رواية دمعات قلب الفصل الواحد و الثلاثون 31بقلم رباب فؤاد


 

رواية دمعات قلب الفصل الواحد والثلاثون بقلم رباب فؤاد


جلس(طارق) خلف مقود سيارته وإلى جواره جلست أم(هالة) بعد عودتها من رحلة الحج, ولم يخف عليها بقلب الأم الحزن الدفين في عينيه فسألته في قلق ـ"ماذا بك يا بني؟ هل حدث شيء في غيابي؟"

تنهد(طارق) في عمق وهو يدير محرك السيارة مما أثار قلقها فسألته ثانية ـ"ماذا تخفي عني؟ ماذا أصاب ابنتي وأولادها؟"

مط شفتيه في تردد قبل أن يقول ـ"لا شيء, (هالة) حامل."

قالت بثقة ـ"أعلم هذا, لقد أخبرتني قبل سفري؛ ماذا حدث غير ذلك وجعلك حزيناً هكذا؟ هل تشاجرتما؟"

تنهد ثانية وهو يطفئ محرك السيارة ويخفض وجهه أرضاً في ضيق، قبل أن يروي لها في تردد كل ما حدث منذ مرض (هيثم) حتى المساء السابق. 

وحين أنهى حديثه هتفت به حماته في حنق قائلة ـ"أهذه وصيتي لك؟ أهذا ما أقسمت بكتاب الله على أن تفعله؟ لماذا يا(طارق)؟ لماذا يا بني؟"

استدار يواجه حماته قائلاً بصدق ـ"أقسم لك أنني لم أجرحها عن عمد؛ وأعلم جيداً أنني ظلمتها كثيراً ولذا أحاول ألا أجرح فتاة أخرى. لقد أعدت(سمر) إلى عصمتي حتى لا تّدَّعي هي أو أي من أقاربها أنني ظلمتها.أعترف بأنني تأخرت في إخبار(هالة) لأنني كنت متردداً حتى آخر لحظة بالنسبة لعودة(سمر)؛ وظننت أنني بذلك أرضي جميع الأطراف لأنني لا أستطيع التخلي عن(هالة) أو أولادها...لا أدري...لقد اختلطت الأمور بشكل لم أتوقعه إطلاقاً, ولا أدري ماذا أفعل."

سألته حماته بحزم قائلة ـ"هل تحب(هالة)؟"

أجابها في سرعة ـ"أحبها كروحي ولا أتخيل حياتي بدونها."

عقدت حاجبيها قائلة ـ"وماذا عن(سمر)؟"

تنهد في عمق قائلاً ـ"لقد أحببتها ولم أكن أرى سواها قبل الزواج؛ أما الآن وبعد كل ما حدث, صدقيني لم تعد مشاعري تجاهها كما كانت في السابق."

مطت شفتيها قبل أن تتنهد بدورها قائلة ـ"خذني إلى المنزل يا(طارق), وما قدّره الله عز وجل سيكون."

تنهد ثانية في عمق، ثم أومأ برأسه في صمت وهو يعتدل ويدير محرك السيارة ثانية ويعاود الانطلاق في طريقه إلى المنزل.
وطيلة الطريق يتردد في ذهنه السؤال: كيف ستتعامل (هالة) معي أمام والدتها؟
وكان عقله يجيبه في كل مرة : ستتظاهر بأنها لم ترك

وكما توقع، فما أن فتح باب الشقة أمام حماته حتى هرع إليها الأولاد والتفوا حولها يتقافزون في سعادة،
أما حبيبته فتهادت نحو أمها بخطوات ثقيلة بسبب ضعفها، وخُيل إليه أنها أكثر شحوباً مما تركها عليه هذا الصباح، ربما بسبب خصلات شعرها المبعثرة حول وجهها، وربما بسبب ذبول عينيها من كثرة الدموع، وربما بسبب قميصها القطني الأصفر الذي عكس لونه على بشرتها

