رواية دمعات قلب الفصل السادس عشر بقلم رباب فؤاد
فتح (طارق) باب المبرد في ضجر بحثاً عن طعام الغذاء، لكنه لم يجد سوى قارورة مياه نصف ممتلئة وبعض الأطباق الصغيرة التي تحوي جبناً وزيتوناً، وزجاجة حليب شارفت على الإنتهاء، فمط شفتيه وأخرج غضبه في باب المبرد الذي دفعه بعنف هز المبرد بقوة. ثم التفت إلى الموقد الذي لم يجد فوقه أي أواني طهي، ففتح باب الفرن عله يحوي طعام الغذاء الذي طهته زوجته المصون. ولكن بحثه باء بالفشل للمرة الثانية فزفر في قوة وهو يهتف بغيظ من بين أسنانه ـ"حسبي الله ونعم الوكيل...أين ذهبت هذه المجنونة دون أن تطبخ طعام الغذاء"؟
قالها وهو يضغط أزرار هاتفه الجوال ليطلب (سمر) للمرة العاشرة منذ عودته من المستشفى ليسمع نفس الرسالة التي زادت من عصبيته "الهاتف الذي طلبته غير متاح حالياً، من فضلك حاول الاتصال في وقت لاحقThe mobile you…"
لم يمنح السيدة الإلكترونية الفرصة لإتمام رسالتها باللغة الإنجليزية لأنه أنهى المكالمة والشرر يتطاير من عينيه، قبل أن يلقي الهاتف بعيداُ ليسقط على أريكة الأنتريه.
ظل يدور قليلاً في أرجاء الشقة ثم ما لبث أن جلس متحفزاً على مقعد الأنتريه المواجه لباب الشقة في إنتظار عودة زوجته.
وبعد ساعة أخرى من الانتظار_ مرت عليه كالدهر_ سمع صوت المفتاح يدور في الباب، فرفع عينيه في بطء ليرى زوجته تدخل في هدوء ولا يبدو عليها أي انزعاج من التأخير، وابتدرته بقولها ـ"حبيبي...متى عدت"؟
أجابها من بين أسنانه قائلاً ـ"منذ ساعتين...أين كنت؟ لقد طلبتك عند والدتك وأخبرتني أنها لم ترك منذ يومين".
قالت بلامبالاة وكأنها لم تسمعه ـ"عظيم...هل أعددت لنا الغذاء؟ إنني أتضور جوعاً".
إتسعت عيناه وعاد الشرر يتطاير منهما وهو يهتف بها ـ"ماذا؟ أنا الذي أعد الغذاء؟ وأين كنت منذ الظهيرة؟ لماذا لم تعديه مسبقاً مثل باقي الزوجات العاملات"؟
اقتربت وهي تجيبه ببرود أغاظه ـ"ألم نتفق من قبل على تقسيم المهام المنزلية بيننا؟ وما دمت أتيت قبلي فلماذا لم تجهز كيساً من المكرونة وتخرج أي كيس لحم أو دجاج من المجمد"؟
استشاط غضباً وهو يهتف دون وعي ـ"هل تمزحين؟ جراح لم ينم طول الليل بسبب جراحة معقدة وظل في المستشفى حتى الثانية ظهراً دون راحة وعاد إلى منزله يتوق إلى وجبة ساخنة وفراش وثير لكنه لم يجد زوجته ولا أي شيء يؤكل في المنزل، وفي النهاية تسأليني لماذا لم أجهز مكرونة"؟
فتحت فمها لتجيبه لكنه لم يمنحها الفرصة وهو يهتف ثانية ـ"وأين كنت طيلة هذه المدة منذ خروجك من المستشفى؟ ولماذا أغلقت هاتفك الجوال"؟
شعرت بمدى غضبه وحاولت تلطيف الأمر وهي تقترب قائلة بابتسامة مدروسة ـ"لقد انتهى شحن الجوال فجأة، وظننت انك اليوم ستذهب إلى (هالة)، فتأخرت بعد المستشفى".
ضرب كفيه بدهشة قائلاً ـ"سبحان الله. اسم (هالة) أصبح يجري على لسانك دون سخط. راجعي أيام الأسبوع يا دكتورة وسترين أن اليوم عندك أنت".
ثم عاد يسألها وهو يضيق عينيه ـ"لم تجيبي..أين تأخرت"؟
أجابته بتردد ـ"ك..كنت في الجيم".
اقترب منها وقال دون استيعاب ـ"أعيديها على مسامعي ثانية...يبدو أن السمع خانني و..".
