رواية دمعات قلب الفصل الخامس بقلم رباب فؤاد
استجابت (هالة) لرنين الهاتف ورفعت سماعته ليبادرها صوت أنثوي تفتقده يهتف بمرح ـ"لقد عدنا".
لم تكد (هالة) تتعرف على صاحبة الصوت حتى هتفت كالغريق الذي ينتظر العون قائلة بلهفة ـ"(نهى)!! حمداً لله على سلامتكم..متى عدتم"؟
أجابتها (نهى) بنفس المرح ـ"عدنا فجر اليوم...افتقدتك يا (هالة) كثيراً، وأبنائي لم يتأقلموا بعد على سفر (هيثم) و(هاني)".
اختنق صوت (هالة) بالعبرات وهي تقول لصديقتها ـ"وأنا أيضاً افتقدتك...بل إنني أحتاجك اليوم أكثر من أي وقت مضى يا(نهى)".
تسلل القلق إلى صوت (نهى) وهي تسألها ـ"ماذا بك يا حبيبتي؟ لقد كنت بخير حتى آخر اتصال بيننا منذ شهر تقريباً".
سالت دمعة متهورة على وجه (هالة) التي لم تحاول منعها وهي تقول بألم ـ"بخير؟ لقد نسيت هذه الكلمة".
تصاعد القلق في صوت صديقتها الوحيدة وجارتها في الخليج طيلة عشر سنوات، فسألتها بلهفة ـ"أريحي قلبي أولاً...هل والدتك وأبنائك بخير"؟
مسحت (هالة) دمعة أخرى حاولت اللحاق بسابقتها وهي تهز رأسها قائلة ـ"لا تخافي...كلنا بخير جسدياً، لكني أنا المنهكة نفسياً".
لم ترتح (نهى) لنبرة (هالة) ولا لكلماتها المتألمة فهتفت بها ـ"لقد أثرت فضولي...سأطلب من (عمر) زوجي أن يقلني إليك فوراً، فهي المرة الأولى التي أزورك فيها في مصر. (هالة) إياك أن تؤذي نفسك".
ابتسمت (هالة) رغماً عنها وهي تطمئن صديقتها وتنهي المكالمة قائلةـ"لا تخافي...أنا يائسة ولكن ليس إلى هذا الحد. في انتظارك".
وبالفعل لم تكد تمر ساعة حتى كانت (نهى) تطرق باب صديقتها مرتدية عباءتها السوداء الفضفاضة التي اعتادت ارتدائها منذ سفرها إلى الخليج مع زوجها قبل اثنا عشر عاماً.
كانت (نهى) أكبر عمراً من (هالة) بنحو عامين، متوسطة القامة وملامحها الهادئة تشي بطيبة قلب وحنان لا حدود لهما، وإن كانت عيناها اللامعتان تنمان دوماً عن روح مرحة وخفة ظل تجعل من يعرفها لا ينساها بسهولة. زوجها (عمر) مهندس في نفس الشركة التي كان يعمل بها (حازم)، وكان يقطن في الشقة المواجهة للعريسين (حازم) و(هالة) التي كانت بحاجة إلى صديقة جديدة، وكانت (نهى) هي تلك الصديقة، ونعم الصديقة التي وقفت إلى جوارها منذ بداية زواجها وحتى نهايته بوفاة (حازم) المفاجئة. حتى بعد عودة (هالة) إلى مصر قبل ستة أشهر لم تنقطع الصلة بينهما، وظلتا على اتصال بين الحين والآخر، و...
قطع (هاني) سيل ذكرياتها وهو يفتح الباب ويصرخ في سعادة ـ"طنط (نهى)...أين (عبد الله) و(عبد الرحمن)"؟
انحنت (نهى) تحتضن الصغير بشوق، فقد كانت تفتقد شقاوته وخفة ظله، وقبلت رأسه قائلة ـ"لا يزالا نائمين...لقد أتيت اليوم وحدي ولكني سأحضر بهما في المرة القادمة إن شاء الله. أين أمك"؟
أتاها صوت (هالة) المنهك وهي تقول بابتسامة باهتة ـ"ها أنذا...حمداً لله على سلامتك يا (نهى)".
التفتت (نهى) إلى صديقتها وراعها الشحوب على وجهها الذي طالما عرفته نضراً، حتى ابتسامتها العذبة كانت شاحبة بشكل أثار قلقها وهي تحتضن صديقتها قائلة ـ"(هالة)؟ ماذا ألم بك؟ ماذا حدث"؟
احتضنتها (هالة) بكل ما تبقى لديها من قوة قبل أن تصحبها إلى الداخل قائلة ـ"سأخبرك بكل شيء...تفضلي إلى الداخل أولاً".