كان يحتويها بنظراته ويتمنى لو تلتقي أعينهما حتى يبثها حبه وشوقه إليها
لكنها تجاهلته_ تماماً كما توقع_ وهي ترتمي في أحضان أمها تبكي وتشكو طول غيابها؛ 
ولوهلة شعر بأنه غريب في هذا المنزل
إذ لم يعره أحد انتباهاً وسط هذا الهرج ما بين سعادة الأطفال بعودة جدتهم ودموع (هالة) التي أصبحت ملازمة لها مؤخراً
لم يجد أمامه سوى أن يُدخل حقائب حماته إلى غرفتها في هدوء، وفي طريق عودته مر بغرفته مع (هالة)...
الغرفة التي شهدت أجمل لحظاتهما
وهي نفس الغرفة التي شهدت لقائهما الأخير وابتعادها عنه بعد عودة (هيثم) من المستشفى
فقد كانت تلك الليلة المرة الأخيرة التي تجمعهما فيها غرفة واحدة
ومن بعدها تجاهل تام
حتى حينما يدخل إلى الغرفة ليستبدل ملابسه، كانت تتظاهر بالنوم أو تغادر الغرفة
تأمل الغرفة بألم وعيناه تجوبان أرجائها وشريط ذكرياته فيها يتدافع أمامه بسرعة بالغة جعلته يشعر بالإختناق، فتنهد بقوة قبل أن يواصل طريقه إلى الردهة
ثم ما لبث أن عاد إلى الغرفة وفتح صوان الملابس ليلتقط بعضاً من ملابسه ويضعها في حقيبة كتف صغيرة التقطها من قاع الصوان قبل أن يغلقها ويحملها على كتفه ويغادر الغرفة ثانية.
وفي طريقه تناهت إلى مسامعه أصوات الأولاد الجذلة مختلطة بصوت الجدة الهادئ وهي تخبرهم عما أحضرته لهم من هدايا...كان مصدر الصوت غرفة الجدة و(هند)
وهذا يعني أن أي منهم لم ينتبه لغيابه

حينها آثر الخروج قبل أن ينتبهوا له، لولا أن هرع إليه (هاني) هاتفاً ـ"بابا! إلى أين ستذهب؟"

مسد(طارق) شعر ابن أخيه في حنان وهو يحاول أن يداري اختناق صوته قائلاً ـ"لدي بعض الأعمال التي ستتطلب وجودي بعيداً لفترة."

تعلق(هاني) بيد عمه ورفع إليه عينيه البريئتين والدموع تترقرق فيهما يسأله بانكسار ـ"وهل ستتركني كما تركنا بابا(حازم)؟"

ركع(طارق) على ركبتيه أمام الصغير وضمه إليه في حنان قائلاً والدموع تنساب على وجهه ـ"كلا يا حبيبي؛ لن أتركك أبداً, لن أترككم جميعاً. ألا تعرف كم أحبك؟"

إبتعد الصغير قليلاً وأشار إلى الحقيبة على كتف عمه قائلاً ـ"لماذا هذه الحقيبة إذاً؟"

داعب (حازم) شعره قائلاً ـ"ألم أخبرك بأنني سأضطر إلى الغياب عن المنزل بضعة أيام، ولابد أن تكون معي ملابس إضافية."

انتبه (هاني) لدموع عمه حينها فعاد يسأله في دهشة ـ"هل تبكي يا بابا؟"

حاول(طارق) إخفاء دموعه وقال بابتسامة مرتبكة ـ"أنا أبكي لأنني سعيد بعودة أمي ولا أريد أن أفارقكم, لكنني أيضاً لا أستطيع ترك عملي ومع ذلك أعدك بالعودة فور انتهاء أعمالي تلك."

دفن(هاني) وجهه في صدر عمه هامساً ـ"أنهها في سرعة من أجلي, أريد أن أنام في أحضانك مثلما فعلنا أمس. ولا تنس اختباراتي الشهرية, إنها الأسبوع القادم ويجب أن تذاكر معي كما تفعل دوماً."

قَبّله عمه في جبهته ثم نهض يمسح دموعه قائلاً ـ"لن أنس يا حبيبي؛ سأحضر يوم الخميس القادم إن شاء الله لنحتفل بشفاء (هيثم) وعودة أمي بسلامة الله، ثم نستيقظ صباح الجمعة مبكراً لنراجع الدروس معاً بإذن الله".

ثم داعب شعر الصغير ثانية قائلاً ـ" قَبّل إخوتك من أجلي, واتصل بي دوماً. اتفقنا؟"

أومأ الصغير برأسه وهو يلوح لعمه مودعاً؛ وعندما اقتربت منه شقيقته(هند) بخطواتها الصغيرة أحاطها بذراعيه بحنان يفوق سنه وقَبّلها قائلاً ـ"هذه القبلة من بابا(طارق)؛ لقد وعدني بأن يعود من أجلنا وأنه لن يتركنا مثل بابا(حازم). وأنا أيضاً لن أتركك."