قاطعته وهي تقول في سرعة ـ"كنت في الجيم يا (طارق)...صالة الأيروبيكس".
إتسعت عيناه في دهشة حقيقية وهو يتفحص جسمها بعينيه قائلاً ـ"أيروبيكس هكذا فجأة؟ ودون استشارتي"؟
هزت كتفيها قائلة ـ"إنها المرة الأولى اليوم..أردت أن أجرب قبل أن أقرر الإشتراك في هذا النادي الصحي".
عقد ذراعيه أمام صدره وهو يسألها بتهكم ـ"وهل راقك النادي الصحي"؟
لمعت عيناها وهي تجيبه في حماس قائلة ـ"إلى ابعد مدى...المدربة نشيطة للغاية والأجهزة الرياضية حديثة والجا..."
قاطعها قائلاً ببرود ـ"وماذا عن طفلك"؟
أجفلت للحظة وتراجعت برأسها إلى الخلف قبل أن تسأله بصوت مبحوح ـ"أي طفل"؟
أجابها بنفس البرود وهو يقترب من وجهها حتى التحمت أنفاسهماـ"طفلنا...ألم يحن وقته بعد"؟
ارتبكت من سؤاله ونظراته وهي تقول ـ"كل شيء بأوان. فلماذا العجلة"؟
تأملها قليلاً قبل أن يقول بغيظ ـ"عجلة؟ بعد ستة أشهر زواج وتسمينها عجلة؟ ثم أنى للطفل أن يأتي وأمه تمارس الأيروبيكس في النادي الصحي؟ بل قولي أنى له أن يأتي وأمه لا تهتم بأبيه"؟
إتسعت عيناها وهمت بالدفاع عن نفسها لكنه لم يمنحها الفرصة وهو يهتف بها ـ"طلبت مني المساعدة في شؤون المنزل ووافقت، أهملت المطبخ وصرنا نأكل من المطاعم كالعزاب وصمتت، تراكمت ملابسي المتسخة وغسلتها بنفسي ولم أعترض...كل هذا وأنت ماذا تفعلين؟ بالله عليك أخبريني ما الذي تفعلينه في هذا البيت سوى النوم ومشاهدة التلفاز...حتى لا أراك تفتحين مرجعاً لرسالة الماجستير. أخبريني بشيء واحد يبرر انشغالك عن بيتك وزوجك أو يبرر ذهابك إلى الجيم بدلاً من الاهتمام بي".
اختنق صوتها بالعبرات وهي تقول بصوت أجش ـ"أنا...".
قاطعها بنفس الغضب قائلاً ـ"أنت ماذا؟ ماذا ينقصك عن (هالة)؟ تعمل مثلك، بل وأكثر منك في المدرسة ومع الأولاد، ورغم ذلك فبيتها مرتب طوال الوقت، ولم تتأخر يوماً عن موعد الغذاء، ولم أبحث عن ملابسي يوماً أو أطلب منها كي قميص أو خياطة زر...كل شيء مرتب وكأنني شغلها الشاغل. حتى مع أولادها...لا ينقصهم شيء وكأنهم كل عالمها. أما زوجتي التي حاربت من أجلها فتهملني، بل ولا تأبه حتى بإنجاب طفل لي يشغل فراغها".
لم تستطع تحمل كلماته الجارحة أكثر من ذلك فهتفت به بألم ـ"كفى..كفى. كل شيء (هالة) (هالة). لماذا لا تقدر مشاعري؟ لماذا تصر على أن تشعرني بالعجز مقارنة بها؟ قلت لك ألف مرة أنا غيرها، ولا تقارنني بها. وما ينطبق عليها لا ينطبق علي، وأنت وافقت على ذلك منذ البداية. فلماذا التجريح"؟
وبأصابع مرتجفة مسحت دمعة خانتها وسالت على وجهها الملتهب من الغضب وإستدارت بعيداً عنه وهي تقول ـ"من فضلك يا (طارق)...اتركني وحدي الآن كيلا نجرح بعضنا أكثر من ذلك".
لم ير دموعها، لذا لم يشعر بأي تعاطف نحوها وهو يتجه نحو غرفتهما في صمت ليلتقط سترته الصوفية وسلسلة مفاتيحه في سرعة ويتجه إلى باب الشقة قائلاً ـ"هذا أفضل".
وصفق الباب خلفه في عنف تاركاً إياها غارقة في دموع لم ترده أن يراها.
