رواية دمعات قلب الفصل التاسع و العشرون 29بقلم رباب فؤاد

رواية دمعات قلب الفصل التاسع و العشرون بقلم رباب فؤاد



فتح (طارق) باب غرفة مكتبه في عصبية واضحة لم تخف على عيني صديقه، ودلف إليه قبل صديقه قائلاً بضيق ـ"ماذا تريد يا (سامي)؟"

جلس (سامي) أمامه عبر المكتب البسيط قبل أن يسأله بمكر واضح ـ"ماذا بها (سمر)؟"

سأله (طارق) في حيرة ـ"ماذا بها؟ ما الذي يدفعك إلى هذا السؤال؟"

هز (سامي) كتفيه وهو يقول ببساطة متعمدة ـ"أبداً...لقد لمحتها تخرج مسرعة من غرفة ابن أخيك، وأعتقد أنها كانت تكبت دموعها. فقد كانت عيناها حمراوين".

عقد (طارق) حاجبيه للحظات قبل أن يقول بلا مبالاة ـ"ربما ضايقتها العدسات اللاصقة. أحياناً تُلهب عينيها وتدفعها إلى التعامل بعصبية".

رفع (سامي) حاجبيه في دهشة مصطنعة قائلاً ـ"العدسات اللاصقة؟ عجباً. إنها طبيبة عيون".

تأمله (طارق) للحظات وهو يدرك في قرارة نفسه أن صديقه يرمي إلى شيء آخر، لكنه اكتفى بتبادل نظرات صامتة قطعها (سامي) بقوله ـ"لماذا لا يكون سبب عصبيتها مشهد رأته ولم يرقها؟"

حاول (طارق) التزام الهدوء وهو يسأله ببرود ـ"أي مشهد تقصد؟"

باغته صديقه بسؤال سريع ـ"هل تسمح بتفسير علاقتك بأرملة أخيك؟ حينما دخلت الغرفة وجدتك قريب منها بشكل غير لائق، وأسلوبك الهامس معها أيضاً. أتريد من زوجتك أن تراك هكذا مع غيرها وتسكت؟"

عاد (طارق) إلى نظراته الباردة وهو ينتظر من صديقه إنهاء لائحة الاتهامات ضده، و(سامي) يتابع في حنق ـ"ماذا حدث يا (طارق)؟ كيف تتغير أخلاقك هكذا؟ كيف تتحرش بمن حملت يوماً اسم شقيقك وتربي أبنائه الأيتام الآن؟" 

لاحت ابتسامة جانبية ساخرة على وجه (طارق) وهو يسال صديقه في تهكم ـ"هل أنهيت قائمة الاتهامات؟"

فتح (سامي) فمه ليرد على صديقه الذي تابع بنفس اللهجة التهكمية ـ"هل تصورت أن صديق عمرك الذي نشأ معك ولم يفترق عنك لأكثر من ثلاثين عاماً قادر على التحرش بأنثى أياً كانت؟"

حاول (سامي) تبرير موقفه لولا أن رفع (طارق) كفه ليشير له بالصمت ليكمل هو قائلاً بهدوء لا يشي بالقنبلة التي سيلقيها في وجه صديقه ـ"السيدة التي تتهمني بالتحرش بها هي زوجتي يا (سامي)".

اتسعت عينا (سامي) وتدلت فكه السفلى بشكل مضحك وهو يحدق بوجه صديقه الذي ألقى قنبلته شديدة الإنفجار ووقف يشاهد رد فعله ببرود.

وبصوت متحشرج من أثر الصدمة قال (سامي) ـ"زوجتك؟ هل تزوجت على (سمر) بهذه السرعة؟"

فرك (طارق) عينيه في إرهاق وهو يجيبه بنفس الهدوء القاتل ـ"(هالة) زوجتي الأولى، و(سمر) كانت تعلم ذلك".

بدا أن الصدمات المتتالية على أسماع (سامي) في هذه الدقائق العشر أكبر من استيعابه، فهز رأسه كمن يتأكد أنه لا يحلم وهو يقول كالتائه ـ"(هالة) زوجتك قبل (سمر) وأنا آخر من يعلم؟ والمفترض أني صديقك الوحيد؟"

ثم تابع في سرعة كمن تذكر شيئاً ـ"ما دامت (سمر) تدرك أن (هالة) زوجتك، فلماذا خرجت من الغرفة بهذا الشكل وكأنها لا تحتمل البقاء أكثر من ذلك؟"

خلل (طارق) شعره الغزير بأصابعه قبل أن يسند جبهته على راحتيه قائلاً ـ"لأنك يا صديقي الوحيد السبب في كل ما أنا فيه من مشاكل الآن".

