رواية دمعات قلب الفصل الخامس و العشرون25 بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل الخامس و العشرون بقلم رباب فؤاد


استند(طارق) بكتفه إلى باب غرفة(هند) ليتابع باهتمام حنون(هالة) وهو تهمس لابنتها بكلمات أغنيتها المفضلة ولم يبد عليها أنها تشعر بوجوده. فقد استغرقت في تمسيد شعر صغيرتها والغناء لها حتى استسلمت للنوم. حينها نهضت من جوارها على أطراف أصابعها لتخرج وأشارت لزوجها بالتزام الصمت كي لا يوقظ الطفلة.
وفي غرفتهما جلست(هالة) على الفراش في إرهاق قائلة بابتسامة هادئة ـ"تخيل أن(هند) تفضل غناء جدتها عن غنائي؟ إنها حتى لم تعتد بعد على غياب أمي."

إستلقى(طارق) إلى جوارها قائلاً بهدوء ـ"أنا أيضاً لم أعتد بعد على غيابها. أشعر بأن شيئاً ما ينقص المنزل.أعادها الله سالمة إلينا."

تنهدت في عمق وهي تسند رأسها على ظهر الفراش قائلة ـ"وماذا عني أنا؟ إنها صديقتي الوحيدة, لم أفارقها إلا يوم زواجي ولكنها كانت دوماً في بالي. أتدري أنها كانت تشعر بي عندما أمرض وأنا على بُعد آلاف الأميال؟ طيلة عمري وبيننا توارد خواطر قوي, أشعر بها وتشعر بي دون أن ينبس أحدنا بحرف. لا أدري كيف سأحتمل غيابها فترة الحج؟"

أحاط(طارق) كتفيها بذراعه وقربها منه قائلاً ـ"سيمر الوقت بسرعة, إنها لم تسافر إلا اليوم فقط؛ ومادامت مع صحبة آمنة فلا سبيل للقلق عليها. على العكس, يجب أن تسعدي لها لأن حجها هذا تكريم لها ولوالدك الشهيد."

ابتسمت ابتسامة جانبية دون اقتناع وقالت ـ"تكريم متأخر للغاية, ولكنها كانت واثقة من أنه سيأتي يوماً ما لذلك لم تأت معنا عندما ذهبت أنا و(حازم) رحمه الله للحج."

داعب شعرها المنسدل قائلاً ـ"لم يكن المولى قد أذن لها بعد, وعندما أراد سبحانه وتعالى يسر لها هذا التكريم, وبإذن الله ستستمتع في هذه الرحلة."

تنهدت في ضيق ولسان حالها يعكس إفتقادها لوالدتها فزاد من إحتضانه لها قائلاً بغيرة ـ"ثم ألا يكفيك حناني الدافق؟ يبدو أنني سألجأ إلى أساليبي الخاصة".

رفعت عينيها بتساؤل ليفاجأها بحركته المعتادة وهو يدغدغها ويستمتع بضحكتها الصافية وهي تتلوى بين ذراعيه إلى أن توقف عن دغدغتها وهو يقول مهدداً ـ"ها؟ يكفيك حناني أم لا؟"

دفنت وجهها في كتفه قائلة بدلال طفولي ـ"مازلت مصرّة أنني سأفتقدها بشدة. أدعو الله أن ينتهي الحج سريعاً كي تعود لي أمي بالسلامة."

ابتسم وهو يقبل رأسها ويعيدها إلى أحضانه قائلاً ـ"لقد تغلبت على(هند), لا أدري من منكما أدلل أكثر."

رفعت عينيها إليه قائلة بدلال ـ"من تحب أكثر."

تاه في غموض عينيها الجميلتين للحظات همس خلالها بصدق ـ"أحبك كروحي."

تنهدت في ارتياح عميق وغاصت في أحضانه هامسة ـ"وأنا أحبك أكثر."

خلل خصلات شعرها بأصابعه قبل أن يطبع قبلة حانية عليه قائلاً في ثقة ـ"أعلم, وأكدته لي أمي هذا الصباح قبل أن تسافر."

عقدت حاجبيها وهي تبتعد عنه في حيرة قائلة ـ"أمي أنا؟ ماذا قالت؟"

قال بابتسامة صافية ـ"قالت الكثير."

رجته في دلال قائلة ـ"أخبرني ماذا قالت؛ لو كنت حبيبتك حقاً أخبرني ماذا قالت."