صحبتها في هدوء إلى غرفة الاستقبال الأنيقة، بينما هرع (هيثم) هو الآخر ليعانق والدة أصدقائه في شوق بعد غياب ستة أشهر، فقبلت رأسه قبل أن تداعب شعره الأسود الناعم قائلة في حنان ـ"ما شاء الله تبارك الله. لقد صرت رجلاً يا (هيثم)..حماك الله يا ولدي".
ثم تلفتت حولها متسائلة ـ"أين والدتك يا (هالة)؟ وأين (هند)؟ لقد أوحشتني تلك المزعجة".
تنهدت (هالة) وهي تشير لصديقتها بالجلوس قائلة ـ"أمي تزور خالي...إنه يمر بوعكة خفيفة. أما (هند) فنائمة كالعادة...متعبة هذه البنت، تنام ونحن يقظى وتستيقظ ونحن نستعد للنوم".
جلست (نهى) على الأريكة إلى جوار صديقتها وهي تضحك قائلة ـ"والله أنا راضية أن أظل طول الليل مستيقظة...المهم أنجب بنت...ربنا يهدي (عمر) ويوافق أن ننجب ثانية".
ضحكت (هالة) نفس الضحكة الباهتة ولم تعقب، بينما تابعت (نهى) قائلة ـ"بارك الله لك فيها وأشقائها، وألف سلامة لخالك".
ثم مالبثت الجدية أن غلفت صوتها وهي تسألها باهتمام ـ"والآن ما سر هذا الذبول؟ إنها المرة الأولى التي أراك فيها هكذا، حتى بعد وفاة(حازم) رحمه الله".
تنهدت (هالة) في ألم وأسبلت جفنيها قليلاً قبل أن تفتحهما وتشير إلى (هيثم) قائلة ـ"(هيثم) حبيبي، أحضر العصير من الثلاجة وخذ أخيك للداخل".
أطاعها ابنها البكر في هدوء بينما وقف المشاكس الصغير وعقد ذراعيه أمام صدره قائلاً ـ"أريد أن أظل مع طنط (نهى)".
رمقته أمه بنظرة صارمة لا تتناسب وضعفها الحالي وهي تقول بحزم ـ"اذهب إلى غرفتك وحينما ننهي حديثنا سأسمح لك بالجلوس معها..هيا".
أطاعها الصغير بتبرم وخرج من الغرفة في الوقت الذي دخل فيه (هيثم) حاملاً صينية أنيقة وعليها كوبين من العصير المثلج وضعها أمامها ثم خرج وأغلق الباب خلفه في هدوء ورصانة. حينها التفتت (نهى) إلى صديقتها قائلة ـ"ما شاء الله تبارك الله...لقد صار (هيثم) رجلاً بتصرفاته رغم ملامحه الطفولية...لقد نضجت قبل الأوان يا صغيري".
تنهدت (هالة) ثانية وهي تهز رأسها قائلة ـ"كلنا تغيرنا يا (نهى). أنا أيضاً لم أعد كما كنت. لقد تغيرت حينما تزوجت (حازم)، وتغيرت ثانية حينما توفى فجأة. وربما أتغير من جديد، والمشكلة أنني لم أستسغ هذه التغيرات بعد".
ربتت (نهى) على كفها لتشجعها على الحديث قائلة ـ"(هالة) كفى تلاعباً بأعصابي...أخبريني ماذا حدث".
خللت (هالة) شعرها الأسود بأصابعها للحظات قبل أن تعتدل وتقدم العصير إلى صديقتها قائلة بلهجة محايدة ـ"حماي العزيز حضرة العمدة".
عقدت (نهى) حاجبيها قائلة بفضول ـ"ماذا به؟ هل يضايقك"؟
هزت (هالة) كتفيها قائلة ـ"لا أدري بم أصف ما يحدث...حماي العزيز يريدني أن أتزوج".
توقفت (نهى) عن شرب العصير الذي شعرت به يخنقها فسعلت في قوة وهي تضع الكوب على الطاولة أمامها ثانية قائلة ـ"ماذا؟ تتزوجي"؟
هزت (هالة) رأسها في ألم قائلة ـ"نعم، المهم أنه يريد مني أن أتزوج (طارق) شقيق (حازم) رحمه الله".
سألتها في حيرة ـ"أليس متزوجاً"؟
هزت (هالة) رأسها نفياً فتابعت (نهى) ـ"وهل يشبه أخيه"؟
تنهدت (هالة) في عمق وهي تقول ـ"مختلف تماماً قلباً وقالباً. مختلف في الشكل والطباع وكل شيء. ولكن ليس هذا ما يضايقني".