أشار (سامي) إلى نفسه وهتف مستنكراً ـ"أنا؟ وكيف ذلك؟"

رفع (طارق) وجهه لتلتقي عيناه بعيني صديقه وهو يقول بجدية ـ"ألم تكن أنت وزوجتك سبباً في عودة (سمر) إلى عصمتي؟"

دافع (سامي) عن نفسه بقوله ـ"لقد فعلتها من أجلك...حينما أخبرتني (ضحى) بأن (سمر) كانت حائضاَ وقت الطلاق لم أستطع السكوت عن الحق".

شرد (طارق) بذهنه بعيداً إلى ذلك اليوم قبل نحو أسبوعين حينما دعاه (سامي) إلى المقهى الذي اعتادا الجلوس عليه على ضفاف نهر النيل، وابتدره بسؤال بدا عادياً لا يحمل في طياته أي مضمون خفي ـ"ماذا تنوي بعد انتهاء عدة (سمر)؟ "

ارتشف (طارق) قليلاً من شرابه الساخن وهز كتفيه قائلاً ـ"لا شيء..سأمنحها كل منقولاتها في الشقة وباقي حقوقها لدي..صحيح هي التي طلبت الطلاق ولكنني لن أظلمها".

تظاهر (سامي) باللعب في فنجان الشاي أمامه وهو يسأله بهدوء ـ"هل تعلم ما هو الطلاق البدعي؟"

عقد (طارق) حاجبيه وهو يجيبه ـ"بدعي؟ لأول مرة أسمع بهذا المصطلح".

تنهد (سامي) في عمق وهو يواجهه ويحاول أن يشرح المفهوم ببساطة قائلاً ـ"الأساس في الطلاق هو أن يتم في طهر لم يُجامع فيه الزوج زوجته. أما إذا كانت الزوجة حائضاً أو حدث اتصال بين الزوجين قبل الطلاق مباشرة يصبح الطلاق بدعياً...أي أنه لا يلتزم بالشروط الشرعية، وهناك اختلاف بين الفقهاء حول مدى صحته، فبعضهم يقول إنه يُحسب طلقة بينما يقول الآخرون إنه لا يُعتد به".

حاول (طارق) استيعاب المعلومة قبل أن يهز رأسه متسائلاً ـ"بغض النظر عن هذه المعلومة التي اسمعها للمرة الأولى...ما علاقتها بي؟"

تنحنح (سامي) في حرج وخفض وجهه أرضاً وهو يجيبه "(سمر) كانت حائضاً وقت طلاقكما...هي أخبرت (ضحى) بذلك عرضاً ولم تكن تعلم بموضوع الطلاق البدعي..كانت تتساءل عن كيفية حساب العدة وأخبرت (ضحى) في سياق الحديث أنها كانت حائضاً وهذا سبب عصبيتها معك وقتها".

هب (طارق) واقفاً متناسياً وجوده في مكان عام وهو يهتف بعصبية ـ"ماذا تعني؟ أتعني أنها لا زالت زوجتي؟"

جذبه (سامي) من كم سترته ليجلس وهو يتلفت حوله قائلاً بحرج ـ"اجلس ولا تفضحنا...قلت لك إن هناك خلاف فقهي حوله. اتصل أنت ب (سمر) وخذها إلى دار الإفتاء حتى تتأكد من موقفكما".

وضع (طارق) رأسه بين كفيه وهو يقول بذهول ـ"يا إلهي...كيف يحدث هذا؟ لقد أوشكت العدة على الانتهاء وظننت أنني طويت هذه الصفحة للأبد".

عقد (سامي) حاجبيه وهو يسأله مستنكراً ـ"طويت الصفحة للأبد؟ ألهذا الحد صرت لا تطيقها؟ أين ذهب حبكما يا (طارق)؟"

رفع (طارق) وجهه إلى صديقه واكتسى صوته بنبرة قاسية وهو يجيبه ـ"حبنا؟ لقد باعت (سمر) هذا الحب بكل بساطة وكأنه لم يكن..لم تأبه لي ولا لتمسكي بها وإصراري على استمرار حياتنا دون أطفال...حبيبتي التي تتحدث عنها أهانتني أمام الجميع لتجبرني على طلاقها. أهذه من تريد مني العودة إليها؟"

حاول (سامي) الدفاع عن (سمر) بقوله ـ"أنت تعلم كيف كانت جريحة باكتشاف أمر عقمها وكيف كانت ترفض الحياة معك بدافع من الشفقة عليها. أنت أدرى بكبريائها وأسلوب تفكيرها، أضف إلى ذلك التغيرات الهرمونية التي...."

هتف به (طارق) مقاطعاً ـ"لا يوجد ما يبرر إهانتها لي أمام الجميع...أين احترامها لي؟"

تابع (سامي) وكأنه لم يسمع اعتراض صديقه ـ"وربما كانت هذه إشارة إلهية بأنه لم يحن وقت فراقكما بعد، ولا يعلم الحكمة مما حدث لكما سوى الله سبحانه وتعالى". 

