رواية دمعات قلب الفصل الثلاثون30 بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل الثلاثون بقلم رباب فؤاد

تظاهر (هيثم) بمتابعة قنوات التلفاز في غرفته بالمستشفى، بينما كان في الحقيقة يراقب أمه التي أمسكت بالمصحف الشريف بين كفيها وكأنها تقرأ منه، لكنه كان متأكداً أنها شاردة في وادي ثاني تماماً. فهي لم تغير الصفحة التي تقف عليها منذ أكثر من ربع الساعة، بل ولا يبدو أن عينيها تنظران إلى الصفحة أمامها، وإنما إلى مكان آخر.
وفي رصانة تفوق عمره سألها ـ"أماه..ماذا بك؟"

رفعت (هالة) إليه عينين ساهمتين وهي تسأله في حيرة ـ"هل طلبت شيئاً يا حبيبي؟" 

ابتسم في هدوء ذكرها بوالده وهو يقول بذكاء ـ"كنت أسألك عما بك. تبدين شاردة بعيداً عن هنا، رغم أنني بخير".

منحته ابتسامة منهكة وهي تنهض لتحكم الغطاء على جسده الصغير وتداعب شعره الأسود قائلة ـ"لن أشعر بالراحة وأتخلص من قلقي قبل أن أراك تنير غرفتك في منزلنا".

تناول كفها الأيمن يقبله في حنان قائلاً بصدق ـ"أحبك يا أمي".

احتضنت رأسه بحنان وقبلت شعره قائلة بصوت مختنق ـ"أنا الأخرى أحبك..أنت أول فرحة في حياتي. أول من ناداني أمي، وأول مصادر بهجتي وفخري. حفظك الله لي أنت وأخوتك".

لف ذراعيه النحيلين حول وسطها وهو يغوص بأحضانها أكثر ويستشعر دفئها الذي يعشقه حينما قطع عليهم اللحظة صوت طرقات سريعة على باب الغرفة أعقبه دخول (طارق) الغرفة وهو يقول بمرح مفتعل ـ"ما هذا؟ تعانق زوجتي أمامي؟ أنا احتج".

رمقته (هالة) بنظرة عدائية وشددت من احتضان ابنها وهي تقول ببرود ـ"أنا أمه قبل أن أكون زوجتك".

شعر (طارق) بالحرج من كلماتها الباردة، فاقترب من الفراش موجهاً حديثه إلى ابن شقيقه ـ"سامحتك هذه المرة لأنك في فترة النقاهة..عامة ستنتهي نقاهتك قريباً. هيا استعد لأننا سنعود إلى بيتنا الآن".

التفتت إليه بحركة حادة قبل أن تحاول أن تبدو هادئة وهي تقول ـ"الممرضة أخبرتني قبل قليل أننا سنمكث يومين آخرين".

رفع عينيه يواجهها، والتقت أعينهما للحظات قليلة لم يستطع خلالها سبر أغوار زوجته التي تظاهرت باللعب في شعر ابنها، فتنهد في عمق قبل أن يقول ـ"لا داعي للبقاء في المستشفى..لقد قبلوا طلبي للأجازة طيلة الأسبوع القادم وسأتابع علاجه من المنزل طالما ترفضين البقاء مع الصغار هناك. لا يُعقل أن نترك أبنائنا لدى الجيران أكثر من ذلك. ومع رفضك المستمر للراحة أو تناول الغذاء الصحي فالحل الأفضل هو أن نعود جميعاً إلى منزلنا".