عقدت (نهى) حاجبيها ثانية في انتظار (هالة) التي تابعت قائلة بإحباط ـ"هل أصبحت حكراً على أبناء حضرة العمدة؟ يتوفى الكبير فأتزوج الصغير"؟
سألتها رفيقتها في حيرة ـ"وما مبرر حميك لهذا الزواج؟ هل لا يزال يؤمن بالتقاليد الريفية القديمة"؟
هزت (هالة) رأسها في صمت، فتابعت (نهى) باهتمام ـ"وما هو موقف (طارق)"؟
مطت (هالة) شفتيها قائلة ـ"برود وصمت مطبق...إنه لم يتحدث معي في شيء، ولا أظنه يستطيع الوقوف في وجه والده".
عقدت (نهى) حاجبيها ثانية وهي تقول ـ"هل يعني هذا أنه مجبر على الزواج منك؟ ألا يزال هناك آباء بهذه القوة وأبناء بهذا الاحترام"؟
هتفت بها صديقتها في ضيق ـ"(نهى) لا أريد تحليلاً...أريد الخروج من هذا المأزق..أنا لا أريد الزواج من (طارق) أو غيره. لقد انتهت حياتي بوفاة (حازم) رحمه الله ونذرت حياتي لأبنائنا. كما أنني لا أريد أن أظلم (طارق) بزيجة كهذه..إنه طبيب شاب ووسيم ويستحق من هي أفضل مني، فلماذا أظلمه بزوجة مستهلكة وأم لثلاثة أطفال"؟
شعرت (نهى) بقبضة باردة تعتصر قلبها مع وصف صديقتها لنفسها بأنها "مستهلكة" فهتفت بها ـ"لا تقولي ذلك...أنت لا زلت صغيرة ولا زالت هناك فتيات في عمرك وأكبر منك لم يتزوجن بعد و...".
سالت دموع (هالة) وهي تقاطعها قائلة ـ"فلماذا لا يتزوج أي منهن إذا؟ لماذا يربط نفسه بي"؟
ربتت (نهى) على كف صديقتها قائلة بهدوء ـ"إما لأنه لا يحب في الوقت الحالي، أو لأنه لا يعترف بالحب، أو لأنه يشعر بالمسؤولية الملقاة على عاتقه بعد وفاة شقيقه".
وكأنها ضغطت زراً فجر ذكريات كامنة في عقل وقلب (هالة) التي انتفضت في غضب قائلة ـ"لا يعترف بالحب؟ هل انتهيت من (حازم) وجمود مشاعره لأقع في نسخة ثانية منه"؟
فوجئت (نهى) بارتجافة صديقتها فاحتضنتها في حنان لتمتص انفعالها قائلة ـ"(هالة)..ماذا بك؟ إنك تحيرينني...أترفضين الزواج أم ترفضين الشخص أم ترفضين المشاعر"؟
ازداد انهمار دموعها على كتف صديقتها وهي تجيب بصوت مختنق ـ"لم أعد أعلم ماذا أريد وما لا أريد...لقد فقدت تركيزي وفقدت القدرة على التمييز و...".
ربتت (نهى) على ظهرها لتحاول تخفيف توترها قائلة ـ"لا داعي لهذا كله...اهدئي قليلاً حتى نستطيع التفكير بشكل عقلاني".
قالتها وهي تبعد صديقتها عنها قليلاً وتلتقط كوب العصير الثاني وتعطيه لها قائلة ـ"اشربي العصير يا حبيبتي...سيهدئ أعصابك".
التقطت (هالة) الكوب بأصابع مرتجفة وارتشفت منه قليلاً قبل أن تعيده إلى الطاولة وتدفن وجهها بين كفيها الباردين من الانفعال. وحينها قطعت (نهى) حبل الصمت الذي امتد لدقيقة أو يزيد قائلة بلهجة من يفكر بصوت مرتفع ـ"حموك يريد أن يضمن وجود من يهتم بالأولاد ويعتني بهم دون أن يثير وجوده الأقاويل...فلماذا لا يتزوج من والدتك ويقيم معكم هنا أو تنتقلوا أنتم إلى حيث يقيم و..".
قاطعتها (هالة) حينما رفعت وجهها عن كفيها في حدة ورمقتها بنظرة مستنكرة قبل أن تنفجر في الضحك بشكل يتناقض ودموعها التي لا تزال تغرق وجهها، فعقدت (نهى) حاجبيها قائلة ـ"ما الذي يضحك في كلامي"؟
استمرت (هالة) في الضحك وهي تنظر إلى صديقتها وقالت من بين ضحكاتها ـ"أعانك الله يا (عمر)...لقد أذابت شمس الخليج مخ زوجتك".