أما (طارق) فخرج من المنزل وهو يشعر بضيق بالغ وكأن حجراً ضخماً يجثم على أنفاسه
قاد سيارته على حين هدى وكأنه يقاتل في شوارع القاهرة المزدحمة وقت الذروة،
وربما كان شروده من حسن حظه حينها حتى لا ينفجر غضباً من شدة الزحام
فقد كانت سيارته وكأنها تمشي بقوة الدفع الذاتي بين موجات السيارات المختلفة
ولأنه لم يكن من السهل الهروب إلى مكانه المفضل على ضفاف النيل في هذا الوقت من اليوم،
فوجئ بنفسه أمام المبنى الذي يضم شقته الخاصة التي لم تطأها قدماه منذ جراحة (هيثم)

وبخطوات لا تقل شروداً عن ذهنه ارتقى درجات السلم المؤدية إلى شقته وفتح بابها ودلف إليها في صمت قاتل لم يقطعه سوى صوت (سمر) المندهش وهي تقول من خلفه ـ"(طارق)!! حمداً لله على سلامتك".

حينها فقط انتبه وخرج من شروده وهو يجيبها بهدوء دون أن يستدير لها ـ"سلمك الله".

اقتربت منه بحذر وهي تسأله ـ"خيراً!؟ ما الذي أتى بك فجأة؟"

التفت إليها ورفع كفه معتذراً وهو يجيبها بسخرية ـ"آسف. كان ينبغي أن استأذن قبل دخول منزلي".

احتقن وجهها بدماء الحرج من سخريته فقالت في سرعة ـ"العفو..كنت أريد الاطمئنان فحسب".

أدرك غلظة كلماته فقال موضحاً ـ" لقد عادت والدة (هالة) من رحلة الحج. وفضلت أن أتركهما وحدهما قليلاً".

غمغمت وهي تهز رأسها متفهمة ـ" أها..حمداً لله على سلامتها".

ثم أردفت تسأله ـ" كيف حال (هيثم)؟ هل أزال غرز الجراحة؟"

تنهد في إرهاق وهو يجلس على أريكة الأنتريه ويضع الحقيبة أرضاً قائلاً ـ"سأصحبه إلى المستشفى يوم الخميس لإزالتها بإذن الله".

هزت رأسها ثانية ثم سألته بتردد ـ"هل أضع لك الغذاء؟"

تمدد على الأريكة وهو يضع ذراعه على عينيه قائلاً باقتضاب ـ"لا شكراً..لا أريد".

شعرت بالضيق من تجاهله لها لكنها ضغطت على مشاعرها وهي تقول بهدوء ـ"سأكون في غرفتنا أجفف شعري، لذا ربما لا أسمعك بسبب مجفف الشعر".

لم يغير وضعه وهو يقول بلامبالاة ـ"لا تخافي..أعرف طريق الغرفة إذا احتجت إليك..وأعرف أيضاً كيف أخدم نفسي".

زاد احتقان وجهها وشعرت بأن ضغط دمها سيرتفع إن هي وقفت أكثر معه، 
لذا لم تعقب واتجهت في عصبية إلى غرفتهما.
لكنها سرعان ما عادت إلى الردهة ثانية وعقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بتحفز ـ"(طارق)..أريد أن نتحدث قليلاً حينما تستيقظ".

رفع ذراعه عن عينيه وأدار رأسه إليها مندهشاً من لهجتها الغريبة قبل أن يعود إلى وضعه القديم قائلاً بضيق ـ"(سمر)...أياً كان ما سنتحدث بشأنه فأنا لست في مزاج مناسب له. أرجوك امنحيني بعض الوقت حتى أحدد اتجاهاتي".

عقدت حاجبيها الجميلين للحظة وهي تشعر بأنه أساء فهمها، ثم تنحنحت قائلة ـ" الموضوع ليس كما تظن. وعلى أي حال يمكنني الانتظار".

قالتها وهي تهرع إلى الغرفة دون أن تأبه للمنشفة التي سقطت عن شعرها المبلل.

وكالمغيبة وقفت تتأمل نفسها في المرآة الأنيقة التي تعلو طاولة الزينة
تتأمل ملامحها البريئة ووجهها الخالي من أي مساحيق تجميل
وشعرها المبلل المحيط بوجهها بلا نظام
وتتأمل المنامة الرقيقة التي ترتديها، والتي كانت دائماً ما تثير (طارق)

كيف لم يشعر بها ولم يلحظها هكذا؟
ألهذه الدرجة أصبحت وكأنها لا وجود لها؟
ألهذه الدرجة خرجت من حياته؟
حتى وإن لم تكن زوجته وحبيبته السابقة فهي أنثى
أنثى وترتدي ملابس صيفية تكشف أكثر مما تخفي
وهو رجل
طبيعي أن تثيره أي امرأة في هذا الوضع...ناهيك عن زوجته
ورغم ذلك لم يعرها أي انتباه
ألهذه الدرجة أعمت (هالة) عينيه عن أي أنثى سواها؟

