفه الجوال من جيبه وضغط أحد أزراره وإنتظر قليلاً ليسمع من الطرف الآخر صوت (هالة) الهادئ تقول بابتسامة واضحة في صوتها ـ"أهلا بالعريس. كيف حالك وكيف العروس؟"

أبتسم وهو يجيبها قائلاً ـ"بخير والحمد لله. أنت كيف حالك وكيف حال أمي والأولاد؟"

أجابته بنفس الرقة قائلة ـ"نحن بخير والحمد لله. لكن القبيلة بأسرها نيام. حتى أنا كنت في طريقي إلى النوم".

منحها ضحكة خافتة وهو يقول ـ"أسف على إزعاجك إذاً...لقد أردت فقط أن أشكرك وأدعو لك الله أن يحميك ويبارك لك في صحتك وأطفالك...لقد كنت سبباً في سعادتي يا (هالة) ولن أفيك حقك يوماً".

شعرت بغصة من كلماته، لكنها سرعان ما تنحنحت لتجيبه بهدوء ـ"أنت تستحق كل خير يا (طارق)، وكذلك (سمر). حافظ عليها لأن أمثالها قلة في هذا العالم".

سرت قشعريرة باردة في جسده حينما سمع جملتها الأخيرة، فقال لينهي المكالمة ـ"وأمثالك أيضاً يا (هالة). انتبهي لنفسك والأولاد. تصبحين على خير".

لم يكد يسمع ردها حتى أنهى المكالمة وزفر في عمق وظل يطالع البحر للحظات قبل أن يلتفت ليعود إلى الغرفة. ولكنه أجفل بمجرد أن التفت، 
إذ وجد (سمر) واقفة على باب الشرفة ساندة كتفها على حافته وعاقدة ذراعيها أمامها وفي عينيها نفس النظرة الباردة المحيرة فقال بدهشة ـ"(سمر)؟ منذ متى وأنت هنا؟"

قالت بنبرة ساخرة ـ"منذ كنت تتسول على باب الحسين".

ثم قالت تقلده "لقد اتصلت كي أدعو لك الله أن يحميك ويبارك لك في صحتك وأطفالك". وعاد صوتها إلى نبرته الغاضبة وهي تقول ـ"تتصل بضرتي وأنا معك في شهر العسل؟"

قالتها والتفتت غاضبة لتدخل إلى غرفتهما، فلحقها (طارق) وأمسك بذراعها يوقفها قائلاً بابتسامة واسعة ـ"سأتغاضى عن سخريتك والإهانة التي تلفظت بها قبل قليل لعلمي أنك تغارين".

حاولت أن تجذب ذراعها من قبضته وهي تقول بضيق ـ"ابتعد عني، فأنا لا أغار عليك".

شدد قبضته على ذراعها وقربها منه وقال وهو يغوص في عينيها بحب ـ"بل تغارين ولهذا ضايقك اتصالي ب(هالة)".

أشاحت بوجهها هرباً من نظرات عينيه فأدار وجهها إليه وداعب شعرها قائلاً بنفس الابتسامة ـ"حبيبتي...أنت وحدك زوجتي. وأنا لم أتصل بهم منذ زواجنا الأسبوع الماضي. فقط أردت الاطمئنان على الأولاد".

مطت شفتيها قائلة ـ"فلماذا لم تتصل مبكراً لتكلم أبناء أخيك؟ لقد اتصلت متأخراً حتى ترد هي عليك".

ضحك منها وقبل جبهتها قائلاً ـ"والله لم أتعمد ذلك...فنحن نخرج كل يوم ونعود متأخراً، واليوم عدنا مبكراً عن كل ليلة، فاتصلت بهم وأنت تغيرين ملابسك".

ثم قرص وجنتها بخفة قائلاً ـ"ثم هل تنكرين أن (هالة) هي السبب في إقناع والدي بزواجنا؟ أنت أقنعتني بالزواج منها لصالح أبناء (حازم) رحمه الله، وهي ساعدتنا بالزواج. أقسم لك أن (هالة) مثل البلسم، وأثق أنك ستحبينها حينما ترينها".

هزت كتفيها كالأطفال وزادت في مط شفتيها كطفلة يحاول والدها إرضاؤها دون جدوى، فقال وهو يقرص وجنتيها مشاكساً ـ"هيا أريني ضحكتك وإلا دغدغتك".

ضحكت لمجرد تخيله وهو يدغدغها كالمعتاد كلما أراد منها شيئاً، ثم رفعت سبابتها محذرة وهي تقول ـ"سأسامحك هذه المرة فقط. لكني لا أعرف ماذا سأفعل في المرة القادمة".

ضحك ثانية وهو يقبل وجنتها في الموقع الذي قرصه قائلاً ـ"توبة يا حبيبتي...لن أضايقك ثانية".

أما (هالة)، فما أن أنهى (طارق) الاتصال حتى تنهدت في عمق واحتضنت هاتفها في هدوء وهي تنظر إلى موضع نوم زوجها على الفراش.

زوجها الصوري الذي يعتبرها أخته، واتصل بها من جوار عروسه ليبلغها مدى امتنانه لها وسعادته بهذه الزيجة...
الزيجة التي ساعدته في إتمامها وهي لا تدري هل ستسعد هي الأخرى أم لا.

كانت مشاعرها مضطربة، 
فهي ليست حزينة لزواجه، 
ولكنها ليست سعيدة أيضاً.
لقد تزوجته مرغمة، وهو كذلك، 
لكن ابتعاده عنها منذ الزواج صدمها،
وزادت صدمتها باعترافه لها بحبه لزميلته.

كانت كلماته في ذلك اليوم لا تزال تدوي في أذنيها وهو يعترف بأن حبيبته اشترطت أن يكون زواجه من أرملة شقيقه صورياً. 
مزقها اعترافه في هذا اليوم، ودمر حلمها الوليد في أن يكون هذا الزوج بحنانه وتفهمه عوضاً لها عن زوجها السابق...عن شقيقه.

هزت رأسها في عنف وكأنها تنفض عنه أفكاره ونهرت قلبها على هذه المشاعر التي وجدتها مشاعر ماجنة وفاسقة...
لقد أعلنت لحميها من قبل أنها لن تقبل الزواج بعد (حازم) رحمه الله، بل وتزوجت شقيقه مرغمة لحماية أطفالها. وقد أتتها الفرصة لتفي بما قالت من قبل، فلماذا تضيعها؟
ثم مسحت بقوة دمعة متمردة تسللت من عينيها وهي تتذكر نصيحة أمها بأن تحول (طارق) إلى أخ أو صديق، بدلاً من أن تعلق نفسها بأوهام واهية.

نعم...(طارق) مجرد صديق، ولن يتحول إلى أي خانة أخرى.
تعليقات