لكزتها (نهى) في كتفها قائلة بحنق ـ"يا سخيفة...أهذا جزائي لأني أفكر معك"؟
مسحت (هالة) وجهها من أثر الدموع قائلة ـ"بل جزائك لأنك لا تفكرين بشكل منطقي...فالسبب الذي دفع حماي إلى اقتراحه هو أنه أُصيب بذبحة صدرية حينما علم بوفاة (حازم) رحمه الله، وبالتالي فصحته لم تعد كما كانت، وهو يريد بزواجي من (طارق) أن يضمن وجود من يهتم بنا حتى بعد وفاته. وتعلمين جيداً أن أمي رفضت الزواج بعد أبي رحمه الله واستطاعت تربيتي والتكفل بي وحدها حتى الآن و..".
قاطعتها (نهى) قائلة في حيرة ممزوجة بالسخريةـ"ما دمت تتمتعين بهذا العقل المتفتح وتدركين الهدف من الزيجة، فلماذا ترفضينها؟ هل تعتقدين يا سوبر وومان أنك قادرة على تكرار نموذج والدتك؟ هل تعتقدين أنك قادرة على تربية ثلاثة أطفال في عصرنا هذا وحدك"؟
همت (هالة) بالاعتراض حينما تابعت (نهى) قائلة بهدوءـ"لقد كانت والدتك مسئولة عن طفلة واحدة وكان إلى جوارها شقيقها، وربما شجعها ذلك على عدم الزواج ثانية...ولكن انظري إلى وضعك...أرملة وحيدة ومعها ثلاثة أطفال في زمن قلما يساعد فيه الشقيق شقيقه، فممن تنتظرين المساعدة؟ من خالك المريض؟ أم والدتك التي لم تنس معاناتها السابقة كأرملة، أم تتوقعين أن يترك أبناء خالك مصالحهم وزوجاتهم من أجلك؟ هل لك أن تجيبي"؟
اتسعت عينا (هالة) وهي تنظر إلى صديقتها التي صدمتها بالحقائق كلها كمدفع رشاش سريع الطلقات، فظلت تتأملها للحظات في صمت قبل أن تقول بتخاذل ـ"(نهى)..أنا..".
استحثتها (نهى) على الحديث قائلة ـ"أنت ماذا؟ أنت لا تزالين مضطربة المشاعر، وكما قلت بلسانك فاقدة للتركيز والتمييز...لكني أرى أن هذه الزيجة قد تكون التعويض الذي أرسله الله إليك بعد معاناتك مع (حازم)...معاناتك التي لم تخبري بها والدتك، والتي لولا صداقتنا وجيرتنا ما عرفت بها...استخيري يا (هالة) وحينها سيرتاح قلبك".
لمعت عينا (هالة) فجأة وكأنها تذكرت شيئاً، فعاد العناد إلى صوتها وهي تقول ـ"وماذا عن معاش (حازم) رحمه الله؟ إذا تزوجت فسيُلغى نصيبي من المعاش و...".
قاطعتها صديقتها في سخرية قائلة ـ"هل تريدين إقناعي بأن معاش التقاعد يكفيكم؟ حتى وإن تعدى الألف جنيه فلن يفيدك في شيء، ولن يكفي لفتح بيتك. إذاً فلن تتأثر حياتك بضياع بضعة جنيهات من المعاش يا (هالة)...العبي غيرها".
اعترضت بعناد جعلها تبدو أشبه بصغيرها (هاني) وهي تقول ـ"ولكني مصرة على أنني أستطيع العناية بأبنائي وحدي دون مساعدة خارجية".
أحاطت (نهى) رأسها بكفيها هاتفة ـ"يا ربي...لقد سببت لي صداعاً بعنادك يا (هالة)...اسمعي...ما رأيك أن تراهني نفسك"؟
بدا الحماس في عيني (هالة) وهي تنصت باهتمام إلى صديقتها التي قالت ـ"راهني نفسك قبل الذهاب إلى أي مصلحة حكومية لإنهاء أي شيء يتعلق بأبنائك والمجلس الحسبي، فإذا استطعت إنهاء ما تريدينه دون مساعدة حميك أو (طارق) ارفضي الزيجة...أما إذا فشلت فلا يوجد أمامك سوى القبول بالزواج".
اتسعت عينا (هالة) وهي تسأل صديقتها بذهول ـ"(نهى) ماذا تقولين"؟
نفضت (نهى) كفيها قائلة بحزم ـ"هذا هو الحل الوحيد...استخيري ثم راهني نفسك، ولن أفتح فمي أياً كان قرارك بعدها".
وكان إختباراً قاسياً.