لم تجادله لعلمها بأنه على حق.
فقد أجبرها في اليوم السابق على العودة إلى المنزل لرعاية الصغار بعدما أفاقت واطمأنت على حالة (هيثم)..
واليوم تركت الصغيرين لدى جارتها ثانية منذ الصباح حتى الآن
ربما كان الوضع سيختلف في وجود أمها ورعايتها للصغيرين
لكن الآن..
الحل الأفضل للجميع بالفعل هو العودة إلى المنزل
ولكن كيف تعود معه إلى نفس المنزل بعد ما فعل؟
كيف تطيق التواجد معه تحت نفس السقف؟
كيف تستطيع النظر في عينيه؟
كيف تتحمل أن تراه ولا تستطيع أن تدفن نفسها في أحضانه؟
وكيف تتحدث معه دون أن تفلت أعصابها أو يشعر أبنائها بتوترهما؟
كيف تحفظ لسانها وقت الغضب من أن تتهور وتهينه؟
كيف ترعى الله فيه رغم النيران التي تستعر في كيانها كله كلما لمحت طيفه؟
بل كيف تنظر إليه دون أن تبدو في عينيها نظرات الاحتقار؟
احتقار ضعفها واستسلامها لحبه
واحتقار غبائها الذي جعلها تصدقه في سذاجة

تصاعدت دماء الغضب في رأسها، كما يحدث معها كلما تذكرت الخديعة التي تعرضت لها، ودفعت معدتها إلى الانقباض في عنف، فهرعت إلى الحمام الملحق بالغرفة وهي تحاول منع نفسها من القيء الذي ألهب حلقها وبلعومها من مرارة العصارة المعدية
وحينما خرجت كان أمامها (طارق) وعيناه تحملان قلقاً عارماً، لكنها تجاهلته وهي تتجه نحو صوان الملابس لتفتحه وتلتقط منه حقيبة ملابس ابنها هامسة ـ"جهز سيارتك ريثما نستعد".

تأملها للحظات وبداخله حنين بالغ لها ولحركاتها وابتسامتها بعيداً عن برودها وجمودها معه، ثم مالبث أن تنحنح ليمنح صوته بعض القوة وهو يقول ـ"السيارة بالقرب من الباب الرئيسي..هيا سأساعدكما".

تابعته بعينيها في صمت وهو يساعد (هيثم) في ارتداء ملابسه ويحمل الحقيبة عنها، ثم غادروا المستشفى معاً.
لم تحاول أن تتبادل معه الحديث طيلة رحلتهم إلى المنزل، واحترم (طارق) ذلك، ربما تفادياً لتوتيرها أكثر من ذلك أو أن يدرك صغيرها مدى التوتر بينهما.
وما أن أوقف السيارة أمام بوابة المنزل حتى ترجلت (هالة) منها وفتحت لصغيرها الباب الخلفي وساعدته في النزول دون أن تنتظر مساعدة (طارق) الذي تابعها بنظره صامتاً وهو يفتح حقيبة السيارة ويلتقط الحقائب منها ويتبعهما إلى داخل المبنى.
فتح(طارق) باب الشقة وأفسح المجال لـ(هالة) وابنها للدخول, 
وفي صمت صحبت(هالة) ابنها إلى غرفته وساعدته في خلع ملابسه والاستلقاء على الفراش, ثم خرجت بعدما أحكمت إغلاق باب الغرفة خلفها.
وفي طريقها للخارج ثانية لتحضر(هاني) و(هند) من شقة الجيران وقف(طارق) أمامها وسألها في حيرة قائلاً ـ"(هالة)! ماذا بك؟! إنك لم تنظري في وجهي منذ يوم جراحة(هيثم)؛ إنك حتى لا تخاطبيني بشكل مباشر. ماذا حدث؟"

رمقته بنظرة حادة وهي تسأله بحنق ـ"أتسأل عما بي؟ وماذا يهمك من أمري؟ آه نسيت.أنت قلق على ابنك وليس على الحاوية التي تحمله."

أمسكها من مرفقها قائلاً في دهشة ـ"ما هذا الذي تقولين؟ وما الداعي لقوله؟"

جذبت ذراعها من قبضته قائلة بخشونة ـ"الداعي هو أن رائحة الكذب والخيانة فاحت وزكمت أنفي ولم أعد أستطع تحملها أكثر من ذلك؛ لذا أطلب منك وبكل هدوء أن تطلقني."

