رواية دمعات قلب الفصل السادس و العشرون26 بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل السادس و العشرون بقلم رباب فؤاد

بخطوات سريعة واثقة يميزها صوت كعب حذائها المرتفع دلفت (سمر) إلى غرفة الطبيبات بالمستشفى وهي ترفع نظارتها الشمسية الراقية فوق شعرها بحركة أنيقة وتبتسم لصديقتها التي جلست تحتسي شراباً دافئاً في هدوء.
وبرقتها المعتادة ألقت (سمر) التحية على صديقتها قائلة ـ"صباح الخير يا دكتورة (ضحى)".

بادلتها (ضحى) الإبتسامة وهي تجيبها بود ـ"صباح الخير يا دكتورة (سمر). ما الذي أخرك هذا الصباح"؟

اتجهت (سمر) إلى طاولة بجانب الغرفة اصطفت عليها أكواباً ورقية نظيفة وعلباً للشاي والقهوة الفرنسية وهي تجيبها قائلة بابتسامة منهكة ـ"كنت أنهي بعض الأوراق الهامة. لقد خرجت مبكراً من منزلنا حتى أنني لم أتناول قهوتي الصباحية المعتادة".

قالتها وهي تلتقط كوباً ورقياً وتفرغ مظروفاً للقهوة فيه قبل أن تضيف عليه الماء المغلي وتقلبه متجهة إلى مقعد مجاور لصديقتها وتجلس برقة قائلة ـ"كنت أقاوم النوم في سيارة الأجرة وأنا قادمة الآن".

تأملتها (ضحى) قليلاً قبل أن تهمس بتعاطف ـ"الإرهاق يبدو جلياً على وجهك، لكنك تجيدين إخفاء مشاعرك دوماً".

التفتت إليها (سمر) بحركة حاولت ألا تجعلها حادة وهي تسألها بضيق ـ"ماذا تقصدين؟"

ربتت (ضحى) بتعاطف على كف صديقتها قائلة ـ"كلنا يعلم كيف كنت تحبينه، وأن...".

قاطعتها (سمر) قائلة بجمود ـ"أنت قلتها..كنت أحبه. لقد انتهى ما بيننا وطويت هذه الصفحة من حياتي".

حاولت (ضحى) أن تلين صلابتها قائلة ـ"أنت ما زلت في العدة، وإذا أردت يمكن ل(سامي) زوجي أن يتدخل ليعيدكما و...".

قاطعتها (سمر) ثانية وهي تقول بصوت حاولت أن تجعله طبيعياً ـ"لم أعتد التراجع في قراراتي..ثم إنني أعددت العدة للسفر قريباً".

عقدت صديقتها حاجبيها قائلة بدهشة ـ"السفر؟ إلى أين؟"

ارتشفت (سمر) بعضاً من قهوتها الساخنة متجاهلة حرارتها قبل أن تجيبها قائلة ـ"لقد وجدت فرصة عمل في دولة خليجية وسأسافر بمجرد انتهاء العدة".

إستفسرت (ضحى) بلهجة أقرب إلى الإستنكارـ"بدون محرم؟"

واصلت (سمر) ارتشاف قهوتها واعتدلت في مقعدها وهي تجيب ببساطة ـ"لم يشترطوا محرماً، كما أن هناك سكناً داخلياً للطبيبات..أشبه بالمدينة الجامعية للطالبات".

سألتها (ضحى) ـ"أهي هذه الأوراق التي كنت تنهينها في الصباح؟"

سحبت (سمر) نظارتها الشمسية من بين خصلات شعرها المصبوغ ووضعتها في جراب أنيق وهي تجيب صديقتها بهدوء ـ"نعم هي. لقد أشارت علي صديقة بالسفر وساعدني (حسام) ابن زوج أمي كثيراً حتى وجدنا هذا العقد".

تنهدت (ضحى) بعمق وهي تتمتم بصوت خافت ـ"وكأنك تقولين له مصر كلها لا تكفيني للهروب منك".