أشار إلى وجنته فرفعت جذعها لتصل إليه وتطبع قبلة دافئة على خده القريب منها، لتجده يدير خده الثاني لها فقبلته ثانية وعادت ترتاح على الفراش إلى جواره لولا نظرته الماكرة التي جعلتها تضربه بقبضتها في كتفه قائلة بحنق ـ"لا تكن طماعاً..هيا قل مالديك، وإلا تركتك ونمت إلى جوار ابنتي".

ضحك منها ومن تهديدها الذي لا يتحمله فقال بسرعة من بين ضحكاته ـ"لا أرجوك..إلا هذا العقاب. سأخبرك".

ثم داعب وجنتها بأنامله وقال بهيام ـ"قالت لي إنك تحبينني منذ تشاجرنا أول مرة، وإن حبك لي هو الذي دفعك لمساعدتي في الزواج من(سمر)؛ وعندما أكدت لها أنني أحبك بكل ذرة في كياني طلبت مني أن أقسم لها على المصحف الشريف أن أصونك وأرعاك وأحميك بحياتي."

داعبت أزرار منامته قائلة بدلال ـ"وهل أقسمت؟"

اتسعت ابتسامته وهو يجيبهاـ"أتسألينني؟ رغم أنني مستعد بالفعل لأن أفديك بحياتي دون قسم, أقسمت كي أرضيها وأطمئنها أن ابنتها وأحفادها في أيد أمينة."

انكمشت في أحضانه ثانية وقالت بثقة ـ"أعلم هذا. ماذا قالت أيضاً؟"

أخذ نفساً عميقاً قبل أن يجيبها بلمحة تردد قائلاًـ"سألتني إن كنت أعرف شعور المرأة حين تحب مرة واحدة في حياتها رجلاً ليس لها ويتحول حلمها فجأة إلى حقيقة ويصبح زوجاً لها وحدها. والحقيقة أنني دُهشت لوصفها لك هكذا, إلا أنها فسرت لي ما عنته."

ابتعدت(هالة) عنه قليلاً وسألته بارتباك ـ"وماذا قالت؟"

نظر إليها بثبات قائلاً ـ"قالت أغرب شيء سمعته في حياتي. قالت إنك لم تحبي(حازم) ولم تكوني سعيدة معه وإنها شعرت بذلك دون أن تصرحي أنت به. ولكن كيف هذا و(حازم) كان يؤكد لي أنه سعيد معك وأنه يحبك. أمن الممكن أن يكون الزوج سعيداً والزوجة تعيسة؟"

نهضت مبتعدة واتجهت إلى الشرفة تنظر من خلف زجاجها إلى لا شيء قبل أن تتمتم بعصبية ـ"ما الذي جعلها تقول هذا؟"

نهض بدوره متجهاً إليها وأدارها إليه ليتأملها قائلاً ـ"أنا رجوتها أن تخبرني بكل ما هو غامض عني. إنك لم تخبريني سوى مقتطفات من حفل زفافك على(حازم) ولم تذكري غيرها؛ لم تعطني فكرة عن حياتكما معاً وأنا لم أطلب ذلك لعلمي المسبق بسعادته معك والتي تعني سعادتكما سوياً. لكن حين تخبرني بأنك لم تحبي سوى مرة واحدة, فماذا إذاً عن زوجك السابق؟ ولا تنسي أنه كان شقيقي الوحيد."

هتفت بصوت خنقته الدموع وهي تشيح بوجهها بعيداً ـ"أعلم هذا ولا أستطيع نسيانه, لكن للأسف شقيقك لم يكن الزوج الذي تمنيته. أسلوبه الصارم جعلني أجفل منه. لا أنكر أنني أحببته في بداية زواجنا _أو بالأحرى حاوت أن أحبه_لأنه كان يحاول امتصاص خوفي من الغربة. إلا أنه مع عودته للعمل ازداد ابتعاداً عني, وشعرت بأنني لا أفهمه ولا أتكيف مع عصبيته ولا أسلوبه الآمر الناهي كأني أحد العاملين معه. لم أتقبل الوضع ومع ذلك لم أشتك, لوصول(هيثم) ولإحساسي ببعض الهدوء في طباعه, إلا أنه كان سرعان ما يعود بسرعة البرق(حازم) بجبروته وسطوته, وأنا بطبعي لا أحب تلقي الأوامر."