رمقه (طارق) بنظرة نارية قبل أن يُخرج جواله في سرعة فيتأكد من الوقت أولاً ثم يطلب رقم (سمر) المسجل عنده، لكنه فوجئ برسالة مسجلة تخبره بأن الرقم لم يعد موجوداً بالخدمة.
زادت هذه الرسالة من غيظه فالتفت إلى صديقه وسأله من بين أسنانه ـ"هل غيرت (سمر) رقم جوالها؟"

قلب (سامي) كفيه قائلاً في حيرة ـ"لا أدري...لحظة سأتأكد من (ضحى)".

وبالفعل اتصل بزوجته وطلب منها الرقم الذي أملاه ل (طارق). وقبل أن يُنهي (سامي) مكالمته مع زوجته كان (طارق) ينهض بعيداً وهو يقول بصوت حاول أن يحافظ على هدوئه ـ"ألو...(سمر)؟ أنا (طارق)".

أتاه صوتها مرتبكاً على الطرف الآخر وهي تسأله بحرج ـ"كيف عرفت رقمي؟"

أجابها بحنق ـ"سؤال لا داعي له..المهم الآن هل ما سمعته من (سامي) صحيح؟ هل كنت حائضاً يوم طلاقنا؟"

شعر بنبرة خجل غير مألوفة تغلف صوتها وهي تجيبه بصوت خفيض ـ"أجل صحيح..أتذكر يوم حصلنا على نتيجة التحاليل والأشعة؟ يومها اعتذرت لك بعد عودتنا من العشاء بسبب عذري الشرعي..هل تذكرت؟"

عقد (طارق) حاجبيه محاولاً التذكر ثم ما لبث أن قال في ضيق ـ"تذكرت..ولكن الطلاق الفعلي حدث بعد ذلك بخمسة أيام".

ازداد الخجل في صوتها وهي تغمغم ـ"ماذا بك يا (طارق)؟ مدة الحيض أسبوع في الغالب".

شعر (طارق) باختناق شديد بعد عبارتها فزفر في قوة واستغفر ربه قبل أن يقول في سرعة ـ"استعدي..سنذهب إلى دار الإفتاء الآن. أين أنت لأمُرك؟"

سألته في دهشة ـ"الآن؟ حسناً أنا مستعدة لأنني عدت لتوي من العمل. أنتظرك في بيت أمي".

وما أن أنهى (طارق) الاتصال معها حتى عاد إلى صديقه الذي كان يراقبه بصمت ويراقب ردود أفعاله العصبية، وابتدره (طارق) بقوله ـ"آسف على انفعالي يا (سامي)..سأمر على منزل أهل (سمر) وأصطحبها إلى دار الإفتاء الآن. لن يهدأ لي بال حتى أنتهي من هذا المأزق، ف...".

خرج من ذكرياته على صوت (سامي) وهو يحرك كفه أمام عينيه قائلاً ـ"أين ذهبت؟"

هز (طارق) رأسه وأشاح بكفه قائلاً ـ"لا عليك...هل قلت شيئاً؟"

مط (سامي) شفتيه للحظات ثم سأله ـ"لماذا لم تخبرني بزواجك من (هالة)؟ بل ولماذا أخفيته عني حينما أخبرتك عن (سمر) وموضوع الطلاق البدعي؟"

تنهد (طارق) وأجابه بضيق ـ"لم أخبرك في البداية بناء على طلب (سمر)..لم يكن زواجي معلناً سوى أمام والدي ووالدة (هالة) وسكان العمارة التي نعيش بها؟ وبالطبع كان زواجنا معروفاً لدى أقاربنا في القرية عملاً بالتقاليد التي تعرفها. وقد سعت (هالة) إلى رد الجميل بمساعدتي في الزواج من (سمر) وإقناع أبي بهذه الزيجة".

ثم تابع وهو يخلل شعره بأصابعه كعادته ـ"ولم تصبح (هالة) زوجتي فعلياً إلا بعد طلاق (سمر) بأكثر من شهر. بالطبع لم اخبر (سمر) بذلك، كما لم أخبر (هالة) بعودة (سمر)".

قالها ورفع عينيه إلى صديقه ثانية وهو يسأله ـ"أعلمت الآن لماذا كانت (سمر) عصبية؟ لأنها علمت مني بأن (هالة) حامل في طفلي، ولا أستبعد أن يكون سبب ضيق (هالة) مني ومعاملتها الجافة معي هو معرفتها بشكل ما أن (سمر) عادت إلى منزلي".

ازداد اتساع عينا (سامي) وهو يهتف بصديقه ـ"حامل؟ تزوجت وزوجتك حامل وكل هذا وصديقك الوحيد لا يعلم شيئاً؟ إنك تربكني بكل هذه المفاجآت".