سمعتها (سمر) وهي تدرك مغزى صديقتها، فقالت بنفس البرود ـ"نعم مصر كلها لا تكفيني للهروب منه. لا أنكر أنني أتحاشى التحرك في المستشفى بعيداً عن عيادة العيون وغرفة الطبيبات كيلا ألقاه قدراً، ولا أنكر أنني غيرت مواعيد عملي كذلك. ولكن إلى متى؟ المستشفى ليس بهذه الضخامة بحيث نتوه بداخله، ومن المؤكد أننا سنلتقي يوماً ما، وأنا لا أريد ذلك".

قالتها وشعرت بالضعف يعتريها ويتغلب على قوة صوتها الذي تهدج رغماً عنها وهي تقول ـ"لقد عشت معه أياماً جميلة لا أنكرها، وهو تحمل عصبيتي ودلالي وأحياناً إهاناتي بصبر وحكمة لم أرها في رجل من قبل. لكن كرامتي لا تتحمل المزيد. لقد كان يتحملني من قبل بدافع الحب، ولكن دافعه الآن سيكون الشفقة، وأنا لا أقبلها. بل ربما لا يتحملني أكثر من ذلك ويأتي اليوم الذي يطلقني فيه لأنني لم أنجب طفله".

وبسرعة غريبة عادت القوة تغلف صوتها وهي تضيف ـ"لذا كان قراري بطلب الطلاق هو الحل الأمثل للحفاظ على ما تبقى من كرامتي أمام أسرته وأسرتي".

ربتت (ضحى) على كف صديقتها في تعاطف قائلة ـ"ولكنك لست أول من تعجز عن الإنجاب يا (سمر)، والعلم في تقدم مستمر. وحتى إذا لم يأذن الله لك بالإنجاب، فحب (طارق) لك كان كفيلاً بتعويضك. أنت لا تعلمين كيف كان حاله منذ بدأت المشاكل بينكما. لقد كان (سامي) زوجي يتمزق ألماً حزناً على صديقه الوحيد ويشعر أنه لا يستطيع مساعدته في أصعب مواقف حياته. هل تعلمين أن (طارق) كاد أن يفقد مستقبله المهني كطبيب بسبب خلافاتكما التي أثرت على أعصابه وجعلت أصابعه تهتز أثناء إحدى العمليات؟"

تظاهرت (سمر) بتأمل كوبها الورقي وهي تتمتم_ "ربما".

ثم رفعت عينيها إلى (ضحى) لتضيف ببرود ـ" لكنه عاد وتفوق وكرمه مدير المستشفى منذ نحو شهرين. ألا يعني ذلك أنه تجاوز أزمتنا؟ ألا يعني ذلك أنني لم أعد أمثل أية أهمية بالنسبة له؟"

مطت (ضحى) شفتيها قليلاً وهي لا تدري بما تجيب صديقتها. 
لقد أسر إليها زوجها من قبل بأن (طارق) يبدو مختلفاً وأكثر تفاؤلاً، بل ويبدو أنه تجاوز أزمة (سمر) وطلاقهما وكأنها لم تكن يوماً زوجته التي قاتل من أجلها.
كانت تجهل هي وزوجها سبب هذا التغيير. 

أما (سمر) فكانت على شبه يقين من سبب التغيير.
كانت تشعر بأنها قدمت زوجها على طبق من ذهب ل(هالة) وأبنائها، وأن (طارق) ربما أجاد استغلال الفرصة.
ولم لا؟
لقد كانت (هالة) بالنسبة له الزوجة المثالية في كل شيء، على النقيض منها تماماً
وبعد إختفائها من حياته بناء على طلبها...ما الذي يمنعه عن تحويل زواجه منها إلى زواج حقيقي؟

شعرت بغصة تخنقها عند تلك النقطة فسعلت بقوة جعلت الكوب الورقي يهتز في كفها ليسكب قليلاً من محتواه الساخن على ساقها فهبت واقفة لتبعد سروالها الضيق قليلاً عن فخذها كيلا تحرقه القهوة الساخنة واتجهت في سرعة إلى حوض جانبي والتقطت منشفة صغيرة نظيفة بللتها قليلاً بالماء قبل أن تمسح بها آثار القهوة عن السروال الأسود.
وبعد أن انتهت من تنظيف ملابسها عادت تجلس في هدوء إلى جوار صديقتها وهي تعيد ترتيب شعرها بأصابعها بحركة مدروسة اعتادت عليها منذ قصرت شعرها قبل فترة.