ثم تابعت ودموعها تنهمر على وجهها دون توقف ـ"لقد كان (حازم) رحمه الله يعتبر المشاعر نوعاً من الضعف، لذا كان يعوضها بأشياء أخرى. كان كريماً معي ومع الأولاد في كل شيء..ماعدا المشاعر. (حازم) لم يعترف يوماً بأنه يحبني إلا ليلة وفاته، وحتى يومها لم يقلها صريحة. ربما كنت الزوجة المثالية بالنسبة له. الزوجة التي تهتم به وتلبي جميع طلباته وتحافظ له على هدوء وجمال المنزل، وفي الوقت نفسه تحفظه في غيابه. هذه مميزات الزوجة التي كان يتمناها (حازم) ووجدها في شخصيتي. أما مميزات الزوج الذي كنت أتمناه فلم يوجد منها في (حازم) سوى التدين والذكاء والوسامة والأصل الطيب".

حاولت مسح دموعها المنهمرة التي أفسدت كحل عينيها الجميلتين، ولكن مجرد ذكرى زواجها ب(حازم) كانت تدفع الدموع سريعة عبر مقلتيها وهي تضيف ـ"أكثر ما كنت أريده في زوجي هو الحنان. لقد نشأت يتيمة وكنت بحاجة إلى زوج يحتويني ويعوضني حنان الأب، ولهذا وافقت على الزواج بعد تخرجي مباشرة على أمل أن أجد ضالتي عند زوجي. ولكن (حازم) للأسف لم يكن ليعترف بالحنان. كان يعتقد أن حنان الرجل هو أقصر الطرق لسيطرة زوجته عليه. ولا تسألني كيف وافقت على (حازم) من البداية لأنه كان قدري, قسمة ونصيب."

تنهد في عمق قائلاً ـ"نفس الكلمة التي قالتها أمي ’قسمة ونصيب‘."

ثم أدار وجهها إليه برفق وهو يتابع بحنان ـ"حبيبتي أنا لا أعاتبك ولا أريد نبش الماضي, ولكن حديث أمي ترك العديد من علامات الإستفهام في عقلي".

وأضاف مبتسماً وهو يمسح دموعها بأنامله ويزيل آثار الكحل السائل قائلاً ـ"ولكن لا أنكر أن كوني حبيبك الأول أرضى غروري كرجل".

ثم قبل جبهتها في حنان وهو يقول ـ" أعدك ألا أعيد فتح هذا الموضوع ثانية, اتفقنا؟"

قالها بصدق قبل أن يضمها إليه بقوة وحنان ويدفن وجهه في شعرها للحظات قصيرة كان من الممكن أن تطول لو لم تبتعد(هالة) عنه في حركة عنيفة ويدها على فمها وعلى وجهها ارتسم تعبير امتعاض أقلقه, خاصة حينما تركت الغرفة في سرعة متجهة إلى الحمام وتناهى إلى مسامعه صوتها وهي تفرغ معدتها رغماً عنها.
وعندما عادت إلى الغرفة بعد دقائق أدهشها التعبير المرتسم على وجه زوجها.
فقد كان جالساً على طرف الفراش يهز ساقه في عصبية والقلق_ وربما الضيق_ بادي على وجهه, ولم يكد يرها حتى سألها في لهجة بدت حادة إلى حد ما ـ"هل تسمحين بتفسير ما يحدث لك حينما أقترب منك؟ هل أصيبك بالاشمئزاز أم أنك لا تطيقينني؟"

ارتفع حاجباها في دهشة بالغة وهي تقترب منه هاتفة باستنكارـ"أنا؟ أنسيت أننا منذ دقائق كنا نتبارى من منا يحب الآخر أكثر؟"

سألها في حيرة ـ"إذاً ما السبب؟ إنك لم تكوني هكذا من قبل, هذا الأمر جديد عليك."

جلست إلى جواره وربتت على كتفه قائلة بتردد ـ"أنت لست السبب بشكل مباشر ولكنه...إنه عطرك يا حبيبي."

عقد حاجبيه وهو يتشمم ملابسه قائلاً ـ"عطري؟ أي عطر هذا؟ أنا لا أشمه, كما أنني لم أغير نوع العطر الذي أستخدمه."

ابتسمت وخفضت وجهها وصوتها وهي تقول بخجل ـ"أنت لا تشمه لأنك اعتدت عليه, ولا أنكر أن رائحته طيبة لكنها بدأت تثيرني وتجعلني أفرغ معدتي أكثر من مرة في اليوم بمجرد اقترابك مني؛ أنا آسفة."

إلتفت إليها وربت على وجنتها قائلاً بحنان ـ"لابد وأن هناك سبباً ما. يجب أن تستشيري طبيباً متخصصاً في الجهاز الهضمي لأنني قلق عليك للغاية."