عقد حاجبيه قائلاً ـ"ماذا تقولين؟ وماذا تعنين بالكذب والخيانة؟ لو أنك تقصدين عودة(سمر) إلى عصمتي, فأقسم لك أنني أعدتها قبل مرض(هيثم) بأسبوع واحد فقط بعد وساطة أصدقاء مشتركين. ولكن لماذا تصفين عودتها بالخيانة؟ أنسيت أنك كثيراً ما طلبت مني إعادتها لعصمتي؟"

أشاحت بذراعيها في عصبية هاتفة ـ"أجل طلبته، ولكن هذا في الماضي...حينما كنت (هالة) أختك أو صديقتك. حينما رضيت بك زوجاً على ورق وكان همي إسعادك. وأنت طالما تحججت برفضها العودة وأخبرتني أنك نادم على كل يوم قضيته بعيداً عني, ألم يكن ذلك كذباً؟"

وتابعت بانهيار _"لماذا لم تخبرني بأنك ستعيدها؟ ولا تقل أنك نسيت أو أنك كنت في انتظار الوقت المناسب؛ لقد كذبت علّي وادّعيت سفرك في مؤتمر بالإسكندرية بينما كنت معها؛ وكذبك وحده أكبر خيانة."

أمسكها من كتفيها ونظر في عينيها قائلاً ـ"وأنا بالفعل نادم على كل يوم قضيته بعيداً عنك, وعودة (سمر) إلى عصمتي كان لسبب قهري صدقيني؛ لكنني لم أقصد خيانتك, لقد..."

قاطعته في حدة وهي تتملص من قبضته هاتفة ـ"لست بحاجة لسماع تبريراتك, لقد انتهى كل ما بيننا, هدمته بيديك ولم يعد من الممكن إصلاحه. فأنا لا أقبل أن تكون لي ضرة. لذا سأطلبها منك ثانية...طلقني يا(طارق)".

ثم التقطت نفساً عميقاً لتمنح صوتها بعض الهدوء قبل أن تقول ـ"لو ما زلت تخاف على ابنك وأبناء أخيك طلقني وسيظل في إمكانك رعاية الأولاد وسيظل البيت بيت أخيك وأولاده. لو كنت تحمل بين ضلوعك ذرة حب تجاهي حقق لي أمنيتي وطلقني."

آلمه طلبها ووصفها إياه بالأمنية, 
ألهذا الحد أصبح عبئاً عليها تتمني الخلاص منه؟
ألهذا الحد تسبب في جرحها دون أن يدري؟
جرحها بمحاولته حمايتها من معرفة الحقيقة وما دفعه إلى العودة إلى من ظنها طليقته

ومن أعماقه أطلق زفرة حارة وهو يتأمل الدموع التي تترقرق في مقلتيها قبل أن يقول بصوت حاول أن يجعله هادئاً ـ"(هالة)..أدري أنني تسببت بجرحك دون قصد وأنك ترفضين الاستماع إلى مبرراتي. لذا لن أعقب على حديثك إلا بعد أن تهدأ أعصابك وتعيدي التفكير فيما تريدين".

ثم تابع بابتسامة جاهد ليرسمها على شفتيه قائلاً ـ"ولكن حتى حينما تهدئين_ ولأن قلبي لا يوجد به سواك_ فلن أستطع تلبية طلبك, للأسف أنا أناني مثل كل المحبين. يمكنك قول ما تريدين كي تخرجي ما بداخلك لكني لن أطلقك ما دام في صدري نفس يتردد. كل ما سأفعله هو أنني سأترك لك البيت عندما تعود أمي من الحج بسلامة الله. هذا أقصى ما يمكنني عمله في الوقت الحاضر."

رمقته بعينين دامعتين وخُيل إليها أنها ترى(حازم) على قيد الحياة ثانية؛ 
ففي هذه اللحظة كان(طارق) نسخة من أخيه بنفس التعنت والكبرياء والصرامة, 
نفس التحكم والتمسك بالرأي حتى لو كان خطئاً. 
وللحظات اعتراها الندم لمجرد أنها ظنته يومأً مختلفاً عن أخيه وأنها أعطته قلبها عن طيب خاطر.
مجرد التفكير فيما فعلت و جعلها في مثل هذا الموقف جعل معدتها تقفز إلى فمها ثانية فهرعت من أمامه إلى الحمام تفرغ معدتها في عصبية علها تخفف من توترها.