حينها شعرت (ضحى) بما تحاول صديقتها إخفاؤه دون جدوى فقالت بحرج ـ"آسفة يا (سمر)..أنت تدركين كيف أحبك، وكيف تعود صداقتنا إلى ما قبل ارتباطك بصديق زوجي. كل ما أريده لك هو السعادة والراحة".

ربتت (سمر) على كفها بود ومنحتها ابتسامة صادقة وهي تقول ـ"أدرك ذلك يا أختي التي لم تلدها أمي...أنت وزوجك فقط دوناً عن أي من معارفنا تعلمان السبب الحقيقي لإنفصالنا، وهذا لأنكما أقرب إلينا من أهلنا بالفعل".

قالتها دون أن تشعر بأنها جمعت نفسها و(طارق) في ضمير واحد كما كانت تفعل دوماً.
ولكن هذا لم يخف على (ضحى) التي بادلتها الإبتسامة في ألم قبل أن تسألها بإهتمام لتغيير الموضوع ـ"هل حددت موعد السفر؟" 

أجابتها (سمر) في هدوء وهي تضع جراب النظارة الشمسية في حقيبة يدها قائلة ـ"غالباً سيكون بعد عيد الأضحى...أنا في انتظار التحقق من موعد انتهاء العدة لحجز تذكرة السفر".

عقدت (ضحى) حاجبيها وهي تسألها في حيرة ـ"ماذا تقصدين؟"

هزت (سمر) كتفيها وهي تجيبها قائلة ـ"لا أعرف كيف تُحتسب الحيضات الثلاث...هل بداية من الحيض الذي يتبع الطلاق أم من الحيض الذي حدث أثناؤه الطلاق".

وضعت (ضحى) كوبها الورقي على المنضدة أمامها في سرعة واستدارت إلى صديقتها تسألها بانفعال ـ"هل كنت حائضاً حينما طلقك (طارق)"؟

تراجعت (سمر) في جلستها لتسند ظهرها إلى ظهر المقعد وهي تجيب صديقتها بهدوء ـ"نعم...وهذا سبب انفعالي الزائد عليه منذ معرفتي بنتائج التحاليل والأشعة".

ثم ما لبثت أن سألتها باهتمام وهي تقترب بوجهها من صديقتها ـ"لماذا أرى في عينيك انفعالاً مكتوماً؟ ماذا تخفين عني؟"

وضعت (ضحى) كفيها على حجابها الأنيق وهي تعدله فوق رأسها بارتباك قائلة ـ"لا....لا شيء..لقد تذكرت شيئاً".

قفز الاهتمام إلى عيني (سمر) وهي تمسك كف صديقتها في قوة قائلة ـ"ما الذي تذكرته؟ ولماذا أشعر أن له علاقة بي؟ أجيبيني يا (ضحى) بالله عليك".

تلعثمت (ضحى) قليلاً وهي تفرك كفيها بارتباك قائلة ـ" أنا لست واثقة تماماً من المعلومة، ولابد من استشارة رجل دين أولاً".

عقدت (سمر) حاجبيها وهي تسألها بنفاذ صبر ـ"ما هي المعلومة التي قلبت حالك رأساً على عقب؟ أخبريني ربما كنت أعرفها".

هزت (ضحى) رأسها نفياً وهي تقول بضيق ـ"لا أظنك تعرفينها، ولازلنا بحاجة إلى التحقق من مدى صحتها".

ضغطت (سمر) فكيها في غيظ وهي تقول بعصبية ـ"(ضحى)..كفى تلاعباً بأعصابي..هات ما عندك".

تنهدت صديقتها في عمق قبل أن تستغفر ربها بهدوء وتقول ـ"لقد سمعت إحدى معارفي تقول منذ فترة إن طلاقها من زوجها لم يقع لأنها كانت حائضاً".

شحب وجه (سمر) وهي تتراجع مصدومة وتحاول عبثاً العثور على صوتها الضائع لتقول بكلمات متقطعة ـ"م..ماذا تقصدين؟"

ازدردت (ضحى) لعاباً وهمياً وهي تجيب بتردد ـ"أخشى أن طلاقك أنت و(طارق) لم يقع، وأنه لا داعي لهذه العدة".

وكان الذهول المرتسم على ملامح (سمر) في تلك اللحظة أبلغ رد على هذه الصدمة.
تعليقات