وبحركة ميكانيكية تناولت مجفف الشعر وبدأت تجفف شعرها دون أن تشعر بدموعها التي أغرقت وجهها.
رغم توقعها لتغير (طارق) تجاهها، لم تتوقع أن يكون بهذا البرود معها
نعم هي تسرعت بطلب الطلاق
بل وتعاملت مع الأمر بحماقة وتهور
وتدرك جيداً أنه ما من رجل يحترم رجولته يقبل بمثل هذه الإهانة
ورغم ذلك كانت تتوقع في كل يوم منذ طلاقهما أن يحاول التقرب منها ثانية.
كأنثى كانت تتمنى ذلك
لكن (طارق) لم يفعل
وكأنه أوصد قلبه خلفها بمجرد أن قال لها بألم ’أنت طالق‘
بل إنه غير مواعيد عمله كيلا يلتقي بها ولو قدراً في المستشفى
وحينما كلمها لأول مرة بعد الطلاق لم يخف عليها لهجته العدائية وهو يسألها عن صحة طلاقهما.
يومها، وحين قابلته للذهاب إلى دار الإفتاء، أيقنت أن عدوانيته لم تكن وهماً...بل حقيقة
فقد عاملها بجفاء وبرود غير مسبوقين طيلة الطريق من بيت والدتها إلى دار الإفتاء
كانت تشعر به وهو يتكلم مع المسؤول هناك وكأنه يتمنى أن يخبره بأن طلاقهما صحيح وأن عدتهما على وشك الانتهاء
ولم تخف عليها ملامح الصدمة وخيبة الأمل التي ارتسمت على وجهه وهو يستمع إلى الرأيين الفقهيين في حالتهما
فهناك رأي بوقوع الطلاق وإن كان مكروهاً
والآخر أن يراجعها وينتظر أن يطلقها حسب شروط الطلاق الصحيح
تعلقت عيناها بوجهه وهي تلمح التردد في عينيه
ثم ما لبث التردد أن تحول إلى ضيق وهو يقبل مراجعتها حتى حين
أي زوجة في موقفها ربما كانت ستسعد بعودتها إلى زوجها الأول الذي لم تر منه سوى كل حب وإعزاز وتقدير
لكن ملامحه المتغيرة أكدت لها أنه كان يتمنى الخيار الأول
أن يقع الطلاق
وتأكد حدسها حينما عادا إلى شقتهما ثانية

كان موقفهما هذه المرة مناقضاً تماماً لموقفهما في آخر مرة عادا فيها معاً إلى المنزل
يومها كانت منهارة بعد اكتشاف عقمها، لكنه صحبها إلى العشاء في الخارج
واستطاع بشخصيته المرحة وحنانه أن يخرجها قليلاً عما بها من كدر
وحينما عادا إلى المنزل كانا أشبه بعريسين في أول أيام زواجهما
ولولا عذرها الشرعي ذلك اليوم، لعاشت بالفعل معه ليلة من لياليهما الأولى

أما يوم عودتها إليه....
فقد كان شخصاً مختلفاً عن زوجها القديم
كان رجلاً يُساق إلى قبره
يتعامل معها بضيق وعصبية طوال الوقت
والأدهى أنه أمضى معها ثلاثة أيام لم يمسها فيهم
كان يتركها تنام في غرفتهما بينما ينام هو في غرفة الضيوف
لم يستجب لها ولم يحركه أي من ملابسها التي كانت تلمع لها عيناه من قبل
وقتها فسرت سلوكه بأنه لا يزال غاضباً منها ومن أسلوبها الغبي في طلب الطلاق

ولكن حينما رأت (هالة) في المستشفى ذلك اليوم، 
وحينما زل لسانه وهو يعترف بحمل زوجته
أدركت السبب الحقيقي لبروده معها
فقد كان يخشى أن يخون (هالة)
(هالة) التي كانت دائماً الزوجة المثالية حتى وهي مجرد زوجة على الورق
فكيف وهي زوجة حقيقية؟
زوجة منحته كل ما يحتاجه من حب واهتمام و.....أطفال

خرجت من شرودها على هواء المجفف الساخن الذي يلفح وجهها فأغلقته في ضجر وتركته على الطاولة
ثم جمعت شعرها إلى الخلف بشكل عشوائي ورفعته بمشبك أنيق قبل أن تتجه لتجلس وسط فراشها في ضيق وبين الحين والآخر تنظر ناحية باب الغرفة وكأنها تنظر إلى الراقد خلفه
وفي أعماقها اتخذت قراراً جديداً
لابد وأن تضع النقاط على الحروف...سريعاً.

تعليقات