وحين عادت إلى الردهة وجدته حيث تركته عاقداً ذراعيه أمام صدره, وما أن رآها حتى اقترب هامساً بتوسل ـ"(هالة)! أرجوك حاولي تهدئة أعصابك وإيقاف هذا القيء المستمر. لقد كان في البداية بسبب الوحام، لكنك الآن تقتلين نفسك بهذا القيء الهستيري. على الأقل تناولي شيئاً و إلا ستموتين...إنك..."

قاطعته بإشارة من يدها وهي تبتعد عنه قائلة في ضيق ـ"لا تأمرني. أنت تعرف جيداً سبب هذا القيء؛ ابتعد عني وسأشفى و..."

وفي الثانية اللاحقة لكلمتها الأخيرة أظلمت الدنيا أمام عينيها للحظات لم تدر مداها, 
وعندما أضاءت ثانية وجدت(هالة) نفسها على فراشها وأنبوب الجلوكوز معلق بوريدها ليمدها بقليل مما فقده جسمها في الفترة الماضية.
أول ما لفت انتباهها كانت رائحة عطره المميزة وهو ينحني عليها ويحتضن كفها الخالي من المحلول في حنان ويمسد شعرها بكفه الأخرى والحزن يطل من عينيه وهو يتأملها عن قرب قبل أن يقول بلهجة مؤنبة ـ"إنك تقتلين نفسك ببطء, وتقتليني معك. لو لم أكن أنا بحاجة إليك فهناك ثلاثة أبناء يفتقدونك والرابع لا يريد أن يأتي إلى العالم بعد رحيل أمه. لقد فقدت الكثير من وزنك بسبب القيء الهستيري الذي تعانين منه, والأهم أن ضغط دمك مرتفع وقد يؤذيك هذا؛ ولا أستطيع إعطاءك أية أدوية لخفضه و إلا آذت الجنين, وأنت لا تفعلين سوى ما يضركما."

ورغم حاجتها إلى قربه ذلك واشتياقها له، شعرت بدمائها تفور وهي تتنفس أنفاسه ممزوجة بعطره، فأشاحت بوجهها في الاتجاه الآخر علها تتنفس هواءاً لا يحوي رائحته وجذبت كفها من كفه في ضيق
كانت تشعر وكأنها على حافة الجنون
فكيف تعشقه وتتمنى قربه إلى هذا الحد، بينما لا تطيق لمساته وهمساته؟
كيف تشكوه إلى نفسه، وتلقي همومها منه على عاتقه؟
كيف تشكوه وهو الخصم والحكم؟
لم تجد حلاً سوى أن تشكو بثها وحزنها إلى الله العلي القدير..فهو الحكم العدل
تناجيه بدموعها وقلبها وهي ترفع طرفها نحو السماء وتدعوه سراً أن يفرج كربها ويخرجها مما هي فيه،
وثقتها في عدله واسعة.

أما (طارق) فشعر بخنجر يمزق جنباته وهو يراها تشيح بوجهها عنه، ويشعر بنشيجها الخفيض، لكنه تمالك نفسه وهو يتابع ـ" هذا المحلول سيعيد إليك بعضاً من قواك الخائرة شريطة أن تريحي نفسك. لقد أضفت إليه دواء لمنع القيء حتى تهدأ معدتك قليلاً، وطلبت لنا جميعاً بيتزا احتفالاً بعودة (هيثم)، ستصل ريثما ينتهي محلولك. أرجو أن تحاولي التماسك أمام الأولاد وأن تتناولي العشاء معنا، وسأنام مع(هيثم) والأولاد في الغرفة المجاورة, فلا تقلقي عليهم. مازلت أستطيع العناية بهم وبك أنت أيضاً."

وتركها وخرج في هدوء يخفي الكثير من الآلام والأحزان... والدموع.


تعليقات