تابع (طارق) أسئلته وكأنه لم يسمع كلمات (سامي) ـ"أعلمت الآن لماذا أنت سبب المشاكل؟ لأنك السبب في عودة (سمر) وبالتالي غضب (هالة)".

هب (سامي) من مقعده وهتف به مستنكراً ـ"أنا السبب ثانية؟ لماذا لم تصارح أنت (هالة) بما حدث؟ أي زوجة في موقفها ستسيء فهمك وربما اتهمتك بالخيانة وأنك مثلت عليها حتى تحمل طفلك قبل أن تُعيد زوجتك الأولى إلى عصمتك وكأن شيئاً لم يكن".

تراجع (طارق) في مقعده وشبك كفيه خلف رأسه وهو يقول بقلق ـ"هذا ما أخشاه بالفعل...لقد كانت تتحدث بلهجة مختلفة عما اعتادت مخاطبتي به من قبل...بل إنها قالت لي مرتين إن محبتها لطفلنا القادم لن تكون قدر محبتها لابنها البكر. أتدري ما يعنيه هذا؟ إنها تخبرني بطريق غير مباشر أنها لا تريدني ولا تريد طفلنا. طفلنا الذي كانت تتحدث عنه بكل هيام حتى الأمس وكأنه أول طفل لها".

هم (سامي) بالرد عليه حينما سمع كلاهما طرقات سريعة على باب الغرفة أعقبها ظهور ممرضة شابة مرتبكة تحدثت إلى (طارق) في سرعة قائلة ـ"دكتور (طارق)..السيدة التي أجريت لطفلها الجراحة قبل قليل فقدت الوعي".

هب (طارق) من مقعده كالملسوع وهو يهتف بذعر ـ"ماذا؟ كيف ذلك؟"

قالها وهو يهرع إلى خارج الغرفة مع صديقه ويستمع إلى الممرضة التي تجري إلى جواره قائلة بأنفاس متقطعة ـ"ل..لقد ذهبت لأطمئن على الصغير كما طلبت مني ووجدتها ملقاة على أرضية الغرفة فاقدة الوعي، فنقلتها أنا والممرضة (فاتن) إلى الفراش المجاور لطفلها وأتيت لأخبرك".

كان (طارق) قد وصل إلى الغرفة حينها، فعبر بابها المفتوح في سرعة وعيناه معلقتان بوجه (هالة) الشاحب والممرضة تحاول إفاقتها فهتف بها ـ"جهاز الضغط بسرعة".

ناولته الممرضة جهاز الضغط في سرعة وقد أدهشتها لهفته وعصبيته التي لم ترها من قبل.

أما هو فكشف ذراعها وأحكم جهاز الضغط حوله بأصابع مرتجفة ووضع السماعة الطبية في أذنيه وهو يحاول سماع نبضها. 
لكن صوت نبضات قلبه المتسارعة كان أعلى من نبضها، فنزع السماعة عن أذنيه في توتر وناولها لصديقه قائلاً ـ"لا أستطيع سماع نبضها...قس أنت الضغط يا (سامي)".

تناول (سامي) السماعة في هدوء وقد هاله مرأى صديقه بهذه الدرجة من التوتر وهو المعروف بهدوئه واتزانه، وحاول تهدئته قائلاً برفق ـ"لا عليك يا دكتور (طارق)...أنت منهك منذ الصباح".

قالها وعيناه تشيران إلى وجود ممرضات بالغرفة وضرورة تمالك أعصابه حتى لا يثير القيل والقال.

أدرك (طارق) مغزى نظرات صديقه فحاول تمالك أعصابه والتظاهر بفحص (هيثم) ريثما أنهى (سامي) قياس الضغط مرة، ثم مرة أخرى، ثم مرة ثالثة، وفي كل مرة يزداد القلق بداخله.

وفي قلق التفت إلى (طارق) قائلاً ـ"(طارق)...ضغط دمها مرتفع بشكل خطر على حياتها...ضغطها 160 على 100..ما الحل؟"

شعر (طارق) لحظتها بتبخر كل المعلومات الطبية التي درسها طيلة السنوات الماضية، فأزاح شعره إلى الخلف قائلاً بتوتر لم يستطع إخفاؤه ـ" لا أدري...لا يمكننا إعطاؤها محلول ملحي، ولا....".

ثم التفت إلى الممرضات وهتف بهما ـ"من طبيبة النساء اليوم؟ أريد طبيبة الآن".

ولم تكد الممرضتان تخرجان حتى رفع وجهه وكفيه إلى السماء قائلاً بتضرع ـ"نجها يا الهي..فلا معنى لحياتي بدونها".

وكان صادقاً في تضرعه.

تعليقات