استكانت للمسة كفه وأسبلت جفنيها للحظات قبل أن تفتحهما قائلة ـ"لا داعي لقلقك يا حبيبي, موضوع استثارة الروائح النفاذة لمعدتي أمر قديم ويتكرر كل فترة."

عقد حاجبيه وبدا القلق في صوته وهو يسألها في اهتمام قائلاً ـ"يتكرر بأي معدل؟"

ابتسمت في خبث قائلة ـ"ليس معدل متقارب, فقد حدث لي أربع مرات خلال اثني عشر عاماً, وسبب عدم قلقي هو أنه يزول تلقائياً بعد تسعة أشهر."

اتسعت عيناه في دهشة وهو يهتف بانفعال ـ"تسعة أشهر؟تسعة بالضبط؟إذاً فأنت حامل!! يا إلهي..."

قاطعته بلكزة في جانبه قائلة ـ"يا لك من طبيب غير متمرس.ألم تفهم إلا الآن؟ ظننتك أنت ستسألني متى يأتي ولي العهد, مثلما فعل والدك."

أحاط وجهها بكفيه قائلاً ـ"لم أسألك لأنني تزوجتك فعلياً من أجلك أنت وليس من أجل الإنجاب. ولكن ذلك لا يمنعني من سؤالك متى سنحتفل بقدومه؟"

هزت كتفيها قائلة ـ"لا أدري متى بالضبط لأنني لم أستشر طبيباً مختصاً بعد؛ إلا أنه من المحتمل أن ألد بعد سبعة أشهر ونصف من الآن."

هب واقفاً يهتف في جذل وهو يتحرك في الغرفة كالمجنون ـ"يا إلهي...سأصبح أباً حقاً. لا أدري ماذا أفعل؛ أريد أن أرقص, أريد أن أغني, أريد أن أخبر العالم كله أن زوجتي وحبيبتي حامل, أن أخبر أبنائي أن أخاهم قادم في الطريق. يا إلهي...سأجن من السعادة."

انفجرت(هالة) ضاحكة وهي تراه حائراً في التعبير عن سعادته بحملها, ثم ما لبثت أن نهضت متجهة إليه إلا أنه هتف بها ويداه ممدودتان عن آخرهما قائلاً ـ"إلى أين؟ إنك لن تتحركي أو تقومي بأي مجهود طوال فترة الحمل. ستأخذين أجازة من العمل حتى تلدي, ومن الأفضل أن تكون أجازة مفتوحة. ممنوع الإرهاق أو الانفعال. سنذهب سوياً لأفضل الأطباء وستخضعين لنظام غذائي صحي يضمن عدم زيادة وزنك عن الوزن المطلوب و..."

قاطعته قائلة من بين ضحكاتهاـ"على رسلك يا حبيبي.أنا لا أشعر بأي شيء غير طبيعي, ولا تنس أنها رابع مرة أحمل فيها."

تابع وكأنه لم يسمعها قائلاً ـ"وأهم شيء ألا تنظري في وجهي كثيراً وإلا أتى المولود شبيهاً بي."

قبلت وجنته في حب قائلة ـ"وهذا ما أريده, أن يكون نسخة عنك في الشكل والطباع, أن يكون له عيناك ولونهما الدافيء وابتسامتك الهادئة وبساطتك التي أعشقك من أجلها."

تأمل ملامحها في دهشة_وكأنه يراها لأول مرة_ ورأى الصدق في عينيها يثبت مدى حبها له ووجد نفسه يهمس تلقائياً قائلاً ـ"يا إلهي...إنك تحبينني بحق."

لاحت نظرة عتاب سريعة في عينيها السوداوين وهمست ـ"وهل شككت في هذا؟"

هز رأسه نفياً ومال يطبع قبلة حانية على جبينها هامساً بصدق ـ"ولا َتشُكي ولو للحظة واحدة في حبي لك."

رفعت عينيها إلى عينيه في لحظة هادئة قطعها(طارق) حين هتف فجأة ـ"لقد نسيت, يجب أن أغتسل فوراً."

عقدت(هالة) حاجبيها وهي تتابعه بعينيها يلتقط منشفته فهتفت به ـ"ماذا بك؟ ولماذا الآن بالذات؟"

تناول زجاجة عطره قائلاً بابتسامة جذابة ـ"ما دام عطري يثير معدتك فلا بد أن أزيل آثاره من جسمي وملابسي."

وفي حركة سريعة قَبَّل الزجاجة قبل أن يقذفها في سلة المهملات ويتجه للحمام تاركاً(هالة) مستغرقة في الضحك.

تعليقات